عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنا فرطكم على الحوض، ...

عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:

(أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إلي رجال منكم، حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول أي رب، أصحابي. يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك). [رواه البخاري] ...المزيد

مِن أقوال علماء الملّة قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "إذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ ...

مِن أقوال علماء الملّة



قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-:

"إذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ كونه نطفة إلى حين كماله واستوائه تبين له أن من عني به هذه العناية، ونقله إلى هذه الأحوال، وصرفه في هذه الأطوار، لا يليق به أن يهمله ويتركه سدى، لا يأمره ولا ينهاه ولا يعرفه بحقوقه عليه، ولا يثيبه ولا يعاقبه، ولو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما يبصره وما لا يبصره دليلا له على التوحيد والنبوة والمعاد". [الجواب الكافي]


• المصدر:
إنفوغرافيك صحيفة النبأ – العدد 523
السنة السابعة عشرة - الخميس 6 جمادى الآخرة 1447 هـ
...المزيد

مِن أقوال علماء الملّة قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "إذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ ...

مِن أقوال علماء الملّة



قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-:

"إذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ كونه نطفة إلى حين كماله واستوائه تبين له أن من عني به هذه العناية، ونقله إلى هذه الأحوال، وصرفه في هذه الأطوار، لا يليق به أن يهمله ويتركه سدى، لا يأمره ولا ينهاه ولا يعرفه بحقوقه عليه، ولا يثيبه ولا يعاقبه، ولو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما يبصره وما لا يبصره دليلا له على التوحيد والنبوة والمعاد". [الجواب الكافي]


• المصدر:
إنفوغرافيك صحيفة النبأ – العدد 523
السنة السابعة عشرة - الخميس 6 جمادى الآخرة 1447 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ (523) الافتتاحية: • حرب بين مشروعين مع اتساع الحرب على ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ (523)

الافتتاحية:

• حرب بين مشروعين

مع اتساع الحرب على الدولة الإسلامية طولا وعرضا، انخرطت شريحة واسعة من خصومها في مهمة واحدة هي محاربة مشروعها المبارك، ولو سألتَ هؤلاء عن ماهية مشروعهم فلن يجدوا إلى ذلك سبيلا، لأنهم بلا مشروع سوى حربها والتآمر عليها، فهم مخالفون لها مختلفون معها متخلّفون عنها، وما أكثرهم ولو حرصت بمؤمنين.

ورغم اختلاف راياتهم، تقاطعت مصالح أعداء الدولة الإسلامية سواء كانوا كفارا أصليين، أو حكومات وأحزابا مرتدين، أو مرضى قلوب ومنافقين، أو خصوما مناوئين، أو منتكسين متساقطين تعبوا من لأواء الطريق ووعورته، فاختاروا مفارقته وقعدوا على قارعته يصدون عنه، فارتكبوا الجرم مضاعفا، وبنوا بأيديهم حاجزا بينهم وبين الهداية فاستحقوا بذلك دوام الغواية، وحيل بينهم وبين قلوبهم! وغدا يُحال بينهم وبين ما يشتهون.

تخيّلوا أن جميع هؤلاء على اختلاف مشاربهم ومآربهم، اتحدوا خلف مشروع واحد يصح أن نسميه: "مشروع محاربة الدولة الإسلامية" فلا شيء في بضاعتهم الكاسدة وأجندتهم الفاسدة سوى الاصطفاف لحربها والتحشيد لمهاجمتها؛ ذلك مِن خلف جُدُر خيانته وسراديب أوهامه، وذلك من خلف مقود آليته أو داخل قمرة طائرته، وهذا من خلف مدفعه، وآخر من دار ندوته ووكر نفاقه، ذلك يحاربها بالعربية وهذا بالعبرية وآخر بالإنجليزية والتركية، هذا بحلف دولي، وذلك بحلف محلي وآخر إقليمي، هذا يحاربها بالحديد والنار، وذلك يحاربها بالإعلام والأفكار، وكلهم جمعوا كيدهم وأتوا صفا؛ إبليس وجنوده وجيوشه وشيوخه، انصهروا جميعا في مشروع واحد هو الحرب على الدولة الإسلامية.

وأشقاهم وأسوأهم حالا؛ شريحة آمنت ثم كفرت، وغزلت ثم نقضت، وبالأوهام تعللت، وأتباعها يودون لو أن الدولة الإسلامية أخطأت وما أصابت، وضلت وما استقامت كما قال تعالى عن أمثالهم: {وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} وقال أيضا: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}، وكل ذلك تسكينًا لأمراض قلوبهم ومحاولةً لإقناع أنفسهم أنّ الخلل في مشروعها المبارك، وليس في قلوبهم المريضة وهممهم الخائرة ومناهجهم الحائرة التي التقت جهارا نهارا مع عبدة الصلبان، كما رأينا في الشام وخراسان وليبيا من قبل، وما زالت دائرة كفرهم تتسع لتشمل أطرافا أخرى أشد كفرا ونفاقا وتصلنا أخبارهم تباعا.

فهؤلاء وأشياعهم عاكفون على حرب الدولة الإسلامية، يتمنون هزيمتها ويؤمّلون زوالها ويخشون انتصارها وبقاءها، لأنهم يعدّون ذلك تعريةً لمشروعهم وفضحًا لحقيقتهم وإظهارًا لهزيمتهم النفسية التي صيّرتهم جنودًا في جيش الشيطان بعد أنْ زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا.

ولا شيء يُذكّر هؤلاء الناقضين الناكثين بحقيقتهم وعقدة نقصهم سوى الدولة الإسلامية، ولذلك تراهم دوما في صراع محموم مع مشروعها؛ إنْ تقدّم ساءهم ذلك واحترقوا غيظا وكمدا، وإنْ أصابه ما أصاب المؤمنين في أُحُد والأحزاب، سرّهم ذلك وقالوا: حذرناكم وفارقناكم!، وقد نبأنا الله أخبار هذه الشريحة منذ كانت في عهد النبوة، فقال سبحانه: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ}.

مع ضرورة التأكيد على أمر قديم جديد، وهو أن الدولة الإسلامية لم تدَّعِ العصمة يوما، ولم تحتكر الخيرية مطلقا؛ وإنْ تسنّمت ذرى الجهاد وصانته عن أدران الجاهلية، وقادت ركب الثبات وسط أعاصير التيه العاتية، وهي تدرك وتوقن أن توفيقها وتفوّقها محض فضل ربها عليها، بثباتها على منهاج النبوة الذي اتبعته مبكرا يوم كانت في العراق تؤسس وتغرس قواعد صرح المفاصلة العقائدية مع كافة معسكرات الجاهلية، بينما كان غيرها يغرقون في الرمادية المنهجية التي صبغت مواقفهم حتى يومنا هذا، فرأيناهم في كل واد يهيمون.

ولذلك، فالعقائديون هم الذين يثبتون في وجه الفتن الجارفة والمحن النازفة، لا تزحزحهم العواصف ولا تدغدغهم العواطف، ولا يطيرون مع كل زوبعة يمنة ويسرة، وَسَطٌ عدولٌ في جميع أحوالهم بين الإفراط والتفريط، بين الغلو والإرجاء، لم يتوسطوا الطريق بين الحق والباطل في الجيوب الرمادية، بل اتبعوا الملة الإبراهيمية؛ إنْ مالوا فعن الشرك لا إليه، وإنْ ركنوا فإلى الحق لا إلى الباطل، لم يداهنوا أهل الشرك ولم يرضوا أعمالهم، راسخون في عقيدتهم يجدون في قلوبهم برد اليقين وعذوبة الإيمان.

والواجب على طلاب الحق أن يتأسوا بهذا المنهج النبوي في جعل العقيدة هي الدافع والمحرك، وأكثر الناس اليوم تُحركهم صورة واحدة تفجّر مشاعرهم وتستدرّ دموعهم، ولا تحركهم ألف آية قرآنية ولا سُنة نبوية، وهذه طامة وقسوة عارمة عامة لم ينجُ منها إلا من رحم، قسوة حرمت أصحابها الهداية والبصيرة فاتبعوا الباطل أو خلطوه بالحق! فجعلوا بعض الحق الذي عندهم غطاء لباطلهم، فكانوا أشد فتنة للمسلمين من غيرهم، ولن يطول بهم أمد حتى يتمايزوا إلى حقٍّ صرف أو باطلٍ صرف، وانتظروا إنا منتظرون.

ومنذ أنْ أرسل الله رسله وإلى أنْ ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقصة واحدة تتكرر بفصولها وتفاصيلها لأن باريها واحد، وأبطالها على نهج واحد، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ}.

فانظروا وتأملوا حولكم، أليست هذه قصتنا مع الطواغيت وحكوماتهم وعساكرهم وأنصارهم ودعاتهم؟ ألم يتخذوا من دعوة التوحيد نفس الموقف الذي اتخذه أسلافهم بالأمس رغم تتابع الحجج والدلائل من وحي السماء ووقائع الأرض؟!

هذه هي قصة الدولة الإسلامية مع خصومها وأعدائها، مشروعها محاربة الطاغوت ومفاصلته في كل مفصل، ومشاريعهم على اختلافها تساير الطاغوت وتداهنه في كل محفل، هذه هي زبدة القول وبيت القصيد لمن تشعبت عليه التفاصيل، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 523
السنة السابعة عشرة - الخميس 6 جمادى الآخرة 1447 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ (523) الافتتاحية: • حرب بين مشروعين مع اتساع الحرب على ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ (523)

الافتتاحية:

• حرب بين مشروعين

مع اتساع الحرب على الدولة الإسلامية طولا وعرضا، انخرطت شريحة واسعة من خصومها في مهمة واحدة هي محاربة مشروعها المبارك، ولو سألتَ هؤلاء عن ماهية مشروعهم فلن يجدوا إلى ذلك سبيلا، لأنهم بلا مشروع سوى حربها والتآمر عليها، فهم مخالفون لها مختلفون معها متخلّفون عنها، وما أكثرهم ولو حرصت بمؤمنين.

ورغم اختلاف راياتهم، تقاطعت مصالح أعداء الدولة الإسلامية سواء كانوا كفارا أصليين، أو حكومات وأحزابا مرتدين، أو مرضى قلوب ومنافقين، أو خصوما مناوئين، أو منتكسين متساقطين تعبوا من لأواء الطريق ووعورته، فاختاروا مفارقته وقعدوا على قارعته يصدون عنه، فارتكبوا الجرم مضاعفا، وبنوا بأيديهم حاجزا بينهم وبين الهداية فاستحقوا بذلك دوام الغواية، وحيل بينهم وبين قلوبهم! وغدا يُحال بينهم وبين ما يشتهون.

تخيّلوا أن جميع هؤلاء على اختلاف مشاربهم ومآربهم، اتحدوا خلف مشروع واحد يصح أن نسميه: "مشروع محاربة الدولة الإسلامية" فلا شيء في بضاعتهم الكاسدة وأجندتهم الفاسدة سوى الاصطفاف لحربها والتحشيد لمهاجمتها؛ ذلك مِن خلف جُدُر خيانته وسراديب أوهامه، وذلك من خلف مقود آليته أو داخل قمرة طائرته، وهذا من خلف مدفعه، وآخر من دار ندوته ووكر نفاقه، ذلك يحاربها بالعربية وهذا بالعبرية وآخر بالإنجليزية والتركية، هذا بحلف دولي، وذلك بحلف محلي وآخر إقليمي، هذا يحاربها بالحديد والنار، وذلك يحاربها بالإعلام والأفكار، وكلهم جمعوا كيدهم وأتوا صفا؛ إبليس وجنوده وجيوشه وشيوخه، انصهروا جميعا في مشروع واحد هو الحرب على الدولة الإسلامية.

وأشقاهم وأسوأهم حالا؛ شريحة آمنت ثم كفرت، وغزلت ثم نقضت، وبالأوهام تعللت، وأتباعها يودون لو أن الدولة الإسلامية أخطأت وما أصابت، وضلت وما استقامت كما قال تعالى عن أمثالهم: {وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} وقال أيضا: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}، وكل ذلك تسكينًا لأمراض قلوبهم ومحاولةً لإقناع أنفسهم أنّ الخلل في مشروعها المبارك، وليس في قلوبهم المريضة وهممهم الخائرة ومناهجهم الحائرة التي التقت جهارا نهارا مع عبدة الصلبان، كما رأينا في الشام وخراسان وليبيا من قبل، وما زالت دائرة كفرهم تتسع لتشمل أطرافا أخرى أشد كفرا ونفاقا وتصلنا أخبارهم تباعا.

فهؤلاء وأشياعهم عاكفون على حرب الدولة الإسلامية، يتمنون هزيمتها ويؤمّلون زوالها ويخشون انتصارها وبقاءها، لأنهم يعدّون ذلك تعريةً لمشروعهم وفضحًا لحقيقتهم وإظهارًا لهزيمتهم النفسية التي صيّرتهم جنودًا في جيش الشيطان بعد أنْ زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا.

ولا شيء يُذكّر هؤلاء الناقضين الناكثين بحقيقتهم وعقدة نقصهم سوى الدولة الإسلامية، ولذلك تراهم دوما في صراع محموم مع مشروعها؛ إنْ تقدّم ساءهم ذلك واحترقوا غيظا وكمدا، وإنْ أصابه ما أصاب المؤمنين في أُحُد والأحزاب، سرّهم ذلك وقالوا: حذرناكم وفارقناكم!، وقد نبأنا الله أخبار هذه الشريحة منذ كانت في عهد النبوة، فقال سبحانه: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ}.

مع ضرورة التأكيد على أمر قديم جديد، وهو أن الدولة الإسلامية لم تدَّعِ العصمة يوما، ولم تحتكر الخيرية مطلقا؛ وإنْ تسنّمت ذرى الجهاد وصانته عن أدران الجاهلية، وقادت ركب الثبات وسط أعاصير التيه العاتية، وهي تدرك وتوقن أن توفيقها وتفوّقها محض فضل ربها عليها، بثباتها على منهاج النبوة الذي اتبعته مبكرا يوم كانت في العراق تؤسس وتغرس قواعد صرح المفاصلة العقائدية مع كافة معسكرات الجاهلية، بينما كان غيرها يغرقون في الرمادية المنهجية التي صبغت مواقفهم حتى يومنا هذا، فرأيناهم في كل واد يهيمون.

ولذلك، فالعقائديون هم الذين يثبتون في وجه الفتن الجارفة والمحن النازفة، لا تزحزحهم العواصف ولا تدغدغهم العواطف، ولا يطيرون مع كل زوبعة يمنة ويسرة، وَسَطٌ عدولٌ في جميع أحوالهم بين الإفراط والتفريط، بين الغلو والإرجاء، لم يتوسطوا الطريق بين الحق والباطل في الجيوب الرمادية، بل اتبعوا الملة الإبراهيمية؛ إنْ مالوا فعن الشرك لا إليه، وإنْ ركنوا فإلى الحق لا إلى الباطل، لم يداهنوا أهل الشرك ولم يرضوا أعمالهم، راسخون في عقيدتهم يجدون في قلوبهم برد اليقين وعذوبة الإيمان.

والواجب على طلاب الحق أن يتأسوا بهذا المنهج النبوي في جعل العقيدة هي الدافع والمحرك، وأكثر الناس اليوم تُحركهم صورة واحدة تفجّر مشاعرهم وتستدرّ دموعهم، ولا تحركهم ألف آية قرآنية ولا سُنة نبوية، وهذه طامة وقسوة عارمة عامة لم ينجُ منها إلا من رحم، قسوة حرمت أصحابها الهداية والبصيرة فاتبعوا الباطل أو خلطوه بالحق! فجعلوا بعض الحق الذي عندهم غطاء لباطلهم، فكانوا أشد فتنة للمسلمين من غيرهم، ولن يطول بهم أمد حتى يتمايزوا إلى حقٍّ صرف أو باطلٍ صرف، وانتظروا إنا منتظرون.

ومنذ أنْ أرسل الله رسله وإلى أنْ ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقصة واحدة تتكرر بفصولها وتفاصيلها لأن باريها واحد، وأبطالها على نهج واحد، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ}.

فانظروا وتأملوا حولكم، أليست هذه قصتنا مع الطواغيت وحكوماتهم وعساكرهم وأنصارهم ودعاتهم؟ ألم يتخذوا من دعوة التوحيد نفس الموقف الذي اتخذه أسلافهم بالأمس رغم تتابع الحجج والدلائل من وحي السماء ووقائع الأرض؟!

هذه هي قصة الدولة الإسلامية مع خصومها وأعدائها، مشروعها محاربة الطاغوت ومفاصلته في كل مفصل، ومشاريعهم على اختلافها تساير الطاغوت وتداهنه في كل محفل، هذه هي زبدة القول وبيت القصيد لمن تشعبت عليه التفاصيل، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 523
السنة السابعة عشرة - الخميس 6 جمادى الآخرة 1447 هـ
...المزيد

قصة شهيد: من جبال خراسان إلى ربوع الشام الشيخ المجاهد عبد الحكيم التتري: ‘‘أريد الوصول إلى ...

قصة شهيد:
من جبال خراسان إلى ربوع الشام

الشيخ المجاهد عبد الحكيم التتري: ‘‘أريد الوصول إلى أرض الخلافة والعيش فيها ولو أياماً فقط’’

"يكفيني أن أعيش في أرض الخلافة 4 أيام فقط، وإن قتلت بعد ذلك فقد حققت ما أريد"، عبارة كررها عشرات المرات عندما حاول أهله ثنيه عن الهجرة من خراسان إلى أرض الخلافة في العراق والشام، وبعد وصوله بأربعة أيام طلب المشاركة في غزوة كان يعد لها جنود الخلافة في بيجي، فقالت له زوجته ومن حوله: "انتظر يا شيخ حتى ترتاح من مشقة الطريق ووعثاء السفر"، فقال: "راحتي في ذلك"، وألحّ على إخوانه حتى شارك في الغزوة وقتل فيها، تقبله الله.

لقد صدق الله في طلبه فنال ما أراد، وهو الذي قاتل الكفار والمرتدين طيلة 8 أعوام في خراسان، كان ليناً مرحاً محبوباً من قبل إخوانه جميعا، كان أحدهم إذا جاءت نوبة رباطه في نقطة، سأل عن الموجودين في هذه النقطة فيقولون له فلان وفلان وفلان، فإذا علم بوجود الشيخ فيها سارع إليها فرحا مسرورا وإذا لم يجده بحث عنه.

كان أحد أكبر المحرضين على الجهاد في أرض الروس من خلال كلماته وتسجيلاته التي كانت دافعا كبيرا في هجرة العديد من الإخوة الروس إلى ساحات الجهاد.

إنه الشيخ المجاهد عبد الحكيم التتري -تقبله الله- صاحب 53 عاما، روسي الأصل، هاجر من أرض الروس الصليبيين إلى أرض خراسان قبل 15 عاما، والتحق بإخوانه بالحركة الإسلامية الأوزبكية في وزيرستان، التي بايعت خليفة المسلمين بعد إعلان الخلافة، وانضم جنودها لجنود الدولة الإسلامية في خراسان.

لم يكن الشيخ في مقتبل عمره ملتزما بأوامر الله ومنتهيا عن نواهيه، وكان له أخ من أمه قد عرف طريق الجهاد، وكان كثيرا ما يحدثه عن الجهاد في سبيل الله وفضله وما أعد الله للمجاهدين، حتى جاء الوقت الذي هدى الله فيه قلبه لدينه وللجهاد في سبيله، فعزم على الهجرة، والتحق بإخوانه في وزيرستان وأصبح جنديا في صفوف الحركة الأوزبكية الإسلامية، وجمع -رحمه الله- بين شقي الجهاد، جهاد اللسان وجهاد السنان، حيث كان يحرض المسلمين على النفير في سبيل الله من خلال كلماته الصوتية وتسجيلاته المصورة، ومن خلال قتاله ورباطه ضد المرتدين والكفار وأعوانهم.

وعن هجرته من أرض خراسان فور إعلان الخلافة إلى أرض الدولة الإسلامية، يحدثنا ابنه الذي كان معه في خراسان بقوله: "عندما أُعلنت الخلافة، عزم والدي أمره، وقال جهزوا أنفسكم سنهاجر إلى أرض الشام ونلتحق بركب الخلافة، فقلت له: "يا أبي هنا جهاد وهناك جهاد، والطريق طويلة واحتمال الأسر وارد جدا، ويجب علينا أن نجتاز حدود دول عديدة، ولا نملك جوازات للسفر أو بطاقات رسمية، إضافة إلى أننا لا نملك المال الكافي للوصول إلى الشام" فأجابني أبي: "الآن أعلنت الخلافة، وكم انتظرنا هذا اليوم، هل تعرف كم سنة انتظرناها؟! والآن عندما أُعلنت نتخلى عنها ولا نلتحق بركبها؟! لا يوجد أمامي هدف في أيامي القادمة سوى الوصول لأرض دولة الإسلام والالتحاق بالركب، ولن يستطيع أحد منعي من الالتحاق بها، فيكفيني أن أعيش فيها عدة أيام حتى وإن قتلت في أول غزوة أشارك بها".

وما هي إلا أيام حتى عزم الشيخ وزوجته وابنهما أمرهم مع عدد من الإخوة الآخرين وجهزوا أنفسهم للهجرة في سبيل الله، وجمعوا ما استطاعوا من المال، الذي قُدِّر بـ 900 دولار للشخص الواحد مع أن تكلفة الطريق للشخص كانت تزيد على 2000 دولار.

ومع فجر أحد الأيام، انطلقت المجموعة الصغيرة المهاجرة في سبيل الله إلى أرض الخلافة، من وزيرستان إلى أفغانستان وبعدها إلى باكستان، مرورا بدولة الروافض المشركين إيران، وصولا إلى تركيا، ليستريحوا عدة أيام ثم يكملوا طريقهم ويدخلوا أرض الشام بعد أكثر من شهرين منذ انطلاقتهم من وزيرستان.

وما أشق الطريق وأطوله، ويكفي فقط أن نعرف أنهم استقلوا أكثر من 50 سيارة منذ انطلاقهم، وركبوا العديد من الدراجات النارية في الطرق التي لا تسير فيها السيارات بين الجبال أثناء تنقلهم، ومشوا عشرات الكيلومترات على أرجلهم خلال عبورهم الحدود، وظلوا يوما كاملا مختبئين داخل صناديق خشبية حتى تمكنوا من عبور أحد الحواجز، وعادوا عدة مرات قبل ذلك.

ولاقوا ما لاقوا من أذى بسبب كذب المهربين، والخوف الذي عاشوه من كشف أمرهم للدرك والشرطة من الكفار والمرتدين، خاصة وأن الشيخ أحد أهم المطلوبين لدولة روسيا الصليبية، وصورته موزعة معروفة، إضافة إلى أن له العديد من الإصدارات التي يُحرض فيها على الجهاد وصورته واضحة بها، ورغم كل ذلك فلقد كانت رعاية الله وحفظه معهم.

وكانت الرحلة كذلك وبحسب أحد الإخوة في المجموعة أمتع رحلة في حياتهم بسبب وجود الشيخ معهم الذي كان كثير المزاح، ودائم السعادة والبهجة والذي كان يُحوّل أصعب المواقف وأحزنها إلى لطيفة ممتعة.

وهناك في تركيا، تذكّر الشيخ والدته التي قاربت الثمانين عاما، فلم يشأ أن ينعم بالهجرة والعيش في أرض الخلافة دونها، فاتصل بها وقال: "أمي، أنا الآن في تركيا وأريد أن أراك لأني سأذهب إلى مكان ربما لا أستطيع -أو لا أودُّ- العودة منه، تعالي هنا نلتقي عدة أيام ثم تعودين"، وجاءت الأم والتقت بابنها، فما كان منه إلا أن أقنعها باستكمال طريق الهجرة معه وهو ما كان، ولا تزال الأم في أرض الدولة الإسلامية إلى يومنا هذا.

وبعد التقائه بوالدته تواصل مع أحد الإخوة في تركيا لينسق له دخوله، فطلبوا منه الجلوس والصبر ريثما يأتي دوره للدخول وعبور الحدود، حيث أن هناك عشرات الإخوة يريدون الدخول والأمر يتطلب تدابيرا وجهدا لتأمين الطريق لهم، فرفض وقال: "أريد الدخول اليوم"، فقالوا: "يجب أن تنتظر دورك يا شيخ"، فأجابهم: "اليوم دوري"، وأصر على طلبه فعندما شاهد الإخوة إصراره أدخلوه بعد يومين أو ثلاثة، وكان بعض الإخوة ينتظرون دورهم أكثر من شهر.

وبعد دخوله برفقه عائلة أخرى صغيرة بيومين، سأل عن أقرب غزوة يُعد لها جنود الدولة الإسلامية فقالوا له في بيجي، فحزم حقيبته الصغيرة واتجه إلى المعسكر لتوديع ابنه الوحيد فلم يتمكن من رؤيته، فاتجه إلى بيجي، ليبلُغ زوجتَه خبرُ استشهاده بعد أيام، قُتل -رحمه الله- دون أن يعلم أحد من الجنود الذين كانوا معه في الغزوة من هذا الرجل الغريب المُسن صاحب الهمة العالية الذي دخل الغزوة معهم ولا يعرفون عنه شيئا -تقبله الله- وأسكنه فسيح جنانه.



* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 104
الخميس 13 صفر 1439 ه‍ـ
...المزيد

قصة شهيد: من جبال خراسان إلى ربوع الشام الشيخ المجاهد عبد الحكيم التتري: ‘‘أريد الوصول إلى ...

قصة شهيد:
من جبال خراسان إلى ربوع الشام

الشيخ المجاهد عبد الحكيم التتري: ‘‘أريد الوصول إلى أرض الخلافة والعيش فيها ولو أياماً فقط’’

"يكفيني أن أعيش في أرض الخلافة 4 أيام فقط، وإن قتلت بعد ذلك فقد حققت ما أريد"، عبارة كررها عشرات المرات عندما حاول أهله ثنيه عن الهجرة من خراسان إلى أرض الخلافة في العراق والشام، وبعد وصوله بأربعة أيام طلب المشاركة في غزوة كان يعد لها جنود الخلافة في بيجي، فقالت له زوجته ومن حوله: "انتظر يا شيخ حتى ترتاح من مشقة الطريق ووعثاء السفر"، فقال: "راحتي في ذلك"، وألحّ على إخوانه حتى شارك في الغزوة وقتل فيها، تقبله الله.

لقد صدق الله في طلبه فنال ما أراد، وهو الذي قاتل الكفار والمرتدين طيلة 8 أعوام في خراسان، كان ليناً مرحاً محبوباً من قبل إخوانه جميعا، كان أحدهم إذا جاءت نوبة رباطه في نقطة، سأل عن الموجودين في هذه النقطة فيقولون له فلان وفلان وفلان، فإذا علم بوجود الشيخ فيها سارع إليها فرحا مسرورا وإذا لم يجده بحث عنه.

كان أحد أكبر المحرضين على الجهاد في أرض الروس من خلال كلماته وتسجيلاته التي كانت دافعا كبيرا في هجرة العديد من الإخوة الروس إلى ساحات الجهاد.

إنه الشيخ المجاهد عبد الحكيم التتري -تقبله الله- صاحب 53 عاما، روسي الأصل، هاجر من أرض الروس الصليبيين إلى أرض خراسان قبل 15 عاما، والتحق بإخوانه بالحركة الإسلامية الأوزبكية في وزيرستان، التي بايعت خليفة المسلمين بعد إعلان الخلافة، وانضم جنودها لجنود الدولة الإسلامية في خراسان.

لم يكن الشيخ في مقتبل عمره ملتزما بأوامر الله ومنتهيا عن نواهيه، وكان له أخ من أمه قد عرف طريق الجهاد، وكان كثيرا ما يحدثه عن الجهاد في سبيل الله وفضله وما أعد الله للمجاهدين، حتى جاء الوقت الذي هدى الله فيه قلبه لدينه وللجهاد في سبيله، فعزم على الهجرة، والتحق بإخوانه في وزيرستان وأصبح جنديا في صفوف الحركة الأوزبكية الإسلامية، وجمع -رحمه الله- بين شقي الجهاد، جهاد اللسان وجهاد السنان، حيث كان يحرض المسلمين على النفير في سبيل الله من خلال كلماته الصوتية وتسجيلاته المصورة، ومن خلال قتاله ورباطه ضد المرتدين والكفار وأعوانهم.

وعن هجرته من أرض خراسان فور إعلان الخلافة إلى أرض الدولة الإسلامية، يحدثنا ابنه الذي كان معه في خراسان بقوله: "عندما أُعلنت الخلافة، عزم والدي أمره، وقال جهزوا أنفسكم سنهاجر إلى أرض الشام ونلتحق بركب الخلافة، فقلت له: "يا أبي هنا جهاد وهناك جهاد، والطريق طويلة واحتمال الأسر وارد جدا، ويجب علينا أن نجتاز حدود دول عديدة، ولا نملك جوازات للسفر أو بطاقات رسمية، إضافة إلى أننا لا نملك المال الكافي للوصول إلى الشام" فأجابني أبي: "الآن أعلنت الخلافة، وكم انتظرنا هذا اليوم، هل تعرف كم سنة انتظرناها؟! والآن عندما أُعلنت نتخلى عنها ولا نلتحق بركبها؟! لا يوجد أمامي هدف في أيامي القادمة سوى الوصول لأرض دولة الإسلام والالتحاق بالركب، ولن يستطيع أحد منعي من الالتحاق بها، فيكفيني أن أعيش فيها عدة أيام حتى وإن قتلت في أول غزوة أشارك بها".

وما هي إلا أيام حتى عزم الشيخ وزوجته وابنهما أمرهم مع عدد من الإخوة الآخرين وجهزوا أنفسهم للهجرة في سبيل الله، وجمعوا ما استطاعوا من المال، الذي قُدِّر بـ 900 دولار للشخص الواحد مع أن تكلفة الطريق للشخص كانت تزيد على 2000 دولار.

ومع فجر أحد الأيام، انطلقت المجموعة الصغيرة المهاجرة في سبيل الله إلى أرض الخلافة، من وزيرستان إلى أفغانستان وبعدها إلى باكستان، مرورا بدولة الروافض المشركين إيران، وصولا إلى تركيا، ليستريحوا عدة أيام ثم يكملوا طريقهم ويدخلوا أرض الشام بعد أكثر من شهرين منذ انطلاقتهم من وزيرستان.

وما أشق الطريق وأطوله، ويكفي فقط أن نعرف أنهم استقلوا أكثر من 50 سيارة منذ انطلاقهم، وركبوا العديد من الدراجات النارية في الطرق التي لا تسير فيها السيارات بين الجبال أثناء تنقلهم، ومشوا عشرات الكيلومترات على أرجلهم خلال عبورهم الحدود، وظلوا يوما كاملا مختبئين داخل صناديق خشبية حتى تمكنوا من عبور أحد الحواجز، وعادوا عدة مرات قبل ذلك.

ولاقوا ما لاقوا من أذى بسبب كذب المهربين، والخوف الذي عاشوه من كشف أمرهم للدرك والشرطة من الكفار والمرتدين، خاصة وأن الشيخ أحد أهم المطلوبين لدولة روسيا الصليبية، وصورته موزعة معروفة، إضافة إلى أن له العديد من الإصدارات التي يُحرض فيها على الجهاد وصورته واضحة بها، ورغم كل ذلك فلقد كانت رعاية الله وحفظه معهم.

وكانت الرحلة كذلك وبحسب أحد الإخوة في المجموعة أمتع رحلة في حياتهم بسبب وجود الشيخ معهم الذي كان كثير المزاح، ودائم السعادة والبهجة والذي كان يُحوّل أصعب المواقف وأحزنها إلى لطيفة ممتعة.

وهناك في تركيا، تذكّر الشيخ والدته التي قاربت الثمانين عاما، فلم يشأ أن ينعم بالهجرة والعيش في أرض الخلافة دونها، فاتصل بها وقال: "أمي، أنا الآن في تركيا وأريد أن أراك لأني سأذهب إلى مكان ربما لا أستطيع -أو لا أودُّ- العودة منه، تعالي هنا نلتقي عدة أيام ثم تعودين"، وجاءت الأم والتقت بابنها، فما كان منه إلا أن أقنعها باستكمال طريق الهجرة معه وهو ما كان، ولا تزال الأم في أرض الدولة الإسلامية إلى يومنا هذا.

وبعد التقائه بوالدته تواصل مع أحد الإخوة في تركيا لينسق له دخوله، فطلبوا منه الجلوس والصبر ريثما يأتي دوره للدخول وعبور الحدود، حيث أن هناك عشرات الإخوة يريدون الدخول والأمر يتطلب تدابيرا وجهدا لتأمين الطريق لهم، فرفض وقال: "أريد الدخول اليوم"، فقالوا: "يجب أن تنتظر دورك يا شيخ"، فأجابهم: "اليوم دوري"، وأصر على طلبه فعندما شاهد الإخوة إصراره أدخلوه بعد يومين أو ثلاثة، وكان بعض الإخوة ينتظرون دورهم أكثر من شهر.

وبعد دخوله برفقه عائلة أخرى صغيرة بيومين، سأل عن أقرب غزوة يُعد لها جنود الدولة الإسلامية فقالوا له في بيجي، فحزم حقيبته الصغيرة واتجه إلى المعسكر لتوديع ابنه الوحيد فلم يتمكن من رؤيته، فاتجه إلى بيجي، ليبلُغ زوجتَه خبرُ استشهاده بعد أيام، قُتل -رحمه الله- دون أن يعلم أحد من الجنود الذين كانوا معه في الغزوة من هذا الرجل الغريب المُسن صاحب الهمة العالية الذي دخل الغزوة معهم ولا يعرفون عنه شيئا -تقبله الله- وأسكنه فسيح جنانه.



* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 104
الخميس 13 صفر 1439 ه‍ـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ 104: الافتتاحية: الصبر واليقين حلة الصادقين إن أعظم الناس ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ 104:
الافتتاحية:

الصبر واليقين حلة الصادقين

إن أعظم الناس إيمانا، هو أعظمهم يقينا بالله -تعالى- أنه الإله الواحد الحق المستحق للعبادة، وأن دينه العظيم فوق جميع الأديان الباطلة، وبرهان ذلك اليقين الذي لا شك فيه هو قتال من كفر بالله وعدل معه غيره واستبدل بدينه أديان البشر الآسنة، وهذا اليقين هو من أعمال القلوب الجليلة التي لا يصح الإيمان إلا بها، وهو أحد الشروط التي لا بد منها لصحة كلمة التوحيد، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (من مات يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، موقنا من قلبه دخل الجنة) [رواه النسائي].

وهذا اليقين هو الذي يدفع صاحبه للمطاولة في طريق الدعوة إلى الله بالسيف والسنان والحجة والبيان، مع ما فيه من شدة البلاء وعظيم الخطب والزلزلة، وملاقاة الكفار والزحوف، واعتلاء مراكب المنايا والحتوف، إنه اليقين الذي يدفع صاحبه للصبر على كل ذلك، فلا يجد صاحبه بُدا من المطاولة والسعي الحثيث لنصرة الدين، ومرضاة رب العالمين، وهذا هو الإيمان الذي يتدرج بصاحبه حتى يصل إلى حق اليقين ثم عين اليقين، وأعظم الناس يقينا هم الرسل، لأنهم هم من تجري على أيديهم المعجزات وتتنزل عليهم الآيات، ولذلك عندما شكى خباب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يلاقونه من أذى المشركين وطلب منه الدعاء والنصرة، كشف له النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لاقاه الجيل الأول من أتباع كل رسول من الصبر العظيم على دين الله، وما هذا الصبر إلا من قوة الإيمان بالله -سبحانه- واليقين بوعده، والرضى بتلك المصائب في ذات الله، فعن خباب بن الأرتِّ -رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم، يُؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله لَيُتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [رواه البخاري].

وهكذا يأتي الجيل بعد ذاك الجيل المبتلى الذي قامت عليه الدعوة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ممن أنعم الله عليهم بالإيمان والصبر واليقين، فيكون فضلهم على قدر ما هم عليه من يقين وتحمل وتصبر في القيام بأمر الله تعالى، وبهذه المعايير يكون التفاضل والدرجة في الجنة، فأخبرنا الله -تعالى- عن التفاضل بين بعض أجيال الصحابة الكرام، وأن درجة من أنفق وقاتل قبل فتح مكة ليس كمن آمن وقاتل بعد الفتح، وهؤلاء الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- بمجموعهم ممن سبق ولحق، هم من أعظم الناس إيمانا واتباعا للنبي -صلى الله عليه وسلم- ويقينا وبلاء في سبيل الله، ولذلك هم خير القرون، وعندما ارتدت العرب وانحسرت رقعة الدولة في مكة والمدينة، ظهر مِن حُسن بلائِهم وجهادهم ما يدل على هذه الخيرية، فألقوا بأنفسهم في أتون حرب ضروس، ضَرَستْ أهل الردة وكسرت شوكتهم، وكانوا من أكثر الناس بذلا للدماء والأشلاء، وقُتل في وقعة اليمامة سبعون من قراء الصحابة، وهي وقعة واحدة من وقعات كثيرة، مما حدا بالصدّيق -رضي الله عنه- أن يجمع القرآن خشية أن يضيع منه شيء، أولئك هم جيل الهداة المهتدين، الذين نالوا الإمامة في الدين بالصبر واليقين، اليقين بوحدانية الله والحساب والجنة والنار، اليقين برضوان الله وتحقيق وعده، اليقين بكفر الطواغيت وأتباعهم وجندهم وأنصارهم من صليبيين ومرتدين، والصبر على نتائج القتال مهما عظمت، ولذلك تجد من المجاهدين اليوم من يذكرك بفعل أنس بن النضر -رضي الله عنه- يوم أحد وهو ممن عظم إيمانه ويقينه، فشقّ طريقه إلى ربه موقنا صابرا محتسبا مقبلا عليه قائلا حين فرّ الناس: "واها لريح الجنة، أجدها دون أحد"، وما أعجب تلك الكلمات، إنها كلمة تلهُّف وحنين للجنة، فهنيئا لمن سار على خطاه، وحث الخطى إلى دار السعادة والكرامة، فإن أعظم الناس إيمانا ويقينا من يقبل على ربه حين يدبر الناس، وينكلوا عن هذا الخير العظيم.


* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 104
الخميس 13 صفر 1439 ه‍ـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ 104: الافتتاحية: الصبر واليقين حلة الصادقين إن أعظم الناس ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ 104:
الافتتاحية:

الصبر واليقين حلة الصادقين

إن أعظم الناس إيمانا، هو أعظمهم يقينا بالله -تعالى- أنه الإله الواحد الحق المستحق للعبادة، وأن دينه العظيم فوق جميع الأديان الباطلة، وبرهان ذلك اليقين الذي لا شك فيه هو قتال من كفر بالله وعدل معه غيره واستبدل بدينه أديان البشر الآسنة، وهذا اليقين هو من أعمال القلوب الجليلة التي لا يصح الإيمان إلا بها، وهو أحد الشروط التي لا بد منها لصحة كلمة التوحيد، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (من مات يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، موقنا من قلبه دخل الجنة) [رواه النسائي].

وهذا اليقين هو الذي يدفع صاحبه للمطاولة في طريق الدعوة إلى الله بالسيف والسنان والحجة والبيان، مع ما فيه من شدة البلاء وعظيم الخطب والزلزلة، وملاقاة الكفار والزحوف، واعتلاء مراكب المنايا والحتوف، إنه اليقين الذي يدفع صاحبه للصبر على كل ذلك، فلا يجد صاحبه بُدا من المطاولة والسعي الحثيث لنصرة الدين، ومرضاة رب العالمين، وهذا هو الإيمان الذي يتدرج بصاحبه حتى يصل إلى حق اليقين ثم عين اليقين، وأعظم الناس يقينا هم الرسل، لأنهم هم من تجري على أيديهم المعجزات وتتنزل عليهم الآيات، ولذلك عندما شكى خباب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يلاقونه من أذى المشركين وطلب منه الدعاء والنصرة، كشف له النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لاقاه الجيل الأول من أتباع كل رسول من الصبر العظيم على دين الله، وما هذا الصبر إلا من قوة الإيمان بالله -سبحانه- واليقين بوعده، والرضى بتلك المصائب في ذات الله، فعن خباب بن الأرتِّ -رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم، يُؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله لَيُتمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [رواه البخاري].

وهكذا يأتي الجيل بعد ذاك الجيل المبتلى الذي قامت عليه الدعوة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ممن أنعم الله عليهم بالإيمان والصبر واليقين، فيكون فضلهم على قدر ما هم عليه من يقين وتحمل وتصبر في القيام بأمر الله تعالى، وبهذه المعايير يكون التفاضل والدرجة في الجنة، فأخبرنا الله -تعالى- عن التفاضل بين بعض أجيال الصحابة الكرام، وأن درجة من أنفق وقاتل قبل فتح مكة ليس كمن آمن وقاتل بعد الفتح، وهؤلاء الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- بمجموعهم ممن سبق ولحق، هم من أعظم الناس إيمانا واتباعا للنبي -صلى الله عليه وسلم- ويقينا وبلاء في سبيل الله، ولذلك هم خير القرون، وعندما ارتدت العرب وانحسرت رقعة الدولة في مكة والمدينة، ظهر مِن حُسن بلائِهم وجهادهم ما يدل على هذه الخيرية، فألقوا بأنفسهم في أتون حرب ضروس، ضَرَستْ أهل الردة وكسرت شوكتهم، وكانوا من أكثر الناس بذلا للدماء والأشلاء، وقُتل في وقعة اليمامة سبعون من قراء الصحابة، وهي وقعة واحدة من وقعات كثيرة، مما حدا بالصدّيق -رضي الله عنه- أن يجمع القرآن خشية أن يضيع منه شيء، أولئك هم جيل الهداة المهتدين، الذين نالوا الإمامة في الدين بالصبر واليقين، اليقين بوحدانية الله والحساب والجنة والنار، اليقين برضوان الله وتحقيق وعده، اليقين بكفر الطواغيت وأتباعهم وجندهم وأنصارهم من صليبيين ومرتدين، والصبر على نتائج القتال مهما عظمت، ولذلك تجد من المجاهدين اليوم من يذكرك بفعل أنس بن النضر -رضي الله عنه- يوم أحد وهو ممن عظم إيمانه ويقينه، فشقّ طريقه إلى ربه موقنا صابرا محتسبا مقبلا عليه قائلا حين فرّ الناس: "واها لريح الجنة، أجدها دون أحد"، وما أعجب تلك الكلمات، إنها كلمة تلهُّف وحنين للجنة، فهنيئا لمن سار على خطاه، وحث الخطى إلى دار السعادة والكرامة، فإن أعظم الناس إيمانا ويقينا من يقبل على ربه حين يدبر الناس، وينكلوا عن هذا الخير العظيم.


* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 104
الخميس 13 صفر 1439 ه‍ـ
...المزيد

وقفات مع الرؤى والأحلام الحمد لله الذي جعل من الرؤى مبشرات تسرُّ المؤمن وتعينه على الثبات، ...

وقفات مع الرؤى والأحلام


الحمد لله الذي جعل من الرؤى مبشرات تسرُّ المؤمن وتعينه على الثبات، والصلاة والسلام على رسوله القائل "لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة" [رواه البخاري]، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد...

فإن من الأمور التي ينبغي وضعها في مواضعها الصحيحة الرؤى التي نراها في منامنا، وسنذكر في هذه المقالة -إن شاء الله- أحكاماً شرعية تصحح مفاهيمنا عن الرؤى، ومنها أنه لا شك أن الوحي قد انقطع بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن تُؤخذ من الرؤى أحكام شرعية بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولحوقه بربه عز وجل، فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كشف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السِّتارة، والناس صُفوفٌ خلف أبي بكر، فقال: (أيها الناس، إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له)" [رواه مسلم].


الرؤى الصالحة مبشرات

والرؤيا الصالحة من البشارات التي يُبشَّر بها المؤمن في الدنيا، فقد قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير البشرى في الحياة الدنيا في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62 - 64]: "إن الله -تعالى ذكره- أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له".


أقسام الرؤى

وتُقسم الرؤى إلى ثلاثة أقسام: رؤيا بشرى من الله، وحديث نفس، ورؤيا تحزين من الشيطان، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا: أصدقكم حديثا... والرؤيا ثلاث، فالرؤيا الصالحة: بشرى من الله، ورؤيا: تحزين من الشيطان، ورؤيا: مما يحدِّث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصلِّ، ولا يحدث بها الناس) [رواه مسلم وبعضه في البخاري].

ومعنى اقتراب الزمان: قرب قيام الساعة على الصحيح، فينبغي للمسلم أن يضع في اعتباره هذه الأقسام الثلاثة للرؤى، فإن رأى في منامه ما كان يفكر فيه ويشغل باله فقد تكون رؤياه من حديث النفس، وإن رأى ما يسوؤه ولا بشارة فيه فليحمله على أنه من أذى الشيطان ليحزنه، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن أعرابيا قال: "يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رأسي ضُرِب فتدحرج، فاشتددت في أثره"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُحدِّث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك) [رواه مسلم].


علاقة الرؤيا بأول تعبير لها

وقد استدل البخاري -رحمه الله- بحديث الرؤيا التي عبرها أبو بكر -رضي الله عنه- على أن الرؤيا لا تقع على أول تعبير تعبر به إذا لم يكن التعبير صوابا، فقال: "باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب"، وتحت التبويب أسند حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطُف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سببٌ واصلٌ من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به، فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل"، فقال أبو بكر: "يا رسول الله، بأبي أنت والله، لتَدَعَنِّي فأعبرها"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعبرها)، قال: "أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن، حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به، رجل من بعدك فيعلو به ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له، فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله، بأبي أنت أصبت أم أخطأت؟"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصبت بعضا، وأخطأت بعضا)، قال: "فوالله يا رسول الله، لتحدثني بالذي أخطأت"، قال: (لا تقسم) [رواه البخاري]، وفي الحديث دلالة على أن تعبير الرؤى هو من الاجتهاد الذي قد يصيب وقد يخطئ أو قد يصيب بعضه ويخطئ بالآخر، وقد يقول قائل فما معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرؤيا تقع على ما تعبر و مثل ذلك رجل رفع رجله فهو ينتظر فهو متى يضعها فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالما)، فيقال له أن لا إشكال في المعنى لأن الرؤيا تقع على ما تعبر من الصحيح في تأويلها لا على تأويل من جانب الصواب كما مر معنا في عنوان الباب الذي أورده الإمام البخاري في صحيحه، وفي هذا الحديث إرشاد نبوي وحث على سؤال العالم بالتأويل أو الناصح في تعبير الرؤى.

على من تُقص الرؤيا

وكذلك دلت قصة يوسف -عليه السلام- على أن الأصل ألا تُقَصَّ الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح أو من يخشى منه الكيد والحسد، وذاك في قوله تعالى: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5]، ومن فهم من رؤيا أنها مصيبة تنزل بالرائي فلا يجوز أن يجامله فيكذب في تأويلها، وله أن يتهرب من تفسيرها دون كذب، قيل لمالك، رحمه الله: "أتُعَبِّر الرؤيا على الخير وهي عنده على الشر؟"، فقال: "معاذ الله، أبالنبوة يتلعب؟ هي من أجزاء النبوة".


زمن وقوع الرؤيا

وقد يخطئ بعض الناس في تعبير الرؤى من حيث زمان وقوعها أو مكانه أو غير ذلك، قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أُري في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في ذلك، فقال له فيما قال: "أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟" قال: (بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا) قال: "لا"، قال: (فإنك آتيه ومُطَّوِّف به). وبهذا أجاب الصديق -رضي الله عنه- أيضا حذو القذة بالقذة؛ ولهذا قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [الفتح: 27].


من تعبير النبي صلى الله عليه وسلم للرؤى

ومن أمثلة تعبير النبي -صلى الله عليه وسلم- للرؤى ما جاء عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (رأيت الليلة -وفي رواية: رأيت ذات ليلة- فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، وأتينا برُطَب من رُطَب ابن طاب، فأوَّلْتُ: أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب) [رواه مسلم]، وفي هذا المثال بعض العلم النبوي يوضح أن الكلمات تكون أحيانا مفاتيح للتعبير، فاسم عقبة فُسّر بالعاقبة في الآخرة، واسم رافع فُسّر بالرفعة في الدنيا، وابن طاب فُسّر بأن ديننا قد طاب.

وموضوع الرؤى لا تكفيه هذه المساحة، ولكن ما يجدر ذكره أن رؤى الأنبياء وحي كرؤيا نبي الله إبراهيم أنه يذبح ابنه، ومنها أن رؤيا الكافر قد تصدق كما في رؤيا الملك قبل أن يسلم على يدي يوسف عليه السلام.

وعلم تعبير الرؤى من نعم الله على من أراده الله بهذا الفضل، وهي نعمة تستوجب الشكر، أخبر -تعالى- أن يعقوب قال لابنه يوسف، عليهما السلام: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف: 6].

ونصلي ونسلم على رسول الله ومصطفاه، والحمد لله رب العالمين.

* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 103
الخميس 6 صفر 1439 ه‍ـ
...المزيد

وقفات مع الرؤى والأحلام الحمد لله الذي جعل من الرؤى مبشرات تسرُّ المؤمن وتعينه على الثبات، ...

وقفات مع الرؤى والأحلام


الحمد لله الذي جعل من الرؤى مبشرات تسرُّ المؤمن وتعينه على الثبات، والصلاة والسلام على رسوله القائل "لم يبقَ من النبوة إلا المبشرات قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة" [رواه البخاري]، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد...

فإن من الأمور التي ينبغي وضعها في مواضعها الصحيحة الرؤى التي نراها في منامنا، وسنذكر في هذه المقالة -إن شاء الله- أحكاماً شرعية تصحح مفاهيمنا عن الرؤى، ومنها أنه لا شك أن الوحي قد انقطع بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يصح أن تُؤخذ من الرؤى أحكام شرعية بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولحوقه بربه عز وجل، فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كشف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السِّتارة، والناس صُفوفٌ خلف أبي بكر، فقال: (أيها الناس، إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرى له)" [رواه مسلم].


الرؤى الصالحة مبشرات

والرؤيا الصالحة من البشارات التي يُبشَّر بها المؤمن في الدنيا، فقد قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير البشرى في الحياة الدنيا في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62 - 64]: "إن الله -تعالى ذكره- أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له".


أقسام الرؤى

وتُقسم الرؤى إلى ثلاثة أقسام: رؤيا بشرى من الله، وحديث نفس، ورؤيا تحزين من الشيطان، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا: أصدقكم حديثا... والرؤيا ثلاث، فالرؤيا الصالحة: بشرى من الله، ورؤيا: تحزين من الشيطان، ورؤيا: مما يحدِّث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصلِّ، ولا يحدث بها الناس) [رواه مسلم وبعضه في البخاري].

ومعنى اقتراب الزمان: قرب قيام الساعة على الصحيح، فينبغي للمسلم أن يضع في اعتباره هذه الأقسام الثلاثة للرؤى، فإن رأى في منامه ما كان يفكر فيه ويشغل باله فقد تكون رؤياه من حديث النفس، وإن رأى ما يسوؤه ولا بشارة فيه فليحمله على أنه من أذى الشيطان ليحزنه، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن أعرابيا قال: "يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رأسي ضُرِب فتدحرج، فاشتددت في أثره"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تُحدِّث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك) [رواه مسلم].


علاقة الرؤيا بأول تعبير لها

وقد استدل البخاري -رحمه الله- بحديث الرؤيا التي عبرها أبو بكر -رضي الله عنه- على أن الرؤيا لا تقع على أول تعبير تعبر به إذا لم يكن التعبير صوابا، فقال: "باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب"، وتحت التبويب أسند حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطُف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سببٌ واصلٌ من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به، فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل"، فقال أبو بكر: "يا رسول الله، بأبي أنت والله، لتَدَعَنِّي فأعبرها"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعبرها)، قال: "أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن، حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به، رجل من بعدك فيعلو به ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له، فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله، بأبي أنت أصبت أم أخطأت؟"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصبت بعضا، وأخطأت بعضا)، قال: "فوالله يا رسول الله، لتحدثني بالذي أخطأت"، قال: (لا تقسم) [رواه البخاري]، وفي الحديث دلالة على أن تعبير الرؤى هو من الاجتهاد الذي قد يصيب وقد يخطئ أو قد يصيب بعضه ويخطئ بالآخر، وقد يقول قائل فما معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرؤيا تقع على ما تعبر و مثل ذلك رجل رفع رجله فهو ينتظر فهو متى يضعها فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالما)، فيقال له أن لا إشكال في المعنى لأن الرؤيا تقع على ما تعبر من الصحيح في تأويلها لا على تأويل من جانب الصواب كما مر معنا في عنوان الباب الذي أورده الإمام البخاري في صحيحه، وفي هذا الحديث إرشاد نبوي وحث على سؤال العالم بالتأويل أو الناصح في تعبير الرؤى.

على من تُقص الرؤيا

وكذلك دلت قصة يوسف -عليه السلام- على أن الأصل ألا تُقَصَّ الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح أو من يخشى منه الكيد والحسد، وذاك في قوله تعالى: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5]، ومن فهم من رؤيا أنها مصيبة تنزل بالرائي فلا يجوز أن يجامله فيكذب في تأويلها، وله أن يتهرب من تفسيرها دون كذب، قيل لمالك، رحمه الله: "أتُعَبِّر الرؤيا على الخير وهي عنده على الشر؟"، فقال: "معاذ الله، أبالنبوة يتلعب؟ هي من أجزاء النبوة".


زمن وقوع الرؤيا

وقد يخطئ بعض الناس في تعبير الرؤى من حيث زمان وقوعها أو مكانه أو غير ذلك، قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أُري في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في ذلك، فقال له فيما قال: "أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟" قال: (بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا) قال: "لا"، قال: (فإنك آتيه ومُطَّوِّف به). وبهذا أجاب الصديق -رضي الله عنه- أيضا حذو القذة بالقذة؛ ولهذا قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [الفتح: 27].


من تعبير النبي صلى الله عليه وسلم للرؤى

ومن أمثلة تعبير النبي -صلى الله عليه وسلم- للرؤى ما جاء عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (رأيت الليلة -وفي رواية: رأيت ذات ليلة- فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، وأتينا برُطَب من رُطَب ابن طاب، فأوَّلْتُ: أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب) [رواه مسلم]، وفي هذا المثال بعض العلم النبوي يوضح أن الكلمات تكون أحيانا مفاتيح للتعبير، فاسم عقبة فُسّر بالعاقبة في الآخرة، واسم رافع فُسّر بالرفعة في الدنيا، وابن طاب فُسّر بأن ديننا قد طاب.

وموضوع الرؤى لا تكفيه هذه المساحة، ولكن ما يجدر ذكره أن رؤى الأنبياء وحي كرؤيا نبي الله إبراهيم أنه يذبح ابنه، ومنها أن رؤيا الكافر قد تصدق كما في رؤيا الملك قبل أن يسلم على يدي يوسف عليه السلام.

وعلم تعبير الرؤى من نعم الله على من أراده الله بهذا الفضل، وهي نعمة تستوجب الشكر، أخبر -تعالى- أن يعقوب قال لابنه يوسف، عليهما السلام: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف: 6].

ونصلي ونسلم على رسول الله ومصطفاه، والحمد لله رب العالمين.

* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 103
الخميس 6 صفر 1439 ه‍ـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - مقال: ودوا لو تكفرون كما كفروا لا يزال كفار العالم في غيض وحسد، وسعي ...

الدولة الإسلامية - مقال:
ودوا لو تكفرون كما كفروا

لا يزال كفار العالم في غيض وحسد، وسعي لاجتثاث الموحدين الذين آمنوا بربهم وسعوا لإقامة سلطان شريعته، هذا الغيض منشؤه حسدهم للمؤمنين على إيمانهم واستقامتهم، ولذلك قال العليم الخبير: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89]، فهذه الأمنية عند الكفار هي التي تحرِّك عداوتهم وتغذي حروبهم معنا، فلا عجب أن يكون الكفار قد أجمعوا أمرهم وتركوا خلافاتهم وتوجهوا لحرب دولة الخلافة، فالدين الحق الذي تدين به هذه الدولة المباركة هو السبب الدافع لعداوة الأمم الكافرة لأبنائها ورعيتها، لأن الالتزام بهذا النور المبين يكشف كفر أديانهم ويظهر باطل مناهجهم، ويفضح فساد طريقتهم وانحطاط أخلاقهم، فتندفع قواتهم لفتنة الموحدين عن دينهم ليشاركوهم في كفرهم فيكونوا معهم سواء، ويتجاوزوا المنغصات التي يسببها وجود أهل التوحيد وسلوكهم واتباعهم للهدى الذي حاد الكفار عنه وحاربوه.

وهذه الحقيقة ذكرها القرآن كثيرا بين الأنبياء وأقوامهم، فتجد أن الباطل لا يطيق رؤية الحق يعلو وينتشر، وترى أن الكفار لا يستطيعون كتم غيظهم أمام ظهور الدين الحق الذي يكشف باطلهم ويفضح أستاره، فيحاول الطاغوت وجنده تشويه منهج أهل الحق بما يملكون من الوسائل الضخمة التي تقابل صوت الحق الذي لا يُجارى حتى لو كان في أضعف حالاته، فعند بدء دعوة الرسل لأقوامهم تصدح تلك القلوب الفاسدة العمياء بذلك الجواب الذي يعبِّر عن إرادة اجتثاث الحق واستئصاله والسعي لذلك، كما في قوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ} [العنكبوت: 24]، فإن الباطل لا يمكن أن يصمد بحججه الواهية أمام قوة البراهين على أحقية دعوة التوحيد، ولذلك يبدأ أهل الباطل بخطوات فعلية لمواجهة الخطر الذي يُهدد باطلهم.

إنه التقتيل والتحريق أو الطرد أو السجن والتعذيب، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]، إن كل ذلك وسيلة لرد المسلمين عن دينهم، الذي يهدم أديان الكفر والعصيان، فتندلع المواجهة مع ظهور الحق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان في قتال لا يزال مستمرا لا ينقطع ولا تخمد ناره، قال ربنا جل في علاه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، ولذلك لا عجب أن تعرف الحقيقة التي تقف وراء تحريق أصحاب الأخدود العزَّل من قبل ذلك الطاغوت الذي فضح باطله مجرد إيمان أولئك الناس بربهم، إن تلك الحقيقة هي قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8]، وهكذا تجد أن نقمة الكفار وسبب اجتماعهم على المسلمين في كل زمان هو توحيد الله –تعالى- ونبذ الباطل الذي يدين به الكفار، وهو الإيمان الحق الذي يريده الله جل وعلا، ولذلك لا عجب أيضا أن ترى الصليبيين يدفعون بعلماء السوء للطعن بالموحدين ورميهم بالكفر والفسوق وذلك ليخففوا الوطأة على نفوسهم التي أظهر الحق ضعفها وانهيارها وشوَّش عليها نشوة التمتع بالمحرمات وأنواع الشهوات حتى تلك التي اتفقت الفطر على خبثها وجرمها، فإن ظهور الحق يعني انتهاء الباطل، فلا بد للطاغوت أن يجد من يسوِّق له دينه وينشره بين الناس فيدينوا بدينه ويعبدوه على شريعته الباطلة الفاجرة ويشوِّهوا دين وسبيل أهل الحق ليصدوا عنها ويذبوا عن الطاغوت وشريعته.

وهذه الحقيقة التي يجدها الكفار في نفوسهم هي موجودة حتى ولو لم يكن هناك قتال، فعندما دعا نبي الله شعيب -عليه السلام- قومه الكفار أن يصبروا عليه وعلى أتباعه حتى يحكم الله بينه وبينهم وبدون أن يتعرض أحد للآخر، رفضوا ذلك وخيَّروا النبي شعيبا -عليه السلام- ومن آمن معه إحدى اثنتين، قال الله تعالى: {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: 87 - 88]، هما خياران عند كل طاغوت في كل زمان، إما القتال والإبعاد، أو العودة إلى ملة الكفر والفساد، ولن يطيقوا الصبر على وجود دين الله الحق، ومن أبى فلن يجد إلا القتل أو النفي أو الإكراه على العودة في ملة الكفر، وهذه الحقيقة هي ثابتة تحصل بين الأنبياء وأقوامهم، قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [إبراهيم: 13].

ومن هنا يعرف الموحد الكذبة الكبرى التي سماها علماء السوء ودعاة الدخول إلى جهنم بالتعايش السلمي أو قبول الآخر، أي قبول التعايش مع الكفار، وهذا التعايش فَشِل فشلا ذريعا حتى مع كون دعاة هذا التعايش قد تخلوا عن كثير من دينهم وارتدوا لأجل أن يثبتوا للكفار أنهم يتعايشون معهم ويقبلون بمنهجهم أو يحسِّنون دينهم ويجدون معهم مشتركات للالتقاء في منتصف الطريق، فيأبى أهل الباطل على أولئك إلا الدخول تحت باطلهم وملتهم بشكل لا يُبقي لهم أي نوع من الاستقلالية.

فلا بد للموحدين أن يعلموا أن هذا المنهاج الطاغوتي الذي يسعى للضغط عليهم بكل الوسائل إنما هو قضاء كوني وصراع كائن إلى يوم القيامة لا يتخلف عن كل موحد صادق متبع لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عودِيَ"، ولذا يتوجب على كل موحد أن يثبت لربه صدقه وإخلاصه في دينه ويصبر على أذى وقتال الكفار والمرتدين، فإن هذه الحرب لن تضع أوزارها إلا بنزول عيسى -عليه السلام- فيقمع الباطل ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام الذي يسود العالم، كما أن الكفار اليوم لا يقبلون منا إلا الدخول معهم في الكفر ولو أدى ذلك لتدمير المدن وتحريق ما فيها بحمم الطائرات، ناقمين علينا إيماننا وتوحيدنا واتباع شريعة ربنا جل في علاه، فلا سبيل لدفع هذا الباطل وحشوده إلا بالقتال الذي اتسم به منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في نشر الرسالة، وكان اليهود يحدثون بصفته هذه عندهم في التوراة قبل مبعثه، وعندما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فاحتج عليهم الأنصار بمقولتهم التي كانوا يسمعون منهم في صفته حيث كان اليهود يقولون أنه "الضحوك القتال يركب البعير، ويلبس الشملة، يجترئ بالكسرة، سيفه على عاتقه، له ملاحم وملاحم" [تفسير السمعاني]، وهكذا ينبغي لكل متبع للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون سيفه على عاتقه ينشر الشريعة ويذب عنها ويتحمل الأذى والعداوة ومخرجاتها المريرة في زمن تكالب أمم الكفر، ويخوض الملاحم مع الكفار والمرتدين، فكلما اشتدت العداوة وزادت غربة الدين وصار القابض على دينه كالقابض على جمرة، صار عند ذلك الصبر على تلك المحن زيادة في درجة الموحدين وقربهم عند ربهم، ورفعة في منزلتهم، لما يلاقونه من عظيم التكالب والزلزلة، ولا يجد الموحد حينها له من الزاد الذي يعينه إلا الصبر على لأواء الطريق وشدته، ولذلك مدح الله -تعالى- أتباع الرسل وأخبر أنه يحب الصابرين على ما يصيبهم ابتغاء مرضاته فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، وهذا لأن جهاد النفس وإرغامها على المكاره هو الصبر الذي يحبه الله تعالى، فلما كان الوهن يصيب النفس البشرية عند كل بلاء لتتراجع قليلا فتثبت أو تفتن، كان الصبر على المحن وحب الموت في سبيل الله وعدم الضعف أمام بأس الكفار وعدم الاستكانة لهم هو من الصبر الذي يحبه الله -تعالى- ويدخل أصحابه جنة تقر بها أعينهم ويرضى عنهم خالقهم فلا يسخط عليهم أبدا.

فبشراكم أيها الموحدون القابضون على دينكم في زمن الغربة وتكالب الأمم فما هي إلا فترة من الصبر والثبات يعقبها خير الدنيا والآخرة، فعوا حقيقة الصراع واحفظوا عليكم دينكم واصبروا على أمر الله حتى يأتي وعده الذي لا يتخلف، ولا تضعوا عن عواتقكم السلاح، وامضوا إلى الهيجاء في كل ساح، فإن في ذلك الرشد والنجاة والفلاح.



* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 103
الخميس 6 صفر 1439 ه‍ـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
14 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً