عُري مدنية الغرب

منذ ساعة

عُري مدنية الغرب: حين تفضح الفضائح الحائفة ما أخفته قيمه الزائفة...

في سنة 1962 كتب سيد قطب، رحمه الله، في كتابه "المستقبل لهذا الدين" عن حقيقة أفول الحضارة الغربية، وانتهاء دور ما سمي بـمدنية الرجل الأبيض في قيادة البشرية، قرر يومها، بجرأة استشرافية لافتة، أن هذه المدنية قد أفلست أخلاقيا، وأن رصيدها الإنساني قد نفد، وأن ذاتها المادية  فضلا عن دعاويها القيمية لم تعد صالحة لحمل أمانة الريادة العالمية.
وها قد دار الزمان دورته، لا ليؤكد ذلك تشهيا ولا تحيزا، بل لتتكفل الوقائع نفسها بنزع الأغطية، وفضح ما كان يُدارى تحت مساحيق براقة من شعارات الحرية وحقوق الإنسان والكرامة الكونية، فإذا بتلك القيم، عند أول اختبار حقيقي، تتهاوى شعاراتها تباعا، ويظهر من خلفها وجه آخر خشن، عدواني، لا يتورع عن الافتراس حين تنتفي الرقابة، ولا يتحرج من الإجرام حين تُطفأ الأضواء ولا يستعاذ من شر غاسقهم إذا وقب.
لقد قُدمت لنا هذه الحضارة  لعقود طويلة  بوصفها قائدة العالم بالحكمة والرشد، وسفينة نجاة للبشرية نحو شواطئ الأمن والسلام على حد تعبير كبير قراء بيت الله الحرام السيد السديس!!!، غير أن ما انكشف في السنوات الأخيرة، وما فجرته تسريبات قضايا الفساد الأخلاقي الكبرى، وعلى رأسها فضائح إبستين، لم يكن حادثا عابرا ولا انحرافا فرديا، بل نافذة كاشفة على عمق المستنقع القيمي الذي تنقلب فيه الشعارات إلى نفاق مؤسسي، وتتحول فيه القوة إلى غطاء للانحلال.
ولعل اللافت هاهنا حد الاستغراب ليس وقوع هذه الجرائم في حد ذاتها، فالتاريخ الإنساني لم يخل يوما من  الانحراف، وإنما اللافت حقا هو هذا الصمت المريب لتلك الأصوات الحقوقية والنخبوية الحداثية المحلية، التي كانت إلى عهد قريب تملأ فضاء حياتنا شغبا وضجيجا في قضايا بعينها، وتخوض المعارك الخطابية الحامية الوطيس حول حماية الطفولة، ومناهضة العنف، ورفض الإعدام، وتجريم كل أشكال الاستغلال.
إن من حقنا أن نستفهم في حيرة وحسرة عن أين ذهبت تلك الأصوات الحداثية النسوانية والذكرانية اليوم؟
ولم هذا الانكفاء المفاجئ والانتكاسة التي شهدها الفصيل النخبوي العلماني أمام هذا السيل العرم المليوني من التسريبات غير الأخلاقية التي عرفها ملف إبستين؟!!!
ولم هذا الصمت المريب حين يكون الجاني من صميم المنظومة التي طالما قُدمت لنا باعتبارها ضمير العالم وعنوان نجاته؟
إن هذه الازدواجية الأخلاقية الصارخة لا يمكن تفسيرها إلا بوصفها أزمة عميقة في ميزان القيم، حيث لا يعود الحق حقا لذاته، ولا الجريمة جريمة بذاتها، بل يقاس كل شيء في ثوب الحداثة الإقليمية بميزان القوة والانتماء والمصلحة.
إن البشرية اليوم تبدو في هذا المناخ الموبوء وكأنها بلغت حالة استعصاء حضاري، يتطلع في خضمها جنس الإنسان، بوعي أو بغير وعي، إلى نموذج قيادي جديد، يعيد للعدل معناه الحقيقي غير المزيف، وللإنسان قيمته، وللأخلاق سلطانها على القوة لا العكس، وليس هذا التوق إلى حاجة الاستبدال هو نزوة أيديولوجية، ولا حنينا رومانسيا، بل يبقى وسيبقى ضرورة تفرضها الوقائع، وحاجة تمليها الفطرة.
وهنا يبرز الإسلام، لا بوصفه رد فعل يبدي ويشهر سيف غضبه على انحطاط الآخرين، بل باعتباره واعتماده كمشروع أخلاقي متكامل، يوازن بين الروح والمادة، وبين الحرية والمسؤولية، ويؤسس لقيادة قوامها العدل لا الهيمنة، والكرامة لا الاستعلاء.
وإنه كما قرر المنصفون، وسيقر به المرهقون من هذا العبث القيمي قادمٌ لا محالة، لا بالسيف ولا بالإكراه، ولكن بقدرته على إنقاذ الإنسان من نفسه، وانتشاله من وحل الافتراس الغربي وماخورية حداثته المزيفة إلى أفق الاستخلاف الطاهر النظيف.
أعاذنا الله وإياكم من حضارة فقدت بوصلتها، ومن عالم تدار فيه القيم بمنطق القوة الحيوانية المتوحشة، وجعلنا ممن يشهدون ميلاد العدل من جديد، ولا يحضرون أسفا عزاء موته المتكرر...

محمد بوقنطار

محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.

  • 0
  • 0
  • 21

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً