آيـات الخُلود
فالعاقل من جعل ذكر الآخرة ميزانًا لقراراته، ونظر إلى أيامه القصيرة على أنّها رأس مالٍ لا يُعوَّض.
لعلّ من أشدّ ما يُوقظ القلب من سُباته أن يمرّ على آيات الخلود مرورَ المتأمّل لا السامع المعتاد؛ فكم نقرؤها، وكم تطرق أسماعنا، غير أنّ التكرار لا ينبغي أن يُطفئ رهبتها، ولا أن يُخفّف وطأتها على الضمير.
حين يُذكر الخلود، يتجلّى الفارق بين خسارةٍ تُستدرَك، وخسارةٍ تُغلَق دونها الأبواب. خسارات الدنيا – وإن عظمت – يظلّ فيها فسحةُ تعويض، ومجالُ اعتذار، ووقتٌ لإعادة المحاولة.
أمّا هناك في اليوم الآخر، فالأمر ليس تفريط ساعةٍ أو عام، بل تفريط عُمرٍ بأسره، بل تفريط فرصةٍ لا تتكرّر، في دارٍ جُعلت ممرًّا فظنّها بعضهم مقرًّا.
ويزداد المعنى رهبةً حين تُرى تلك المنزلة التي أُعِدّت في النعيم لو آمن واستقام، ثم يُحال بينه وبينها بما اختار من طريق؛ لا ظلمًا عليه، بل عدلًا فيه.
لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ إلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لو أساءَ؛ لِيَزْدادَ شُكْرًا، ولا يَدْخُلُ النَّارَ أحَدٌ إلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لو أحْسَنَ؛ لِيَكونَ عليه حَسْرَةً.
• (صحيح البُخاري) .
هنالك تبلغ الحسرة مبلغًا لا يشبهه ندمٌ عرفناه، لأنّه ندمٌ على ما لا يعود، وعلى ما لا يُستدرَك، وعلى ما انقطع فيه الرجاء انقطاعًا أبديًّا.
إنّها ليست شفقةً عاطفية، ولا حزنًا مجرّدًا، بل وقفةُ اعتبار؛ إذ يتبيّن أنّ الخاسر حقًّا ليس من قلَّ متاعه، ولا من فاته جاهٌ أو منصب، وإنّما من فاته القرب، وأعرض عن الآيات البيّنات، واستبدل الأدنى بالذي هو خير. هناك يظهر معنى الخسران في أنصع صوره: خسرانُ البقاء، لا خسران العَرَض.
ولعلّ أعظم ما تورثه هذه الآيات في القلب يقظةُ المحاسبة؛ أن يسأل المرء نفسه: أين أنا من هذه الرحمة المعروضة؟ وأين موقعي من هذا النداء المتكرّر؟ فإنّ التأمّل الصادق لا يورث قنوطًا، بل يُثمر خوفًا يُهذّب، ورجاءً يُقيم، وعزمًا يُصلح المسير قبل أن يُقال في شأنه ما قيل فيمن مضى.
فالعاقل من جعل ذكر الآخرة ميزانًا لقراراته، ونظر إلى أيامه القصيرة على أنّها رأس مالٍ لا يُعوَّض.
وما بين البداية والنهاية مساحةُ اختبار، فإذا انطوت الصحيفة، لم يبقَ إلا ما اختاره المرء لنفسه .
فليست العبرة بأن نبكي لمشهدٍ متخيَّل، بل أن نحاول النجاة من أن نكون بعض تفاصيله.
وليست النجاة دعوى تُقال، بل سعيٌ يُصدق، وقلبٌ يثبت، وعمرٌ يُصرف حيث ينبغي، قبل أن يُقضى الأمر، ويصير الندم وصفًا لا يفارق صاحبه.
- التصنيف: