رحمة الوالد بالولد توجب الجنة
العناصر الأساسية العنصر الأول: ربط الأمس باليوم. العنصر الثاني: رحمة الوالد للولد فطرة. العنصر الثالث: من أسباب دخول الجنة الرحمة بالولد. العنصر الرابع: قد تكون الرحمة بالمنع لا بالعطاء.
الموضوع وكأنك تلقيه على المنبر.
أما بعد: فقد ورد في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها «أن ناساً من الأعراب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رجل يقال له الأقرع بن حابس أتى هذا الأعرابي رسول الله فالتزمه ودخل معه بيته فالتقى رسول الله بالحسن بن عليّ وهو ولد للزهراء ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتمله رسول الله وقبله» ...
«فتعجب لذلك الأعرابي وسأل مستفسراً مدهوشاً قال يا رسول الله أتقبلون صبيانكم؟! فأجابه النبي أن نعم نقبلهم» ..
«فقال الأعرابي: والله يا رسول الله إن لي من الأولاد عشرة ما قبلت منهم أحداً» ..
«فقال عليه الصلاة والسلام وهل أملك أن يكون الله قد نزع الرحمة من قلبك، وأردف عليه الصلاة والسلام قائلاً من لا يرحم لا يرحم» ..
أيها الإخوة الكرام: قبل أسبوع من يومنا هذا أتينا إلى هذا المكان العامر فحدثناكم عن ضرورة أن يراعي الإنسان ضميره فيما يُعهد إليه من عمل فيأتي به على الوجه الأكمل قدر جهده وطاقته ذلك أن الله تعالى يحب إذا عمل أحدنا عملاً أن يُتقنه...
وكان بين طيات الحديث عن العمل المتقن بيان أنه عبادة وقربة إلى الله تعالى وسبب لمغفرة الذنب وستر العيب..
كما في حديث النبي ﷺ : «"من أمسى كالّاً من عمل يده أمسى مغفوراً له» "
أما حديث اليوم: فهو فرعٌ عن حديث الأمس، فبالأمس كان الحديث أن العمل المتقن عبادة، واليوم نقول إن العمل المتقن من أجل الكسب الحلال، ومن أجل النفقة على الوالد أو من أجل النفقة على الزوج والولد أو من أجل النفقة على النفس هو صورة من صور الرحمة بالوالد والزوج والولد والنفس وهو في الوقت ذاته نفقة في سبيل الله عز وجل..
الأصل في حديث اليوم أثر نبوي رواه كعب بن عجرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ««مرَّ على النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- رجلٌ، فرأى أصحابُ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن جَلَدِهِ ونشاطِهِ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: إنْ كان خَرج يسعى على ولدِهِ صِغارًا فهو في سبيلِ اللهِ، وإنْ كان خَرجَ يَسْعَى على أَبَوينِ شيخين كبيرين فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان يَسْعَى على نفسِهِ يُعِفُّهَا فهو في سبيلِ اللهِ، وإنْ كان خَرَجَ رِياءً ومُفاخَرةً، فهو في سبيلِ الشيطانِ»» .
من صور الرحمة بين البشر: النفقة على الولد، وإطعامه، وإكرامه، ورقة القلب في التعامل معه، ودائما أقول : لا أحد يزايد على حب الوالد للولد لأن حب الوالد للولد فطرة..
حب الوالد للولد ورحمة الوالد على ولده فطرة فطر الله قلوب الوالدين عليها، هذه الرحمة موجودة بين الإنس وبين الجن وبين البهائم والطير والهوام حتى أن الفرس ( وهي من العجماوات أعزكم الله) لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام..
اطلع الله تعالى سيدنا آدم على عمره وكان عمره ألف سنة..
ثم أطلع الله سيدنا آدم على عمر ولده داود عليه السلام وكان عمره ستين سنة، فسأل آدم ربه أن يزيد في عمر داود فأجابه الله تعالى أني لا أزيده، ولكن إن شئت يا آدم فزده من عمرك أنت فوهب آدم من عمره لداود ولده أربعين سنة ليعيش داود مائة سنة..
فعل آدم عليه السلام ما فعل من أجل الرحمة والرأفة التي اودعها الله تعالى قلب الوالد للولد..
صعد النبي عليه الصلاة والسلام المنبر فخطب الناس.. فسمعه الحسن بن عليّ وهو ابن سنوات معدودة فجاء إلى المسجد (يريد جده) فجعل يمشي ويتعثر في ثوبه فيقع على وجهه ليراه جده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيشفق عليه وينزل عن المنبر فيحمله ثم يصعد به المنبر فيقول أول ما يقول {( إنما أموالكم وأولادك فتنة)}
ومن أعجب ما قرأت من صور الرحمة بين البشر ما يكون بين الأم وولدها ورأيت في ذلك موقفاً ومثالاً ورد في الصحيح أيضاً عن سيدنا سليمان عليه السلام..
موقف: قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام «" كَانَتِ امْرَأَتَانِ معهُما ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: إنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقالتِ الأُخْرَى: إنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ.. فَتَحَاكَمَتَا إلى دَاوُدَ عليه السَّلَامُ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا علَى سُلَيْمَانَ بنِ دَاوُدَ عليهما السَّلَامُ فأخْبَرَتَاهُ، فَقالَ: ائْتُونِي بالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بيْنَهُمَا، فَقالتِ الصُّغْرَى: لا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هو ابنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إنْ سَمِعْتُ بالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَومَئذٍ، وَما كُنَّا نَقُولُ إِلَّا المُدْيَةَ» .
الشاهد من هذا الموقف: أن رحمة الأم بولدها ظهرت عند ما سأل سليمان عليه السلام عن السكين، فحضور السكين يساوي موت الولد، أما الأخت الكبرى فسكتت لأن الولد ليس ولدها، أما الصغرى فتكلمت لأنها أم الولد فآثرت الأم أن يبقى ولدها حياً ولو لم يكن بين يديها..
قالتِ الصُّغْرَى: لا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هو ابنُ أختي فَقَضَى سليمان عليه السلام بِالولد لِلصُّغْرَى لأنها ما تكلمت إلا بدافع رحمة الأم بولدها..
مِثلُ هذه الرحمة: جعلها الله تعالى مثالاً وبشارة برحمة الله سبحانه وتعالى عباده يوم القيامة ورد في الصحيح من حديث عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ : «قُدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي وليداً لها وتسعى حتى إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ» ..
قال عمر: فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «" أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ " قُلْنَا : لَا وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا "» .
من أرقى وأعلى صور الرحمة بين البشر : النفقة على الولد في تعليمه وتقويمه ، وإطعام الولد رحمه، وإكرام الولد رحمة، ورقة القلب في التعامل مع الولد رحمة، هذه الرحمة توجب الجنة وتعتق من النار..
الدليل: ما ورد في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فأطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فأعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ منهما تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إلى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بيْنَهُمَا، فأعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ قدْ أَوْجَبَ لَهَا بهَا الجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بهَا مِنَ النَّارِ» .
أهم ما نود التأكيد عليه يومنا هذا هو:
أن رحمة الوالد للولد فطرة فطر الله القلوب عليها..
وأن رحمة الوالد للولد توجب الجنة..
وأن رحمة الوالد للولد تعتق من النار..
وأن على الإنسان أن يستحضر النية الخالصة وهو يطعم زوجه وولده وأن يبتغي وجه الله تعالى في كل نفقة ينفقها عليهم..
قال سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ : «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ : إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : " لَا ". فَقُلْتُ : بِالشَّطْرِ ؟ فَقَالَ : " لَا ". ثُمَّ قَالَ : " الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» ..
قال عليه الصلاة والسلام لسعد: « وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ » ".
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
الخطبة الثانية
بقي لنا في ختام الحديث عن رحمة الوالد للولد وأنها فطرة، وأنها توجب الجنة وتعتق من النار.. بقي لنا أن نقول أن الرحمة لا تستلزم العطاء الدائم..
فقد تكون الرحمة بالعطاء وقد تكون الرحمة بالمنع..
وقديماً قالوا ( قد يكون المنع هو عين العطاء)
المنع من أجل الإصلاح، المنع من أجل التهذيب والتقويم..
الرحمة بالولد ليست على الدوام بسمة في وجههم، الرحمة بالولد ليس في كل الأحوال مسحاً على وجوههم...
أحيانا قد يكون العبوس في وجوههم رحمة لأن العبوس في وجه الولد قد يكون رادعاً ومانعاً له من الوقوع في الشر..
ما أفسد أولادنا اليوم إلا الدلال الزائد، ما أفسد من فسد منهم إلا التهاون والتجاوز عن أخطائهم..
ما أفسد من فسد منهم إلا السكوت عن ترك صلاتهم، إلا السكوت عن الفحش في ألفاظهم، إلا السكوت عن وقاحة بعضهم حين يتعاملون مع الناس..
عندما نقرأ في سيرة المربي الأول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكيف كان مع ولده وولد ولده نرى الرحمة بالولد في أسمى صورها،وفي الوقت ذاته نرى (الحسم) في الموقف الذي يستلزم الحسم.. ونرى (الحزم) تأديباً وتهذيباً ورحمة بالصغير في الموقف الذي يستلزم الحزم..
أخذ الحسن بن عليّ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( كَخ كَخ) ارم بها أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة.
قال أبو تمام ( ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحمُ)
هذا المعنى فيما أرى: أهم من تكلمنا فيه اليوم..
أن من دلائل الرحمة بالولد أن تعطيه أحياناً وأن تمنعه أحياناً، أن تعززه إن أحسن، وأن تقومه إن أساء..
فلا عطاء دائم، ولا منع دائم، فلا بسمات دائمة ولا عبوس دائم.. التوازن ضرورة في حياتك وجميع معاملاتك..
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح أحوالنا أحوال أبنائنا وبناتنا إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
- التصنيف: