جوانب الفضل

منذ 3 ساعات

وغاية اللذات العقلية العلم، فمن حصلت له الغايتان في الدنيا فقد نال النهاية، وأنا أرشد الطالب إلى أعلى المطلوبين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:

جوانب الفضل:

اللذات كلها بين حسي وعقلي، فنهاية اللذات الحسية وأعلاها النكاح.
وغاية اللذات العقلية العلم، فمن حصلت له الغايتان في الدنيا فقد نال النهاية، وأنا أرشد الطالب إلى أعلى المطلوبين، غير أن للطالب المرزوق علامة وهو أن يكون مرزوقاً علو الهمة وهذه الهمة تولد مع الطفل فتراه من زمن طفولته يطلب معالي الأمور.
كما يروي في الحديث أن كان لعبد المطلب مفرش في الحجر فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي وهو طفل فيجلس عليه، فيقول عبد المطلب: إن لابني هذا شأناً.
فإن قال قائل: فإذا كانت لي همة ولم أرزق ما أطلب فما الحيلة ؟.
فالجواب أنه إذا امتنع الرزق من نوع لم يمتنع من نوع آخر.
ثم من البعيد أن يرزقك همة ولا يعينك، فانظر في حالك فلعله أعطاك شيئاً ما شكرته، أو ابتلاك بشيء من الهوى ما صبرت عنه.
واعلم أنه ربما روي عنك من لذات الدنيا كثيراً ليؤثرك بلذات العلم، فإنك ضعيف ربما لا تقوى على الجمع، فهو أعلم بما يصلحك.
وأما ما أردت شرحه لك فإن الشاب المبتدىء طلب العلم ينبغي له أن يأخذ من كل علم طرفاً، ويجهل علم الفقه الأهم، ولا يقصر في معرفة النقل؛ فبه تبين سير الكاملين.
وإذا رزق فصاحة من حيث الوضع، ثم أضيف إليها معرفة اللغة والنحو فقد شحذت شفرة لسانه على أجود مسن.
ومتى أدى العلم لمعرفة الحق وخدمة الله عز وجل فتحت له أبواب لا تفتح لغيره.
وينبغي له بالتلطف أن يجعل جزءاً من زمانه مصروفاً إلى توفير الاكتساب والتجارة، مستنيباً فيها، غير مباشر لها مع التدبير في العيش الممتنع من الإسراف والتبذير.
فإن رواية العلم والعمل به إلى درجة المعرفة لله عز وجل آسرة للمشاعر، فربما شغلته لذة ما وصل إليه عن كل شيء، ويا لها حالة سليمة من آفة.
وإن وجد من طبعه منازعاً إلى الشوق في النكاح فليتخير السراري في الأغلب غل.
وليعزل عن المملوكات إلى أن يجرب خلقهن ودينهن.
فإن رضين طلب الولد منهن، وإلا فالاستبدال بهن سهل.

ولا يتزوج حرة إلا أن يعلم أنها تصبر على التزويج عليها والتسري، وليكن قصده الاستمتاع بها لا إجهاد النفس في الإنزال.
فإن ذلك يهدم قوته فيضعف الأصل.
فهذه الحالة الجامع من لذتي الحس والعقل ذكرتها على وجه الإشارة.
وفهم الذكي يميل عليه ما لم أشرحه.
؟فصل شروط التعلم والحفظ أعلم أن المتعلم يفتقر إلى دوام الدراسة، ومن الغلط الانهماك في الإعادة ليلاً ونهاراً، فإنه لا يلبث صاحب هذه الحال إلا أياماً ثم يفتر أو يمرض.
وقد روينا أن الطبيب دخل على أبي بكر بن الأنباري في مرض موت، فنظر إلى مائة كتاب وقال: قد كنت تفعل شيئاً لا يفعله أحد، ثم خرج فقال: ما يجيء منه شيء.
فقيل له: ما الذي كنت تفعل ؟ قال: كنت أعيد كل أسبوع عشرة آلاف ورقة من الغلط تحمل القلب حفظ الكثير من فنون شتى، فإن القلب جارحة من الجوارح، وكما أن من الناس من يحمل المائة رطل ومنهم من يعجز عن عشرين رطلاً، فكذلك القلوب.
فليأخذ الإنسان على قدر قوته ودونها، فإنه إذا استنفدها في وقت ضاعت منه أوقات.
كما أن الشره يأكل فضل لقيمات فيكون سبباً إلى منع أكلات.
والصواب أن يأخذ قدر ما يطيق ويعيده في وقتين من النهار والليل.
ويرفه القوي في بقية الزمان، والدوام أصل عظيم.
فكم ممن ترك الاستذكار بعد الحفظ فضاع زمن طويل في استرجاع محفوظ.
وللحفظ أوقات من العمر فأفضلها الصبا وما يقاربه من أوقات الزمان.
وأفضلهما إعادة الأسحار وأنصاف النهار، والغدوات خير من العشيات، وأوقات الجوع خير من أوقات الشبع.
ولا يحمد الحفظ بحضرة خضرة وعلى شاطىء نهر، لأن ذلك يلهي.
والأماكن العالية للحفظ خير من السوافل.
والخلوة أصل وجمع الهم أصل الأصول.
وترفيه النفس من الإعادة يوماً في الأسبوع ليثبت المحفوظ وتأخذ النفس قوة كالبنيان يترك أياماً حتى يستقر ثم يبني عليه.
وتقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم، وأن لا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله.
ومن لم يجد نشاطاً للحفظ فليتركه، فإن مكابرة النفس لا تصلح.
وإصلاح المزاج من الأصول العظيمة، فإن للمأكولات أثراً في الحفظ.
قال الزهري: ما أكلت خلا منذ عالجت الحفظ.
وقيل لأبي حنيفة: بم يستعان على حفظ الفقه ؟ قال: بجمع الهم.
وقال حماد بن سلمة: بقلة الغم.
وقال مكحول: من نظف ثوبه قل همه، ومن طابت ريحه زاد عقله، ومن جمع بينهما زادت مروءته.
وأختار للمبتدي في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن فإن أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة، وهذا لأجل جمع الهم.
فإن غلب عليه الأمر تزوج واجتهد في المدافعة بالفعل لتتوفر القوة على إعادة العلم.
ثم لينظر ما يحفظ من العلم فإن العمر عزيز والعلم غزير.
وإن أقواماً يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، وإن كان كل العلوم حسناً، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل.
وأفضل ما تشوغل به حفظ القرآن ثم الفقه، وما عبد هذا بمنزلة تابع، ومن رزق يقظة دلته يقظته فلم يحتج إلى دليل، ومن قصد وجه الله تعالى بالعلم دله، المقصود على الأحسن: " {وَاتّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللّهُ} " .

  • 0
  • 0
  • 27

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً