هل قصيدة البردة تشفي المريض؟!

منذ 2015-05-05
السؤال:

سؤالي عن الشاعر محمد بن سعيدٍ البُوصيري؛ فقد كنتُ في خطبة الجمعة، وكان هناك شيخٌ يُعطي درسًا قبل الخطبة عن شعر البوصيري، وقال: إن البُوصِيري نام وهو يكتُب الشعر، وجاءه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم- في المنام، وزاد على شِعْرِهِ بيتًا، وغطَّاه بالبردة، واستيقظ البوصيري مِن نومه؛ ولهذا سماها: قصيدة البردة.

وقال الشيخ: إن مَن قرأ هذه القصيدة على مريضٍ شُفِيَ مِنْ مرَضِه!

ولم تكنْ لديَّ معلوماتٌ عما يقول، وبحثتُ عنها؛ ففوجئتُ بأنَّ القصيدةَ تحتوي على كثيرٍ من الشركيات، وراجعتُ الشيخ في هذا الكلام، وقال لي: لا؛ هناك كثيرٌ من العلماء أجازوا قراءة شعرِه، وهو يشفي، وقال: إنني لم أطلعْ على كثيرٍ من المعلومات.

فأرجو أن ترشدوني إلى الصواب، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعدُ:

فقصيدةُ البُرْدَة للبُوصِيرِي مِن أشهر قصائد المديح، وهي مشتملةٌ على معانٍ وعباراتٍ جيدةٍ؛ كمَدْح الصحابة في ثباتِهم، وعُلُوِّ شأنهم، وتمكُّنِهم في الحرب، وركوب الخيل:

ومن ذلك قوله:

كَأَنَّهُمْ في ظُهُورِ الْخَيْلِ نَبْتُ رُبًا *** مِن شِدَّةِ الحَزْمِ لَا مِن شِدَّة الحُزُمِ

يعني: مثل الشجرة التي فوق جبلٍ.

وكذلك ذكَر أبياتًا أخرى جرَتْ مجرى الأمثال؛ كقوله:

وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى *** حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِن تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ

وقوله:

قَد تُنْكِرُ الْعَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِن رَمَدٍ *** وَيُنْكِرُ الْفَمُ طَعْمَ الْمَاءِ مِنْ سَقَمِ

إلى غير ذلك.

وإن كان قليلًا بالنسبة لما اشتملتْ عليه مِن طوامَّ عظامٍ، بل كُفرٍ صريحٍ، ولو ذهبنا نتتبع هذا لطال المقامُ جدًّا، ولخرجنا عن مقصود الاستشارة، وقد كفانا مؤنة هذا كثيرٌ من العلماء ممن جاء بعد البُوصِيرِي؛ فنَبَّهُوا على كُفريات البُرْدَة؛ كما سنُشير لبعض العلماء، وبَيَّنوا ما فيها مِن غُلُوٍّ وصَل لحدِّ الكفر؛ من ذلك أنه طلب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمورًا لا تصلُح إلا مِن الله تعالى، ولا يملكها سواه سبحانه؛ من مغفرةٍ لذنوبه، والاستنصار، والاستعانة به؛ فقال:

يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ *** سِوَاكَ عِنْدَ حُدُوثِ الحَادِثِ العَمِمِ

إِنْ لَم تَكُنْ آخِذًا يَوْمَ الْمَعَاِد يَدِي *** عَفْوًا وَإِلَّا فَقُل: يَا زَلَّةَ الْقَدَمِ

فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وضَرَّتَهَا *** وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ

دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى في نَبِيِّهِمُ *** وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ

فَإِنَّ لِي ذِمَّةً مِنْهُ بِتَسْمِيَتِي *** مُحَمَّدًا وَهْوَ أَوْفَى الْخَلْقِ بِالذِّمَمِ

فانظرْ كيف جعل البُوصِيرِي لِياذَه في الآخرة بالرسول -صلى الله عليه وسلم- دون الله -عز وجل! واللهُ- سبحانه -الذي بيده كلُّ شيءٍ مِن ضرٍّ ونفعٍ، ثم جعَل رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- مالكَ الدنيا والآخرة، وبعض جوده، ويعلم الغيب، حتى إنَّ مِن علومه علمَ ما في اللوح والقلم، وقد نصَّ العلماء على كفر مُدَّعي علم الغيب لغير الله تعالى؛ لكونه تكذيبًا صريحًا لآي القرآن الكريم، فلم يتركْ شيئًا لله تعالى؛ كما قال ابن رجبٍ.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب، في تفسير آيات من القرآن الكريم كما في (مؤلفات 5/ 14): "... فأين هذا المعنى والإيمان بما صرح به القرآن، مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يا فاطمة بنت محمدٍ، لا أُغني عنك مِن الله شيئًا» (رواه البخاري ومسلم)، من قول صاحب البُرْدَة:

وَلَن يَضِيقَ رَسُولَ اللهِ جَاهُكَ بِي *** إِذَا الْكَرِيمُ تَحَلَّى بِاسْمِ مُنْتَقِمِ

فَإِنَّ لِي ذِمَّةً مِنْه بِتَسْمِيَتِي *** مُحَمَّدًا وَهْوَ أَوْفَى الْخَلْقِ بِالذِّمَمِ

إِنْ لَمْ تَكُنْ في مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي *** فَضْلًا وَإِلَّا فَقُلْ: يَا زَلَّةَ الْقَدَمِ

فليتأمَّلْ مَن نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومَن فُتِنَ بها من العباد، وممن يُدَّعَى أنه من العلماء، واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن:

هل يجتمع في قلب عبدٍ التصديقُ بهذه الأبيات والتصديق بقوله: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}[الانفطار: 19]؟ وقوله: « يا فاطمة بنت محمدٍ، لا أغني عنك من الله شيئًا» (رواه البخاري ومسلم)؟

لا والله، لا والله، لا والله، إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادقٌ، وأن فرعون صادقٌ، وأن محمدًا صادقٌ على الحق، وأن أبا جهلٍ صادقٌ على الحق.

لا والله، ما استويا، ولن يَتَلاقيا، حتى تشيب مفارق الغربان، فمَن عرف هذه المسألة، وعرف البُرْدَة، ومَن فُتِنَ بها، عرَف غربة الإسلام".

وقال العلامةُ عبد الرحمن بن حسن بن محمد عبد الوهاب في "رسائل وفتاوى" (ص: 82- 84):

"الرسالة السابعة: التحذير من البُرْدَة، وبيان ما فيها مِن الشِّرْك:

بسم الله الرحمن الرحيم

مِن عبدالرحمن بن حسن وابنه عبداللطيف إلى عبدالخالق الحفظي:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعدُ:

فقد بلَغَنا مِن نحو سنتين اشتغالُكم ببردة البُوصِيرِي، وفيها مِن الشرك الأكبر ما لا يخفى؛ من ذلك قوله:

يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِه *** سِوَاكَ.... .... ....

إلى آخر الأبيات التي فيها طلَبُ ثواب الدار الآخرة مِن النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده.

فأما دعاءُ الميت والغائب فقد ذكر الله في كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- النهيَ عن دعوة الأموات والغائبين، بقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ}[يونس: 106]، {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} [الرعد: 14]... الآية، وأخبر أن دعوة الحق مختصةٌ به، وما ليس بحقٍّ فهو باطلٌ، ولا يحصل به نفعٌ لمن فعَلَهُ، بل هو ضررٌ في العاجل والآجل؛ لأنه ظلمٌ في حقِّ الله تعالى.

يقرر هذا تهديده تعالى لمن دعا الأنبياء والصالحين والملائكة بقوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 56]؛ نزلتْ في عيسى وأمه والعزير والملائكة، باتفاق أكثر المفسرين مِن الصحابة والتابعين والأئمة، فكيف يَظُن مَن له عقلٌ أنه يرضى منه في حقه قولًا وعملًا تهديدُ الله مِن فعله مع عيسى وأمه والعزير والملائكة؟

وكونُه -صلى الله عليه وسلم- أفضل الأنبياء لا يلزم أن يختصَّ دونهم بأمرٍ نهى الله عنه عباده عمومًا وخصوصًا، بل هو مأمورٌ أن ينهى عنه، ويتبَرَّأ منه؛ كما تبرأ منه المسيح ابن مريم في الآيات في آخر سورة المائدة، وكما تبرأتْ منه الملائكةُ في الآيات التي في سورة سبأ.

وأما اللِّياذُ فهو كالعياذ سواءٌ؛ فالعياذُ لدَفْعِ الشر، واللياذ لجلْبِ الخير، وحكى الإمامُ أحمد وغيرُه الإجماع على أنه لا يجوز العياذ إلا بالله وأسمائه وصفاته، وأما العياذ بغيره فشركٌ، ولا فرق.

وأما قوله: فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا..... ..... ..... .....

فمناقضٌ لما اختص به تعالى يوم القيامة من الملك في قوله: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16]، وفي قوله تعالى في سورة الفاتحة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]، وفي قوله تعالى: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19]، وغير ذلك مِن الآيات لهذا المعنى، وقال غير ذلك في منظومته مما يستبشع مِن الشرك.

هديُ السلف في مدح النبي

ومدَح النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- شعراءُ العرب الفصحاء، ولم يقربْ أحدٌ منهم حول هذا الحمى، الذي هو لله وحده؛ بل مدَحوه بالنبوة، وما خصه الله به مِن الفضائل والأخلاق الحميدةِ؛ مثل: حسان بن ثابتٍ، وكعب بن مالكٍ، وكعب بن زهيرٍ، وأمثال هؤلاء، فما تعلقتْ قلوبكم يا عبدالخالق إلا بنَظْمٍ للشيطان فيه حظٌّ وافرٌ، قد أنكره الله ورسوله على مَن قاله أو فعله.

وهذه الأمورُ كانتْ عند محمدٍ الحفظي، وأبيه، وأخيه، فأقْلَعُوا عنها، وتابوا إلى الله منها، وتجنَّبوا الشرك، وتبَرَّؤُوا إلى الله منه، ومِن أهله، وجاهدوا أهله نثرًا ونظمًا، وقد نزلتِ المنزلةُ التي كانوا عليها في الجاهلية، ثم تابوا منها، فأصْغِ سمعَك لكتاب الله، فإنه يكفيك ويشفيك في كل خيرٍ، ويعصمك مِن كل شر". اهـ.

فكيف يُقال بعد ذلك: إن قراءة تلك الأبيات تشفي المرض؟! كأنهم يعدلونها بالقرآن الكريم الذي في قراءته شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين؛ كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}[الإسراء: 82]، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، وقال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44].

والأدويةُ: إما تجريبيةٌ وقياسية، أو رُوحيةٌ شرعيةٌ، وهي رقيةٌ بالكتاب والسنة، وغير ذلك مِن وساوس الشياطين.

فعليك أخي الكريم أن تنصحَ هذا الإمام، وبَيِّنْ له ما ذكرناه في الجواب، وأيضًا قد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه: «نهى عن الحِلَقِ قبل الصلاة يوم الجمعة» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وصحَّحه ابن خُزَيْمة، وحسَّنه أيضًا الشيخُ الألباني).

وفَّق الله الجميع لكل خيرٍ.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 1
  • 1
  • 5,259

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً