تضييق الإسلام لمنابع الرق

منذ 2016-07-16
السؤال:

السلام عليكم،،،

بارك الله فيك، ونفع بك المسلمين.

سؤالي هو: ما هي الحكمة من عدم تحريم الرق – العبودية - كما حرم الإسلام الخمر والزنا والقتل والربا وغيرها من المحرمات؟

شيخي الفاضل، إني أعيش في صراع نفسي بين عقلي الذي يرفض العبودية، وبين ديني الذي يبيحها؛ مما أورثني شكوكًا قاتلة في العقيدة.

أرجو عدم إهمال رسالتي، إنقاذًا لي من الهلاك بسبب هذه الشبهة؛ ولك الأجر والثواب.

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فقد كان الرقُّ نظامًا عالميًّا، تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى، بين المسلمين وأعدائهم.

ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل، حتى يتعارف العالم على نظامٍ آخر غير الاسترقاق، وأيضًا فإن الضرورة التي اقتضت إباحة الاسترقاق، هي ذاتها التي اقتضت إباحة التسري بالإماء، وما كان يمكن والإسلام مشتبك في حروب مع أعدائه أن يلغي هذا النظام من جانب واحد، فيصبح أسارى المسلمين رقيقاً عند أعدائه، بينما هو يحرر أسارى الأعداء.

وقد ضيق الإسلام منابع الرق، وحصرها فى الحرب المشروعة التى تقوم بين المسلمين والكفار، وكذلك فيما يتوالد من الأرقاء السابقين، إلى أن يتاح للبشرية وضع نظام دولي، للتعامل بالمثل في مسألة الأسرى.

ثم رغَّب في الحرية، ووسَّع أبوابها بالعتق فى مخالفات شرعية كثيرة، كالفطر فى رمضان، والظهار، والقتل الخطأ، والحنث في اليمين، وغير ذلك، بل قد رغب في العتق ترغيبًا عامًّا، وجعله قربة لله مستقلة؛فأمر الله أصحاب العبيد أن يجيبوا طلب من يريد الحرية منهم، وأمر بمعاونتهم على كتابتهم؛ لكونهم محتاجين، فقال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33].

وفي "الصحيحين"، عن ابن عمر - رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق شِقْصًا له من عبدٍ أو شِركًا، أو قال: نصيبًا، وكان له ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل، فهو عتيق، وإلا فقد عتق منهما عتق».

وروى مسلم عن سعيد بن مرجانة - صاحب علي بن حسين – قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أيما امرئ مسلم أعتق امرءًا مسلمًا، استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار»، قال: فانطلقت حين سمعت الحديث من أبي هريرة، فذكرته لعلي بن الحسين، فأعتق عبدًا له قد أعطاه به ابنُ جعفر عشَرةَ آلاف درهم، أو ألف دينار.

وروى أبو داود وغيره عن أبى موسى، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –: «من أعتق جاريته وتزوجها كان له أجران». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

والحاصل: أن الإسلام حث على الخلاص من العتق؛ لتكون النتيجةُ القضاءَ على الرق بالتدريج.

يقول الأستاذ سيد قطب في تفسيره "في ظلال القرآن" (1 / 210):

"وأما في الرق مثلًا ، فقد كان الأمر أمر وضع اجتماعي اقتصادي، وأمر عرف دولي وعالمي في استرقاق الأسرى، وفي استخدام الرقيق، والأوضاع الاجتماعية المعقدة، تحتاج إلى تعديل شامل لمقوماتها وارتباطاتها قبل تعديل ظواهرها وآثارها.

والعرف الدولي يحتاج إلى اتفاقات دولية ومعاهدات جماعية، ولم يأمر الإسلام بالرق قط، ولم يرد في القرآن نص على استرقاق الأسرى؛ ولكنه جاء فوجد الرق نظامًا عالميًّا يقوم عليه الاقتصاد العالمي؛ ووجد استرقاق الأسرى عُرفًا دوليًّا يأخذ به المحاربون جميعًا؛ فلم يكن بُدٌّ أن يتريث في علاج الوضع الاجتماعي القائم، والنظام الدولي الشامل.

وقد اختار الإسلام أن يجفف منابع الرق وموارده، حتى ينتهي بهذا النظام كله - مع الزمن - إلا الإلغاء، دون إحداث هزة اجتماعية لا يمكن ضبطها ولا قيادتها.

وذلك مع العناية بتوفير ضمانات الحياة المناسبة للرقيق، وضمان الكرامة الإنسانية في حدود واسعة.

بدأ بتجفيف موارد الرق - فيما عدا أسرى الحرب الشرعية ونسل الأرقاء - ذلك أن المجتمعات المعادية للإسلام، كانت تسترق أسرى المسلمين، حسب العرف السائد في ذلك الزمان.

وما كان الإسلام - يومئذ - قادرًا على أن يجبر المجتمعات المعادية على مخالفة ذلك العرف السائد، الذي تقوم عليه قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي في أنحاء الأرض.

ولو أنه قرر إبطال استرقاق الأسرى، لكان هذا إجراء مقصورًا على الأسرى الذين يقعون في أيدي المسلمين، بينما الأسارى المسلمون يلاقون مصيرهم السيئ في عالم الرق هناك؛ وفي هذا إطماع لأعداء الإسلام في أهل الإسلام.

ولو أنه قرر تحرير نسل الأرقاء الموجود فعلًا، قبل أن ينظم الأوضاع الاقتصادية للدولة المسلمة، ولجميع من تضمهم، لترك هؤلاء الأرقاء بلا مورد رزق، ولا كافل ولا عائل، ولا أواصر قربى تعصمهم من الفقر والسقوط الخلقي الذي يفسد حياة المجتمع الناشىء.

لهذه الأوضاع القائمة العميقة الجذور، لم ينص القرآن على استرقاق الأسرى، بل قال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4]، ولكنه كذلك لم ينص على عدم استرقاقهم، وترك الدولة المسلمة تعامل أسراها حسب ما تقتضيه طبيعة موقفها، فتفادي من تفادي من الأسرى من الجانبين، وتتبادل الأسرى من الفريقين، وتسترق من تسترق وفق الملابسات الواقعية في التعامل مع أعدائها المحاربين.

وبتجفيف موارد الرق الأخرى - وكانت كثيرة جدًا ومتنوعة - يقل العدد.

وهذا العدد القليل أخذ الإسلام يعمل على تحريره بمجرد أن ينضم إلى الجماعة المسلمة، ويقطع صلته بالمعسكرات المعادية؛ فجعل للرقيق حقه كاملًا في طلب الحرية بدفع فدية عنه يكاتب عليها سيده.

ومنذ هذه اللحظة التي يريد فيها الحرية يملك حرية العمل، وحرية الكسب والتملك، فيصبح أجر عمله له، وله أن يعمل في غير خدمة سيده؛ ليحصل على فديته - أي إنه يصبح كيانًا مستقلًا، ويحصل على أهم مقومات الحرية فعلًا، ثم يصبح له نصيبه من بيت مال المسلمين في الزكاة، والمسلمون مكلفون بعد هذا أن يساعدوه بالمال على استرداد حريته، وذلك كله غير الكفارات التي تقتضي عتق رقبة؛ كبعض حالات القتل الخطأ، وفدية اليمين، وكفارة الظهار. وبذلك ينتهي وضع الرق نهاية طبيعية مع الزمن؛ لأن إلغاءه دفعة واحدة كان يؤدي إلى هزة لا ضرورة لها، وإلى فساد في المجتمع أمكن اتقاؤه". اهـ.

هذا؛ والله أعلم. 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 1
  • 0
  • 8,183

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً