كيف يصنع العقل أوهامه؟

منذ 6 ساعات

مكمن الخطورة التربوية والفكرية: ‏إذا نشأ الإنسان على أفكار ضيقة، وقناعات غير ممحصة، صار عقله يصنع "أوهاماً" تشبه الواقع، لكن لا تمتّ له بصلة.

‏تخيّل أنك تمشي في طريقٍ مظلم، فترى ظلًّا يتحرّك!
‏يتسارع قلبك، وتتوتر عضلاتك، وربما تتجهز للهرب…
‏ثم تكتشف أن الظل ما هو إلا قطة!
‏فما الذي حدث؟ وكيف خدعك عقلك؟

‏العقل البشري لا ينتظر الحقيقة، بل يبني توقّعات.
‏وهذه التوقعات ليست عشوائية، بل تُصنع من الماضي، والتجارب، والمعلومات المتراكمة.
‏ففي كل لحظة، عقلك يُكمل الصورة الناقصة، ويملأ الفراغات، ويقدّم لك “الواقع”… كما يتخيله هو.

‏علماء الأعصاب يسمّون هذا: الاستدلال التنبؤي (Predictive Processing).
‏بمعناه البسيط:
‏عقلك لا يرى، بل يتوقّع ما يجب أن يُرى.
‏فإذا جاءت الحواس بمعلومة تؤكد التوقّع، قبِلَها فوراً.
‏وإذا جاءت بخلافه؟ فقد يُعدّل التوقّع... وقد يُكذّب الحواس!

‏وهنا مكمن الخطورة التربوية والفكرية:
‏إذا نشأ الإنسان على أفكار ضيقة، وقناعات غير ممحصة، صار عقله يصنع "أوهاماً" تشبه الواقع، لكن لا تمتّ له بصلة.

‏ولهذا كان من أعمق ما قاله الغزالي:
‏"العقل كالنظّارة، يريك كل شيء، لكنه لا يريك نفسه"

‏فكيف نربّي أنفسنا وأبناءنا على عقلٍ يبصر الحقيقة، لا يتوهّمها؟

‏بأن نعلّمهم فضيلة الشك المنضبط، لا التلقّي الأعمى.
‏بأن ندرّبهم على السؤال قبل التصديق، والتحقّق قبل التكرار.
‏وأن ندرك أن تحرير العقل هو أول أبواب الهداية.

‏في عصر المعلومات، لم يعد الخطر في قلّتها، بل في وهم اليقين. فكن حذراً من أن ترى ما لا وجود له… لأنك كنت تتوقّعه!

_________________________________________
الكاتب: عبدالرحمن الحمد

  • 1
  • 0
  • 51

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً