رواء المدينة المنورة...(الحلقة العاشرة)

منذ ساعتين

رواء المدينة المنورة...(في حلقات) الهجرة بعين الذوق لا بقلم السرد (الحلقة العاشرة)

رواء المدينة المنورة...(في حلقات)

الهجرة بعين الذوق لا بقلم السرد (الحلقة العاشرة)

في كتب السيرة، وفي مصنفات فقه السيرة على وجه الخصوص، قد يمر القارئ على سرد أحداث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة مرور الكرام، وكأن الأمر لم يكن ولا يعدو أن كان سحابة صيف عابرة، ما لبثت أن حلت في الأصيل حتى استأذنت بعد ردهة خاطفة  بالرحيل، وكأن الطريق بين مكة والمدينة لم يكن أكثر من خط مرسوم على الورق، لا وعثاء فيه ولا وحشة، ولا تعب يثقل القلب قبل القدم.
وهذا الانطباع –على عفويته– يكاد يطرد ملمحه في ذهن القارئ وجوفه مهما بلغ الذين كتبوا ودونوا وصنفوا في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم من تصوير بديع وحبك ضليع.
غير أن هذه النظرة الساذجة لا تصمد طويلا أمام معايشة الذوق، إذ سرعان ما تتلاشى صورتها تدريجيا، لتتحول الرؤية على طاولة التأمل إلى مزيج مدهش من الاستغراب، والإعجاب، والإكبار، والافتخار، والحبور، والاستبشار.
وهنا تبدأ الأسئلة في الهجوم، هجوم مسترسل، دفاق، لا تنقطع مادة سيله العرم.
أمعقول أن يتحمل بشر قطع هذه المسافة الضاربة في الطول، الموغلة في الوحشة، القاسية في تضاريسها؟
تلال وسلاسل جبال فاقعة السواد، سبخة جرداء، لا كلأ فيها ولا عشب ولا نبات.
كيف لثاني اثنين أن يبذلا كل هذا الجهد المضني، ونحن – على تطور وسائل رحلاتنا – لا نقوى على قطع مسافته اليوم، وقد تسنى لنا ركوب حافلة اجتمعت فيها جل قرائن الراحة: من مكيف، وكراس وثيره، ومحرك قوي يصب دورانه في منسوب السرعة
والعجلة؟
لقد لازمني هذا السؤال، ورافقني هذا الشعور، وأنا أترصد الطريق الوعر طيلة رحلتي من المدينة النبوية إلى مكة البك  المكرمة في اتجاه معكوس لمسار الهجرة النبوية العطرة، أتنقل بإحساسي وشعوري المنبهر من بقايا ضوء النهار، إلى عتمة الليل وغاسقها الواقب، متصورا سير الحبيب وصاحبه الصديق في حضن تلك الرواسي الشاهقات، والأوتاد الباسقات.
وهنا فقط، أدركت أن الوصف – مهما طال ومهما برع استهلاله– فسيبقى عاجزا عن حمل ثقل التجربة.
يا سبحان الله…
لقد كان في القدرة الإلهية أن يُهيأ المرسل لرسوله صلى الله عليه وسلم دابة براق آخر، كما كان الشأن في رحلتي الإسراء والمعراج،
ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون السير إلى بؤرة العقد التأسيسي لدولة المدينة، وبداية نسج عروة التمكين،
سيرا على كلفة، ومشقة، ومضض.
لأن النعيم…
لا ينال بالنعيم.
ولا تمكين إلا ببلاء كما قال الإمام الشافعي، وقبله وبعده قال ربنا جل جلاله ومن أصدق من الله قيلا: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" 
لقد تعلمت وفهمت من سفري ذلك أن الهجرة لم تكن انتقالا في الجغرافيا على الحصر،
بل كانت امتحانا للصدق واختبارا حقيقيا للقصد قبل أن تكون وعدا بالتمكين.
آه ثم آه إن طريق الهجرة لم يكن سبيلا سهلا هين المناكب، وإنما كان الأمر كذلك 
لأن الرسالة المحمدية لم تكن في حاجة إلى أتباع مدللين،
بل كانت تبغي رجالا وأعلاما يعرفون أن الأقدام التي تتقرح في سيرها وانتقالها المضني 
هي ذاتها التي سوف تقيم دولة على العدل، وهي التي ستبني أصول الأمة على اليقين، تلك الأمة الموصولة بالله المحفوظة بحفظ كتابها ودوام دستورها واستمرار منهجها قائما إلى آخر نفس منفوسة في هذه الحياة الدنيا.
فجزى الله رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم على ما قدم من تضحيات جسام، وجهود عظام،
وجعلنا والمسلمين كافة من الواعين بسرّ الطريق، قبل بهجة الوصول.
آمين يا رب العالمين
يتبع…

محمد بوقنطار

محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.

  • 0
  • 0
  • 23

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً