مع سورة النبأ
سميت هذه السورة في أكثر المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة «سورة النبأ» لوقوع كلمة «النبأ» في أولها.
{بسم الله الرحمن الرحيم}
سميت هذه السورة في أكثر المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة «سورة النبأ» لوقوع كلمة «النبأ» في أولها.
وسميت في بعض المصاحف وفي صحيح البخاري وفي تفسير ابن عطية والكشاف للزمخشري «سورة عم يتساءلون».
وفي تفسير القرطبي سماها «سورة عم»، أي بدون زيادة «يتساءلون» تسمية لها بأول جملة فيها.
وتسمى «سورة التساؤل» لوقوع «يتساءلون» في أولها.
وتسمى «سورة المعصرات» لقوله تعالى فيها: {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} [النبأ:14].
فهذه خمسة أسماء.. واقتصر «الإتقان» للسيوطي على أربعة أسماء: عم، والنبأ، والتساؤل، والمعصرات. وهي مكية بالاتفاق.
وعدت السورة الثمانين في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد، نزلت بعد سورة المعارج وقبل سورة النازعات.
وفيما روي عن ابن عباس والحسن ما يقتضي أن هذه السورة نزلت في أول البعث، روي عن ابن عباس: كانت قريش تجلس لما نزل القرآن فتتحدث فيما بينها فمنهم المصدق ومنهم المكذب به فنزلت {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ}.
وعن الحسن: لما بُعث النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جعلوا يتساءلون بينهم، فأنزل الله {{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ}} يعني الخبر العظيم.
{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)}
{{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ}} أصله عن – ما (الاستفهامية).. أدغمت النون في الميم ثم حذف ألف الميم لدخول حرف الجر عليه للفرق بين ما الاستفهامية وما الموصولة. مثل قوله تعالى: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات:43] {{فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}} [الحجر:54] {{لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}} [التوبة:43] {{مِمَّ خُلِقَ}} [الطارق:5]
والمعنى: عن أي شيء {يَتَسَاءَلُونَ}، وقد يفصل حرف الجر عن «ما» فلا يحذف الألف.
والاستفهام للتفخيم أو للتبكيت.. فافتتاح الكلام بالاستفهام عن تساؤل جماعة عن نبأ عظيم افتتاح تشويق ثم تهويل لما سيذكر بعده، فهو من الفواتح البديعة لما فيها من أسلوب عزيز غير مألوف ومن تشويق بطريقة الأجمال ثم تفصيل المحصلة لتمكن الخبر الآتي بعده في نفس السامع أكمل تمكن.
وإذا كان هذا الافتتاح مؤذنا بعظيم أمر كان مؤذنا بالتصدي لقول فصل فيه، ولما كان في ذلك إشعار بأهم ما فيه خوضهم يومئذ يجعل افتتاح الكلام به من براعة الاستهلال.
ولما كان الاستفهام مستعملا في غير طلب الفهم حسن تعقيبه بالجواب عنه بقوله {عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ} فجوابه مستعمل بيانا لما أريد بالاستفهام من الإجمال لقصد التفخيم فبين جانب التفخيم، ونظيره قوله تعالى: {{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}} [الشعراء:221-222]
وضمير {{يَتَسَاءَلُونَ}} ضمير جماعة الغائبين مرادا به «المشركون» ولم يسبق لهم ذكر في هذا الكلام، ولكن ذكرهم متكرر في القرآن فصاروا معروفين بالقصد من بعض ضمائره وإشاراته المبهمة، كالضمير في قوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص:32] "يعني الشمس" {{كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي}} [القيامة:26] "يعني الروح"،
{عَنِ النَّبَإِ} قال الراغب: "النبأ الخبر ذو الفائدة العظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن ولا يقال للخبر نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة ويكون صادقا" اهـ
فلا يقال للخبر عن الأمور المعتادة «نبأ»، وأبلغ الكلام لا يليق تخريجه إلا على أدق مواقع الاستعمال. كقوله تعالى: {{وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ}} [الأنعام:34] وقوله: {{قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ}} [ص:67-68].
{الْعَظِيمِ} الخبر الهائل المفظع الباهر.. بيان للمفخم شأنه، أو للمبكت من أجله.
وما تساءلوا عنه أبهم أولا ثم بين بعده بأنهم {{يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ}} ، ولكن بقي بيان هذا النبأ العظيم ما هو؟
فقيل: هو الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في بعثته لهم، وما جاء به من البينات والهدى، ولاسيما ما جاء به من الأخبار عن اليوم الآخر والبعث والجزاء.
وقيل: هو القرآن الذي أنزل عليه يدعوهم به.
وقيل: هو البعث بعد الموت.
وقد رجح ابن جرير احتمال الجميع وألا تعارض بينها.
والواقع أنها كلها متلازمة لأن من كذب بواحد منها كذب بها كلها، ومن صدق بواحد منها صدق بها كلها، ومن اختلف في واحد منها لا شك أنه يختلف فيها كلها.
والتعريف في {النَّبَأِ} تعريف الجنس فيشمل كل نبأ عظيم أنبأهم الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- به، وأول ذلك إنباؤه بأن القرآن كلام الله، وما تضمنه القرآن من إبطال الشرك، ومن إثبات بعث الناس يوم القيامة. فعن ابن عباس: هو القرآن، وعن مجاهد وقتادة: هو البعث يوم القيامة.
ولكن السياق في النبأ وهو مفرد فما المراد به هنا بالذات؟
قال ابن كثير والقرطبي: من قال إنه القرآن قال بدليل قوله {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص:67-68].
ومن قال: إنه البعث قال بدليل الآتي بعدها {{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}} [النبأ:17].
والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن أظهرها دليلا هو يوم القيامة والبعث لأنه جاء بعده بدلائل وبراهين البعث كلها، وعقبها بالنص على يوم الفصل صراحة، أما براهين البعث فهي معلومة أربعة:
1/ خلق الأرض والسماوات، {{أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً} }، وقوله: {{وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً}}
2/ إحياء الأرض بالنبات، {{وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً}}
3/ نشأة الإنسان من العدم، {{وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً}}
وإحياء الموتى بالفعل في الدنيا لمعاينتها، {{وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً}} والسبات: الانقطاع عن الحركة، وقيل هو الموت فهو ميتة صغرى، وقد سماه الله وفاة في قوله تعالى: {{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا}} [الزمر:42]، وقوله تعالى: {{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ}} [الأنعام:60]، وهذا كقتيل بني إسرائيل وطيور إبراهيم فهذه آيات البعث ذكرت كلها مجملة.
ولذا عقبها تعالى بقوله: {{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}} أي للبعث الذي هم فيه مختلفون يكون السياق مرجحا للمراد بالنبأ هنا.
ويؤكد ذلك أيضا كثرة إنكارهم وشدة اختلافهم في البعث أكثر منهم في البعثة وفي القرآن، فقد أقر أكثرهم ببلاغة القرآن وأنه ليس سحرا ولا شعرا، كما أقروا جميعا بصدقه عليه السلام وأمانته، ولكن شدة اختلافهم في البعث كما في أول سورة «ص» و «ق» فقال تعالى: {{وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}} [ص:4-5].
وقال تعالى: {{بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}} [ق:2-3]، فهم أشد استبعادا للبعث مما قبله والله تعالى أعلم.
{الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} منقسمون، بعضهم يجحدهُ وآخر يرتاب فيه.
فهم مختلفون في مراتب إنكاره. فمنهم من يقطع بإنكار البعث كما حكى الله عنهم بقوله: {{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} } [سبأ:7-8]، ومنهم من يشكون فيه كالذين حكى الله عنهم بقوله: {{وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}} [الجاثية:32]
وجيء بالجملة الاسمية في صلة الموصول دون أن يقول: "الذي يختلفون فيه" أو نحو ذلك، لتفيد الجملة الاسمية أن الاختلاف في أمر هذا النبأ متمكن منهم ودائم فيهم لدلالة الجملة الاسمية على الدوام والثبات.
{{كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}} «كلا» حرف ردع وإبطال لشيء يسبقه غالبا في الكلام يقتضي ردع المنسوب إليه وإبطال ما نسب إليه، وهو هنا ردع للذين يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون على ما يحتمله التساؤل من المعاني المتقدمة، وإبطال لما تضمنته جملة {يَتَسَاءَلُونَ} من تساؤل معلوم للسامعين.
والمعنى: إبطال الاختلاف في ذلك النبأ، وإنكار التساؤل عنه ذلك التساؤل الذي أرادوا به الاستهزاء وإنكار الوقوع، وذلك يثبت وقوع ما جاء به النبأ وأنه حق لأن إبطال إنكار وقوعه يفضي إلى إثبات وقوعه.
فتضمن هذا الإبطال وما بعده إعلاما بأن يوم البعث واقع، وتضمن وعيدا وقد وقع تأكيده بحرف الاستقبال الذي شأنه إفادة تقريب المستقبل.
ومن محاسن هذا الأسلوب في الوعيد أن فيه إيهاما بأنهم سيعلمون جواب سؤالهم الذي أرادوا به الإحالة والتهكم، وصوروه في صورة طلب الجواب فهذا الجواب من باب قول الناس: "الجواب ما ترى لا ما تسمع".
{{ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}} ردع للمتسائلين ووعيد لهم؛ والتكرير للمبالغة لحذف مفعول العلم، فإما أن يقدر سيعلمون حقيقة الحال وما عنه السؤال، أو سيعلمون ما يحلُّ بهم من العقوبات والنكال؛ فتكريره مع الإبهام، يفيد مبالغة.
** وفي {ثُمَّ} إشعار بأن الوعيد الثاني أشد؛ لأنها هنا للبعد والتفاوت الرتبيّ، فكأنه قيل: ردع وزجر لكم شديد، بل أشد وأشد. وبهذا الاعتبار صار كأنه مغاير لما قبله.
قال في التحرير والتنوير: ارتقاء في الوعيد والتهديد فإن {ثم} لما عطفت الجملة فهي للترتيب الرتبي، وهو أن مدلول الجملة التي بعدها أرقى رتبة في الغرض من مضمون الجملة التي قبلها، ولما كانت الجملة التي بعد {ثم} مثل الجملة التي قبل {ثم} تعين أن يكون مضمون الجملة التي بعد {ثم} أرقى درجة من مضمون نظيرها.
ومعنى ارتقاء الرتبة أن مضمون ما بعد {ثم} أقوى من مضمون الجملة التي قبل {ثم}، وهذا المضمون هو الوعيد، فلما أستفيد تحقيق وقوع المتوعد به بما أفاده التوكيد اللفظي إذ الجملة التي بعد {ثم} أكدت الجملة التي قبلها تعين انصراف معنى ارتقاء رتبة معنى الجملة الثانية هو أن المتوعد به الثاني أعظم مما يحسبون.
** قال في أضواء البيان: لم يبين هنا هل علموا أم لا، ولكن ذكر آيات القدرة الباهرة على إحيائهم بعد الموت بمثابة إعلامهم بما اختلفوا فيه لأنه بمنزلة من يقول لهم إن كنتم مختلفين في إثبات البعث ونفيه فهذه هي آياته ودلائله فاعتبروا بها وقايسوه عليها، والقادر على إيجاد تلك قادر على إيجاد نظيرها.
ولكن العلم الحقيقي بالمعاينة لم يأت بعد لوجود السين وهي للمستقبل وقد جاء في سورة التكاثر في قوله {{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}} [التكاثر:1-7]، وهذا الذي سيعلمونه يوم الفصل المنصوص عليه في السياق {{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}} .
جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار
- التصنيف: