رمي الجمرات قبل الزوال

منذ 2014-04-25
السؤال:

تمَّ رميُ جمرة العقبة يوم العاشر بعد العصر، ورمي الجمرات الثَّلاث في اليوم الحاديَ عشر بعد صلاة الفجر من نفس اليوم، ورمْي الجمرات الثَّلاث في نفس يوم الثانيَ عشر، قبل صلاة الفجر، علمًا أنَّه يوجد لديْنا أطفال ونساء.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:
فالسنة الصحيحة الثابتة عن النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في رمي جمرة العقبة: هي أن يبدأ رميها بعد طلوع شمس يوم النحر؛ لما رواه مسلم عن جابر قال: "رأيت رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يرمي الجمرة ضحىً يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس"، وروى أبو داود عن ابن عبَّاس - قال: "كان رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يقدِّم ضعفاء أهله بغلسٍ، ويأمُرُهم؛ يعني: لا يرمون الجمْرة حتَّى تطلع الشَّمس".

قال ابن عبد البر : "أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - إنما رماها ضحى ذلك اليوم".

هذا؛ وقدِ اختلف أهل العلم في أوَّل وقت الرَّمي ليوم النَّحْر: فذهب مجاهد، والثوري، والنخعي إلى أنها لا تُرمى إلا بعد طلوع الشمس.

وذهب الحنفيَّة والمالكيَّة، وهو رواية عن أحْمد: إلى أنَّه يبدأ وقتها من طلوع فجْر يوم النَّحر، على تفْصيل وتقْسيم عندهم.

استدلُّوا بِحديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعثه في الثِّقل وقال:
«لا ترْموا الجمرة حتَّى تصبحوا»؛ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بلفظ: «مصبحين»، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" وقال: "فاحتُمل أن يكون ذلك الإصباح هو طلوع الشمس، واحتُمل أن يكون قبل ذلك..." ثم روى حديث ابن عبَّاسٍ في النهي عن رمي الجمرة قبل طلوع الشمس.

وقال: "فبيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم في هذا الحديث وقت الإصباح الذي أمرهم بالرمي فيه، وأنه بعد طلوع الشمس، فهذا الحديث هو أولى من حديث شعبة مولى ابن عباس - رضي الله عنهما - لأن هذا قد تواتر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياهم على ما ذكرنا، ولأن الإفاضة من مزدلفة إنما رخص للضعفاء فيها ليلاً؛ لئلا يصيبهم حُطمة الناس في وقت إفاضتهم، فإذا صاروا إلى منى، أمكنهم من رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، قبل مجيء الناس". اهـ. مختصرًا.

وذهب الشَّافعيَّة والحنابلة إلى: أنَّ أوَّل وقْت جواز الرَّمي يوم النَّحْر: إذا انتصفتْ ليلة يوم النَّحْر لمن وقف بعرفة قبله، وقسَّموه أيضًا لوقْت فضيلةٍ، ووقت اختيار، ووقت جوازٍ.

واستدلُّوا بحديث عائشةَ - رضي الله عنها -: "أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أرْسل بأمِّ سلمة ليلة النَّحر، فرَمَت قبل الفجر، ثمَّ مضت فأفاضت"؛ رواه أبو داود، وأجيب: بأن إسناده ضعيف، فلا يعارض ما تقدم من الأدلة.

وعليه؛ فرمي السائل الكريم لجَمرة العقبة يوم النَّحر بعد العصر صحيحٌ - إن شاء الله تعالى - على قول الجميع؛ قال ابن عبد البر: "أجمع أهل العلم على: أن من رماها يوم النحر قبل المغيب، فقد رماها في وقت لها، وإن لم يكن مستحبًّا لها".

أمَّا الرَّمي أيَّام التشريق، فيبدأ من زوال الشَّمس - أي: دخول وقت صلاة الظُّهر - ويمتدُّ إلى آخِر الليل؛ لأنَّ النَّبيّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - لَم يرْمِ إلاَّ بعد الزَّوال، كما في حديث جابر السابق، وقال للناس:
«خذُوا عنِّي مناسكَكم»، والأمر للوجوب.

وروى أحْمد والتِّرْمذي وابن ماجه عن ابن عبَّاس: "أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - رمى الجمار عند زوال الشمس، أو بعد زوال الشمس".

وروى البخاري عن وَبَرَةَ قال: "سألت ابن عمر - رضي الله عنهما - متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدت عليه المسألة، قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا".

فإذا كان هناك مشقَّة أو زحامٌ أو غير ذلك، فلا بأْس أن يُؤجل الرمي إلى اللَّيل؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى الحرَج عمَّن رمى بعدما أمسى؛ كما رواه البخاري عن ابن عباس، ولأنَّه - صلى الله عليه وسلم - حدَّد أول وقت الرمي، وسكت عن نهايته، ولإذْنه للرُّعاة بالرمْي ليلاً.

وقد ذهب إلى عدَم إجزاء الرمْي أيَّام التَّشْريق قبل الزَّوال الجمهورُ من المالكيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة، وأجاز الحنيفة الرميَ قبْل الزَّوال؛ واستدلوا بحديث ضعيف عن ابن عبَّاس: "إذا انتفخ النَّهار من يوم النفْر الآخر، حلَّ الرمْي والصَّدَر"؛ رواه البيهقي في "السنن الكبرى" والانتفاخ: هو الارتفاع، والصدَر؛ أي: الانصراف من منى.

فالأدلة الصحيحة تؤيد مذهب الجمهور، وأنَّ الرَّمي مُمتدٌّ لآخِر الليل لمن يحتاج للتأخير.

وعليه؛ فمن رمْى الجمَرات يوم الحاديَ عشر بعد صلاة الفجر وقبل الزَّوال، فغير مجزئ، وعليه أن يرميَ بعد الزوال، فإن لم يُعِدِ الرَّمي حتى خرجت أيام التشريق، فيجب عليه ذبح شاة في الحرم، وتوزيعها على فقرائه؛ قال ابن قدامة في الشرح الكبير: " فان أخره عن أيام التشريق، فعليه دم لأنه ترك نسكًا واجبًا؛ فيجب عليه دم؛ لقول ابن عباس: "من ترك نسكًا أو نسيه، فإنه يهرق دمًا"، ولان آخر وقت الرمي آخر أيام التشريق؛ فمتى خرجت قبل رميه فات وقته واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي، هذا قول أكثر أهل العلم".

والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 1
  • 1
  • 17,166

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً