نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

التحايلُ على شركاتِ التأمين حرامٌ شرعاً

منذ 2013-05-29
السؤال:

وردتني أسئلةٌ عديدةٌ تدور حول صورٍ من التحايل على شركات التأمين، منها: شخصٌ حصل معه حادثُ سيرٍ ولم تكن سيارتُه مؤمَّنةً، فقدَّم شخصاً آخر لشركة التأمين لديه تأمين، فادَّعى أنه الذي كان يقود السيارة وقت الحادث. ومنها: صيدلي مشتركٌ مع شركة تأمين يقوم بتبديل الأدوية المذكورة في الوصفات الطبية بمواد تجميل أو حليب وحفائظ للأطفال. ومنها: طبيبٌ يصف بعض الأدوية التي لا تلزم للمريض. ومنها: شخصٌ مُؤَمنٌ لدى شركة تأمين يأخذ أدويةً لغيره بالتعاون مع الصيدلي.

فما الحكم الشرعي في ذلك؟

الإجابة:

لا بد أن أُبين أولاً أن عقد التأمين التجاري بكافة أشكاله عقدٌ باطلٌ شرعاً، لاشتماله على الغرر المفسد للعقد، ولاشتماله على الربا وعلى المقامرة، ولاشتماله على شروطٍ باطلةٍ، والبديلُ عن التأمين التجاري هو التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي، وهذا ما اتفق عليه أكثر علماء العصر وأقرته الهيئات العلمية المعتبرة والمجامع الفقهية، ومما ورد في ذلك قرارُ مجلس مجمع الفقه الإسلامي وفيه:

(أولاً: إن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركاتُ التأمين التجاري، عقدٌ فيه غررٌ كبيرٌ مفسدٌ للعقد، ولذا فهو حرامٌ شرعاً.

ثانياً: إن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون، وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني...) (مجلة المجمع2/2/731.)

ومع قولنا ببطلان عقد التأمين التجاري، فإنه يجوز التعامل به إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول: "الحاجةُ تُنَزَّلُ منزلةَ الضرورة عامةً كانت أو خاصةً". وهذا التعامل يجوز في حالة عدم وجود البديل الشرعي، وهو التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي، فإذا وجد البديلُ الشرعي، فحينئذٍ يحرم شرعاً التعامل مع التأمين التجاري، والذي يبرر الأخذ بهذه القاعدة في التأمين التجاري أنه مفروضٌ بحكم القوانين والأنظمة الوضعية المطبقة في بلادنا، فمن المعلوم أن التأمين التجاري أصبح أمراً لا مفر منه في جوانب عديدة في حياتنا، ولكني أنصح كل من أمكنه أن يتعامل مع البديل الشرعي وهو التأمين التعاوني أو التكافلي أو الإسلامي، فعليه أن يفعل ذلك وجوباً وليس ندباً أو اختياراً.

ثانياً: التحايل بالغش والخداع والكذب والتزوير لأخذ أموال الناس بغير وجه حقٍ محرمٌ شرعاً، بل من كبائر الذنوب، ومن الأدلة على تحريم التحايل، قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة:9]، ولا شك أن التحايل نوعٌ من المخادعة فهو محرم. وقد نعى الله سبحانه وتعالى تحايل اليهود لانتهاك المحرمات فقال تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ} [الأعراف:163].

قال ابن كثير: "وهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام. وقد قال الفقيه الإمام أبو عبد الله بن بطة رحمه الله حدثنا أحمد... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (وهذا إسنادٌ جيدٌ، فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب في تاريخه ووثقه، وباقي رجاله مشهورون ثقات، ويصحح الترمذي بمثل هذا الإسناد كثيراً)" (تفسير ابن كثير3/493).

والحديث المذكور قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا إسنادٌ جيدٌ يُصحح مثله الترمذي وغيره تارةً ويحسنه تارة (إبطال الحيل ص112).

فالاحتيال على شركات التأمين بأخذ أموالها بوجهٍ غير حقٍ داخلٌ في عموم الأدلة التي تحرم التحايل. ومما يدل على تحريم التحايل لأكل أموال الناس بالباطل قول الله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّن أَموَالِ النَّاسِ بِالإِثمِ وَأَنتُم تَعْلَمُونَ} [البقرة:188].

فهذه الآية الكريمة نهت عن أكل أموال الناس بالباطل، والأصل في النهي أنه يقتضي التحريم، قال القرطبي: "الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لا يأكلْ بعضُكم مالَ بعضٍ بغير حق. فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحدُ الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك... ومن أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل، ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضى لك وأنت تعلم أنك مبطلٌ،فالحرام لا يصير حلالاً بقضاء القاضي" (تفسير القرطبي2/337).

وصح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا في شهركم هذا" (رواه البخاري ومسلم).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطيب نفسٍ" (رواه أحمد والبيهقي والطبراني، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 5/279).

ثالثاً: إن التحايل المذكور في السؤال أعلاه مشتملٌ على الغش والتزوير، وكلاهما من كبائر الذنوب، ومَنْ أكل أموال الناس بالغش والتزوير فقد ارتكب ذنبين عظيمين، قال الله تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30].

والتزوير فيه نوعٌ من الكذب والتدليس والتلبيس والغش والخداع (فالتزوير في اللغة: مصدر زوَّر، وهو من الزور، والزور: الكذب، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} وزور كلامه: أي زخرفه، وهو أيضاً: تزيين الكذب. وفي الاصطلاح: تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته،حتى يُخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو عليه في الحقيقة. فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق. وبين الكذب وبين التزوير عموم وخصوص وجهي، فالتزوير يكون في القول والفعل، والكذب لا يكون إلا في القول. والكذب قد يكون مزيناً أو غير مزين، والتزوير لا يكون إلا في الكذب المموه) (الموسوعة الفقهية الكويتية 11/254- 255).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "وضابط الزور وصف الشيء على خلاف ما هو, وقد يضاف إلى القول فيشمل الكذب والباطل; وقد يضاف إلى الشهادة فيختص بها" (فتح الباري10/506).

وأما الغش فهو محرمٌ أيضاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا" (رواه مسلم). وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا،والمكر والخداع في النار" (رواه ابن حبان والطبراني، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل 5/164).

وإذا توصل شخصٌ بالغش والتزوير إلى أكل المال بالباطل، فهذا المال ومثله الأدوية والمنتجات الأخرى التي أخذها بالباطل، فهي من المال الحرام وإنما يأكلها سحتاً، قال الله تعالى: وَتَرَى {كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [المائدة:62-63]. وقال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة:42].

قال أهل التفسير في قوله تعالى: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} أي الحرام،وسمي المال الحرام سُحتاً لأنه يسحت الطاعات، أي يُذهبها ويستأصلها. (تفسير القرطبي6/183).

وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة لحمٌ نبت من سحتٍ، وكل لحمٍ نبت من سحتٍ كانت النار أولى به" (رواه أحمد والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان).

وفي رواية أخرى: "كل جسدٍ نبت من سحتٍ فالنار أولى به" (رواه أحمد والطبراني والحاكم وغيرهم وقال العلامة الألباني صحيح،كما في صحيح الجامع الصغير 2/831).

رابعاً: إذا وصف الطبيبُ أدويةً للمريض زائدةً عن حاجته الحقيقية، فهذه خيانةٌ للأمانة وهي محرمةٌ شرعاً، وكذا الصيدلي إذا قام بتبديل الأدوية الموصوفة للمريض بمواد تجميلٍ أو حليبٍ وحفائظ للأطفال أو غيرها، وإذا كان الطبيب متفقاً مع المريض ومع الصيدلي فهذه سرقةٌ وهي محرمةٌ أيضاً، ويعتبر هذا من باب التعاون على الإثم، قال تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة:2].

خامسا: التحايل على شركات التأمين مخالفٌ لموجب العقد المبرم بين المؤَمِّن وبين الشركة المؤمِّنة، ومعلومٌ أن الوفاء بالعقد واجبٌ شرعيٌ، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، فهذه الآية الكريمة تأمر بالوفاء بالعقود. قال الزجاج: "المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم مع بعضكم مع بعض" (تفسير القرطبي6/33). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل بل العقلاء جميعاً" (مجموع الفتاوى 29/516).

سادساً: إن التحايل على شركات التأمين يتنافى مع الصدق في المعاملة، فالأصل في المسلم أن يكون صادقاً في كل شؤونه، وأن يجعل الصدقَ شعاراً لتعامله مع الناس، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119]، والكذبُ ليس من صفات المؤمنين الصادقين يقول تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل:105]. ولا شك أن الكذبَ خصلةٌ ذميمةٌ وذنبٌ من أقبح الذنوب، وقد تظاهرت الأدلة على تحريم الكذب بشكلٍ عامٍ، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يُكتب عند الله صدَّيقاً. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذَّاباً" (رواه البخاري ومسلم).

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من نفاقٍ حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب،وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (رواه البخاري مسلم).

وخلاصة الأمر أن عقد التأمين التجاري بكافة أشكاله عقدٌ باطلٌ شرعاً، لاشتماله على محرماتٍ كثيرةٍ، كالغرر المفسد للعقد، والربا والمقامرة، والبديل عن التأمين التجاري هو التأمين التعاوني، والتعامل به واجبٌ شرعاً إن وجد. وأن الاحتيال على شركات التأمين بأخذ أموالها بوجهٍ غير حقٍ داخلٌ في عموم الأدلة التي تحرم التحايل، لاشتماله على الغش والتزوير والكذب، وهي من كبائر الذنوب، ولمخالفته لموجب العقد المبرم بين المؤَمِّن وبين الشركة المؤمِّنة. وأن التلاعب بالوثائق التي تقدم لشركات التأمين محرمٌ شرعاً. وأن تبديل الصيدلي الأدوية المذكورة في الوصفات الطبية بمواد تجميل أو حليب وحفائظ للأطفال ووصف الطبيبٌ بعض الأدوية التي لا تلزم للمريض، وأخذ الشخصٌ المُؤَمنٌ أدويةً لغيره بالتعاون مع الصيدلي كل ذلك محرمٌ شرعاً.

تاريخ الفتوى: 21-12-2012.

  • 1
  • 0
  • 5,686
i