رواء المدينة المنورة...(الحلقة التاسعة)
رواء المدينة المنورة...(في حلقات) من ثوب العادة إلى دثار العبادة... (الحلقة التاسعة)
رواء المدينة المنورة...(في حلقات)
من ثوب العادة إلى دثار العبادة... (الحلقة التاسعة)
ترجلنا من الحافلة، فاتجهنا لنتجرد من لباسنا المعهود، في إشارة ضوئية فاقعة الاخضرار، تؤذن بالانتقال من حال إلى حال، ومن وضع إلى آخر، ومن إحساس إلى غيره، ومن شعور إلى نقيضه.
نعم، أخيرا سأدخل تجربة تعبدية لم يسبق لي أن لامست منزلتها، ولا أن خضت غمارها.
فلطالما استشكلت إمكانية التدثر بإحرام عمدته إزار أبيض قطني مشطور إلى نصفين، لا أدري أي منهما الأكبر حجما، دون أن أتلبس حد الخوف بهاجس احتمال سقوط الجزء السفلي، فتبدو السوأة ويتكشف من المحرم ما وجب ستره طبعا وعرفا وشرعا. ثم تبين لي سريعا أن ذلك لم يكن إلا وهما، مرجوح الوقوع.
لا أزال أستحضر ذلك الإحساس، وتلك النشوة الخشوعية التي أخذتني هذه الطلعة الجديدة بعزتها محلقة بهامتي إلى حيث بيت الله العتيق، حتى تمنيت لو أن ثمّة مرآة موجودة في المحيط، فأهرول إليها مسرعا، أقف أمامها وأُرسل بصري في هيأتي القشيبة وطلعتي الجديدة، مستلذا غرابتها ومهابتها.
لم يطل المقام على هذه الحال، إذ توجهنا لنصلي ركعتي سنة الوضوء، إذ لا صلاة خاصة للإحرام بذاتها، ثم صلينا العصر عقب رفع الأذان مباشرة، بعد ذلك عقدنا نية العمرة، وتلفظنا بها بيانا للنسك: "لبيك اللهم عمرة"، وعطفنا – خشية طروء مانع – قولنا: "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني".
ثم شرعنا من فورنا في الصدع بالتلبية: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، وهي العبارة التي لازمتنا تردادا وتجديدا طيلة مسافة السفر الموجب للقصر والجمع، باستئناف محمود وأنفاس طيبة مباركة متصلة اللهج.
صعدنا الحافلة، فتحركت عجلاتها تحت وقع ذلك الصوت الجماعي الذكوري الجهوري، الملحون الكلمات، الشجي النبرة، متوجهين إلى مكة المكرمة… فبسم الله مجراها ومرساها.
محمد بوقنطار
محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.
- التصنيف: