المتعيّش بدينه
ليس هناك شيء أشدّ عليّ ممن يأكل بدينه؛ لأن هذا الصنف يرتكب جريمةً دينية وأخلاقية
ليس هناك شيء أشدّ عليّ ممن يأكل بدينه؛ لأن هذا الصنف يرتكب جريمةً دينية وأخلاقية: في التحليل النفسي لنفسية المنافق يظهر ككائنٌ مهووس بالصورة، محكوم بإدمان الاعتراف، يعيش على وقود الإعجاب، ويستمدّ شعوره بالقيمة من عدد الشهود لا من وزن الصدق.
الدين عنده ديكور سلطة، والعبادة بروتوكول نفوذ، والفتوى خطاب علاقات عامة، تُصاغ بميزان المصلحة لا بميزان الحق. هذا النموذج عابر للأديان؛ يتكرر عند المسلمين واليهود والنصارى حين يتحول التدين إلى برستيج اجتماعي يمنح حصانة أخلاقية، ويفتح ممرات النفوذ، ويُسكِت الأسئلة باسم الغيرة على المقدس.
هذا النمط من التدين لا يبحث عن الله، بل عن الامتيازات التي تُمنح باسمه؛ وجاهةٌ معنوية، حصانةٌ من النقد، سلطةٌ رمزية، ورصيدٌ اجتماعي يُستثمر عند الحاجة. لذلك تتضخّم عنده عناية “البرستيج الديني”، فيحرص على هندسة صورته بعناية، ويجعل من الطقوس لافتة، ومن الخطاب واجهة، ومن الانتماء الديني بطاقة عبور.
في العمق النفسي، يعيش هذا الإنسان قلقًا دائمًا؛ لأنه يقف على أرضٍ رخوة، يخشى انكشاف الفجوة بين ما يُظهره وما يحمله، فيضاعف الزينة، ويكثر من الإشارات الدينية، ويستثمر اللغة الإيمانية لتثبيت موقعه.
أما المتديّن لله، فيسلك طريقًا مغايرًا؛ يضع بينه وبين هذه الامتيازات مفاوز شاسعة، لا يقترب من مواطن الشبهة، ولا يسمح للعبادة أن تتحوّل إلى وسيلة مكسب، ولا يقايض صدقه بشيء من دنيا الناس، لأن قلبه أدرك أن الدين رسالة حمل، لا مائدة أكل، وأن أعظم الخسارة أن يربح المرء موقعًا اجتماعيًا ويخسر وزنه عند الله.
وتأمل هذه الآية المركزية: {مَن كانَ يُريدُ الحَياةَ الدُّنيا وَزينَتَها نُوَفِّ إِلَيهِم أَعمالَهُم فيها وَهُم فيها لا يُبخَسونَ أُولئِكَ الَّذينَ لَيسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إِلَّا النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعوا فيها وَباطِلٌ ما كانوا يَعمَلونَ} [هود: ١٥–١٦]
قال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: إن أهل الرياء يُعطَون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يُظلَمون نقيرًا، يقول: من عمل صالحًا التمس الدنيا صومًا أو صلاةً أو تهجّدًا بالليل، لا يعمله إلا التماس الدنيا، يقول الله تعالى: أُوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، ويحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين. [١]
____
[١] أخرجه ابن جرير (١٢/ ١١)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٧٣٩). تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ ٧/٤٢٢ — ابن كثير (ت ٧٧٤).
__________________________
الكاتب: علي آل حوّاء
- التصنيف: