هل التبرج مبطل للصوم؟

منذ 2015-05-16
السؤال:

هل التبرج مبطل للصوم؟

الإجابة:

الحمد لله رب العالمين

أولاً:

شرع الله تعالى الصيام لحكم عظيمة، ومن أهم هذه الحكم والمصالح المترتبة على الصيام تحقيق تقوى الله تعالى، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

والتقوى هي امتثال ما أمر الله تعالى به، واجتناب ما نهى عنه.

فالصائم مأمور بفعل الطاعات، منهي عن فعل المحرمات نهيا مؤكدا، فإن المعاصي قبيحة من كل أحد وهي من الصائم أشد قبحا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (البخاري:6057).

وروى ابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  «ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث» وصححه الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب:1082).

قال عُمَر بْن الْخَطَّابِ وعَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ رضي الله تعالى عنهما: لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَحْدَهُ؛ وَلَكِنَّهُ مِنْ الْكَذِبِ، وَالْبَاطِلِ وَاللَّغْوِ.

وقَالَ جَابِرٌ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إذَا صُمْت فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ، وَبَصَرُكَ، وَلِسَانُكَ عَنْ الْكَذِبِ وَالْمَأْثَمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صَوْمِكَ سَوَاءً.

وعَنْ طَلِيقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: إذَا صُمْت فَتَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْت. فَكَانَ طَلِيقٌ إذَا كَانَ يَوْمُ صِيَامِهِ دَخَلَ (يعني بيته) فَلَمْ يَخْرُجْ إلا إلَى صَلاةٍ.

وكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَصْحَابُهُ رضي الله تعالى عنهم إذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسْجِدِ وَقَالُوا: نُطَهِّرُ صِيَامَنَا.

انظر : (المحلى:4/305)

وقال بعض العلماء:

يَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَصُومَ بِعَيْنَيْهِ فَلا يَنْظُرُ إلَى مَا لا يَحِلُّ، وَبِسَمْعِهِ فَلا يَسْمَعُ مَا لَا يَحِلُّ، وَبِلِسَانِهِ فَلا يَنْطِقُ بِفُحْشٍ وَلا يَشْتُمُ وَلا يَكْذِبُ وَلا يَغْتَبْ اهـ.

فينبغي للمؤمن أن ينتهز هذا الشهر الكريم الذي تسلسل فيه الشياطين، وتفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، فينتهز المؤمن هذا الشهر ليكون أقرب إلى الله تعالى، فيتوب توبة نصوحا من كل ذنوبه ومعاصيه، ويعاهد الله تعالى على الاستقامة على دينه وشرعه.

ثانيا:

والمعاصي (ومنها تبرج المرأة وإظهارها زينتها ومفاتنها للرجال الأجانب عنها) تنقص ثواب الصيام فكلما كثرت معاصيه وعظمت نقص ثواب صيامه، وقد يزول ثوابه بالكلية، فيكون قد منع نفسه من الطعام والشراب وسائر المفطرات وقد أضاع ثواب ذلك بمعصيته لله تعالى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلا السَّهَرُ»(ابن ماجه:1690)، وصححه الألباني في (صحيح ابن ماجه).

قال السبكي في فتاويه (1/221-226):

هَلْ يَنْقُصُ الصَّوْمُ بِمَا قَدْ يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ الْمَعَاصِي أَوْ لا؟ وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْقُصُ وَمَا أَظُنُّ فِي ذَلِكَ خِلافًا . . .

وَاعْلَمْ أَنَّ رُتْبَةَ الْكَمَالِ فِي الصَّوْمِ قَدْ تَكُونُ بِاقْتِرَانِ طَاعَاتٍ بِهِ مِنْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَاعْتِكَافٍ وَصَلاةٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِهَا وَقَدْ تَكُونُ بِاجْتِنَابِ مَنْهِيَّاتٍ. فَكُلُّ ذَلِكَ يَزِيدُهُ كَمَالا وَمَطْلُوبٌ فِيهِ اهـ. باختصار.

ثالثا:

وأما إفساد الصيام بالمعاصي (ومنها تبرج المرأة) فإن الصيام لا يفسد بذلك بل يكون صحيحا مسقطا للفرض عن الصائم، ولا يؤمر بقضائه، ولكن ينقص ثواب الصيام بفعل المعصية، وقد يذهب ثوابه بالكلية كما سبق.

قال النووي في (المجموع:6/398):

(يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يُنَزِّهَ صَوْمَهُ عَنْ الْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ) مَعْنَاهُ يَتَأَكَّدُ التَّنَزُّهُ عَنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الصَّائِمِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ لِلْحَدِيثِ، وَإِلا فَغَيْرُ الصَّائِمِ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا وَيُؤْمَرُ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالتَّنَزُّهُ التَّبَاعُدُ، فَلَوْ اغْتَابَ فِي صَوْمِهِ عَصَى وَلَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلا الأَوْزَاعِيَّ فَقَالَ: يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْغِيبَةِ وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ اهـ.

وسئل الشيخ ابن عثيمين في (فتاوى الصيام: ص358): هل تحدث المرء بكلام حرام في نهار رمضان يفسد صومه؟

فأجاب:

"إذا قرأنا قول الله عز وجل: {يا أَ يُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} عرفنا ما هي الحكمة من إيجاب الصوم وهي التقوى، والتقوى هي ترك المحرمات، وهي عند الإطلاق تشمل فعل المأمور به وترك المحظور، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه». وعلى هذا يتأكد على الصائم اجتناب المحرمات من الأقوال والأفعال، فلا يغتاب الناس، ولا يكذب، ولا ينم بينهم، ولا يبيع بيعاً محرماً، ويجتنب جميع المحرمات. وإذا اجتنب الإنسان ذلك في شهر كامل فإن نفسه سوف تستقيم بقية العام، ولكن المؤسف أن كثيراً من الصائمين لا يفرقون بين يوم صومهم وفطرهم، فهم على العادة التي هم عليها من الأقوال المحرمة من كذب وغش وغيره، ولا تشعر أن عليه وقار الصوم، وهذه الأفعال لا تبطل الصيام، ولكن تنقص من أجره، وربما عند المعادلة تضيع أجر الصوم" اهـ.

والله تعالى أعلى وأعلم.

  • 2
  • 0
  • 6,810

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً