حكم تعويضات شركات التأمين التجاري عن حوادث السير

منذ 2013-02-14
السؤال:

إنه أصيب في حادث سيارة ولحقت به إصابات وكسور، وسيحصل على تعويض مالي من إحدى شركات التأمين التجاري، فما الحكم الشرعي في هذا التعويض، أفيدونا؟

الإجابة:

لا بد أن أبين أولاً أن ما يتناقله بعض الناس من أن أخذ العوض حرام؛ كلامٌ باطلٌ شرعاً، فمبدأ التعويض عن الضرر مشروع في الفقه الإسلامي، وقد فصل العلماء الأسباب الشرعية الموجبة للتعويض المالي، ولا يتسع المقام لتفصيلها، وقد قامت على أخذ التعويض المالي أدلةٌ كثيرةٌ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ووردت آثارٌ عن الصحابة والتابعين وعمل بهذا المبدأ فقهاء الأمة، فمن ذلك قوله تعالى: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء:92]. فقد قرر الله جل جلاله مبدأ التعويض المالي عن قتل النفس المعصومة خطأً، وألحق الفقهاء بذلك الدية في القتل العمد وشبه العمد لما ثبت عندهم من الأدلة في ذلك.

ومن النصوص الدالة على جواز أخذ التعويض المالي قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194] وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل:126].

وأخذ التعويض ثابتٌ بالسنة النبوية فمن ذلك كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن وقد بين فيه الفرائض والسنن والديات، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان وابن القطان.

وكذلك ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها عبدٌ أو وليدةٌ، وقضى بدية المرأة على عاقلتها" (رواه البخاري ومسلم).

ومما يدل على ذلك أيضاً ما ورد في الحديث عن حرام بن محيصة "أن ناقة للبراء دخلت حائطاً فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها" (رواه أحمد وأبو داود ومالك وصححه العلامة في السلسلة الصحيحة 1/423).

ومما يدل على جواز أخذ التعويض المالي أيضاً ما ورد في الحديث عن أنس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادمٍ بقصعةٍ فيها طعامٌ، فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال: كلوا وحبس الرسول صلى الله عليه وسلم القصعة حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة" رواه البخاري.

وأما ثانياً فإن عقد التأمين التجاري بكافة أشكاله عقدٌ باطلٌ شرعاً، لاشتماله على الغرر المفسد للعقد ولاشتماله على الربا وعلى المقامرة، ولاشتماله على شروط باطلة، والبديل عن التأمين التجاري هو التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي، وهذا ما اتفق عليه علماء العصر وأقرته الهيئات العلمية المعتبرة والمجامع الفقهية، ومن ذلك قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي سنة 1406هـ وفق 1985م وجاء فيه ما يلي:

"أولاً: إن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقدٌ فيه غررٌ كبيرٌ مفسدٌ للعقد، ولذا فهو حرامٌ شرعاً.

ثانياً: إن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون، وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني .ثالثاً: دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين، حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال، ومن مخالفة النظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة" مجلة المجمع عدد2، ج2/731.

وأما ثالثاً: فمع قولنا ببطلان عقد التأمين التجاري، فإنه يجوز التعامل به إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول:"الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامةً كانت أو خاصةً".

وهذا التعامل يجوز في حالة عدم وجود البديل الشرعي، وهو التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي، فإذا وجد البديل الشرعي فحينئذٍ يحرم شرعاً التعامل مع التأمين التجاري، والذي يبرر الأخذ بهذه القاعدة في التأمين التجاري أنه مفروض بحكم القوانين والأنظمة المطبقة في بلادنا، فمن المعلوم أن التأمين التجاري أصبح أمراً لا مفر منه في جوانب عديدة في حياتنا، ولكني أنصح كل من أمكنه أن يتعامل مع البديل الشرعي وهو التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي، فعليه أن يفعل ذلك وجوباً وليس ندباً أو اختياراً.

ومن المعلوم أن التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي، يختلف عن التأمين التجري من أوجه عديدة، منها:
أولاً: التأمين الإسلامي يقوم على مبدأ التعاون والتكافل، وهو مبدأٌ شرعيٌ أصيلٌ قامت عليه عشرات الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: إن التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالةً التعاونُ على تفتيت الأخطار، فالأقساط المقدمة من حملة الوثائق في التأمين التعاوني تأخذ صفة التبرع وهو تبرع يلزم بالقول على رأي الإمام مالك رحمه الله. وعلى هذا يكون العضو ملتزماً بدفع القسط بمجرد توقيعه على العقد، وبالتالي يكون الأعضاء متبرعين بالأقساط التي يدفعونها، وبعوائد استثمار هذه الأقساط، في حدود المبالغ اللازمة لدفع التعويضات عن الأضرار التي تصيب أحدهم. كما يتضمن التوقيعُ على وثيقة التأمين قبولَ العضو للتبرع من مجموع أموال التأمين، أي الأقساط وعوائدها الاستثمارية وفقاً لأحكام وثيقة التأمين والنظام الأساسي للشركة حسب أحكام الشريعة الإسلامية، والعضو لا يتبرع بالأقساط وعوائدها جملة، بل يتبرع منها بما يكفي لدفع التعويضات... ولا مانع أن يحقق التأمين التعاوني أرباحاً من خلال استثمار الأرصدة المجتمعة لديه استثماراً مشروعاً، والممنوع هو أن تكون الغاية المعاوضة والاسترباح لا مجرد تحقيق الأرباح" التأمين التعاوني الإسلامي د. صالح بن حميد، عن الإنترنت.

ثالثاً: تخلو عقود التأمين الإسلامي من الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة، فعقود المساهمين ليست ربوية ولا يُستغل ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية. التأمين الإسلامي د.علي القرة داغي ص 210.

رابعاً: التأمين الإسلامي يعتمد على أقساط التأمين المحصلة، وعلى استثمارها في أمور مشروعة تخلو من الربا أو المعاملات المحرمة ويتم دفع التعويضات من ذلك. كما أن شركة التأمين الإسلامي لا تتملك أقساط التأمين وإنما تكون ملكاً لحساب التأمين وهو حق للمشتركين، وتقوم شركة التأمين الإسلامي بإدارة الحساب نيابة عنهم.

خامساً: الفائض في التأمين الإسلامي يعود إلى مجموع المؤمنين ولا يعود إلى شركة التأمين، ولكن شركة التأمين الإسلامي تأخذ حصةً من الفائض، إما باعتبارها وكيلةً بأجرٍ أو باعبتارها مضارباً.

سادساً: تحتفظ شركة التأمين الإسلامي بحسابين منفصلين،أحدهما لاستثمار رأس المال، والآخر لحسابات أموال التأمين.

سابعاً: شركات التأمين الإسلامي هي شركات خدمات، أي أنها تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابةً عن هيئة المشتركين، وعلاقة الشركة بهيئة المشتركين علاقة معاوضة، فهي الأمينة على أموال التأمين، وتقوم بالإدارة نيابةً عن هيئة المشتركين، والعوض الذي تأخذه الشركة مبلغٌ مقطوعٌ، أو نسبةٌ من الأقساط التي تجمعها، أو التعويضات التي تدفعها باعتبارها وكيلاً، أو نسبةٌ معلومةٌ من عائد الاستثمار باعتبارها مضارباً، أو هما معاً" التأمين التعاوني الإسلامي د.صالح بن حميد.عن الإنترنت.

ثامناً: تخضع جميع أعمال شركة التأمين الإسلامي للتدقيق من هيئة رقابة شرعية للنظر في مدى توافقها مع الأحكام الشرعية.

إذا تقرر هذا فإنه يجوز أخذ التعويضات التي تدفعها شركات التأمين التجاري عن حوادث السيارات وغيرها من الحوادث، لأن مَنْ تعرض للضرر يجوز له أخذ التعويض المالي سواء دفعه من ألحق به الضرر مباشرة، أو عاقلته، أو دفعته شركة التأمين. ولأن المتضرر غيرُ مسؤولٍ شرعاً عن حل المال المدفوع له في هذه الحال، وهل جاء هذا المال من معاملة صحيحة أو غير صحيحة من الناحية الشرعية، ولأن كونه تأميناً تجارياً محرماً فحرمة التعامل به لا تعني حرمة أخذ التعويضات منه ما دامت شركة التأمين قد التزمت بدفع التعويض عن الشخص الذي أوقع الضرر وأحال عليها بما لزمه بسببه.

قال الشيخ محمد المنجد: "حرمة الاشتراك في التأمين لا تعني حرمة أخذ الحق من شركة التأمين إن التزمت بدفع الحق عمن وقع منه الحادث. وعليه: فلا مانع من أخذ دية المقتول خطأً أو المصاب في الحادث من أي جهةٍ أُحيل عليها مستحقوها من قِبَل القاتل أو من القضاء، سواء كانت شركة تأمين أو غيرها؛ لأن مستحقي الدية أصحاب حق، وهم غير مسؤولين عن حلِّ معاملة الطرف الآخر مع شركة تأمينه. وقد سألنا فضيلة الشيخ ابن جبرين عن أخذ التعويض من شركة التأمين، فأجاب: "يجوز ذلك، لأن هذه الشركات التزمت أنها تتحمل ما يحدث من هذا الإنسان الذي أمَّن عندها، ولا يتورع عن ذلك مادام أنهم ملتزمون بدفع التعويض" موقع الإسلام سؤال وجواب.

ومع قولنا بأن عقد التأمين التجاري عقدٌ باطلٌ شرعاً، إلا أنه أصبح الطريق الوحيد للحصول على التعويضات في الحوادث ومنها الديات، وهذا بحكم الأنظمة والقوانين المفروضة على الناس.

وخلاصة الأمر أن أخذ التعويض عن الضرر مشروع في الفقه الإسلامي، وقامت الأدلة على ذلك، وأن عقد التأمين التجاري بكافة أشكاله عقد باطل شرعاً، لاشتماله على الغرر المفسد للعقد ولاشتماله على الربا وعلى المقامرة ولاشتماله على شروط باطلة، والبديل عن التأمين التجاري هو التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي، وإذا وجد البديل الشرعي فحينئذٍ يحرم شرعاً التعامل مع التأمين التجاري، وأنصح كل من أمكنه أن يتعامل مع البديل الشرعي وهو التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي، فعليه أن يفعل ذلك وجوباً وليس ندباً أو اختياراً. وحرمة الاشتراك في التأمين التجاري لا تعني حرمة أخذ التعويضات من شركات التأمين التجاري ما دام أنها قد التزمت بدفع الحق عمن وقع منه الحادث أو تسبب فيه.

الجمعة, 25 نوفمبر 2011.

حسام الدين عفانه

دكتوراه فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة جامعة أم القرى بالسعودية سنة 1985م.

  • 20
  • 12
  • 200,301

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً