رواء مكة المكرمة... (الحلقة الثانية)

منذ ساعة

في صحن البيت: توحيد الرحمن قبل خطوات الدوران (الحلقة الثانية)


وأنا أخطو خطواتي الأخيرة المفضية إلى صحن بيت الله الحرام، كان إلى جانبي صديقي محمد، وقد سبق له أن حج واعتمر، فكان ذلك امتيازا استفدت منه كثيرا في تجربتي الأولى، فجزاه الله خيرا على حرصه، وعلى ما بذله من توجيه ومرافقة في محطات مهمة من هذه الرحلة التعبدية الفريدة.
احتجت أن أقف لهنيهة، أستجمع فيها شتات قلبي، وأفرغ صدري من صوارف الدنيا، وأنفك عن شواغل مألوفات الحياة، إذ أنا مقبل على طواف حول بيت نسب إلى الله تشريفا لا تشبيها، مقام تعلقت به أفئدة الأولين والآخرين، وفزعت إليه نفوس الأنبياء والمرسلين، وكان ولا يزال وجهة المصطفين  من الموحدين. 
والأكيد المنبه عليه هاهنا أنه على الحق والصدق لم تكن نية هذا الجمع يوما من أيام مردوف المواسم ذلك الحجر المرصوص أو البناء المخصوص، بل كان المقصود المعظم هو الله وحده، لا شريك له.
وأخيرا، اندس الجسد المتأهب على حرص وعشق متأبطا قلبا سبقت رهبته سهم الإبصار في زوبعة تيار الدوران الجارف.
 آه كم كان سيل الطواف عرما، يحمل في دفقه أجناسا شتى، وذات ألسن مختلفة، وألوان متباينة، غير أن الصوت الجهوري ـ وإن اختلفت لغات ناسه وتلوّن أداؤه ـ كان يتوحد في ملحون كلماته الشجي، ودعاء مأثور تلهج به أفمام الطائفين من غير العرب حينا، وعفويا من العرب حينا آخر، على سجية الحاجة وصدق الفاقة، وإن شحّت الرواية.
يا لها من خطواتٍ عجيبة، يزيد من رونقها ذلك الإحساس العالي الحرارة، وذلك الشعور الدافئ الطافح بدلالات وحدة هذه الأمة الموصولة بالله، الأمة التي تملك ـ لو وعَت ـ كل مقومات القوة، وفي ملكيتها كل عرى التمكين، وجل أسباب النهوض.
وإنني، وأنا منغمر في تلك السيرورة المباركة ومندس منخرط في ذلك المسير الطيب، أتشخص وأرى تمثل ذلك الجعل الإبراهيمي، حين استجاب رب البيت لتضرع خليله، فجعل أفئدة من الناس تهوي إلى هذا المكان القفر السبخ الموحش غير ذي زرع، ثم لا تلبث أن تشدّ إليه الرحال، من كل فج عميق، وعلى كل ضامر، ومركوب بحر، ومستوطِن طائر…
وهكذا، لم يكن الطواف مجرد دوران أقدام حول بناء، بل كان دوران معان في القلب، وانعقاد أسئلة في الوجدان، وتهاوي المسافات بين العبد وربه.
 ومع كل شوط، كان شيء من أثقال النفس ينفك ويزول، وشيء من الغفلة يتراجع في غير كر ولا عودة، حتى خيل إلي أنني لا أطوف فذا لوحدي، بل أطوف متدثرا متشفعا بسيرة التوحيد كلها، من إبراهيم عليه السلام إلى هذا الجمع المتدفق الذي لا ولم ينقطع سيله العرم منذ بعثة محمد عليه الصلاة والسلام وإلى يوم الناس هذا.
وعند هذا الحد، لم تنته الرحلة، بل بدأت تتكشف وجوهها الأعمق، إذ لم يعد السؤال المتمرد مرتبطا بحاجة المعتمر: كيف أطوف وعلى أي منهج أخطو؟
بل صار الاستفسار يفرض نفسه ببوح مفاده: بأي قلب أخرج من هذا المقام؟
وهذا ما ستبوح به سطور المحبور القادم من الحلقة التالية...
يتبع بإذن الله

محمد بوقنطار

محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.

  • 0
  • 0
  • 10

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً