الأبعاد الغائبة في "آلية اللسان العربي"!!

منذ 2026-03-30

دخلوا في حالة ذهنية مُتخيلة.. وغير موجودة، وضعوا- كعادة الضالين في هذا الزمان- فرضية متخيلة لا أساس لها، وهي: الزعم بأن الوحي المنزل من عند الله هو القرآن الكريم فقط دون السنة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله

 

الفكرة الرئيسية التي يتحرك حولها الموافقون لمحمد شحرور، سواء في برنامج مجتمع أو الصفحات الداعمة، هي البحث عن آلية لفهم القرآن الكريم.

يقترحون "اللسان العربي المبين"، ويعنون به فهم القرآن من خلال قواعد اللغة العربية، ويكررون هذه المقولة (اللسان العربي المبين) كثيرًا في أحاديثهم.. يكررونها لتستقر في حس المتلقي!!

وحالهم عجيب!!

وحال من ينصت إليهم أشد عجبًا!!

 

دخلوا في حالة ذهنية مُتخيلة.. وغير موجودة، وضعوا- كعادة الضالين في هذا الزمان- فرضية متخيلة لا أساس لها، وهي: الزعم بأن الوحي المنزل من عند الله هو القرآن الكريم فقط دون السنة النبوية (فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقواله، وتقريراته)؛ والزعم بأن القرآن الكريم نص مبهم ويحتاج لبيان؛ ثم ادعاء أن اللسان العربي هو القادر على إزالة هذا الإبهام!!

والفرد العادي يصله أن هذه الفرضيات المتخيلة حقائق كما في الدارونية مثلًا، وأنهم، فقط، يشرحونها ويستدلون لها!!
وإن هؤلاء الشحروريين يفهمون هذا جيدًا ويتعمدونه.. ليضلوا الناس عن الحق بعد إذ جاءهم!!

 

وعلينا أن نناقش الفرضية نفسها: تصح أو لاتصح. هل لها منطق أم أنها حالة من حالات التطاول بغير حق على الوحي المنزل من رب العالمين؟
 وهذه بعض الإشارات بما يناسب مقال، أبين فيها ثلاثة أبعاد لابد أن تحضر حال مناقشتهم:

 

أول هذه الأبعاد: أن هؤلاء يتوجهون للنص المكتوب مباشرةً بعيدًا عن التطبيق العملي له، سواءً أكان هذا النص في القرآن الكريم أم في السنة النبوية، وهذا السلوك خطأ من ناحيتين:
 الأولى: أن النص عندنا هو الكتاب والسنة (قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفعله، وما أقر عليه أصحابه، رضي الله عنهم). وليس المكتوب بين دفتي المصحف فقط، فالسنة وحي منزل من الله كما القرآن، وهذا صريح القرآن الكريم، يقول الله تعالى مخاطبًا نبيه، صلى الله عليه وسلم،
{﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾} : ويقول مخاطبًا المؤمنين: {﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾} (البقرة: 231)، ويقول الله تعالى: {﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾} (البقرة:151)، والحكمة هنا هي السنة الشارحة، فكل رسول أرسله الله للناس جاء بكتابٍ وحكمة (سنة شارحة)، يقول الله تعالى: {﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾} (آل عمران:81).

وفي القرآن الكريم نصوص محكمة البيان تأمرنا باتباع الرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى:  {﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾} (الحشر: 7). فإن كانوا يتبعون القرآن فلابد أن يتبعوا صحيح السنة.
ويزيد هذا المعنى وضوحًا ما جاء في القرآن الكريم بوجوب طاعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وكذلك الآيات التي تبين أن النبي، صلى الله عليه وسلم، جاء ببلاغ مبين وليس بنص ينقله، فالبلاغ المبين يعني الشرح للنص (القرآن الكريم).
 والثانية: أن أي نص مكتوب تستطيع أن تخرج منه بما يوافق هواك، وذلك أن النصوص تدخلها الاحتمالات بأضعف القرائن، بمعنى أن النصوص المكتوبة طيّعة لمن أراد تأويلها؛ ومن يتدبر يجد أن النصوص المؤسسة تعرضت للتأويل في اتجاهات متباينة. حتى في وجود أصحابها (كما في حالة ماركس).

يأتي الأتباع النص المكتوب ليخرجوا منه بما يشاءون هم؛ وإن أتوه مذعنين فإن أفهامهم تؤدي إلى تشتتهم أيضًا.. فالعقول مختلفة.. والعزائم مختلفة؛ ولذا لم نُترك لعقولنا ورغائبنا وجاءنا- من الله- نص محكم مشروح بقولِ وفعلِ المعصوم، صلى الله عليه وسلم،.. بمعنى تم تطبيقه واقعيًا. وأمرنا بالاهتداء بالنص وتطبيقه، يقول الله تعالى:  {﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾} (البقرة:137)، ويقول الله تعالى:  {﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾} (النساء: 115).

 

وثاني الأبعاد: أن اللغة العربية (الحالية) نبتت تحت ظلال القرآن الكريم، ولولا القرآن والسنة ما بقيت العربية. فاللغة- أي لغة- تتطور (تتغير بالأحرى)، وقد شاهدنا تطور اللاتينية للغات الأوربية المعاصرة، فكيف للتابع أن يحكم على المتبوع؟!!

 

وثالث الأبعاد، وهو الأهم: أن القرآن الكريم ليس نصًا مبهمًا يحتاج لمن يشرحه ويوضحه. القرآن: بيِّنٌ في نفسه، ومُبيّنٌ لغيره، وحاكم في قضايا الخلاف، وشفاء لما في الصدور.؛ فهذه أربعة أساس لكثير مما يثار حول القرآن.

القرآن بيّنٌ في نفسه، يقول الله تعالى: {﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾} (البقرة: 99). وكل من يقرأ، أو يسمع، كلام الله يصله المعنى ولا يستشكل عليه، وعامة الشبهات مصطنعة بالبتر وإعادة التفسير بالهوى؛ وآيات قليلة هي التي تحتاج لبيان، كالعام مع مخصصه إن وجد، والناسخ مع منسوخه، وهكذا.
إن القرآن محكم البيان
{ كما أنه محكم الثبوت، يقول الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ﴾}  (آل عمران: 7)

 

والقرآن مُبيِّن لغيره، يقول الله تعالى: {﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾} {}  (النور: 34).

 

والقرآن حاكم على غيره حال الاختلاف، يقول الله تعالى {﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾} {} (البقرة: 213).


والقرآن شفاء لما في الصدور، يقول الله تعالى: {﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾} (يونس: 57).
بمعنى يقدم إجابة على الأسئلة التي تتردد في الصدور ولا تنطق بها الألسنة، حرجًا أو عجزًا عن البيان، كالخالق- سبحانه وتعالى-، والخلق، والمآل، وهي أسئلة الفلسفة الكبرى. هذه الأسئلة الكبرى لها إجابة شديدة الوضوح في كل صفحات المصحف، وببراهين دامغة. 

 
ويقدم إجابة على قضايا الخلاف بين الناس.. من خلال منهج عملي طُبق على الأفراد وعلى المجتمعات.. ففي الوحي إجابة من خلال تجربة بشرية تواجدت في الواقع.. فيها معالجة كل شيء، كما قال الله:
{﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾} (النحل: 89)، ويقول الله تعالى: {﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾} (يونس:12). فمن يسأل عن التفاصيل سيجدها في النموذج العملي المعروض على صفحات الأيام في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، والراشدين من بعده.
 

إن هؤلاء يحاولون تقديم فهم خاص بهم للوحي ليصدوا الناس عن دين الله، يقول الله تعالى: ﴿ {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْءَاخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُو۟لَٰٓئِكَ فِى ضَلَٰلٍۭ بَعِيدٍ﴾} (إبراهيم:3). ويقول الله تعالى: { ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾}  (النحل:88).

د. محمد جلال القصاص
شوال 1447هـ
مارس 2026م

  • 2
  • 0
  • 117

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً