وهم الألفة وعبء الظهور!

منذ ساعتين

نحن -جميعنا- مجبرون على الظهور، لا بالمعنى الاستعراضي، بل بالمعنى الوجودي؛ فالكلمة المنطوقة أو المكتوبة صارت من لوازم الحياة، إذ لا ينفك إنسان -البتة- عن حاجة تستلزم الحديث، أو الحوار، أو النقاش، أو الطلب، أو الاعتراض. كل ذلك لا يكون إلا بلسان، أو قلم، أو بما يخدمهما في هذا العصر من شاشة ومنصة ومنبر ووسائل تتوالد.

هل توافقني على ذلك؟ نحن -جميعنا- مجبرون على الظهور، لا بالمعنى الاستعراضي، بل بالمعنى الوجودي؛ فالكلمة المنطوقة أو المكتوبة صارت من لوازم الحياة، إذ لا ينفك إنسان -البتة- عن حاجة تستلزم الحديث، أو الحوار، أو النقاش، أو الطلب، أو الاعتراض. كل ذلك لا يكون إلا بلسان، أو قلم، أو بما يخدمهما في هذا العصر من شاشة ومنصة ومنبر ووسائل تتوالد.

 

فحتى من يظن نفسه بعيدًا عن الظهور، يجد اسمه حاضرًا في رسالة، أو ضمن رأي منسوب إليه، أو في صورة التقطت له دون قصد أو انتباه. صار الامتناع التام عن الظهور نوعًا من الظهور المضاد، يُفسَّر ويُؤوَّل، وربما أُلصقت به معانٍ لم يقصدها صاحبها، وربما آل الصدود إلى ظهور على هيئة تساؤل أو استقصاء. لم يعد الصمت في هذا العصر غيابًا، وإنما أصبح موقفًا له بواعثه على الأغلب. إن من يقرر الاختفاء التام يثير من الفضول والتأويل أكثر مما يثيره الظهور.

إذا كان هذا شأن عامة الناس مع الظهور، فهو في حق أصحاب الأعمال المجتمعية العامة كالخطباء، والمعلمين، والإعلاميين، والمشاهير، والمسؤولين، بلاءٌ مضاعف، واختبار دائم؛ لأن ظهورهم ليس طارئًا، بل مهنيٌّ مقصود، أو لامناص منه لأداء العمل. هو كذلك ملتصق بأعمال إدارية وتسويقية وقيادية في حياة المديرين -وليس المدراء جمع مادر وهو الذي يعمل بالطين-، والرؤساء، وعامة الزعماء؛ إذ لا قيادة بلا خطابة، ولا إدارة بلا رسالة، ولا نفوذ بلا صورة ذهنية جاءت من كتاب أو خطاب.

 

مكمن الخطر هنا هو أن كثافة الظهور تُحدث لدى صاحبها وهم الألفة مع الجمهور، فيظن أن المساحة المتاحة له مجلس خاص محفوف، وأن المتلقين أصدقاء يتغاضون، وليسوا نقادًا متربصين؛ فينخفض عنده منسوب التحفظ، حتى يقع في زلات لا تكون منه في المجالس المنضبطة. وربما برز بعض أهل “الظهور” دون إعداد مسبق، وبلا توقع لما سيكون من مجريات، فوقع في حيص بيص من أثر مفاجأة لم تخطر له على بال، خاصة إذا واجه سائلًا أو محاورًا ماكرًا صاحب غاية أو ثأر أو دهاء مخيف.

وإذا كان المرء يُستقبل بناءً على منظره وهندامه أول الأمر، فإنه يُودَّع -كما قال حكماء عرب وأجانب-بحسب عقله ولسانه. هذه القاعدة، وإن بدت يسيرة، إلّا أنها من أصدق قوانين التأثير الاجتماعي؛ لأن الانطباع الأول سببه الفضول والمنظر، ومصدره خارجي غير ملتصق بشخصية المرء الحقيقية غالبًا، لكن الانطباع الأخير هو الذي يرسخ الحكم، ومصدره ما فاه به اللسان، فاللسان مغراف القلب والعقل، وخير من يصور مكنونهما.

كم من شخصية صنعت لها المنصات حضورًا لافتًا، ثم هدمته كلمة مرتجلة، أو تعليق انفعالي، أو موقف غير محسوب، أو حركة مستهجنة وزي مستغرب، فقوض ما بُني في سنوات خلال دقائق كالتي نقضت غزلها أنكاثًا. روي عن عبدالملك بن مروان جواب معبر حينما سأله سائل مقرب منه عن سبب تبكير ظهور الشيب في شعره، فقال: شيبتني المنابر! إن ارتقاء المنصات، والبروز للناس، ليس بالأمر الهين، ولأجل ذلك روي عن عدد من رجال الدولة تحفظهم واحتجابهم عن الإعلام ووسائله بتحرز أشد من احتجاب فتاة شموس حصان رزان عن مجتمع رجال لايرقبون فيها إلّا ولا ذمة!

بناء على ما مضى؛ فهذه إشارات عملية، فيها تذكير لمن يكتب ويقرأ، ولذوي المكانة والمكان المستوجب للظهور المتكرر، ذلك أن طريق الظهور طويل، محاط بمخاطر تقطع اللسان، وتخلع الجَنان، وقد تنهي حرية الإنسان أو عمله أو حياته المعنوية -وربما الحسية- في بعض السياقات. هي مسألة لا يتوقف التعلم فيها حتى يُوارى الحي في رمسه، ولذلك فالتواصي من أجل الحذر والتصحيح محمدة لمن بدأ، ولمن أضاف، ولمن قبل الفكرة.

 

فمن القواعد التي يحسن بالمتحدث والكاتب أن يجعلها نصب عينيه:

لا تجعل المتلقي يقول: “ليته سكت”!

لا يصل المتلقي إلى هذه المرحلة القاسية المنهكة للذهن إلا إذا أطال المرسل بلا مقتضى، أو كرر بلا حاجة، أو تكشّف للمستقبل خواء الرسالة، أو خداعها، فالإطالة في غير موضعها ليست إثراء، وهي خلاف البلاغة كما قال أعرابي لخطيب في سوق عكاظ.

احذر أن يقال عنك: “ربَّ كلمة قالت لصاحبها: دعني”!

من أجلى المواضع التي تقال فيها هذه الجملة عندما يستخدم الإنسان كلمة يستعرض فيها علمه وفصاحته، أو يوردها بابتذال في سياقها، أو ثقل في طريقة نطقها. إن الاقتصاد في القول، والاقتصار على المفيد، يقي من هذه الورطة المتكلفة بغثاثة أحيانًا.

إياك أن تكون مثل من يطب زُكامًا فيُحدِث جُذامًا!

أي لا تمنع مفسدة صغيرة بمفسدة أعظم، ولا تعالج أخطاء جزئية بطوام من الكلم أو التصريحات التي تفجر أزمات وتحدث إشكالات. هذه القاعدة من فقه الموازنات الذي قرره الفقه الإسلامي وعلم المقاصد، وسبقا به علوم الإدارة الحديثة. إن بعض أنواع التعليل والتفسير والتسويغ قد تفتح بابًا من السوء والتشكيك على مصراعيه، وكان من قبل مغلقًا. روي عن مرشح قديم للرئاسة الأمريكية قولًا أراد به تنبيه الجمهور إلى عناية سياسات حزبه بالاقتصاد والتخفيف عن كاهل الحكومة؛ لكنه كان من أسباب حرمان الحزب من الوصول إلى البيت الأبيض عدة مرات متتالية!

اجتناب مشابهة براقش التي جنت على أهلها!

ظاهرة “التبرقش” حديثة قديمة، يظن صاحبها أنه يدافع عمن يحب، بيد أن دفاعه ينقلب عليه، ويرتد بالشين على من رام لهم المنفعة والزين. ربما يكون الدافع النفسي الحقيقي خلف “المتبرقشين” هو الغلو في حب الظهور، والتعليق على كل شيء، والدخول في أي معركة رأي، وإثبات الموقف الذي لا يحتاج لبرهان أصلًا. الحافز هنا -أحيانًا- هو الخوف من دائرة النسيان، لا حب التأثير، حتى يصبح “البراقشي” مصدر خطر على نفسه وعلى محيطه.

مخالفة جهيزة التي قطعت بحمقها قول كل خطيب!

فبعض التدخلات -وإن كانت صحيحة بذاتها- تأتي في توقيت خاطئ، أو بسياق غير مناسب، فتفسد النقاش بدل أن تحسمه. ربما يأتي تصريح كاشف في لحظة تفاوض حساسة، فيهدم ما بُني في الكواليس، مثل ذلكم الأخرق الذي أخبر قومًا يتصالحون عن واقعة جعلتهم يشهرون سيوفهم ويتقاتلون!

ألأ يعلن ما ليس من صلاحياته!

هذه شهوة خفية دافعها الولع بالسبق، ودعوى الاطلاع على كل شيء، وليست الطريق هنالك خاصة في زمن الهياكل والتخصصات ومناطق النفوذ. إن الخبط في كل ناحية من طبيعة البهائم في المرعى وليس من حكمة الإنسان العاقل.

ألّا يكون الظهور لأجل الظهور فقط!

أبرز مثال على هذا؛ ذلكم المأفون الذي “تبول” في بئر زمزم حتى يخلد اسمه وخبره ولو باللعنة جراء هذا العمل الجامع للسوء المفرط من جميع أطرافه!

ألّا يهمل لغة الجسد!

هي لغة تصدق المتحدث أو تكذبه! هي نبرة تقف مع الكاتب أو تصطف ضده! المثير أن التصنع فيها صعب إتقانه للغاية، وقد جعلها الله من الدلائل التي تُلقى في روع الفطن فيتنبه ويحذر.

ألاّ يستخدم لغة لايجيدها بتمكن!

للكاتب الأديب أحمد أمين قصص لطيفة مع تعلّم اللغة الإنجليزية على كبر، وذات مرة دعي إلى إلقاء محاضرة بالإنجليزية في لندن- حسبما أذكر-، وبعدها أقسم ألّا يكرر التجربة! الفائدة هنا أن الظهور العلني، يستوجب توافق اللسان -أو القلم- مع التفكير والشعور، وهذا قد لا يتأتى مع اللغة الأجنبية لكل أحد.

ألا يُسقِط المساءلة من حسابه!

هي مساءلة دنيوية: قانونية، ومجتمعية، ومؤسسية. ومساءلة أخروية: عن كلمة قيلت، أو أثر تُرك في عقول الناس وقلوبهم. إن الحذر من فحش القول بالعبارة والإشارة من شأن البصراء أهل الأناة والحلم، والفاحش القبيح من الكلام لا يليق بذوي العلم والأدب والمنصب والجاه.

هذه المحاذير والإرشادات والقواعد قمينة بالمراعاة من قبل الكافة، لكنها من ذوي المنازل الرفيعة أجدر وأولى، فلا يقبل من واحدهم ردئ القول واللفظ، ولا خطل التصرف والطريقة. هذا الحال وصف مرفوض يستقبح من السوقة والعامة بله الأشراف والخاصة! إن الظهور ليس تكريمًا نلهث خلفه، ولا أمنية يسعى الحكيم لها دون سبب ملح. إن الظهور العام -أيًا كان شكله ومنصته- مسؤولية أخلاقية تزداد ثقلاً كلما اتسعت دائرة المتلقين، وحري بنا أن يكون ظهورنا عبورًا آمنًا مفيدًا، وكلمتنا جسرًا يجمع، وعطرًا له شذاه، لا بارودًا يفرق، ولا رائحة يُهرب منها. إن مقاعد النظارة والمتفرجين قد تفرغ من الجالسين، لكن صدى أقوال من ظهر على المنصة يبقى مسجلاً في ذاكرة الناس، وفي صحائف التاريخ، والاحتياط مع الاستعداد يحول دون ظهور يقصم الظهور!

  • 0
  • 0
  • 22

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً