فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ

منذ ساعتين

واعلمْ أنَّ النّفسَ بوّابةُ الشّيطانِ لدخولِ قلبِكَ ولا بوّابةَ أخرى لهُ، والنّفسُ بنتُ الشّيطانِ، والشّيطانُ واصلٌ لرحِمِهِ، فإنْ أغلقْتَ هذا البابَ لمْ يعدْ للشّيطانِ عليكَ سبيلًا.

في الآيةِ تربيةٌ للمؤمنِ بأنْ يعظّمَ الذّنبَ في نفسِهِ، وأنْ يقومَ بكلِّ جهدٍ حتّى لا يقعَ فيهِ، وأنْ لا يتابعَ أقوالَ مَنْ لا يخافُ اللهَ بطبيعةِ الذّنبِ والتّعايشِ معَهُ، ونحوِها مِنْ وسائلِ الشّيطانِ في التّهوينِ مِنْهُ.

نعمْ لا ندّعِي عصمةَ أحدٍ، ولا يجوزُ أنْ نوقِعَ النّاسَ في وهمِ الكمالِ؛ لأنَّ بعضَ الصّادقينَ أخّرَهُ هذا الوهمُ عن ربِّهِ ـ فما أنِ يقعَ بذنبٍ إلّا وتَقَهْقرَ وتراجعَ وانْهارَ وظنَّ نفسَهُ في صفِّ الشّياطينِ.

لكنْ في الوقتِ نفسِهِ لا نريدُ مِنَ النّاسِ أنْ يقعوا في خديعةِ تقبُّلِ الذّنبِ باسمِ نقصِ الإنسانِ وعدمِ كمالِهِ، بلْ على المرءِ أنْ يتابعَ التّرقّيَ ويقاومَ التّدلّيَ؛ لأنَّ الذّنبَ إنْ قبلَهُ الإنسانُ صارَ بعكسِ طريقِ اللهِ سبحانَهُ، ولنْ يعودَ إلى ذاك الطّريقِ إلّا بصدقِ التّوبةِ.

فالسّيرُ في طريقِ اللهِ لا يشترطُ الكمالَ لكنَّهُ لا يقبلُ الإصرارَ على الذّنبِ، فسيرُ العاصي ـ وكلُّنا ذاكَ الرجلُ ـ مشروطٌ بصدقِ التّوبةِ ومحاولاتِ التّخلّصِ مِنَ الذّنبِ، فلْيتنبهْ لذلكَ.
وقد أجابَ أحدُ العارفينَ نفسَهُ لمّا سألَتْهُ متى كانَتْ أسعدُ لحظاتِكَ؟ قالَ يومَ أنْ تركتُكِ!

ويضربُ المربّونَ مثلًا إشاريًّا في عصفورٍ مسجونٍ بقفصٍ رأى صقرًا محلِّقًا فسألَهُ: كيفَ أصيرُ مثلَكَ؟ فقالَ لهُ الصّقرُ: مُتْ، فقامَ العصفورُ بتمثيلِ الموتِ فجاءَهُ صاحبُهُ فلمّا رآهُ لا يتحرّكُ ألقاهُ مِنَ القفصِ فحلّقَ في السّماءِ. وهكذا أنتَ متى ما وسوسَ لك الشّيطانُ فرآكَ كالميتِ لا تتحرّكُ لإغرائِهِ أطلقك فتحرّرْتَ.

واعلمْ أنَّ النّفسَ بوّابةُ الشّيطانِ لدخولِ قلبِكَ ولا بوّابةَ أخرى لهُ، والنّفسُ بنتُ الشّيطانِ، والشّيطانُ واصلٌ لرحِمِهِ، فإنْ أغلقْتَ هذا البابَ لمْ يعدْ للشّيطانِ عليكَ سبيلًا.

إنَّ صدرَكَ شبيهٌ بمزرعةٍ إنْ تركتَها للنّفسِ وشهواتِها صارَ كهشيمٍ تذروهُ الرّياحُ، متى ما أشعلَ الشّيطانُ عودَ شهوةٍ فيهِ احترقَ وتأجّجَتْ نارُ المعاصي في ذلكِ الصّدرِ.

أمّا إنْ جاهدْتَ نفسَكَ واستعنْتَ بربِّكَ وتبْتَ وصدقْتَ معَ مولاكَ صارَ صدرُكَ كجنّةٍ بربوةٍ خضراءَ نديّةٍ، مهما أشعلَ الشّيطانُ فيها أعوادَ الثّقابِ فلنْ يعودَ إلّا بالخيبةِ والخسارِ وعدْتَ أنتَ بمقامِ الملوكِ.

-----------------------------------------------------------------
كتاب سورة المزمل - د. أديب الصانع - ص 199

الكاتب: (دروس الدكتور أديب الصانع)

  • 0
  • 0
  • 24

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً