متلعقة بزوجي جدا، حتى أصبح كل شيء في حياتي

منذ 2017-07-19

حب الزوجة لزوجها وتفانيها في إسعاده لهو رزق عظيم يمن الله تعالى به على الزوج، لأن المرأة إذا أحبت أخلصت في العطاء، وجعلت قلبها سكنًا ووطنًا لمن تحب.

السؤال:

أنا مدرسة لغة إنجليزية، وحاصلة على دراسات عليا في التربية الخاصة، ولا أعمل، أعاني من مشكلة التعلق الشديد بزوجي، فهو يمثل لي كل شيء في حياتي، لا أرى الدنيا إلا من خلاله، وحدثت مشكلات كثيرة بيننا، وفي كل مرة أذهب إلى بيت والدي، أشعر باكتئاب شديد لبعدي عنه، وأشعر بأرق وحزن شديد، ونتصالح بعد فترة، وأشعر بسعادة غير عادية.

 إلى أن صدمت مرة ووجدت ورقة مكتوب فيها أنه يفكر في الزواج بأخرى، وأنه مبرر لنفسه بأنه غير سعيد معي، وغير مستمتع بالحياة معي، وذلك لأني لست بالجمال الذي يتمناه، مثل: بياض اللون، وهكذا، وأن كل حولنا سعيد إلا هو، فكانت أكبر صدمة في حياتي، لأني أحبه كثيرًا، فواجهته بهذه الورقة، ولم ينكرها نهائيًا، ونظرًا لحرصي الشديد على الحفاظ على أسرتي، وأن يعيش أولادي في رعاية واهتمام والدهم، والسبب الأكبر هو تعلقي الشديد به، جلست وتحدثت معه في جميع الأشياء التي ترضيه، ووعدته بالتغيير من نفسي من ناحية الاهتمام بنفسي بشكل أكثر من الأول، وتعايشت وتناسيت الموضوع من الظاهر، ولكن الحقيقة أني لم أنسه نهائيًا، وكلما أنظر إليه أتذكر كل شيء، وهو أنه جرحني، وأنه فكر في غيري، مع أني مخلصة له، ولا أرى أي شخص غيره، وملتزمة في ملابسي، وغير متبرجة.

 أما التي فكر بها، فهي عكس هذا، فهي متبرجة وغير ملتزمة، وحينما قابلتها صدفة، شعرت بإحساس غير عادي من الغضب والحزن الشديد، وشعرت بعدم الاتزان، كأن قدمي عجزتا عن حملي.

 أريد أن أتخلص من الشعور بالتبعية له، ومن هذا التعلق، أريد أن يكون بالنسبة لي إنسان عادي حتى أستطيع العيش بحرية.

 عذرًا عن الإطالة.

الإجابة:

أختي الكريمة: أرحب بك في موقعنا، وأشكرك على مشاركتك لنا بمشكلتك، وأسأل الله تعالى أن ينفعك بالإجابة.

 أختي الكريمة: إن حب الزوجة لزوجها وتفانيها في إسعاده لهو رزق عظيم يمن الله تعالى به على الزوج، لأن المرأة إذا أحبت أخلصت في العطاء، وجعلت قلبها سكنًا ووطنًا لمن تحب.

 والله تعالى قد خلق المرأة سكنا للرجل وجعل بين الزوجين المودة والرحمة التي هي أقوى وأكثر استدامة من الحب وحده، ولكن كل شيء ينبغي أن يكون بمقدار، فالمبالغة في أي أمر معين، حتى ولو كان خيرًا، قد تؤدي إلى نتائج سلبية، وانظري إلى قول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: [أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما)، ولو نظرت لمعنى الحديث وجدت أن المرء ينبغي أن يدرك أن الأمور لا تبقى على حال، فمن نحب قد يأتي سبب معين ونكرهه في يوم ما، أو قد يتغير الحال ونرى فيمن كنا نكرهه أمورًا تجعلنا نحبه، فالمبالغة في الكره أو الحب لن تحفظ لنا خط الرجعة إن حدث تغير في الأمور، وستجعل وقع الألم النفسي أيضًا علينا أكبر إن شعرنا بالأذية ممن نحب.

 والأمر الجيد أنك تدركين أن تعلقك الشديد هذا بزوجك ليس أمرًا صحيحًا، لأنك أصبحت لا ترين سعادتك إلا من خلاله هو، رغم أن الأصل في السعادة أن تنبغ من داخل أنفسنا لا أن نستمد سعادتنا من غيرنا، لأننا إن ربطنا سعادتنا بشخص ما كانت سعادة متأرجحة متقلبة بتقلب سلوك ذلك الشخص وتقلب الظروف، وكانت سعادة مقننة بما يجوده علينا ذلك الشخص من رضا وحب، فالسعادة هي ثمرة للرضا عن النفس وللقناعة ولقوة إيمان المرء وتعلق قلبه بالله تعالى، وثمرة أيضًا لإحسان الظن بالله تعالى والرضا والتسليم بقضائه، فالله تعالى جعل أسباب السعادة في أنفسنا، أمر نملك تحصيله بإيماننا وأعمالنا، ولم يجعلها مرتبطة بالأمور المادية، التي قد نملكها أو لا نملكها، لأنه هو العادل الحكيم سبحانه.

 ولكن، كما أسلفت، فكونك تدركين أن تعلقك ليس في حدوده الطبيعية، فهذا أمر جيد، لإن إدراكنا لوجود المشكلة هو بداية الطريق إلى حلها، بإذن الله.

 وأنت امرأة متعلمة، ومؤهلة لتدريس اللغة الإنجليزية وحاصلة على دراسات عليا في التربية الخاصة، وشهاداتك هذه أمر قد حصلته بتعبك وجهدك، فهي جزء من مجهودك الخاص الذي ينبغي أن لا تفرطي فيه وأن تقدريه أكثر، فلم لا تبحثين عن عمل، فكلا التخصصين جميل ويخدم المجتمع، سواء عملك في مجال التربية الخاصة مع ذوي الاحتياجات الخاصة، أو لتدريس اللغة الإنجليزية.

 ألا تعتقدين أن حصولك على عمل أمر من شأنه أن يرفع من ثقتك بنفسك، ويشعرك بأن لك كيانًا خاصًا بك مستقلًا عن زوجك، فربما أن تعلقك الزائد بزوجك هذا مرده إلى حد ما هو وجود الفراغ في حياتك، وشعورك بالحاجة الكبيرة لدعمه واعتمادك عليه، وأنا لا أقصد بالفراغ الوقت فقط، ولكن أيضا الاهتمامات، فإن عملت في مجال تخصصك، ووضعت بعضا من عاطفتك وقوة العطاء عندك في عملك، وشعرت بالتأثير الإيجابي الذي تستطيعين أن تتركيه في غيرك، عاد عليك هذا بكم من السعادة أدركتها بحسن عملك، وليس فقط بتعلقك بزوجك.

 فإن وسيلتك الآن لتخفيف تعلقك بزوجك، وولعك الشديد به هو أن تدركي أن سعادتك أمر تحصلينه أنت بإيمانك وعملك لا تستمدينه من شخص ما، لهذا فإن تعليق القلب بالله تعالى دون سواه هو الأصل في قدرتنا على وضع عواطفنا نحو كل من حب في قالبها المناسب، فإن تعلق القلب بالله تعالى، فملأ حب الله تعالى أركانه، وشعرنا بالسعادة التي تغمر حياتنا من خلاله، كان حبنا لأبنائنا ولأزواجنا حبًا مليئًا بالعطاء، لكنه حب في حدوده الصحيحة يترك مساحة لتغير النفوس ولقضاء الله تعالى وقدره، لأننا ندرك أن القلوب بيد الله تعالى يقلبها كيف يشاء، وأنه كل ما في حياتنا عرضة للفناء والخسران.

 أختي الكريمة: لقد وجدت بنفسك رسالة كتبها زوجك يعبر فيها أنه غير سعيد، لأنك لست بالجمال الذي يريده، وقد تكون مجرد كلمات كتبها للمرأة الأخرى لكي يبرر لها علاقته بها رغم زواجه، لكنها قد تكون أيضًا كلمات عناها، لكنك قد أيدت كلامه بأنك سمراء مثلا أو غيره، مما يجعلك فعلا لست بالجمال الذي يريده، وتأييدك هذا لكلامه يريك إلى أي مدى تعلقك الشديد به يعميك عن رؤية نفسك وتقديرها، وليس هنالك خطأ في رغبتك بالمحافظة على بيتك والاعناء أكثر بجمالك ومنظرك، فحسن تبعل المرأة لزوجها عبادة، لكن الخطأ أنك قد شككت فعلًا في نفسك، وأيدت أسبابه التي يتعذر بها لنفسه وغيره، وأيقنت أن الخطأ منك أنت، فهلا أنصفت نفسك بعض الشيء وخففت من تعلقك هذا الذي أصبح عبئا حتى على نظرتك لنفسك.

 وأنا أعتقد أن بحث زوجك عن امرأة أو علاقة أخرى ربما تكونين أنت السبب فيه فعلًا، ولكن ليس لأنك لست جميلة كما يريد، أو غيره من الأسباب الأخرى التي قد تبررينها له، لكن لأنه يريد علاقة بشخص له كيانه المستقل، شخص ليس تابعًا له، شخص يشعر بقوته وبشخصيته المستقلة، وهنالك بعض من الرجال يحب المرأة التي لها كيانها واستقلالها، ولها أهدافها وأفكارها الخاصة بها، وأن يشعر أنها مختلفة عنه، فإن انصهرت المرأة في بوتقته وأفنت نفسها من خلاله، لم يعد فيها ما يجذبه، وذهب يبحث عن غيرها، لأن هذه طبيعته، وهذا ما يعرف في علم الشخصيات بالرجل الشمالي والذي هو على العكس من الرجل الجنوبي الذي يحب المرأة المطيعة اللينة التي تعيش في ظله.

 أختي الكريمة: انظري معي كيف أن تعلقك الشديد بزوجك جعلك لا تستطيعين الابتعاد عنه حتى للعمل، وسيؤثر أيضًا، بلا شك، حتى على قدرتك على العطاء نحو أبنائك الذين ينبغوا أن يكونوا على قائمة أهدافك، وأنا لا أقصد بكلامي هذا أن تتوقفي عن حب زوجك، أو تعتقدين أن حبك له أمر خاطئ، فالحب بين الزوجين هو الوقود الذي يستمده الزواج لكي يستمر، لكن الوسطية في كل الأمور هي خير، وكل أمر زاد عن حده له عواقبه، فاجلسي مع نفسك وفكري بوضوح في مشكلتك، وأخرجي نفسك من داخل الدائرة، وانظري إلى مشكلتك من خارج إطارها، وقيمي الأمور بعقلانية وتبصر.

 ثم اعطي لنفسك أيضًا حقها، وإن كان لك هوايات أو مواهب ما تستطيعين استثمارها ففكري بها وأعطها بعضًا من وقتك وفكرك، واهتمي بنفسك ومارسي الرياضة وحاولي تطوير قدراتك، واجعلي لك أمورًا خاصة بك أنت، واسعي إلى تحقيقها.

 والتجئي لله تعالى وقوي من علاقتك به، وأكثري لنفسك من الدعاء بأن يملأ الله تعالى قلبك بمحبته ورضاه، ويبصرك بما فيه نفعك ونفع عائلتك، واسألي الله تعالى العون والتوفيق.

 ودمتم سالمين.

 

المستشار: أ. فدوى الشمايله
  • 59
  • -1
  • 61,246

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً