مقاومة البداية!

منذ 22 ساعة

حين ندفع شيئًا ثقيلًا على الأرض نستعد لدفعه حتى يتحرك، ثم يسهل قليلًا ذلك أمر فيزيائي.، إذا بدأتَ، ذهب نصف الثقل

من عوائق الهدى، وعقبات الرفعة في الدين والدنيا ما يمكن أن يقال له: مقاومة البداية!
إنه ليس كسلًا محضًا، ولا تهاونًا صريحًا لكنه ثِقَلُ الانتقال من السكون إلى الفعل! وصعوبة البداية وفتح باب العمل!

والنفس -إن لم تتزكَّ- ميّالة إلى الراحة، تألف السكون، وتأوي إلى الخمول! فإذا همّ الشخص بإحداث عمل أو استجدت له نية في برنامج جديد صوّرت له نفسه ثقلًا موهومًا. ثم لعله أن يعتاد على ذلك، حتى يصير ذلك (الاحتكاك الابتدائي) ملازمًا له في كل مشاريع حياته!

إنه مقاومة الابتداء الذي نراه في حياتنا، فحين ندفع شيئًا ثقيلًا على الأرض نستعد لدفعه حتى يتحرك، ثم يسهل قليلًا، ويعلمنا الفيزيائيون أن ذلك أمر فيزيائي: وهو مقدار ضرب مُعامِل الاحتكاك (خشونة السطح) في قيمة الضغط بين السطحين (القوة العمودية).
لكن إذا بدأتَ، ذهب نصف الثقل!

فالإدبار يظهر أول ما يظهر عند الإقبال!

وتثقل البداية لأنّ الشخص ينتقل من حال إلى آخر مختلف:
- فهو ينتقل من وضوح حاله الأولى إلى غموض لا يدري كيف تكون حاله فيه!
- وينتقل من الراحة في بدنه وفكره إلى التكليف والتفكير!
- وينتقل من الفوضى إلى الالتزام!

وهذا الأمر أشار إليه القرآن كما في قصة موسى ﷺ مع قومه، حين قال الرجلان: {ٱدۡخُلُوا۟ عَلَیۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَـٰلِبُونَۚ}، وهذا أمر مجرّب في أحوال الناس، فإنّ كثيرًا من المصاعب تذلل إذا اقتحمها الإنسان، وتسهل إذا بدأ بها، حتى كأنه ليس بينه وبين جوازها إلا أن يبدأ فإذا هو قد خلص!
وحينها تتراكم خبراته، وتصُقل معارفه وأدواته، وتتطور برامجه.

وإن تعجب -أخا العجب- فاعجب من حال الإنسان، يبتدئ الأمر الصغير ويمعن فيه، فتتراكم خبراته، ويجذب النظير من العمل نظيره، ويكبر أداؤه كلما أتى عليه وقت، ويبدع ويشتد عوده.

وفوق العدلان علاوة! فإن تلك الأعمال تتحول من عبء إلى لذّة! ومن ملل إلى حلاوة.
 فإنك حين بدأت بالحفظ والمراجعة وجدت ثقلا ومللا حتى إذا أمعنت فيه وثبتّ! لذّت لك وطربت!
وحين بدأت الكتابة ثقيلة حروفها ومضيت؛ انثالت عليك المعارف والفوائد!
ولما بدأت في برنامج تكتسب فيه شيئا من الفضائل؛ وجدت مقاومة البداية، ثم وجدت ثمرتها بعد حين وذقت حلاوتها!

     وهكذا فإن هذه المشاريع الكبرى التي تذهلك اليوم؛ كانت خاطرة! ثم بدأت بخطوة جمّلتها التجارب وزيّنها الصبر ووسّعها المضاء! حتى غدت خلقًا آخر!

     ومما ستلحظه في حياتك أن أهل النجاح -غالبا- أهل نجاحات! فتراه بارزًا في عدد من الأمور، متنقلًا بين إنجاز وإنجاز، لما وجد من لذائذ الفوز والنجح.

لكن هناك من يحرق وقته في التفكير في المشاريع ولا يمضي ولو قليلًا في العمل!
ويخطط كثيرًا ولا يخطو خطوة!
والذهن إذا أعوزه العمل وثقل عليه؛ نفث نفثاته في التصوّر والأماني والأفكار، وخادع نفسه بوهم الإنجاز!
وخداع النفس باب التأجيل والتسويف، فليست تقول له نفسه: اترك العمل وخذ الراحة واركن إليها! لكنّ النفس تلبس لبوس الرزانة، وتقول: خطط جيدا! وانتظر الوقت المناسب! وارقب التفرغ! ثم لا تزال به الخدع النفسية حتى تنسرب أيامه ولياليه من بين يديه!

وإذا كانت النفس على مثل هذا النحو من التحايل والتلوّي فخذها بالحيلة أيضًا: 
- فابدأ (الآن) بالقليل شيئًا فشيئًا، (وابدأ صغيرًا)!
- وضع لنفسك وقتًا محددًا تبدأ به، مهما تخايلت أنك غير مؤهل.
- ولا تنظر إلى كمال النهاية فتستكبر المشاريع.
- وأكثر موعظة النفس، وتذكيرها بأجر العبادة، وثمن العمل، ومآل الصالحات.
- واعلم أن للإنجاز لذة لا تعادلها لذة الراحة، وللنجاح حلاوة ليس يساويها حلاوة.
- ومع ذلك فلابد من المجاهدة، ولابد من قهر النفس على الطاعة، ولابد أن تؤخذ النفس بالعزم، وحينها سيلين لك قيادها وتستسهل كل صعب!

والله أعلم.

___________________________________________
الكاتب: د. محمد آل رميح

  • 1
  • 0
  • 76

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً