ماض جهاد المؤمنين تؤكّد الدولة الإسلامية في جميع خطاباتها وسائر إعلامها المرئي والمقروء على ...

ماض جهاد المؤمنين


تؤكّد الدولة الإسلامية في جميع خطاباتها وسائر إعلامها المرئي والمقروء على أنها باقية ماضية على طريقها بإذن الله تعالى، وأن جهادها ماض متواصل… وما هذه الكلمات بشعارات أو حشو كلام لِمَلء الخطابات، بل هي عقيدة إيمانية راسخة لا تتزحزح، تتزاحم النصوص الشرعية على تأكيدها، والتاريخ يشهد لها، والواقع يثبت صحتها.

وقد دلّ القرآن الكريم على مضي الجهاد لوجود مبرراته الشرعية، فقد أخبرنا الله تعالى بأن الكافرين لن يتوقفوا عن محاربة الإسلام إلى يوم القيامة، فقال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}، وهذا مستمر باستمرار الصراع الأبدي بين الإسلام والكفر، وإن الصورة الشرعية لخوض هذا الصراع المحتوم هو الجهاد في سبيل الله تعالى.

ويُفهم ذلك أيضا من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ...}، فهذه الصفقة الرابحة قد تمّت بين الله تعالى وعباده المؤمنين يعطيهم الجنة مقابل أن يقتلوا أو يُقتلوا في سبيل الله تعالى، ولا يُتصور بحال أن تكون صفقة مؤقتة بزمان دون غيره، بل هي صفقة ماضية باقية إلى يوم الدين.

كما دلت السنة النبوية على مضي الجهاد، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ ‌يُرِدِ ‌اللهُ ‌بِهِ ‌خَيْرًا ‌يُفَقِّهْهُ ‌فِي ‌الدِّينِ، ‌وَلَا ‌تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، وتأمل كيف جمع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بين الفقه والجهاد! وقد صدق من قال: "لا يفقه القرآن مثل مجاهد، ولا يعرف الدين مثل مجاهد."، فالمجاهدون أفقه الناس بدين ربهم، وحسبهم من الفقه أنهم علموا أن الدين لا يقوم إلا بالجهاد! فعملوا بما علموا وكفاهم.

ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عَنْ عروة بن الجعد رضي الله عنه، عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم)؛ قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري معلِّقا على الحديث: "فيه بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة، لأن مِن لازم بقاء الجهاد، بقاء المجاهدين"، وبنحوه قال الإمام النووي عند شرحه للحديث، وذكر ابن الجارود في المنتقى هذا الحديث تحت باب: "دوام الجهاد إلى يوم القيامة".

ولذلك استمر قادة الدولة الإسلامية يؤكدون أنها باقية، فالجهاد هو سر بقائها، الجهاد بما يتضمّنه من قتال وإقامة للشريعة وصون للملة ونصرة وإيواء، ودعوة وولاء للمؤمنين وعداء للكافرين.

ولو استعرضنا التاريخ الإسلامي لوجدنا أنّ مِن أوضح مظاهر مضي الجهاد تتابع قوافله وامتداد سراياه من عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرورا بعصر الخلفاء الراشدين، ثم عصر التابعين ومَن سار على خطاهم بعدهم، بل لم يخلُ عصرٌ من عصور المسلمين من الجهاد في سبيل الله تعالى خلف إمام برًا كان أو فاجرًا.

ومِن أوضح مظاهر مضي الجهاد في التاريخ القريب ما تعرضت له الدولة الإسلامية في العراق من محن ومؤامرات شارك فيها الصليبيون والإخوان المرتدون والروافض، وقد اجتمعوا وتآمروا على تلك الدولة الفتية حتى بلغت القلوب الحناجر، ثم ما لبثت أن خرجت الدولة الإسلامية من تلك المحنة أقوى عودا وأشدّ عزيمة وواصلت جهادها حتى امتدت إلى الشام كاسرة الحدود وكاسرة معها أوهام الكافرين والمرتدين بوقف رحى الجهاد، وما هي إلا سنوات من الصبر والمصابرة حتى وفّقها الله تعالى لإقامة الواجب المضيّع بعد أن تأخّر عنه الجميع بل ضلوا طريقه؛ فأعلنت قيام الخلافة على منهاج النبوة، فتسارع الروم والمجوس والمرتدون والمنافقون لوأد هذه الدولة المباركة، التي كشفت حقيقة التنظيمات والجماعات التي أدمنت الخلاف وأبت الخلافة وحاربتها وتآمرت عليها وتحالفت مع الشياطين ضدها! فانتقم الله تعالى منهم جميعا، ولم تبق جماعة حاربت الخلافة إلا عاقبها الله تعالى بخلاف مرادها، فاندثر أكثرها فلم تعد تُذكر، وانقسم مَن بقي منها إلى شيع وأحزاب يلعن بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا، بينما بقيت دولة الإسلام -بفضل الله تعالى- صامدة متماسكة ماضية يقودها إمام واحد بمنهج واحد.ومن مظاهر مضي الجهاد في عصرنا الحاضر، أمُّ المِحن التي تعرّضت لها دولة الإسلام بعد إعلان الخلافة وتحكيم الشريعة، إذْ أقبل الصليبيون بحلف عالمي قوامه كل أمم الكفر ومِن خلفهم سرًا يهود!، فشنوا حربا عالمية على أرض الخلافة حتى أحرقوا الأرض بالقصف الهمجي بعد أن فشلوا في المواجهة المباشرة أمام أبطال الخلافة، ولم يدخلوا شبرا إلا بالقصف الجبان، ليُعلنوا عقب ذلك عشرات المرات عن نهايتها والقضاء عليها! ثم ما تلبث أن تواصل مسيرها وتجدّد جهادها، فإذا به يمتد بعد هذه المحن إلى أقاصي الأرض في وسط وغرب إفريقية والساحل وشرق آسيا وغيرها من البقاع التي تمدَّد الجهاد إليها فصارت لبنة في صرح الخلافة تأتمر بأمر الإمام.

بل إن مِن أقرب صور مضي الجهاد ما جرى في ملحمة غويران، وكيف شارك فيها وخاض غمارها أهل الباغوز الذين أراد الإعلام الصليبي أن يطبع صورهم في أذهان المسلمين كأنموذج لانحسار الجهاد والقضاء عليه! فخيّب الله سعيهم وأبطل كيدهم وصار أهل الباغوز أنموذجا لمضي الجهاد واستمراريته وتجدُّده ورمزا للثبات عليه.

وهكذا استمرت رحى الدولة الإسلامية تدور تبذر خيرا لأجيال المؤمنين وتطحن جنود الشرك والمشركين في كل مكان.

ومن أوهام الكافرين والمرتدين في القضاء على الجهاد، إشاعتهم كل مرة أنهم قضوا على الصف الأول للمجاهدين، وابتداعهم تقسيمات من وحي خيالهم! ثم سرعان ما يعودوا بطريقة مضحكة ليبلعوا كلامهم السابق! مستدركين على أنفسهم قائلين بأنه ما يزال هناك ثلاثة أو أربعة أو خمسة من الصف الأول! فيأبون أن يعترفوا ويقروا بأن صفوف المجاهدين لا تنضب! وكيف تنضب ومواردها الكتاب والسنة؟! وهم جميعهم صف واحد أول، فهم صفوة الأمة وذروة سنام الملة، وعلماؤهم خير علماء وجنودهم خير جنود وقادتهم خير قادة، فهم الأُول في كل شيء، في العلم والعمل في الدعوة والجهاد في القتال والاستشهاد -نحسبهم والله حسيبهم-.

وإن مضي الجهاد يحتّم على المسلمين -مجاهدين ومناصرين ورعايا- أن يكونوا على أهبة الاستعداد في كل لحظة لمواصلة الطريق وتحمّل أعبائه، كما يحتّم عليهم أن يجدِّدوا نواياهم ويخلِّصوها لله تعالى، ويجدِّدوا نشاطهم ويطوِّروه ويوسِّعوه، ويتواصوا فيما بينهم بالصبر والحق، ويسلّي بعضُهم بعضا بالآيات والصحاح والثواب الذي أعدّه الله تعالى للسالكين على درب الأنبياء، فمن لاح له الأجر هانت عليه التكاليف، ولينصرن الله من ينصره، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 334
الخميس 13 رمضان 1443 هـ
...المزيد

مقال: سلفنا في رمضان (1) قراءة القرآن الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين ...

مقال: سلفنا في رمضان (1) قراءة القرآن


الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والصلاة والسلام على من جعله الله سراجا منيرا، وعلى آله وصحبه الهداة الأحسن نفيرا، أما بعد..

فإن من كان يدعو ستة أشهر أن يبلغه الله شهر رمضان، لا يدخل عليه هذا الشهر إلا وقد أعد عدته وحزم حزمته لجدٍ وتشمير، ولن يفرط في أوقات رمضان ولو باليسير؛ لأنه أيام معدودة والأنفاس محدودة والآجال تفاجئ أصحابها.

ومن أعظم قربات رمضان، قراءة آيات الله البينات، فهو شهر تنزيل القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [سورة البقرة: 185]، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك وقد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء". [التفسير]


• الرسولان يتدارسان

وأعلم الخلق بالقرآن الرسولان الأمينان جبريل ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، فجبريل الروح الأمين الذي نزل به، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم مبلغه للناس، وهما أكثر الخلق اهتماما بالقرآن، فكانت لهما مجالس المدارسة كل ليلة في رمضان، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، كان أجودُ ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريلُ يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيُدارسه القرآن، فلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريلُ أجودُ بالخير مِن الريحِ المُرسَلة". [متفق عليه]، وقال ابن حجر: "وفي الحديث من الفوائد... تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن فيه، ثم معارضته ما نزل منه فيه، ويلزم من ذلك كثرة نزول جبريل فيه، وفي كثرة نزوله من توارد الخيرات والبركات ما لا يحصى، ويستفاد منه أن فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة، وفيه أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير. وفيه استحباب تكثير العبادة في آخر العمر، ومذاكرة الفاضل بالخير والعلم وإن كان هو لا يخفى عليه ذلك لزيادة التذكرة والاتعاظ، وفيه أن ليل رمضان أفضل من نهاره، وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم؛ لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية" [فتح الباري]

وفي الحديث الانتفاع من القرآن بعد قراءته وإن كان الشخص على خلق حسن فإنه يزيده القرآن حسنا ويعطيه فضلا، وهذا من كرم القرآن، {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77]، وهو مع ذلك عزيز لا يعطي كنوزه لمن لم يشرح له صدرا أو كان يعطيه فضول وقته أو يهجره، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت: 41]

وهو خير أنيس لكل مهموم ومغموم، وأطيب جليس، وكفى أنه كلام الله تعالى، فبه الراحة والطمأنينة، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]

وأسعد الناس في رمضان من صار لسانه رطبا بالقرآن، فعن عبد الله بن مسعود أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) [أخرجه الترمذي]، وأولى الناس بهذا هم أهل القرآن وحملته، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون" [فضائل القرآن للقاسم بن سلام]

لذا أيقن الصالحون عظيم الأجر ولم يفوتهم، لأنهم علموا أن من استطاع أن يجمع بين عبادتين ولم يفعل كان مغبوناً، فجمع العلماء منهم بين مدارسة العلم وبين ورده من القرآن وجمع الآخرون بين القيام بمصالح الناس وحظه من قراءة كتاب الله العزيز.


• صور مشرقة

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم تشغله إدارة شؤون أمته عن حظه من القرآن، وكان قتادة رضي الله عنه: يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام. وقال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفرّ من قراءة الحديث، ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن. وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت. [لطائف المعارف]وقد حفظت لنا كتب التراجم والسير صورا مشرقة من اجتهاد السلف رحمهم الله، فمن ذلك ما قاله سلام بن أبي مطيع: كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة. [السير للذهبي]، وقال محمد بن زهير بن محمد بن قمير: كان أبي يجمعنا في وقت ختمه للقرآن في شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث مرات، يختم تسعين ختمة في رمضان. [السير للذهبي]، وقال مسبِّح بن سعيد: كان محمد بن إسماعيل البخاري يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة. [السير للذهبي]، قال محمد بن علي بن حبيش: كان لأحمد بن عطاء البغدادي في كل يوم ختمة، وفي رمضان تسعون ختمة، وبقي في ختمةٍ مفردةٍ بضع عشرة سنة يتفهَّم ويتدبر. [السير للذهبي] فكانت له ختمات يسرد فيها القرآن وختمة أخرى للتدبر رحمه الله.

وقال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول كنت أختم في رمضان ستين مرة. [حلية الأولياء] قيل ختمة في النهار وختمة في الليل.

وهذا ممكن لأهل القلوب المتعلقة بالقرآن، والألسن التي لا تنقطع عن القرآن، وقد وُجد في هذا الزمان من يستطيع إتمام القرآن من الفجر إلى العصر أو إلى الظهر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وهذا كله استغلالا لبركة رمضان وهو من عمل السلف رحمهم الله، قال الإمام ابن رجب رحمه الله: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان. وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره". [لطائف المعارف]


• لمن انشغل بمصالح المسلمين

ومن شُغِل بالجهاد في سبيل الله تعالى أو بالعلم ومصالح المسلمين، فليجتهد في ذلك من غير تقصير وأحوال الناس تختلف، قال الإمام النووي حين حديثه عن حال السلف مع القرآن وختمه: "والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة". [التبيان في آداب حملة القرآن]

وللقراءة آداب ذكرها ابن القيم رحمه الله فقال: "فصل: في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن، واستماعه، وخشوعه، وبكائه عند قراءته واستماعه، وتحسين صوته به، وتوابع ذلك. كان له صلى الله عليه وسلم حِزب يقرؤه ولا يُخِلُّ به، وكانت قراءتُه ترتيلاً لا هذَّا ولا عجلة، بل قِراءةً مفسَّرة حرفاً حرفاً، وكان يُقَطِّع قراءته آية آية، وكان يمدُّ عند حروف المد، فيمد (الرحمن)، ويمد (الرحيم)". [زاد المعاد]

"واستحب بعضهم إذا ختم بالنهار أن يختم في ركعتي الفجر أو بعدهما، وإذا ختم بالليل أن يختم في ركعتي المغرب أو بعدهما ليستقبل بالختمة أول الليل وأول النهار. وقال ابن مسعود رضى الله عنه: من ختم القرآن فله دعوة مستجابة. وكان أنس رضى الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا". [مختصر منهاج القاصدين]

فالبدار البدار لصالح الأعمال، يقول ابن الجوزي رحمه الله واعظا: "فبادروا إخواني شهركم بأفعال الخير، وأفردوها عن الخطايا لتكون وحدها لا غير، واعلموا أن شهركم هذا شهر إنعام ومَيْر، تعرف حرمته الملائكة والجن والطير، واها لأوقاته من زواهر ما أشرفها، ولساعاته التي كالجواهر ما أظرفها، أشرقت لياليها بصلاة التراويح، وأنارت أيامها بالصلاة والتسبيح، حليتها الإخلاص والصدق، وثمرتها الخلاص والعتق. تيقظ يا غافل وانهض ببدارك، فمالك لأهلك وأنت ضيف بدارك، واستدرك قديمك وأصلح بالتقى حديثك، وامنع لسانك اللغو واجعل الذكر حديثك، وصحح بمجانبة الهوى إيمانك ويقينك" [التبصرة]

اللهم ارزقنا إيمانا كاملا ويقينا صادقا وافتح علينا من رحماتك، وهب لنا صلاحا وإخلاصا، وتقبل دعاءنا يا كريم.
والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 333
الخميس 6 رمضان 1443 هـ
...المزيد

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَٰئِكُمْ؟ اتسمت ردود فعل الإخوان المرتدين على لقاء الطاغوت ...

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَٰئِكُمْ؟


اتسمت ردود فعل الإخوان المرتدين على لقاء الطاغوت التركي بحليفه الطاغوت اليهودي؛ بين مؤيِّد أسرَّ القول، ومؤيِّد جهَر به، وقليلون عارضوه على خجل!، وكلهم شرعنوا وبرروا اللقاء المخزي بمبررات واهية مِن قبيل: "العلاقات الاقتصادية" و"المصلحة" و"الاضطرار" و"المناورة" و"الإستراتيجية الكبرى" و"الربح المتبادل" إلى غيرها من المصطلحات التي تمتلئ بها قواميس الإخوان والتي تخلو تماما من أي توصيف أو حتى تبرير شرعي، فهم لم يكلّفوا أنفسهم عناء ذلك.

وأوغل بعضهم في التبرير فقال إن اللقاء جاء على "مبدأ فصل الاقتصاد عن السياسة!" وهذا الأخير يعكس بجلاء النزعة العلمانية التي لا تفارق ألسنة المحللين والمنظّرين الإخوان، والألسنة مغارف القلوب، وكل إناء بما فيه ينضح.

وانطلاقا مِن هذا المبدأ العلماني المتأصَّل فيهم، فإنّ للطاغوت أردوغان أن يفعل ما يريد على "الصعيد السياسي" فيوالي اليهود ويعزّيهم ويستنكر قتلهم، أو يقصف المسلمين في حلب ويبيد منازلهم! أو يبيح البلاد للقواعد الأمريكية لتدير الحرب منها ضد الإسلام، أو يشارك في دعم الجيوش والحكومات الإفريقية الكافرة ضد المجاهدين...، له أن يفعل ما يريد مِن النواقض والموبقات، ثمّ له بعد ذلك أن يأتي ليصلي في زاوية صوفية يبيع فيها الوهم لأتباعه!

وكأنهم في وضعية "المتّهم" حاول الإخوان المرتدون -عقب اللقاء- أنْ ينفوا عن أنفسهم مماثلتهم لما أسموه "محور التطبيع"، زاعمين أن علاقة طاغوتهم باليهود لمصلحة الأمة، بينما علاقة الطواغيت الآخرين باليهود "خيانة وتفريط"! مفرِّقين بذلك بين كفرهم وكفر غيرهم! والله تعالى يقول: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَٰئِكُمْ}، قال القرطبي رحمه الله: "هو استفهام إنكار ومعناه النفي؛ أي ليس كفاركم خيرا مِن كفار مَن تقدم مِن الأمم الذين أُهلكوا بكفرهم".

إن تقسيم الطواغيت المعطلين للشريعة المبدّلين إياها الموالين لأعدائها، إلى "طواغيت أخيار وطواغيت أشرار!، طواغيت "مقاومين" وآخرين "مطبِّعين!"؛ هو تقسيم بدعي من مفرزات الفساد العريض لعقيدة الإخوان المرتدين.

ولم تتوقف جريمة الإخوان المرتدين عند التفريق بين موالاة أردوغان لليهود وموالاة ابن زايد وابن سلمان! بل تعدّته إلى ما هو أخطر بانتقاد موالاة اليهود -سياسيا لا دينيا- دون غيرهم من النصارى أو المشركين، خلافا لأمر الله تعالى الصريح في القرآن الكريم بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى والمشركين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ}، وقال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}.

فإن الله تعالى لم يحرّم موالاة اليهود فقط ويبيح مولاة النصارى والمشركين كرافضة إيران وغيرهم، كما تفعل أفرع الإخوان في كل مكان فتوالي كل حكومات ودويلات الكفر والردة على أسس وطنية أو مصلحية، بل أمرنا سبحانه أن نكفر بهم جميعا ونعاديهم جميعا ونحذرهم جميعا اليهود والنصارى والمشركين.

ولم ينتهِ منظّروا الإخوان مِن ترقيع ما جرى بحصره في إطار "العلاقات الاقتصادية"؛ حتى بدأت مواقف الطاغوت التركي أكثر وضوحا بالإعلان الرسمي عن "إدانة العمليات" الأخيرة التي استهدفت اليهود في فلسطين! وهو الأمر الذي خنست عنه كل أفرع الإخوان فلم تسمع لهم ركزا.

ومن جملة الترقيعات والتبريرات التي اختلقوها: أن طاغوتهم أردوغان لم يُنشئ علاقة مع اليهود بل هو حافظ على علاقة قائمة ورثها من الحكم السابق! وهي نفس الخرافة التي كانوا سيرددونها لو استمر طاغوتهم مرسي في الحكم! وهو عذر أقبح من ذنب؛ فإن كان دور الطاغوت في عرف الإخوان مواصلة ميراث من سبقه؛ فلماذا يصرون على التفريق بين طواغيتهم وطواغيت خصومهم السياسيين كالإمارات والبحرين وغيرهم، وإنْ كان طواغيت الإخوان سيكملون مشوار من سبقهم في الكفر والردة، فما الهدف إذن من سعيهم للوصول إلى الحكم؟

لقد كشف اللقاء الأخير بين الطاغوتين المدى الذي مِن الممكن أن يصل إليه الإخوان المرتدون في التحالف مع أي عدو للمسلمين في سبيل مصالحهم المزعومة حتى لو كان اليهود، كما كشف أيضا أنّ الموقف الرسمي للطاغوت التركي مِن فلسطين، لا يختلف عن مواقف غيره من طواغيت العرب، فهو استغل فلسطين بنفس الطريقة! شعارات جوفاء وتجارة بدماء المسلمين ومصابهم.وإن الذي ساهم في تحسين صورة الطاغوت التركي أردوغان وتصديره على أنه المخلّص المنتظر لقضايا المسلمين، هم بلاعمة السوء ومشايخ التطبيل والتضليل الذين ما تركوا باطلا إلا وشرعنوه ولا قبيحا إلا وحسّنوه! وفيهم قال الشيخ أبو الحسن المهاجر -تقبله الله-: "مِن أشدهم جرما وأعظمهم كفرا وإثما: كلابهم العاوية من علماء الضلالة ودعاة الكفر ومشايخ السَفال والانحلال، الذين والَوا هذه الطائفة المشركة والحكومة المرتدة بجميع صور الموالاة والمظاهرة عبر مجاميعهم العلمية ومجالسهم الإفتائية وبرامجهم الإعلامية... هم الذين باركوا حكم الكافر الطاغية، وبشّروا واستبشروا بتعاسته في رئاسته، فجعلوا يأوون إليه من أقطار البلاد، ويهنئونه بما هو معلنٌ به من الردّة الصريحة والكفر البواح،... قرّبوا الكفر وهوّنوه، ومسخوا الدين العظيم وقبّحوه، فكثرت بذلك الخِدع وانتشرت البدع، وعُبد الهوى وبئس المعبود".

ولم يقتصر الافتتان بالطاغوت أردوغان وغيره من طواغيت الإخوان على دعاة السوء، بل لقد افتتن بهم بعض قادة ما يعرف بـ"التيار الجهادي"، حيث غرّهم سيطرة الإخوان المرتدين على مقاليد الحكم تباعا في عدد من الدول، وكانت تلك فتنة كبيرة لهم دفعتهم إلى أن يغيّروا خطاباتهم وينعِّموها ويبدلوا شعاراتهم ويخالفوها، فغيروا وبدلوا كثيرا ظنّا منهم أن "التمكين" الذي حلموا به هذا طريقه!، شاكّين مرتابين متخلّين عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين في الحكم بالشريعة لا سواها، ولولا أن الله تعالى قدّر أن تتساقط أنظمة الإخوان المرتدين، لرأيت مِن قادة هذا التيار ما هو أعجب!

وما زلنا نذكر يوم أوضحت الدولة الإسلامية حكم الإخوان المرتدين وكانت الوحيدة التي أنزلت هذه الطائفة منزلتها الصحيحة شرعا بغير مواربة، وكيف سارع الكثيرون من جماعات وأفراد هذا التيار إلى انتقاد الدولة الإسلامية ووصمها بالغلو والخارجية! لمفاصلتها مع الإخوان المرتدين في وقت كان فيه قادة التيار يرسلون خطابات الود والموالاة لطاغوت الإخوان في مصر! ويدعون له ويثنون عليه!، ليتضح بجلاء كيف اخترقت اللوثة الإخوانية هذه الجماعات، فصارت جماعات إخوانية الجوهر والمحتوى قاعدية المظهر.

لقد كان الإخوان المرتدون بوابة الانحرافات التي اخترق منها الصليبيون الجماعات منهجيا وعقديا، في حين وفّق الله تعالى -بفضله- دولة الإسلام فتصّدت لهذه النبتة الخبيثة بالسنان واللسان والحجة والبرهان، وسعت لإنقاذ الأجيال وتطهير العقول والقلوب من هذه اللوثة التي تميت التوحيد وتقتل الولاء والبراء.

وكان اقتراب تلك الجماعات مِن منهج الإخوان المرتدين بقدر إنكارهم ومحاربتهم للدولة الإسلامية والتي تُثبت الأحداث يومًا بعد يوم صحة طريقها ووضوح رايتها وصدق قادتها وعمق بصيرتها، {ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 333
الخميس 6 رمضان 1443 هـ
...المزيد

رمضان.. خير زائر بسم الله التواب الرحيم، الذي هدى عباده للسبيل القويم، والصلاة والسلام على ...

رمضان.. خير زائر


بسم الله التواب الرحيم، الذي هدى عباده للسبيل القويم، والصلاة والسلام على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وبعد.

إن الله قد أنعم علينا بالنِّعم المتوالية، وأجلّها نعمة الإسلام، الذي لا يقوم إلا بأركانه الخمسة، ومنها ركن الصيام في شهر رمضان، فصيامه من فرائض الدين، وقدومه رحمة للمؤمنين، وها قد أشرف علينا فحي هلا ومرحبا بخير زائر، ومِن حق الزائر أن يُستبشر به ويُفرح بقدومه، وأن يُوسّع له في القلوب والأوقات ويُعطى الإقبال في الوجوه والأعمال، فكيف بزائر أيامه معدودات، ولياليه لآلئ نيّرات؟!، النفوس فيه طيبة والجود فيه سمة، تصومه جوارح المؤمنين وتتزكّى به أرواحهم، ويكون القرآن دوّي أصواتهم.

وزائر بهذا الوصف لا بد من استقباله بما يليق به، استقبال بتجديد الإيمان وتهيئة النوايا الصادقة لبذل الوسع للاجتهاد فيه، فإن تجديد الإيمان هو الدافع للاستقامة في رمضان وإن كان الشخص مؤمنا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء: 136]. ويقوى الإيمان بذكر الله وأعظمه قراءة القرآن وتدبر معانيه فهو علاج للنفوس المضطربة التي أصابها الوهن والتعب والوحشة من عالم ملئ فِتنا كقطع الليل المظلم، وإن قرأ القارئ حرفا واحدا منه ضاعف الله له حسناته، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فلهُ حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) [الترمذي] فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والله يضاعف لمن يشاء، وإياك أن لا تنتفع من القرآن في شهر القرآن فإن ذلك قمة الحرمان.


• تعظيم رمضان

ويستقبل شهر رمضان بتعظيمه إذ هو من شعائر الله الواجب تعظيمها، وتلك علامة لتقوى القلوب، قال الله تعالى: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].

ومن تعظيمه معرفة الغاية من الصيام وهدفه الجليل، إذ ليس المراد من الصيام أن تجوع البطون أو تظمأ العروق، إنما يريد الله من عباده التقوى قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة: 183]. فشُرع الصيام ليكون المؤمن تقيا خائفا من الله مراقبا لله متقيّدا بما يأمره ربه منتهيا عما نهاه عنه وحرّمه عليه، والصيام من أوضح صور التقوى -لو أدركها العبد- وذلك أن الصائم حرمت عليه أمور هي في الأصل مباحة، ولكنه يتركها طاعة لله، فكيف إذا بما كان حراما أصلا أليس بأولى بالاجتناب والترك؟ وكيف إذا كان الأمر كفرا وشركا من موالاة الكافرين وتحكيم غير شرع رب العالمين؟! فإن من اقترفها ويزعم أنه صائم فقد أجهد نفسه فقط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) [البخاري]

ويستقبل رمضان بتهيئة النفس على الصبر، فالصيام خير أبواب الصبر، قال ابن رجب الحنبلي: "وأفضل أنواع الصبر: الصيام، فإنه يجمع الصبر على الأنواع الثلاثة؛ لأنه صبرٌ على طاعة الله عز وجل، وصبرٌ عن معاصي الله؛ لأن العبد يترك شهواته لله ونفسه قد تنازعه إليها؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله عز وجل يقول: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي)، وفيه أيضاً صبرٌ على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش". [جامع العلوم والحكم]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوم شهر الصبر، وثلاثة أيامٍ من كل شهر، يذهبن وَحَرَ الصدر) [رواه أحمد] ووَحَر القلب قيل إنه شدة الغضب وبلابل الصدر ووساوس الشيطان، وقيل إنه الحقد والغيظ.

وفي الصيام أيضا يكتسب العبد الصدق مع الله تعالى ومراقبته، حيث إن الصائم لا يمنعه من معصية الله تعالى شيء غير جدار المراقبة، قال ابن القيم رحمه الله: "فإن الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذُّذاتها؛ إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌّ بين العبد وربه، لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمرٌ لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم" [زاد المعاد]

ويستقبل رمضان بتهذيب الأخلاق مع عباد الله، بترويض النفس وكف الأذى وغض البصر ولجم اللسان عمّا حرم الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أصبح أحدكم يومًا صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤٌ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم) [البخاري]، فلا بد من الحرص على تخلية العبادة مما يخدشها ويقلل أجرها.• النفقات والجهاد بالمال

ويُستقبل رمضان بالنفقات والجهاد بالمال لمن رزقهم الله من فضله، وتفقد أسر الشهداء والأسرى؛ لأنه شهر تتضاعف فيه الحسنات، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم جوادا كريما وكان أجود ما يكون في رمضان فيكثر فيه من الصلاة والذكر والصدقة وقراءة القرآن، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النَّبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة" [رواه البخاري]، قال النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث فوائد منها: بيان عظم جوده صلى الله عليه وسلم، ومنها استحباب إكثار الجود في رمضان، ومنها زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين، وعقب فراقهم؛ للتأثر بلقائهم" [شرح صحيح مسلم]، ونخص منهم نساء المسلمين في سجون الأهوال والمخيمات فإن لهن حقا في أموال المسلمين أينما كانوا، والسعيد من لم يمض عليه رمضان إلا وقد جعل نصيبا من ماله في سبيل الله.

ويستقبله المجاهدون برسم الخطط لضرب العدو في مفاصله؛ فإن رمضان شهر الجهاد والفتوحات، فاغتنموه أيها المجاهدون في ضعضعة الطواغيت وجيوشهم من جهة، وفي نشر الهدى والعلم لعامة المسلمين من جهة أخرى، وواصلوا الليل بالنهار فإن رمضان من مواسم أهل الآخرة، وكله مبارك والأجور فيه أضعاف مضاعفة.


• غيّروا أيها المسلمون

وأهم ما يعزم عليه المؤمن في رمضان أن يغيّر من نفسه ليكون حاله خيرا من عامه الماضي، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] فمن كان عاصيا فليتب، ومن كان قاعدا فليعقد العزم ألا يمر عليه رمضان بعد هذا إلا وهو في صفوف المجاهدين.

ونوصي عوام المسلمين أن يسعوا إلى التخلص مما هم فيه من الاستضعاف وتسلط الأعداء عليهم، ولن يكون ذلك إلا بالجهاد في سبيل الله وحمل السلاح ومقارعة الطواغيت والتضحية لهذا الدين المتين، وخير أيام اليقظة والعودة والتوبة إلى الله في رمضان.

كما نخص شباب الأمة الذين أخذت بهم الغفلة واللهو كل مبلغ أن يتوبوا إلى الله في رمضان ويرجعوا إليه فإن الله يحب التوابين، وعليهم بالجهاد فإنه باب يذهب الله به الهم والغم ويكفر الله به الخطايا والسيئات.

وليحمد الله تعالى من أطال الله عمره ليشهد هذا الشهر الكريم فكم ممن توفاه الله تعالى ولم يدرك هذه الأيام، والموفق من كان قوّاما ذاكرا لله متعبدا مجتهدا مجاهدا.

اللهم اجعلنا ممن يصوم ويقوم رمضان إيمانا واحتسابا، وممن يُتقبل عنه أحسن ما يعمل، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 332
الخميس 28 شعبان 1443 هـ
...المزيد

معركتنا مع اليهود إسلامية بحتة! لم تجد الفصائل الفلسطينية المموّلة إيرانيًا طريقةً لمحاولة ...

معركتنا مع اليهود إسلامية بحتة!


لم تجد الفصائل الفلسطينية المموّلة إيرانيًا طريقةً لمحاولة نفي صلة الدولة الإسلامية بالهجوم الانغماسي شمال فلسطين غير قولها إنّ العدو "يسعى إلى ربط العملية بأهداف غير مشروعة وغايات يرفضها الجمهور، وبالتالي نزع الشرعية الوطنية عن الشهداء، والحقيقة أن الشهداء قاموا بتنفيذ العملية، بدوافع وطنية بحتة!"... زعموا.

ولقد أجرى الله تعالى على ألسنة هؤلاء ما في قلوبهم، فإن الحقيقة التي تظهر لكل من يقرأ هذه الهرطقات يُدرك أن هذه الفصائل تسعى إلى نزع الصبغة الإسلامية عن القتال في فلسطين! وسلخ عقيدة الولاء والبراء مِن قلوب أبناء المسلمين، وإخراج جيل وطني بحت! يقاتل وطنيّةً وقوميّةً وحميّةً؛ جيل يقاتل لأهداف "غير مشروعة في الإسلام" ذكرها الحديث الصحيح الذي رواه أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- حيث قال: "سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل رياء؛ أيّ ذلك في سبيل الله؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) [متفق عليه]، وقال ابن حجر -رحمه الله- معلِّقا على الحديث: "وفي إجابة النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكر غاية البلاغة والإيجاز، وهو مِن جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، لأنه لو أجابه بأنّ جميع ما ذكره ليس في سبيل الله؛ احتمل أن يكون ما عدا ذلك كله في سبيل الله، وليس كذلك، فعدَل إلى لفظٍ جامعٍ عدَل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال المقاتل، فتضمن الجواب وزيادة" [فتح الباري]

لقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الجواب الشافي المسألة إلى يوم الدين بقوله: (مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، وهو قيدٌ أخرجَ سائر المقاصد والبواعث والدوافع الباطلة غير المشروعة للقتال، فالغاية الوحيدة من القتال أن يكون في سبيل الله تعالى نصرة لدينه وإعلاءً لكلمته وإقامةً لشرعه، سواء رفضها الجمهور أم قبلها! فنحن لا نقدِّم عرْضا لما يطلبه المشاهدون! ولسنا مطالبين بإرضاء الجمهور فلم يكلّفنا الله بذلك، بل نحن مطالبون بإرضاء الله تعالى وحده، فإنْ رضي -سبحانه- فلا نبالي بعدها بما يكون، كما إنّ الذي يُحدّد الأهداف المشروعة مِن غيرها هو شرع الله تعالى، وليست عقول البشر القاصرة وأمزجتهم المتقلّبة ومصالحهم المتوهمة.

ومعلوم أن القتال انطلاقا من "دوافع وطنية بحتة" يدخل تحت قوله: (يقاتل حميّة) أي: حمية عن وطنه أو قومه أو حزبه، فهو يقاتل حميةً لا حِسبة!، وهو مخالف أيضا لمراد الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبيِّنا حقيقة المعركة مع اليهود وجاء فيه: (… حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله) [متفق عليه]، فلا اعتبار للوطنية والقومية في هذه المعركة وكل معارك الإسلام، ولو كانت المعركة وطنية؛ لما انطلقت جيوش الصحابة الفاتحين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من الجزيرة العربية إلى بيت المقدس! ولو كانت المعركة وطنية لما أتاها صلاح الدين الأيوبي من أقصى الأرض فاتحا مكبّرا.

إن هؤلاء يجتهدون في إبعاد الإسلام عن سير المعركة مع اليهود وحصْرها في سياقات وطنية وقومية نتنة! هروبًا مِن ضريبة الإيمان، بينما تسعى الدولة الإسلامية إلى تصحيح هذه الخطيئة الكبرى التي توارثتها الأجيال جراء عقود وحقب طويلة من التحريف والتضليل.

إن معركتنا مع اليهود معركة إسلامية عقدية بحتة! وإن الشرعية التي ينطلق منها جنود الخلافة في كل معاركهم، هي شرعية الكتاب والسنة، فوا عجبا لأقوام يأنفون الإسلام وسمته ورسمه وصبغته، ثم يتوهمون أن النصر سيتنزل عليهم.

ولنا مع العملية المباركة وقفات؛ لقد انتظر المسلمون بيعةً من فلسطين لأمير المؤمنين الشيخ أبي الحسن الهاشمي -حفظه الله تعالى- فجاءت ولكن بطريقة خاصة!، جاءت موقّعة بدماء أسدين من أبناء الإسلام أبيا إلا أن يلتحقا بموكب النور فكفَّيا ووفَّيا وأعذرا وأفرحا قلوب المسلمين في كل مكان، وأغاظا اليهود والمنافقين وآخرين من دونهم.

لقد حاول المرتدون إقناع الناس أن الدولة الإسلامية لا تقاتل اليهود لأنها لا تريد ذلك!، وظلوا يُشْرعون هذه الفرية في وجه كل مَن يسعى للالتحاق بها، متناسين أن الحكومات والتحالفات والفصائل والميليشيات كلها تشاركت خلال العقد الأخير في الحيلولة دون وصول جنود الخلافة أو مفارزهم إلى فلسطين أو حتى إلى نقاط التماس مع اليهود، وتقاطعت أهدافهم ومصالحهم مع اليهود في منع وقوع ذلك، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ووقع ما كانوا يحذرون!، فصاروا كالذي يتخبطه الشيطان من المسّ كلما سمعوا بوقوع أي عملية داخل فلسطين خشية أن تكون لجنود الخلافة! وباتوا لا يباركون أو يثنون حتى يتأكدوا أنها تمت بدوافع ومنطلقات بعيدا عمّا يكرهون ويبغضون!، فإن وقعت عملية للمجاهدين أصبحت "مشبوهة!" وإن وقع بعدها بساعات عملية لغيرهم صارت "بطولية"… فذرهم وما يفترون.لقد سبق وأوضحت الدولة الإسلامية موقفها من الصراع في فلسطين في خطابات أمرائها وقادتها كما تناولت ذلك أيضا في مقالات سابقة منها: "بيت المقدس.. إنْ أولياؤه إلا المتقون"، و"بيت المقدس.. قضية شرعية أولا"، و"الطريق إلى القدس"؛ شرحت فيه التوصيف الشرعي الصحيح للقتال في فلسطين بعيدا عن الإفراط والتفريط، ولم تدخر الدولة الإسلامية جهدا في محاولة إيصال الموت إلى اليهود أو تجنيد المفارز التي تسعى لذلك، واليهود يعرفون ويُخفون أكثر مما يقولون، وحسبنا أن الله يعلم وغدا ستعلمون.

ومما نود الإشارة إليه أيضا أنّ ما يجري في المنطقة بأسرها، لا ينبغي أن يدفعنا إلى الخوض في التخريفات والتخرّصات البدعية كتحديد مواعيد وأيام للنصر! كما انتشر مؤخرا على ألسنة "المخرِّفين" و"المنجِّمين" الذين فتنوا الناس في دينهم وفتحوا للملحدين بابا للطعن والتشكيك في الإسلام، فإنه لو صحّ تحديد موعد للنصر لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحقّ الخلق بذلك، بل جرت سنة الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم في الأخذ بالأسباب فعاش بدرا وأحدا والأحزاب، وتُوفي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عنه أنه ضرب لأصحابه أجلا وموعدا للنصر.

وختاما، نتوجه إلى الشباب في فلسطين ومحيطها أن ينفضوا عنهم غبار القعود ويخرجوا من دائرة التيه والعبث، ويصوِّبوا عقائدهم ويصحِّحوا مساراتهم ويحرِّروا أنفسهم مَن رقّ الوطنية إلى سعة الإسلام، ويُدركوا أنّ الحل ليس في مجرد القتال، بل في القتال المجرّد الخالص لله تعالى الذي لا يقبل بغير الشريعة حكما، وبغير مرضاة الله غاية، ومِن أخص خصائصه وسماته: الولاء للمؤمنين والبراء من المشركين، ذلك الدين القيّم، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 332
الخميس 28 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مقال: السعيُ المشكور بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن ...

مقال: السعيُ المشكور


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

تَنْعَم أذُنُ المؤمن بلذة كلما سَمِعت بالجنة ونعيمها، فتتأثر جميع الأعضاء خاشعة مطمئنة مشتاقة لتلك الجنة العالية وما فيها من الحور والحبور والأنهار والقصور، وتتوق نفس المؤمن للشهادة في سبيل الله تعالى لما فيها من الكرامة التي تجعل صاحبها يسأل ربه أن يعود إلى الدنيا فيقتل عشر مرات في سبيل الله.

تلك الجنة أيها الأحباب، إن اشتقنا إليها؛ فإن لها سبيلا في الدنيا لا بدّ مِن سلوكه، ومَن سلكه وسار وصبر عليه وصل إن شاء الله.

وقد ساق الله عباده بالترهيب تارة وبالترغيب تارة، بما عنده من فضل يُغدقه عليهم في الدنيا والآخرة، وإن عاجل بشرى المؤمن في الدنيا أن يَرِد بساتين الذكر والأعمال الصالحات، فيذوق على إثرها حلاوة الإيمان، وتطيب نفسه ويعيش جنة الدنيا قبل أن يرزق جنة الآخرة، قال ابن تيمية رحمه الله: "إن في الدنيا جنةً، من لم يَدخلها، لن يدخل جنة الآخرة" [مدارج السالكين]، وهدى الله تعالى عباده لكل ما يصلح لهم أمور دينهم ودنياهم، فتفرّق الناس بين مستكثر طائع له سبحانه، وآخرون تركوا سبيل الهدى وطال بهم الأمل، فسلكوا سبيل الغي والخسران، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي: بيناه له ووضحناه وبصرناهم به، كقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ} [فصلت: 17]، وكقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. [تفسير الطبري]


• خالِف نفسك واحذر الشيطان!

ومن أراد سبيل الجنة فعليه الحذر من أن يغويه الشيطان ويغريه، فإن الشيطان قد أخرج آدم وحواء من الجنة ويريد أن يُضل بَنِيهِما، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27]، وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39 - 40]، فكان الإخلاص سببا للوقاية من الشيطان، فلا بد أن يأخذ به كل من أراد الآخرة وسعى لها سعيها ليكون سعيه مشكورا، فإن الشيطان بعِيدٌ من أهل الإخلاص.

والجنة إنما تُنال بالاجتهاد والتعب، ولا تُحصّل الجنة بكسل الكُسالى ولا بالتعلق بالدنيا والانشغال بها دون بذل وطاعة وحَمْل الجوارح على ما يحبه الله سبحانه، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 16 - 19] ولا تُنال أيضا بالعلو والتكبّر في الدنيا والفساد فيها قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]


• لا يُقبل العمل إلا إذا كان خالصًا صوابًا

وأما الأعمال التي تُدخل صاحبها الجنة ويقبلها الله تعالى فهي الأعمال التي استوفت شرطين اثنين هما: الإخلاص لله تعالى، ومتابعة النبي أي موافقة هديه، لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وقوله تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]

قال ابن كثير رحمه الله: "أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ...} [آل عمران: 20]، وقال أبو العالية والربيع: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ} أخلص، {وَجْهَهُ} قال: دينه، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) [رواه مسلم]… وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يُخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]" انتهى كلامه.ولقد جاء في التفسير ذكر الشرط الثاني الذي يعد شرطا ملازما للإخلاص لأن من ضل عن هدى النبي صلى الله عليه وسلم لن تقبل أعماله، ومن أحب الله تعالى وأراد رضوانه، وخاف عقابه لا بد له من متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، لقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31]، قال ابن جريج: "كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله، يقولون: إنا نحب ربّنا! فأمرهم الله أن يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وجعل اتباع محمد علمًا لحبه". [تفسير الطبري]، فبالإخلاص والمتابعة يصحح المرء توجيه عمله فيكون كل ما يعمله صوابا مشكورا مقبولا.


• اجتهادٌ بعد صحة العمل

وبعد أن يحقق العبد هذين الشرطين، يبدأ بالتشمير عن ساعد الجد الذي سيوصله لجنات النعيم المقيم وجنات الفردوس وجنة المأوى ويستظل تحت شجرة طوبى ويلبس الحلل من السندس والإستبرق، وينزع من صدره كل ما يعكر صفو قلبه مِن غل وغيره، قال ربنا جل في علاه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]

عن السدي قال: "إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غِلّ، فهو "الشراب الطهور"، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم "نَضْرة النعيم"، فلم يشعَثُوا ولم يتَّسخوا بعدها أبدًا". [تفسير الطبري]

فيا من تريد ما عند الله تعالى، عُد إليه وأطعْ أمره وتمسك بالأعمال الصالحة وخاصة في مواسم الطاعة فإن العمل فيها عظيم، وما تُحصّله فيها من خير فإنه يعود إليك، فاعمل وتذكّر هذا النداء: {إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَّشْكُورًا} [الإنسان: 22]

ولا شك أن الجهاد في سبيل الله من أعظم الأعمال وسبيله أقصر السبل إلى الجنة، فبابه أعلى أبواب الجنة وقد بشّر الله أهله بالرحمة والرضوان والنعيم، قال تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 21 - 22]، ويكفي مِن ذلك أن الشهداء فرحون وهم عند ربهم يرزقون أحياء غير أموات قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 -171]

اللهم إنا نسألك عيش السعداء وموت الشهداء ومرافقة الأنبياء، واجعل سعينا مشكورا وذنبنا مغفورا، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 331
الخميس 21 شعبان 1443 هـ
...المزيد

السكينةُ في الجهاد لن ينال المسلمُ السعادة في الدنيا إلا بالدخول في كنف الله تعالى ورحمته، ...

السكينةُ في الجهاد


لن ينال المسلمُ السعادة في الدنيا إلا بالدخول في كنف الله تعالى ورحمته، وكذلك لن تكون له في الآخرة إلا بذلك، والمسلم يقضي كل حياته سعيًا في الظفر برحمة الله تعالى فهي منْيته وأقصى رجاه وأعلى مبتغاه، ومعلوم أن الهجرة والجهاد بعد صحة التوحيد مِن أوسع أبواب الرحمة بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218]، قال المفسّرون: "هذه الأعمال الثلاثة -الإيمان والهجرة والجهاد-؛ هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية... فمن قام بها على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشدّ قياما بها وتكميلا، فحقيقٌ بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله".

وقد حفّ الله تعالى المجاهدين والمهاجرين -في سبيله- برحمته وغشيهم بسَكينته وخصّهم بها بين كثير مِن عباده، فالمجاهد مِن أول خطوة يخطوها مِن عتبة بابه قاصدا أرض الجهاد، والرحمات تحفّه والسكينة تغشاه حتى في أحلك الظروف.

فبرغم كل المخاطر والصعوبات والمحن والابتلاءات التي يتعرض لها المجاهد في رحلته الشاقة، إلا أنه يشعر بسكينة وطمأنينة عجيبة لا تكاد تفارقه في سائر مراحل جهاده، يعرفها كل مَن ذاقها، تصاحبه حتى ينتهي به المطاف إلى السعادة والراحة الأبدية في جنات النعيم -بإذن الله تعالى-.

وقد ذكر القرآن الكريم بعضا مِن محالّ السكينة ومواطنها التي تصاحب المجاهد في طريقه، لتكون المعالم واضحة لكل سائر في هذا الطريق، ومِن ذلك حين تصدُق القلوب مع ربها وتُخرِج كلَّ ما فيها من شوائب فتصفو حتى لا يبقى فيها إلا البذل والتضحية لدين الله تعالى، ويستقر الصدق في سويداء القلوب وأعماقها، فيرى الله ذلك في قلوب عباده فينزل السكينة عليهم، كما جرى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية حين أتاهم خبر مكذوب عن مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الموت، فشهد الله تعالى على صدقهم واستعدادهم للقتال حتى الموت؛ فرضي عنهم، وقال فيهم: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، وأنزلها مرة أخرى عند إبرام الصلح، ليتم مراده سبحانه ويقضي أمرا كان مفعولا، فقال تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}، وكان من أسباب نزول السكينة عليهم كما بيّنه المفسرون: "أنهم صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين".

ومِن مواطن نزول السكينة، حينما تنقطع السبل بالعبد ويحيط الكرب به مِن كل جانب، فلا يكون له ملجأ مِن الله إلا إليه عندها تَحِل السكينة عليه؛ ليعلم عبد الله أن إلهه حيٌ قريبٌ على كل شيء شهيد، وقد وقع ذلك ليلة الغار لنبينا صلى الله عليه وسلم، حين قال لأبي بكر رضي الله عنه: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، قال تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40]، فنالت أبو بكر سكينةٌ أسكنت كلّ روعٍ في قلبه حتى يوم الردة لمّا ثبت شامخا صلبا، فقيل له: "لقد نزل بك ما لو نزل بالجبال لهاضها وبالبحار لغاظها وما نراك ضعفت. فقال: ما دخل قلبي رعب بعد ليلة الغار؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا رأى حزني قال: لا عليك يا أبا بكر؛ فإن الله قد تكفل لهذا الأمر بالتمام".

ومن مواطن السكينة أيضا، احتدام القتال وشدة الطعان بعد أن تضيق الأرض بالمؤمنين، فتأتي السكينة لتكشف الغمة، كيوم حنين، قال الله جل وعلا فيه: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 25 - 26]

وربما تنزل السكينة معها النعاس رحمةً مِن الرحمن لأوليائه؛ ليزول قلقهم وتهدأ نفوسهم ويشتد تركيزهم في ذلك الموطن، وهذا كثيرا ما يحدث مع المجاهدين فينامون في أشدّ ساعات القصف أمنةً ورحمةً من الله لهم، قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} [الأنفال: 11]، وقال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنْكُمْ} [آل عمران: 154]وهذه كلها دلائل وبراهين على أنّ الله تعالى لن يضيع عباده المؤمنين، فلو انطبقت السماء على الأرض لجعل الله لعباده فرجا ومخرجا.

ومن عجيب نزول السكينة على المؤمنين في أيامنا، ما يقع حينما يتسابق المجاهدون إلى الموت فتراهم يقترعون لركوب العربات المفخخة، وتراهم يلحّون على الله تعالى بالدعاء أن يرزقهم عملية استشهادية في صفوف العدو، ومِن ذلك أيضا ما يُرى عليه الاستشهاديون والانغماسيون مِن الفرح والاستبشار قبيل تنفيذ عملياتهم وركوبهم مطايا الموت!، وهو الأمر الذي لم يكن تستوعبه عقول الجمادييّن طلاب الدنيا وعبيدها، فكانوا يصفون طلاب الشهادة بكل أوصاف الجنون والاستهزاء... ولا عجب! فالفرق بين الفريقين كبير! واقرأوا إنْ شئتم قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

هذه السكينة هي التي جعلت عمير بن الحمام -رضي الله عنه- يرى الدنيا طويلة طويلة إن بقي فيها ليأكل بضع تمرات في يديه لا يستغرق أكلها دُقيْقات! وهي السكينة التي تجعل أحفاد عمير اليوم يتقدمون لا يُحجمون والموت يطلبهم في كل واد، وكيف يُحجمون أو يتأخرون وجنةُ الخلد تهيأت وتزينت لطلابها؟!، هناك حيث المستقر لا ضيق ولا كدر، لا تعب ولا نصب! فبها يتواعدون ويتواصون ولها يُعدّون ويعملون.

إن السكينة التي يجدها المجاهد في طريقه تهوّن عليه كل صعب وتيسّر عليه كل عسير، فتُحيل الصحاري المقفرة في عين يقينه مرابع خضراء! وتملأ عليه المغارات الموحشة أُنْسا لا يجده سكان القصور!

إن الوحشة والقسوة والكدر والقلق والضيق والهمّ وكثير من أدواء العصر التي يعاني منها أكثر المسلمين المتخلّفين اليوم عن الجهاد، طبُّها ودواؤها في ساحات الجهاد، فهلموا أيها المسلمون إلى نجاتكم وسعادتكم في الدارين، والتحقوا بميادين الجهاد -على منهاج النبوة-، فإن رحمة الله ظلال للمجاهدين وسكينته رياح تسوقهم وترتحل معهم أينما رحلوا، وتحِلّ معهم حيث حلّوا، والله ولي المتقين، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 331
الخميس 21 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مقال: على نهج الراشدين الأُوَل في مشهدٍ مشرِّفٍ يتكرر منذ عصر الخلافة الراشدة، عصر أبي بكر ...

مقال: على نهج الراشدين الأُوَل


في مشهدٍ مشرِّفٍ يتكرر منذ عصر الخلافة الراشدة، عصر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وإلى عصر أبي بكر وأبي إبراهيم -رحمهم الله-، نسلٌ كريمٌ على نهج الراشدين الأُوَل مضوا وأمضوا وعودهم وأوفوا ببيعتهم فقاتلوا حتى قُتلوا، ولم يُسْلِموا الراية لعدوِّهم، بل سلّموها لمن يأخذها بحقّها بإذن الله تعالى.

قصةٌ تتكرر في تاريخ الإسلام القديم والمعاصر، خليفةٌ يعقبه خليفة، وإمامٌ يسلِّم الراية إلى آخر، فهذا الخليفة أبو بكر الصديق دامت خلافته عامين فقط حتى توفي بمرض قيل: إنه بالسُّم وقيل غير ذلك، فخلَفه الفاروقُ عمر الذي توسّعت الفتوحات في عهده وبلغت قوة الدولة الإسلامية ما بلغت، ثم قُتل وهو يؤمّ الناس بصلاة الفجر في مسجده وبين أصحابه بطعنات غرٍّ مجوسي قتلَ معه سبعة من الصحابة في نفس الواقعة!، ليخلفه ذو النورين عثمان فتموج فتنٌ في أواخر عهده ويُحاصر ويُقتل في منزله وبين أصحابه!، ثم خلَفه عليٌّ بن أبي طالب ودامت خلافته خمس سنوات حتى قتله الشقيُّ الخارجي ابن ملجم وهو في صلاة الفجر أيضًا وبين أصحابه.

هكذا قُتل الخلفاء الراشدون المهديون وما يزال قادة الخلافة المعاصرة يُقتلون على نفس نهج الراشدين الأول، فعلامَ يُلامون؟ علامَ يلمزهم الشانئون؟ علامَ ينكر هؤلاء علينا شرفا لم يبلغوه؟ ومجدا لم يدركوه؟ أيعيِّرونا بالثبات أم بالقتل ثابتين؟! علامَ ينتقدون موت الخليفةِ أبي إبراهيم في ملحمة بطولية بات الناس ليلتهم وكلٌّ يدَّعي وصلاً بها! كلٌّ يقول: هذا أميرنا وهذا قائدنا! حتى إذا ما انفلق الإصباح عن جثة الشيخ المسجّى بدّلوا كلامهم وقالوا: هذا شرُّنا وابن شرِّنا! وتنقّصوه!! في نفاقٍ بلغ الآفاق! ولو كان هذا المشهد المهيب في عصر الراشدين الأوَل لقالوا فيه: "يا أرشد الله من غاز وقد رشدا".

قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}، ثم كرر ذلك مجددا في آل عمران فقال جلّ شأنه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. قال المفسّرون في تفسيرها: أي "لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواتها مَن جبن عن القتال، وزهد في الشهادة {بل} قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم {أحياء عند ربهم} في دار كرامته". وتأمل قوله تعالى: {عند ربهم} وما يقتضيه ذلك من علو المكانة والقرب من المولى سبحانه.

ولقد أغرق البعض في التحليلات والتكهنات حول أسباب تأخّر الإعلان عن مقتل الخليفة أبي إبراهيم -تقبله الله- وتنصيب الخليفة أبي الحسن -حفظه الله-، وما علموا أنَّ التنصيب والبيعة لم تتأخر، والذي أُرجئ هو فقط إعلان ذلك في الإعلام لأسباب تخصّ الميدان، فالميدان هو الذي يحكم الإعلامَ ويوجّهه وليس العكس، بل لم ينقضِ يوم الجمعة التالي للملحمة، حتى أدركنا البيعة للشيخ أبي الحسن الهاشمي -بفضل الله تعالى-، وعلى إثرها بايعت دواوين الجند والإعلام والمفارز في سائر الولايات.

ولقد وثّقت المكاتب الإعلامية على مدار أسبوع متواصل عشرات البيعات من جنود الخلافة في سائر ولايات الدولة الإسلامية في بقاع الأرض، في مشهد أغاظ الصليبيين والمرتدين وهم يرون كلَّ محاولاتهم لوقف عجلة الجهاد والقضاء على دولة الخلافة تذهب أدراج الرياح.

ولقد استغرب الصديق والعدو مِن إعلان الدولة الإسلامية مقتل الشيخ أبي حمزة القرشي -تقبله الله- وهو ما لم تعلم به أمريكا الصليبية ولا كلّ مخابرات العالم، ولا وسائل الإعلام ولا محلليها ومخرِّصيها على كثرتهم وكثرة كذبهم، وفي ذلك رسالة إلى من يظنون أنّ المخابرات العالمية تتحكم في الكرة الأرضية! وأنه لا يخفى عليها شيء في الأرض!، فلقد خفي عنها مقتل الشيخ المتحدث الرسمي أبي حمزة القرشي -تقبله الله تعالى-، والذي وصفه خلَفه الشيخ أبو عمر المهاجر -حفظه الله- بقوله: "الشيخ الخفي التقي" ولا نزيد.

وننتهز الفرصة لنخاطب إخواننا المناصرين فنقول: إنَّ عليهم أنْ لا ينشغلوا بالرد على مَن طمس الله بصيرته فلم يتوقف إلى اليوم عن بثّ الأراجيف والشبهات حول هوية الخليفة ومَن يكون، فلقد خاضوا كثيرا مِن قبل في الخليفة أبي بكر البغدادي -تقبله الله- حتى خرج إليهم جهارًا نهارًا في خطبة الجمعة على الملأ! فقالوا كيف يخرج وأين طائرات الصليبيين عنه؟ فلما قُتل قالوا أين جثته؟! وهكذا لن يتوقف هؤلاء المنافقون عن الخوض في ذلك؟ فذلك دأبهم وتلك شنشنتهم.

فإياكم أن تنشغلوا بهم أو يشغلوكم، بل ترفّعوا عنهم فقد قيل: إن الصقور تُحلّق عاليًا كي لا تشتبك مع الغرانيق! فترفّعوا -رفع الله قدركم- عن هؤلاء، وفي المقابل اخفضوا جناح الذل والرحمة للمسلمين الباحثين عن الحق ولينوا لهم وترفّقوا بهم، وعِظوهم وادعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والفرق بين الباحث عن الحق والمرجف المنافق لا يخفى.كما كان واضحا نقمة الناس وحنقهم على بيادق المخابرات التركية والدولية في (إدلب)، وكيف عكفت الحواضن على انتقادهم ووصفهم بالغدر والخيانة حتى اضطر هؤلاء إلى إصدار بيانات خانعة على استحياء تدين قتل الأطفال وتخنس عن قتل الأبطال في صورة تغني عن كثير مقال لأولي الألباب والنهى.

وليتأمل العاقل كيف تُساق الحجج على هؤلاء مِن حيث لا يدرون! وكيف يُحسن الله تعالى خاتمة أوليائه ويكشفها للعباد ليعتبروا ويتدبروا ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أما أمريكا العجوز التي حاول أخرقُها البائس أن يُسابق الزمن لتسجيل نصر موهوم يُغطّي بغربال على فرحة المسلمين بملحمة غويران التي كانت مِن "آخر البطولات وأشرف الإنجازات" في عهد الخليفة أبي إبراهيم -تقبله الله- "في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها".

لقد بحثت أمريكا العجوز مجددا بين أكوام الركام في (أطمة) عن النصر الذي زعمته من قبل في (باريشا)! وهو نفس النصر الذي بحثت عنه بين جثث الأطهار البررة في الباغوز والموصل، وهو نفس النصر الذي ادَّعته كثيرا من قبل؛ يوم قتلت أبا مصعب وأبا عمر وأبا حمزة وأبا محمد وأبا بكر وأبا الحسن وغيرهم -تقبلهم الله جميعا-، فأين نصركِ أمريكا؟! وأيّ نصر هذا الذي تزعمينه منذ نحو عقدين من الزمان وتبحثين عنه بين الركام، فلا تجدين غير الحطام؟!

بل نقول وبالله التوفيق: إن دولة الخلافة اليوم تقاتل المشركين في صف واحد عربا وعجما يأتمرون بأمر إمام واحد من الشام إلى الهند ومن العراق إلى موزمبيق، في الوقت الذي انقسمت فيه صفوف الصليبيين انقسامًا لن يلتئم بل سيتصاعد بإذن الله.

فهذه صفوفكِ أمريكا وصفوف حلفائكِ مبعثرة منقسمة، وصفوفنا على منهاج النبوة مجتمعة وبحبل الله تعالى مستمسكة، وسيواصل جنود الخلافة طريقهم على هذا النهج المبارك نهج الراشدين المهديين حتى يسلِّموا الراية إلى عيسى عليه السلام، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 330
الخميس 14 شعبان 1443 هـ
...المزيد

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، ...

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة


الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، نبينا محمد وعلى آله وصحبة أصدق الناس جنان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

ففي حومة الوغى، ومنزل الأبطال في سوح الجهاد، تسبق النفوس أجسادَها لتسطير مواقف حاسمة خالدة، فتُخمَد إثرها نار الكافرين، ويُهزم فريقهم، ينبري لتلك المواقف جبال الصدق والبذل، وتلك المواقف متفرقة في سبُلها يجمعها تغيير الموازين، وتحقق النصر للمسلمين.


• فتيان قتلا فرعون الأمة!

في معركة بدر كان يقود جيش الكافرين فرعون الأمة أبو جهل، وفي موقف يبين أن كل جندي في الإسلام يستطيع فعل العجائب لنصرة هذا الدين، قال عبد الرحمن بن عوف: "إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل! فقلت يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه -وفي رواية: أخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم! والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا- فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، -وفي رواية: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: (أيكما قتله؟)، فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. [البخاري ومسلم]

ثم جاء فأجهز عليه ابن مسعود قال: أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا، قال ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولا يحيك فيه ومعه سيف له فضربت يده فوقع السيف فأخذته ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا هو، قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: الله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: انطلق فاستثبت، فانطلقت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن جاءكم يسعى مثل الطير يضحك فقد صدق فانطلقت فاستثبت ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك أخبرته فقال انطلق فأرني مكانه فانطلقت معه فأريته إياه فلما وقف عليه حمد الله ثم قال هذا فرعون هذه الأمة. [النسائي]


• إن الحرب خدعة

ومن المواقف ما يحتاج فيه إلى الخدعة للعدو فيجعل الله بها سببا في هزيمة الكافرين، ومثال ذلك ما جرى يوم الخندق، لما هزم الله الأحزاب وحده، وذلك أن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة).

فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة -وكان عشيراً لهم في الجاهلية- فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا شمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم.

قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا لقد أشرت بالرأي.

ثم نهض إلى قريش فقال لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودي ونصحي لكم؟ قالوا نعم.

قال: إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم ذهب إلى قومه غطفان فقال لهم مثل ذلك.

فلما كان ليلة السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام فانهضوا بنا غداً نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهناً، فلما جاءهم الرسل بذلك قالت قريش: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدق والله نعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم. وأرسل الله عز وجل على قريش ومن معهم الخور والريح تزلزلهم، فجعلوا لا يقر لهم قرار، ولا تثبت لهم خيمة ولا طنب، ولا قدر ولا شيء، فلما رأوا ذلك ترحلوا من ليلتهم تلك. [الفصول]، وقال ابن كثير معلِّقا على القصة: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة". [البداية والنهاية]• ثبات وبأس يوم حنين

ومن المواقف ما تكون ثباتا يثبت بها الجيش كله، ففي يوم حنين لما ولى بعض المسلمين، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم موقفا عظيما في الثبات، قال البراء رضي الله عنه: "لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، وزاد غيره: أنا ابن عبد المطلب، قيل فما روى يومئذ أحد كان أشد منه، وقال غيره نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وذكر مسلم عن العباس قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض على بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى يا للمسلمين -الحديث-، وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب -ولا يغضب إلا لله- لم يقم لغضبه شيء، وقال ابن عمر ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال علي رضي الله عنه إنا كنا إذا حمي البأس ويروى اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو كان من أشد الناس يومئذ بأسا". [الشفا]


• خالد يوم مؤتة

وربما يكون الموقف أن يُحافظ على من بقي من جيش المسلمين، كما حدث في غزوة مؤتة، لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس.

قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته وميسرته ميمنته قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. [البداية والنهاية]، وقال ابن كثير: أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بإذن الله والله أعلم.

ونحو هذا ما قام به المثنى بن حارثة يوم الجسر، إذ "حَمَى المثنى وفرسان من المسلمين الناس ونادى يا أيها الناس إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا أنفسكم" [تاريخ الطبري]


• في فتح الاسكندرية

وبعض المواقف ما فيها أن يجدد المجاهد بيع نفسه لله ليفتح الله للمسلمين، وتلك يقوم لها من أحب الله وأحبه، جاء في إحدى روايات فتح الاسكندرية: أن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: إني أهب نفسي لله تعالى وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر السلم، وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا وعمد الزبير بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو ابن العاص الصلح. [النجوم الزاهرة]


• في فتوح إفريقية

أما ابنه عبد الله بن الزبير فكان منه أعجب من ذلك، ففي فتوح إفريقية قال ابن الزبير: "هجم علينا جرجير في معسكرنا في عشرين ومائة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفا. واختلف الناس على عبد الله بن أبي سرح، فدخل فسطاطا له فخلا فيه، ورأيت أنا غرة من جرجير بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس، وبينه وبين جنده أرض بيضاء ليس بها أحد، فخرجت إلى ابن أبي سرح فندب لي الناس، فاخترت منهم ثلاثين فارسا وقلت لسائرهم: البثوا على مصافكم، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه جرجير وقلت لأصحابي: احملوا لي ظهري، فو الله ما نشبت أن خرقت الصف إليه فخرجت صامدا له، وما يحسب هو ولا أصحابه إلا أني رسول إليه، حتى دنوت منه فعرف الشر، فوثب على برذونه وولى مدبرا، فأدركته ثم طعنته، فسقط، ثم دففت عليه بالسيف، ونصبت رأسه على رمح وكبرت، وحمل المسلمون، فارفض أصحابه من كل وجه، وركبنا أكتافهم". [تاريخ الإسلام]

تلك مواقف خالدة، مضى أصحابها وحطوا رحالهم في الجنان كما نحسبهم، وما زالت مآثرهم حية، فاصنع لنفسك موقفا يكون لك ذخرا عند الله تعالى، فما الدنيا إلا صندوق عمل وعند الله في ذاك الجزاء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ كلمة صوتيّة ...

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ



فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
كلمة صوتيّة للمتحدّث الرّسمي للدّولة الإسلامية
الشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر (حفظه الله تعالى)


الحمد لله القويّ المتين، معزّ عباده الموحدين ومذلّ أعدائه الكافرين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

قال تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}. [الأحزاب - الآية 23]

ننعى إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى مجاهدي الدولة الإسلامية الخليفة المجاهد العالم العامل العابد أمير المؤمنين الشيخ أبا إبراهيم الهاشميّ القرشيّ، والمتحدّث الرسميّ للدولة الإسلامية الشيخ المهاجر أبا حمزة القرشيّ -تقبلهما الله-، اللذين قتلا مقبلين غير مدبرين خلال الأيام الماضية، ونسأل الله أن يتقبّلهما مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عين جودي على أسود النّزال
واسكبي الدّمع من سحاب ثقال

قتل الشّيخ والخطوب جسام
بعد عقدين من ورود المعالي

فارس الحرب قد ترجّل عنها
تحت ظلّ الرّصاص والأهوال

يا أميرا للمؤمنين كفانا
أنّكم أهل حلقة وقتال

حاكم حكّم الشّريعة فينا
فنعمنا بها بخير ظلال

عالم عابد مجاهد صدق
صاحب السّبق مستفيض الخصال

إنّ في القتل للرّجال فخارا
وجسورا لهم لخير مآل

وأبو حمزة المهاجر ليث
صادق القول صادق الأفعال

قد رمى بالبيان كلّ جبان
بسهام كانت بغير نصال

سعّر الحرب وانتضى كلّ سيف
من جنود الإسلام والأبطال

رحم الله شيخنا كم تمنّى
أنّ بالقتل خاتم الأعمال

عزم الأسد أن سنثأر حتّى
ترتوي الأرض من دماء الرّجال

قد سمعنا فيما روي وعلمنا
لا تنال الجنان بالآمال

وكان الشيخ أبو إبراهيم الهاشميّ قد تولى إمرة المؤمنين خلفا للشيخ أبي بكر البغداديّ -تقبله الله- فكان خير خلف لخير سلف -نحسبهم والله حسيبهم-، تولّى الإمرة في وقت لا يحسد عليه فثبت لها ثبات الجبال وقام بها كما تقوم الرجال بمحض توفيق من الله عزّ وجل، فلقد أعانه الله على ما ابتلاه، فبايعه المسلمون وتوحّد تحت رايته المجاهدون فرصّ الصفوف وخاض الحتوف وأعمل السيف في رقاب الكفار والمرتدين وكلّ من عادى الله ورسوله، وأعاد الحرب عليهم خضراء جذعة وأياما زرقاوية، وكان آخر البطولات وأشرف الإنجازات تحرير عدد من الأسرى من سجن غويران في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها، بمعركة في عقر دار الملاحدة أظهرت عجزهم وهشاشة بنيانهم الذي أسّس على شفا جرف هار وسينهار بهم -إن شاء الله-، فكانت تلك خاتمة أعماله حتّى قتل حيث يحبّ أن يقتل في ساحة من ساحات الوغى وهو يراغم أعداء الله الصليبيين وأعوانهم ويناجزهم، مقبلا غير مدبر نحسبه والله حسيبه.

وأما الشيخ المهاجر أبو حمزة القرشيّ -تقبله الله- فارس الإعلام التقيّ الخفيّ، صاحب الصوت النديّ، الذي دوّت كلماته ووصل صداها إلى كلّ أصقاع الأرض، فزلزل الطواغيت بعباراته وشفى صدور المؤمنين ببشرياته وكان خير وزير ومعين لأمير المؤمنين، كلّف متحدثا رسميّا للدولة الإسلامية خلفا للشيخ أبي الحسن المهاجر -تقبله الله- واستمرّ على ثغره محرّضا للمؤمنين ناقضا لشبه المرجفين داعيا إلى الصراط المستقيم بلسان صدق مبين حتى أتاه اليقين نحسبه والله حسيبه.

ولم يتأخّر مجلس شورى الدولة الإسلامية، فبعد مقتل الشيخ أبي إبراهيم القرشيّ بايع أهل الحلّ والعقد من المجاهدين الشيخ المجاهد الجليل والسيف الصقيل أبا الحسن الهاشميّ القرشيّ -حفظه الله- أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين، عملا بوصية الشيخ أبي إبراهيم، ولقد قبل البيعة -بارك الله فيه-، فنسأل الله أن يعينه ويرعاه، ويسدّد على طريق الحقّ رأيه وخطاه، ونسأله سبحانه أن يلهمه الرشاد وأن يفتح على يديه البلاد.

فيا أيها المسلمون في كلّ مكان قوموا وبايعوا أمير المؤمنين وخليفة المسلمين فإنّه من أهل السبق والصدق -نحسبه والله حسيبه- ولو أمكننا لكشفنا عن اسمه ورسمه ولكن لكل مقام مقال، فلا تتأخّروا ولا تتوانوا عن مبايعته فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). وإنا لا نعلم حاكما غيره يحكّم شرع الله فيما مكّنه الله، ويجاهد في سبيل الله.ويا جنود الخلافة في كل الولايات {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، واستعدّوا وشمّروا عن سواعد الجدّ والاجتهاد، فلقد كشّرت الحرب عن أنيابها وتعاظم أوارها، وتولّى زمامها إمام همام وفارس مقدام، في عينيه أمارتها وفي يديه إمارتها، أعدّ للأهوال ليوثا واثبة وأسودا غاضبة، فلن يفرح الكفار والمشركون والمرتدون بمقتل أمرائنا وأئمتنا، فإن دماءنا لا تطلّ وإن حديدنا لا يفلّ، وإن أمريكا حامية الصليب عاجزة عن إطفاء نور الله، وهي تحاول جاهدة في كلّ مرة تقتل فيها إماما من أئمة الموحدين ومجاهدا من المجاهدين أن تعلن القضاء على الدولة الإسلامية -أعزها الله- أو إضعافها ولكن يخزيها الله في كلّ مرة وينقلب الأمر من محاولة لزعزعة صفوف المسلمين والمجاهدين إلى تثبيت لهم وتعزيز ثقتهم، برؤيتهم لأمرائهم يردون حياض المنايا غير آبهين، ويقتلون في سوح الوغى مجندلين، فهذا أعظم دليل على صدق المنهج وصحّة الطريق.

فيا أسود التوحيد وفرسان الميادين وحماة العقيدة والدين، الله الله في جهادكم، والسمع والطاعة ولزوم الجماعة، ادعوا إلى سبيل ربكم باللسان والسنان، وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وانصروا المسلمين المستضعفين أينما كانوا، واحرصوا على فكاك أسراكم فما هانوا، فهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وصية أمير المؤمنين أبي إبراهيم -تقبله الله- الّتي بلّغكم إيّاها بالفعل لا بالقول، ونشدّد عليكم بأخذ الثأر لأئمّتكم وإخوانكم وأخواتكم، تقرّبوا إلى الله بقطف رؤوس أعدائه وإزهاق نفوسهم واعلموا أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا وأن العاقبة للمتقين.

تأهّب فذي فتن ماحقات
فأين السّبيل وأين النّجاة
نجاتك حيث الجماعة كانت
وحيث الإمام بها والهداة
سبيلك للحقّ فالزمه حتّى
تموت عليه فيحلو الممات
خلافتنا جمعت شملنا
وكان لنا قبل ذاك الشّتات
بناها الثّقات بأشلائهم
وإنّا على الدّرب أسد أباة
لنصرة دين وتحكيم شرع
ودار بها تأمن المحصنات

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مقال: حربٌ على العقيدة تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين ...

مقال: حربٌ على العقيدة


تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين لم تكن في أصلها حروبا عقائدية، وإنما كانت حروبا سياسية سيادية، أو اقتصادية على الثروات والمعادن والسدود، أو وطنية على المعابر والحدود… فربطوا الناس بالأرض لا بالسماء! وحصروهم بين الحدود! فصار الوطن أكبر معبوداتهم! والطين سقف غاياتهم! وعلّقوا قلوبهم بالدنيا لا بالدين، فصارت الدنيا أكبر همّهم ومبلغ علمهم.

رافقَ ذلك تحريفٌ ممنهجٌ لعقيدة الإسلام تولى كبره دعاة جهنم الذين اجتهدوا في إفساد عقيدة الإسلام وتبديلها تحت دعاوى كثيرة ليس أولها "حوار الأديان" وليس آخرها "الإنسانية" ذلك الدين الجديد الذي يُراد له أن يُهيمن على العباد والبلاد ويزاحم الإسلام في كل ميدان.

وبعد عقود من تزوير التاريخ وتحريف العقيدة، نشأ أقوام يرون في "الوطن" إلها يُعبد من دون الله تعالى، يساوون لأجله بين المسلم والكافر! ويعقدون عليه الولاء والبراء، وينعتون قتلاه بنعوت "الشهادة" ولو كانوا من غير المسلمين! ويُقدّمون مقامه على كل ما سواه ولو كان مقام توحيد رب العالمين، فصار الوطن أكبر طاغوت في الأرض!

إن ضياع الدين وفساد العقيدة هو المصيبة العظمى التي لا تعلوها مصيبة! وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قلّما كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات: (… وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا…) [رواه الترمذي]، والحقيقة التي لا مفرَّ مِن الاعتراف بها أن مصيبة الناس اليوم في دينهم! فإن كل مصائب الدنيا تهون إلا المصيبة في الدين! بل إن المصائب والهموم الدنيوية التي أرهقت كاهل الناس اليوم متفرّعة عن المصيبة العظمى وهي الشرك وفساد الإيمان! قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن كثير: "أي لو آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدقت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات".

فلا والله ما آمن بالله وكتبه ورسله من ردّ صريح القرآن وصحيح السنة وزعم أن النصارى مؤمنون يدخلون الجنة وألصق بهم ألقاب "الشهادة"، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه باب: "لا يُقال فلان شهيد" ويعني بذلك أنه لا يُقطع بالشهادة لأحد من المسلمين إلا من شهد له النبي أو الوحي بذلك، وزنادقة اليوم يريدون أن يُدخلوا في جنة الله تعالى مَن يشرك به ويزعم أن الله ثالث ثلاثة!! وأن عيسى ابن الله!! وأن عيسى هو الله!!، والله تعالى يقول في كتابه: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}، ويقول جلّ جلاله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}. وزنادقة عصرنا يردّون قول الله تعالى الفصل، وحكمه العدل في النصارى الكافرين، كل ذلك انتصارا لوطنهم المعبود الذي جعلوه محور الكون وقدّموه على خالق الكون سبحانه! ثم يزعمون أن الله تعالى سينصرهم! وهم قد خالفوا كل أسباب النصر وعملوا بضدها.

وقد بقي المرجئة وأشياعهم من سائر الطوائف، لا يذكرون من نواقض الإيمان إلا "إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة"، ومعلومٌ أن تكفير النصارى معلوم من الدين بالضرورة، فماذا بقي لهؤلاء اليوم وقد أنكروا المعلوم من الدين بالضرورة؟!، بل لم يكتفوا بذلك وسعوا إلى شرعنة كفرهم بخرافات لم يسبقهم إليها أحد.
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
6 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً