ابنتي تكلم الشباب عبر النت ولم ينفع معها العقاب!

منذ 2017-07-19

لاقتنا بأبنائنا تحتاج منّا الصبر والتصبّر، والمداومة على الاهتمام والمتابعة اللطيفة، والحرص على التفنن في أساليب التربية والتزوّد بالمعلومات الخاصة التي تعيننا على المهمّة العظيمة مهمة التربية.

السؤال:

بدأت مشكلتي مع ابنتي منذ ثلاث سنوات حين اكتشفت لأول مرة أنها تكلم شابًا عبر الانترنت، وكان عمرها ١٣ سنة؛ فصدمت؛ فهي بالنسبة لي لا تزال طفلة، ولم أكن أعلم أنها تفكر في مثل هذه الأشياء. جلست معها وكلمتها بدون عصبية ولا صراخ، وحاولت أن أفهمها أن هذا حرام وغلط، غير أنه سيلهيها عن دراستها، كانت جلسة مطولة تقريبًا ثلاث ساعات، والكلام كثير، وطلبت منها أن لا تفعل هذا ثانية، وإذا كلمها أحد أن تقول لي وتحكي لي كل شيء، ووعدتني بذلك، وقلت لها إني لن أخبر والدها؛ لأنه عصبي ولن يتكلم؛ فسيضربها بدون أي كلمة، وهي تعلم ذلك، مع أنه حنون وطيب، لكن وقت الغلط لا يتفهم أبدًا، المهم أنني راقبتها من بعيد ودون أن تحس، وبعد فترة اكتشفت أنها تكلم شبابًا، وبصراحة فقدت أعصابي وضربتها؛ لأنها لم تحس بأي كلمة قلتها لها، وأخذت منها كل الأجهزة، لكني لم أخبر أباها، وتكرر الموضوع بعد فترة؛ حيث أخذت جهاز أخيها، وكلمت شبابًا؛ فأحسست أني لم أعد أقدر أن أتحمل، وقررت أن أخبر أباها، لكني تراجعت عن قراري؛ خوفًا من رد فعله، وأنا أعاني وأدعو ربي في كل صلاة أن يهديها، وفي يوم استيقظت على صوت صراخ وضرب؛ فقد اكتشف والدها أنها تكلم أحدًا، وأخذ الجهاز، وقرأ كل ما كتبت؛ فجن جنونه، وكان يومًا لا أعاده الله علينا، انهرت وهو يضربها ولا يعلم أني قد سترت عليها أكثر من مرة، لكنها لم تتب ولم تتعظ، وأخذ منها الأجهزة، ومنعها من النت، وقاطعها، واستمر ذلك حوالي سنة، وبعد محاولات عدة مني كي يسامحها فعل، وللأسف؛ بعدها بفترة لم تكن طويلة اكتشف ثانية أنها لا تزال تكلم الشباب، وضربها ثانية، وقاطعها ولم يعد يكلمها إلى الآن.

الأدهى والأمر أنني بعد ذلك وجدت عندها موبايلاً أخذته من صديقة لها، وأخذته منها، وبعدها بفترة وجدت عندها موبايلاً آخر اشترته من مصروفها، وأخذته منها.

أتعبتني كثيرًا، ولم أعد أعرف كيف أتصرف معها! صاحبتها وخرجت معها، وكلمتها كصديقة لا كأم، وضربتها وعاقبتها وقاطعتها، ولم أعد أعرف كيف أتصرف معها! مع العلم أني ربيتها جيدًا على الخوف من الله، والصلاة، ولم أحرمها شيئًا باستطاعتي، لكني وصلت معها لطريق مسدود.

أنا لم أحك أشياء كثيرة جدًا كي لا أطيل. أفيدوني جزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

أهلاً بك أختي، أشكرك على تواصلك وثقتك بمستشارك الخاص.

يظهر تميّزك في تربية أبنائك، وحرصك واضح على ابنتك خاصة، وعلاقتك بزوجك طيبة، زادكم الله من فضله.

اعلمي أخيّتي أنّ علاقتنا بأبنائنا تحتاج منّا الصبر والتصبّر، والمداومة على الاهتمام والمتابعة اللطيفة، والحرص على التفنن في أساليب التربية والتزوّد بالمعلومات الخاصة التي تعيننا على المهمّة العظيمة مهمة التربية، وسأقدّم لك أيتها الفاضلة بعض التشخيص والنصائح التي ستفيدك بعون الله:

- اعرفي حالة ابنتك، واحذري أن تشعري بالغمّ والحزن في داخلك، واحذري أن تجرّمي ابنتك وتتعاملي معها بغير إشفاق، بل احرصي على حمايتها؛ فهي ضحية ومن غيرك وغير أهلها سيحمونها من نفسها قبل الشياطين المحيطة، والتي أصبحت اليوم تدخل في بيوتنا عبر الفضاء الافتراضي دون استئذان منا، لا تلحقي بها أي أذى، بل حاولي استحضار الهمة للتحدي والإحساس بالشفقة على غرسك الطيب.

 

- لا بد أن تتعرفي على أسباب الحالة ومنها مثلاً:

1- الفراغ ووجود المال، فقد قال الشاعر:

 إنّ الفراغ والجِدَة ** مفسدةٌ للمرء أيُّ مفسدة

الفراغ الروحي والعاطفي، فلو وجدت العاطفة التي تشبع احتياجها من خلال الاهتمام بالجرعة التي تناسب نمط شخصيتها وطريقة تفكيرها؛ لجنّبناها هذه الحالة من التردي، ولو كان لها مربّون يعينكم على تنشئتها تنشئة دينية سويّة؛ لما كان عندها هذه الثغرة التي جاءها الشيطان منها.

2- قلة الاهتمامات، وضعف استثمار الطاقة الذاتية، كممارسة الهوايات والأنشطة الرياضية والتطوعية وغيرها.

3- ضعف معرفة الذات، والتي يعدّها مختصو التنمية البشرية من أولويات العلوم الضرورية لتجنّب الانزلاقات النفسية والقيمية، فالذات هي النفس، والله أوصانا بأنفسنا خيرًا وكلّفنا بسبر أغوارها {وفي أنفسِكم أفلا تبصرون} ليكون التبصّر في النفس خطوة أولى لتزكيتها وحمايتها {قد أفلح من زكّاها*وقد خاب من دسّاها} والفلاح في الدنيا هومبشر الفلاح في الآخرة.

4- الصحبة واختيار المدرسة، قد تكون ابنتك تعرضت لصحبة فاسدة مفسدة أعانوها ومهّدوا لها الانحدار، وقد تكون مدرستها بيئة غير متكاملة مع جهودكم التربوية ورؤاكم في البيت.

5- ضعف المراقبة والمتابعة المتواصلة بل وضعف علاقة الصداقة التي بدت في تصرفاتها معك؛ مما يجعلك تشعرين بخيبة الأمل، فقد كنت تحسبين أنك قريبة منها.

6- عدم معرفة ابنتك خطورة تصرفها من منظور الشرع ومنظور المجتمع.

 

أتمنى منك أن تنظري للأسباب، وتضعي لها العلاجات المناسبة، ومنها:

- استعيني بالله ولا تعجزي، وكوني على صلة قوية بالله في الدعوات الطيبات لابنتك ولبيتك، ولتسمع ابنتك بعض دعائك في بعض الأحيان، اجعلي كلمات الدعاء إيجابية تحمل الفرح والطموح، وترسم مستقبلاً باهرًا مشرقًا لها، ستسمعه ابنتك فتكون به سعيدة، وستحرص على تلبية أمنياتك بعون الله، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لابن عمه الصغير عبد الله ابن عباس عندما كان يساعده على النوم في طفولته؛ فكان عبدالله إذا ما أغمض عينيه سمع رسول الله يدعو له: "اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل" فصار حَبر الأمّة وترجمان القرآن.

- لتسمع منك الدعاء عندما تودعينها للمدرسة أو عند نومها، ولتسمعه منك إذا قدّمت لك خدمة ما، أو رأتك وحدك تلهجين لها ولإخوانها بدعوات طيبة.

وليكن ظنّك بالله حسنا "أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء" كوني على ثقة بعون الله لك وبحمايته لغرسك الطيب، استودعيها الله وثقي بالله، فلا تضيع عنده الودائع، ولا تيأسي أو تضعفي "فإنه لا ييأس من رَوح الله إلا القوم الكافرون" والشيطان يسعد بضعفك، فخيّبي رجاءه، واتخذيه عدوًّا.

- احرصي على تربية ابنتك على القيم من خلال الحوار والتربية بالمواقف، وتقييم الأحداث وأفعال الأشخاص، دون إطالة أو إساءة، والتركيز على فعل الإنسان وليس على شخصه، مع مراعاة مشاعرها ومنطقها وتعاطيها للأمور.

- استخدمي مهارات التفكير في الحوار، كأن تقولي لها وأنت تسردين حدثًا ما تختارينه عن قصد: لو كنت مكان فلانة ماذا كنت ستتصرفين؟ وهكذا.

- تعرّفي على مهارات التفكير من خلال روابط خاصة على الشبكة العنكبوتية (net) وتزوّدي بالمعرفة العميقة في فنون التواصل مع الأبناء والأساليب التربوية، من خلال متابعة إصدارات وإنتاجات الأساتذة الأفاضل: د.مصطفى أبوسعد، ود.محمد الثويني، فقد قدّما فنونًا رائعة في هذا المجال ستجدين منها على (youtube)

- اجتهدي في متابعة أصدقاء ابنتك بكل لطف وحب ودون أن تؤذيها، وغيّري صداقاتها من خلال وضعها في بيئات مناسبة تجعلها تنخرط بالطيبين، كجلسات القرآن وما يتمخّض عنه من أنشطة، فإن لم يجد؛ فلتنشئي مع مجموعة من الأمهات الطيبات مجموعة من بناتكن وتخترن لهنّ مربية تعلمهنّ القرآن وتدرّبهن على فهمه، وكيف لهن أن يعيشوه منهج حياة، ولتنشغل مع فرق العمل التطوعي الإنساني، والصحبة المأمولة في الدورات التدريبية التي تعزيز المهارات وتصقل الشخصيّة.

- أشغليها بالأنشطة التي تحبّها، وشاركيها بعضها، واملئي فراغها بكل ما ينظف ذهنها ويوجّه طاقتها نحو الأفضل، دون أن تذكري لها ما يسوؤها من هذه الخطة.

- امنعي كل الأجهزة الذكية لفترة ما، اتفقي معها عليها من باب أنكم فقدتم الثقة بها، فإن صلحت ونجحت في إعادة الثقة؛ فإنها ستنال ما تريد ضمن الحدود.

- استخدموا الثواب والعقاب، على أن يكون العقاب معروف مسبقًا ومرتبطًا بزمن، كأن تقولي لها: إذا استهنت بمراقبة الله لك وبحبنا وحرصنا عليك وثقتنا بك، وعاودت التواصل مع الشباب على شبكات التواصل والانزلاق مع صديقات السوء؛ فسأحرمك من الجوال ثلاثة أشهر أو طيلة عطلة الصيف، وهكذا، (لاحظي عبارات التوجيه ومخاطبة العواطف والقيم في صياغة العقاب).

اعلمي عزيزتي أن انتشار الرذيلة والشذوذ عبر الفضاء الإلكتروني يصل إلى أبنائنا في غرفهم وعبر أجهزتهم؛ لذا لن نستطيع حرمانهم من الأجهزة بشكل مستمر ودائم، لكننا نستطيع غرس وتعزيز القيم والرقابة الإلهية في نفوسهم، فيتخذون قرارتهم التي تنسجم مع تربية سويّة نشأوا عليها.

من هنا كان لزامًا أن تصنعي ابنتك على عين الله فتشغليها بما يملأ وقتها، وتحيطيها بالصالحات من الصاحبات؛ فالصاحب ساحب، اجعلي لها جلسة أسبوعية خارج نطاق المدرسة تجمعها بمن تحب من الصديقات والقريبات الشبيهات لها في الطيبة، ولتكن لهنّ أستاذة مربية تأمنونها تعلمهنّ القرآن فهمًا وتدبّرًا وحفظًا، ثم يعيشونه في الواقع منهج حياة؛ فيصنعون مشاريعهم الخيرية، ويتحركون لتحقيق ذواتهم وخدمة الناس وإعمار الأرض، وهكذا.

 ستنشغل حينها بعظائم الأمور، وتكونين قد جعلت منها مستخدمة جيدة للتقنيات الحديثة، فإن كتبت منشورًا تكتبه لتعبّر عن مشاعرها وهي تقوم بنشاط طيب أو لتصف هذا النشاط فتحفّز الجيل وهكذا.

اكتبي التقنيات الحديثة وتابعي حساباتها عن قرب. قد تفاجئين -لا قدّر الله- بأنها تورّطت بأمر ما، لا تجرّميها ولا تشعريها بأنك مستاءة منها لدرجة الاشمئزاز والهجر، بل أحيطيها باحتوائك، وأشعريها أنك ستخففين عنها ما تمرّ به حتى تثق بك دون إخفاء ذلك عن والدها، بل اتفقي معه مسبقًا أنكما ستعالجان الأمر سويًّا فبعض الأمور تحتاج تدخّل الرجال.

تعرفي على نمط شخصيتها، ولتتعرف هي كذلك، بل لتتعرفوا جميع في البيت على أنماط شخصياتكم التي تشكل باقة ملونة تجعل من بيتكم لوحة ألوان زاهية وعبيرًا فواحًا من هذا الخليط، تعرفوا على سمات شخصياتكم (كفقرة جماعية مشوّقة ) وتبادلوا الحديث عن أنفسكم بطريقة رائعة من خلال متابعة رابط أنواع الشخصية 16.

أسأل الله أن يعينك ووالدها، ويصبّركما، ويجعلكما قدوة طيبة لها، ويرزقك صداقتها، ويهديها إلى كل خير وتميّز، رزقكم الله برّها، وجعلها وإخوانَها ذخرًا للأمة والأوطان.

 

المستشار: د. منال العواودة
  • 102
  • 8
  • 233,017

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً