حوار الأسرة ضرورة!

منذ 18 ساعة

ليست أكثر المشكلات الأسرية ناشئةً عن خلافاتٍ حقيقية، بقدر ما هي نتيجة سوء فهمٍ تراكم، أو ظنٍّ كبر مع مرور الزمن، في ظل غياب المفاتحة والتوضيح.

ليست أكثر المشكلات الأسرية ناشئةً عن خلافاتٍ حقيقية، بقدر ما هي نتيجة سوء فهمٍ تراكم، أو ظنٍّ كبر مع مرور الزمن، في ظل غياب المفاتحة والتوضيح.

وكثيرٌ من هذه المشكلات لا يبدأ من حدثٍ كبير، بل من صمتٍ صغير حال دون معالجةٍ سهلةٍ ميسورة، حتى تضخّم، وتحول إلى تباعدٍ نفسي وأزمةٍ أسرية.

وسوء الظن وقلة الثقة بين الزوجين لا ينشآن غالبًا عن قلة الحوار وحدها، بل من غياب الطمأنينة، وفتور العلاقة، وضعف بواعث المودة ومظاهر الاحترام، وقلة الصراحة المسؤولة، إلى جانب تراكم مواقف لم تُفهم على وجهها الصحيح. فإذا غاب الحوار البنّاء، تولّت الأوهام تفسير المواقف، وملأت الفراغ ظنونٌ سلبية، غالبًا ما تكون على أسوأ وجه.

ولهذا، فإنّ الحوار الدوري ليس ترفًا في الحياة الزوجية، بل هو من أدوات حفظها. لكنه ليس أيّ حوار؛ فليس كل حديثٍ إصلاحًا، ولا كل مصارحةٍ حكمة. فالحوار قد يبني، وقد يهدم، وقد يداوي، وقد يفتح جراحًا أعمق إن أسيء توقيته أو أسلوبه.

ولهذا، يقوم الحوار الناجح على جملةٍ من الأصول: اختيار الوقت المناسب، وضبط النبرة، وإحاطتها بالاحترام والمودة، وتحديد القضية، وعدم خلط المشكلات، والحرص على الفهم قبل الرد. أمّا الحوار الذي يكون في لحظة غضب، أو على هيئة محاسبة، أو استدعاءٍ للماضي، أو بدافع الانتصار للنفس، فإنه يتحوّل غالبًا إلى صراعٍ لا إلى حل.

والملاحظ في كثيرٍ من البيوت اليوم غياب المساحات الهادئة المخصصة للتفاهم، واستبدالها بانشغالٍ دائم بأمورٍ أقلّ أهمية. وهذا ليس تقصيرًا عابرًا، بل سببٌ مباشر لتراكم التوتر؛ إذ تُترك المشكلات دون تفريغٍ أو معالجة، حتى تظهر في صورة فتورٍ أو نفورٍ أو فقدان ثقة.

وفي المقابل، فإن البيوت التي تجعل للحوار حضورًا منتظمًا – ولو في أوقاتٍ يسيرة – تكون أقدر على احتواء الخلاف، وأقلّ حاجةً لتدخل الآخرين، الذين – مع حسن النية – قد يزيدون الأمر تعقيدًا بسبب العاطفة أو الانحياز.

غير أنّ من المهم التنبه إلى أن بعض المشكلات لا تُحل بالحوار أصلًا؛ فبعضها يزول بالتغافل، وبعضها يُطفأ بالعفو أو بإحسان الظن – ولو مع شيءٍ من الكلفة – وبعضها يحتاج إلى تأجيلٍ حتى تهدأ النفوس، وبعضها يكفي فيه التلميح دون التصريح، والإشارة دون العبارة. فالإصرار على فتح كل ملف، ومناقشة كل شيء، في كل وقت، قد يفسد أكثر مما يصلح.

فالحكمة لا تقوم على كشف كل شيء، ولا على محاسبة كل خطأ، بل على قدرٍ من التجاوز المقصود، وحسن التقدير لما يُقال وما يُترك.

وأخطر ما يفسد البيوت ليس وجود الخلاف، بل سوء إدارته، وتحويله من خطأٍ عارض إلى قصد إساءة؛ فكم من بيوتٍ لم تهدمها المشكلات، ولكن هدمها الصمت الطويل، أو الحوار الخاطئ، أو الإصرار على الانتصار للنفس.
والعلاقة الناجحة ليست التي تخلو من الاختلاف – إذ لا حياة بلا اختلاف – بل التي تعرف كيف تعود بعده أقوى، وأدفأ، وأعمق.

ولهذا، فإن من الحكمة أن يُجعل للحوار موضعه، وللتغافل موضعه، وللصمت موضعه؛ وأن تُدار الحياة الزوجية بميزانٍ دقيق يجمع بين الصراحة والرفق، وبين المعالجة والتجاوز والإعذار.

فليس المطلوب أن ينتصر أحد، بل أن تبقى العلاقة، وأن تترسخ الثقة، ويستقر الاحترام، ويكون حسن الظن هو الأصل، والمودة هي السائدة.
والله الهادي.

  • 1
  • 0
  • 59

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً