زوجتي عند أهلها وتريد العودة بشروط

منذ 2017-12-22

رجل متزوج ولديه طفل، أهلُ زوجته يتدخَّلون في حياته، ويُريدون طلاق ابنتهم، ذهَب والدُ زوجته وأخذ الزوجة والطفل، وقال: لن يَعُودَا لك مرةً أخرى، والزوجة تريد الرُّجوع، لكن والدها يرفض، ويُريد الزوج النُّصْح فيما يُمكنه فعله ليرد زوجته، ويتخلص مِن ظُلم أهلها.

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ عمري 30 عامًا، متزوِّج مِن زميلةٍ لي في الدراسة، وكان شرْطِي عليها قبْلَ الزواج هو عدم العمَل، فوافقتْ ووافق أهلُها.

بعد مُرور وقت مِن زواجي، ظهرت المشاكل بسبب أختها وتحريضها عليَّ وعلى أهلي، مما سبَّب ضررًا لبيتي، كما أن زوجتي دائمة الحنين لبيت أهلها، ضاربة ببيتها عرْض الحائط.

حاولتُ توعيتَها والإحسانَ إليها، وتوفير كل ما تتمنَّاه كأيِّ زوجة في بيتها، لكنها لا تُطيع ولا تسمع إلا صوت أهلها، رغم توعيتي لها والإحسان إليها، كنا نعيش حياةً سعيدة في بيتنا، فإذا ذهبتْ إلى أهلِها انقلب الحال والحياة إلى مشكلاتٍ لا تنتهي.

اتخذتُ قرارًا بتقليل زيارتها لأهلها لتجنُّب المفْسَدة، فكلما زارتْ أهلها ازدادت شرًّا وعِصيانًا بسبب أختها التي تغار بشكلٍ كبير منها، ودومًا ما تقول لها: أريد زوجًا كزوجك!

عندما رزقني الله تعالى بمولودي وأتى أهلُها لزيارتها، اصطنعوا مشكلة ولم يتكلموا معي ولا مع أهلي، بل كل كلامهم أننا لم نوفرْ لابنتهم الرعاية اللازمة، مع أن زوجتي لم تشتكِ من شيء، وكل لوازم الرعاية كانت متوفِّرة!

حَذَّرْتُ والدَها مِن هذه التصرُّفات، فاعتذر منِّي، وأعطاني كل الحقِّ في تصرُّفي، فعنَّفْتُ زوجتي بسبب مُيولها الدائم لافتعال المشاكل بسبب رغبتها الدائمة في الذهاب إلى بيت أهلها، مما يُخالف العُرف والتقاليد.

بعد الولادة أتى والد زوجتي وأراد أخذها بلا سبب، مما أدى إلى المشاجرة، وبعد تدخُّل الأهل أخبروني بترْكها حتى تهدأ الأمور، فسمحتُ لها.

حاولتُ الاتصال لفترات طويلة، لكنهم لم يردُّوا عليَّ، حتى بعد شهر من الاتصالات رد والدها، وأخبرني بأنني لا أملك لا زوجة ولا ولدًا لديه، فتشاجرنا عبر الهاتف!

حاولتُ إرسال أهل الخير والأهل لحلِّ الأمر، لكن أهلها اعتدوا عليهم، ورفضوا النقاش نهائيًّا، وقال والدها: لن أسمح بعودتها، حتى وإن رغبتْ هي في الرُّجوع، كما حرَّضها على طلَب الخُلْع، رغم رغبتها في العودة، وللأسف وافقت المحكمة على الخُلْع، ولم أرَ ابني.

الآن هي تُريد العودة، لكنها تَضَع شُروطًا لإذلالي؛ لأنها تعرِف أني متعلِّق بالطِّفْل، والمشكلة أنها ترى أنَّ طاعة أهلِها أوجب مِنْ طاعة زوجها، صبرتُ كثيرًا على أذاهم، وبُعد ابني أتعبني.

فكَّرتُ في الزواج، لكني أفكِّر في طفلي وزوجتي المخدوعة، فلا يمكن أن يتربَّى ابني وسط هذه العائلة.

فأرجو أن تُقَدِّموا لي النُّصْح فيما يمكنني أن أفعلَه لأردَّ زوجتي ولأتخلص من ظُلم أهلها.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فشكَر الله لك صبرك وتحمُّلك كل هذه الصِّعاب والإهانات من زوجتك وأسرتها، والذي زاد مع الأسف مِن تجبُّرهم وتصلُّبِهم في الأمر، فبعض الناس يزداد تعنُّتهم وقسوتهم كلما رأوا الصبر والسماحة والحِرْص من الزوج، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أما ما يجب عليك فِعْله لِرَأْب الصَّدْعِ، فأنت وأسرتك قد فعلْتُم كل ما يُمكن أن يُنْصَحَ به في مثل هذه المشاكل؛ مِن ذهابٍ إليهم، وتحمُّل الأذى، وتوسيط أهل العلم، وكل هذا وهُم يتمادون في غيِّهم، ولذلك لم يبقَ إلا العلاجُ الأخير وهو علاجٌ ناجع بإذن الله في هذه الحالات، وهو الترْكُ والإهمال والاستعانة بالصبر الجميل، وهو ما سيُغير قواعد المشكلة، ويجعلهم في موقف الطالب لا المطلوب، لكن شريطة أن تصبرَ، فإن كان في أمِّ ولَدِك خيرٌ وحرصٌ حقيقيٌّ على مواصَلة الحياة معك، فستخرج عن سلبيتها مع والدها، وترغمه على العودة إليك، أو على أقل تقدير تطالب بحقِّها في الاختيار وتدافع عن حقِّها في الحياة والعودة إليك، فإنْ أبى والدُها إلا العضل وأبى عودتها إليك، فحينها يزوجك من يليه من الأولياء من أخ أو عم حسب ترتيب الولاية الشرعية.

وحينها يصلح تقويمُها وتعليمُها أن طاعة الزوج مُقَدَّمة على طاعة والديها، "فالمرأةُ إذا تزوجتْ كان زوجُها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب؛ قال الله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34]، وفي الحديثِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدنيا متاعٌ، وخيرُ متاعها المرأة الصالحة؛ إذا نظرت إليها سرَّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك».

وروى أحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها؛ دَخَلَتْ مِن أي أبواب الجنة شاءتْ».

وفي التِّرمذي، عن أم سلَمة، قالتْ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة ماتتْ وزوجها راضٍ عنها دخلت الجنة»، وقال التِّرمذي: حديث حسن.

وعن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنتُ آمرًا لأحد أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجدَ لزوجها»؛ أخرجه الترمذي، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (32/ 261).

وقال أيضًا (32/ 263): "قال زيد بن ثابت: الزوجُ سيدٌ في كتاب الله، وقرأ قوله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف: 25]، وقال عمرُ بنُ الخَطَّاب: النكاحُ رق، فلْينظر أحدكم عند مَن يرق كريمته، وفي الترمذي وغيره عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هنَّ عندكم عوان»، فالمرأةُ عند زوجها تُشبه الرقيق والأسير، فليس لها أن تخرجَ مِن منزله إلا بإذنه؛ سواء أمرها أبوها، أو أمها، أو غير أبويها باتفاق الأئمة.

وإذا أراد الرجلُ أن ينتقل إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه، وحفظ حدود الله فيها، ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك: فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها؛ فإن الأبوين هما ظالمان؛ ليس لهما أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج، وليس لها أن تطيعَ أمها فيما تأمرها به من الاختلاع منه، أو مضاجرته حتى يطلقها: مثل أن تُطالبه من النفقة والكسوة والصداق بما تطلبه ليُطَلِّقها، فلا يحل لها أن تطيعَ واحدًا من أبويها في طلاقه إذا كان متَّقِيًا لله فيها؛ ففي السنن الأربعة وصحيح ابن أبي حاتم عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة سألتْ زوجها الطلاق من غير ما بأسٍ، فحرام عليها رائحة الجنة»، وفي حديثٍ آخر: «المختلعات والمنتزعات هن المنافقات».

وبدون ذلك العلم والتقويم والصبر عليها، فستعود الأخطاء مجددًا، وستَتَكَرَّر المشكلة ما حييتم.

أما ابنك فاسْتَوْدِعه الله تعالى الذي لا تضيع ودائعه أن يحفظه ويرعاه، واتق الله في سِرِّك وعلنك يحفظك الله في ولدك، فالله تعالى يحفظ الذرية بصلاح الوالدين؛ قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الكهف: 82].

تعلم أيها الأخ الكريم أنَّ الإيمان بالقضاء والقدَر يَظْهَرُ أثَرُه الطيب وثمرته على العبد فيما يجري علينا من المصائب التي لا حيلة له في دفعها، فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فِعْلِهم، فاصبر عليه، وارضَ وسَلِّم، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11]، قال بعضُ السلَف: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويُسلِّم؛ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القويُّ خيرٌ وأحب إلى الله مِن المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرصْ على ما ينفعك، واستعنْ بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ، فلا تقل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان».

أما مسألةُ زواجك من أخرى، فإنْ قويت على أن تُؤجلها بعض الوقت لتنظرَ كيف سيكون رد فِعْل أسرة زوجتك في الأيام القليلة القادمة، وهل سيجدي معهم ما ذكرته لك فأَجِّلْ، فإن طال بك الانتظار فتَزَوَّجْ بأخرى، ومتى عادتْ أُمُّ ولَدِك لرشدها فرَدَّها لعصمتك.

والله أسأل أن يُقَدِّر لك الخير حيث كان.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 14
  • 2
  • 91,180

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً