نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

ما يفعله المسلم لنصرة إخوانه سوى الدعاء

منذ 2014-11-18
السؤال:

ماذا نفعل غير الدعاء لغزة؟ وهل يتفق ما يحدث وحالنا تجاه غزة وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، وقوله: «المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا»، وقوله: «ليس منا من لم يهتم بأمر المسلمين»، وقوله: «من لم يهتم بأمر المسلمين ليس منهم»، أفيدونا رحمكم الله؟
 

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد: فهذه الأحاديث التي ذكرها السائل الكريم وما في معناها تصور مراد الشارع الحكيم لطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين المسلمين، والتي يلخصها القرآن في جملة واحدة:  {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، ولا شك أن الواحد منا لا يبخل ولا يدخر وسعا في نصرة أخيه ومعونته.
ثم إنه من المعلوم أن الأحكام الشرعية مناطة بالاستطاعة فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولذلك يتفاوت حجم الواجبات من مسلم لآخر بحسب إمكاناته وطاقته، ونفوذه وسلطانه ودائرة تأثيره، ونحو ذلك، ولكن لا بد أن يكون هناك قدر مشترك من حيث الأصل لا يعذر أحد في التقصير فيه، ومن ذلك الدعاء الذي ذكره السائل الكريم، فإنه من أقوى الأسلحة وأمضاها، والاستهانة به قدح في الإيمان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (رواه النسائي، وصححه الألباني).
ومن ذلك أيضا: بذل الوسع في صلاح النفس وإصلاح الغير. وهذا قد يظنه البعض بعيدا عن موضوعنا، وليس الأمر كذلك، فإن أصل البلاء إنما ينزل بذنوب العباد وخطاياهم، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
وقال سبحانه: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (رواه ابن ماجه وحسنه الألباني).
والشواهد على هذا كثيرة مستفيضة، فأول خطوة لرفع البلاء رفع سببه وعلته بالتوبة والاستقامة.
والمراد أن سعي المسلم لصلاح نفسه بالاستقامة على طاعة الله، وإصلاحه لغيره ببذل النصيحة والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتربية الأولاد ومن في حكمهم على هدي النبوة، وإعدادهم ليوم تبُذل فيه النفوس والأموال إرضاءً لرب العالمين، ونصرة للمستضعفين، وذوداً عن هذا الدين ـ هو الأمر الجامع والدور الأصيل الذي ينبغي أن يوضع في مقدمة الوسائل، فإن الله تعالى قد أخبرنا بسنته الإلهية التي لا تتبدل ولا تتغير فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد:11]، فطريق التغيير إذن أن نتغير حتى يغير الله الدنيا من حولنا.
وقد وعد الله تعالى ـ ووعده حق وصدق ـ هذه الأمة بالنصر والتمكين بشرط اتصافها بوصف معين، فالسعي لتحقيق هذا الوصف إنما هو أخذ بمجامع الأمر، وهو وصف الصلاح الذي هو تحقيق الإيمان والعمل الصالح والترقي بعد ذلك لمقام المراقبة والإحسان، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء: 105-106].
وقال عز وجل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
وقال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ  وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 13-14].
قال السعدي: أي العاقبة الحسنة التي جعلها الله للرسل ومن تبعهم جزاء {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي} عليه في الدنيا وراقب الله مراقبة من يعلم أنه يراه، {وَخَافَ وَعِيدِ} أي: ما توعدت به من عصاني فأوجب له ذلك الانكفاف عما يكرهه الله والمبادرة إلى ما يحبه الله. اهـ.
ثم لا يخفى أن هذا نفسه هو المقدمة التي تقرب العبد من إجابة دعائه إذا دعا، فإن الله تعالى لما وعد بالإجابة فقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}،أمر بعدها بشرطها فقال: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.
قال السعدي: من دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به الموجب للاستجابة. اهـ.
ولما أمر سبحانه بالدعاء فقال: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، قال بعدها: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}.
قال السعدي: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بعمل المعاصي بَعْدَ إِصْلاحِهَا بالطاعات، فإن المعاصي تفسد الأخلاق والأعمال والأرزاق، كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} كما أن الطاعات تصلح بها الأخلاق، والأعمال، والأرزاق، وأحوال الدنيا والآخرة. اهـ.
فهذا هو الأصل الذي ينبغي أن يشترك الجميع في الاهتمام به وتحصيله، ولا يعني هذا أن ينقطع المسلم عن إخوانه وعن الدنيا من حوله، بل يجب أن يعلم أن نصرة المسلمين حق متحتم عليه بقدر طاقته ووسعه، وأن ذلك من جملة العمل الصالح والإحسان المطلوب، فيجب على كل مسلم أن يبذل من نفسه وماله ما يستطيع نصرةً لإخوانه وإعزازاً لدينه.
والله أعلم.
 

  • 1
  • 0
  • 1,303
i