من غلا في الصّديق وفرّط في الأخ فهو مغبون

منذ 23 ساعة

لقد جعل الله في نفوس الإخوة في النّسب من أهل الإسلام رابطةً لا تنقطع مهما كانت الظروف والأحوال، ومهما ساءت العلاقة، وهذه الرابطة وإن غابت عن قلوب بعض الإخوة فسرعان ما تنبعث وترجع عند أيّ ظرف

لقد جعل الله في نفوس الإخوة في النّسب من أهل الإسلام رابطةً لا تنقطع مهما كانت الظروف والأحوال، ومهما ساءت العلاقة، وهذه الرابطة وإن غابت عن قلوب بعض الإخوة فسرعان ما تنبعث وترجع عند أيّ ظرف، كالمرض والموت.
فكم من أخ قاطَع أخاه وأبغضه، فلما مات تحسّر على فراقه، وندم على قطيعته، وبكى شوقًا للقائه.
وأما الصداقة فهي مجرد علاقة طارئة، تقوى مع استقامة الحال، وسلامة الخاطر، ودوام المصلحة، وتضعف أو تنقطع مع أدنى مكدّر، وتغيّر الخاطر، وانتهاء المصلحة.

ولقد كنتُ في السابق مثل غيري تربطني صداقةٌ حميمة مع أصدقاء، ودامت صداقتنا لأعوام، وبعضها لعقود، حتى خيّل إليّ أنّها لا تنقطع ولا تضعف.. وأن علاقتي معهم أعظم من علاقتي مع إخوتي.. لكنّها ضعفت مع أصدقاء، وانقطعت مع آخرين، ودوام الحال من المحال.

والعجيب أنّ هذا الضعف أو الانقطاع منهم قد لا تعلمُ سببَه، وإذا طلبتَ من أحدِهم كشف السبب لم يجْرُؤ على البوح به؛ لأنه غالبًا ما يكون تافهًا، وقد لا يكون هناك سبب حسيّ واضح، وإنما هو سببٌ نفسيّ فاضح!
لقد أمضيت خلال ثلاثة عقود أبحث عن الصديق الذي أقول عنه: صديق وفيّ آمن جانبه، وتدوم مودّته"، فكدت أعجز..
وكلما ارتبْطت بصديق ونمّيتُ العلاقة قلت في نفسي: هذا هو.. ولكن بعد طول الصحبةِ، وكثرةِ الخلطة، يبدأ الصديق بالفتور، وتصدر منه علامات الملل والرغبة في تقليص روابط الصداقة..
حتى أيقنتُ يقينًا لا يقبل الشك والمراء أنه لا صداقةَ مثل صداقة الأخ، ولا أمان إلا مع الأخ، ولا دوام لمحبةٍ وألفةٍ ورابطةٍ إلا مع الأخ.
وعلاقةُ الإخْوة لا تضعف مع كثرة المجالسة، بخلاف الصديق، فالغالبُ أنّ كثرة المجالسة والخلطة تُضعف الرابطة، ولو بعد حين..

ورجوع رابطة الأخوّة سهل وسريع، مهما بدا أنه صعب، بخلاف الصديق، فرجوعها بعد انقطاعها صعب وبطيء..
فكم فرّط إنسان في هذه الرابطة العظيمة المتينة، لأجل مجالسة الأصدقاء، الذين لن تدوم صداقتهم، ولا يُؤمن جانبهم..

فإياك أنْ تضيّع وتفرّط في رابطةِ الأخوة لأجل الصديق، فوالله إنك ستندم وتخسر عاجلاً أم آجلا.
إنّ أخاك مهما قطعتَه وأسأت إليه ففي قلبه حنان وعطف عليك، ولو رجعتَ واعتذرتَ لرجَعَت مكانتك ومنزلتك في قلبه..

بخلاف الصديق، فلو قطعتَه وأسأت إليه فلن تجد في قلبه إلا الحقد أو الغضب والحنق، ولو رجعتَ واعتذرت لَمَا رجعت مكانتك ومنزلتك في قلبه.. وهذا في الأغلب الأعمّ..
وإني وقفت كثيرًا على علاقاتٍ ساءت بين الإخوة، وبعضها وصلت إلى السّب أو القطيعة لسنوات، ثم رجعت أحسن ما يكون، ولا أعرف علاقاتٍ ساءت بين الأصدقاء - حتى وصلت إلى السّب أو القطيعة - رجعَت وعادَت.. بل رجوعُ هذه العلاقة كرجوع المطلّقة ثلاثًا لزوجها..

  • 2
  • 2
  • 68

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً