الدولة الإسلامية - قصة شهيد
• أبو يحيى المهاجر
حاربه المرجئة وقتله الخوارج -تقبله الله-
الشهادة في سبيل الله تعالى رزق عظيم، يمنّ بها المولى الكريم على صفوة عباده، ممن اتقاه حق تقاته وخاف وعيده
للقاعدين عن جهاد أعدائه، يمنحه بهذه الشهادة الفوز العظيم، والزلفى إليه والمقام الكريم، ويكفيه بها فتن الدنيا والبرزخ والآخرة على حد سواء، فيعصمه من غضبه وعذابه، ويحل عليه رضوانه، ويعطيه كل الخصال وزيادة التي وعده بها على لسان نبيه الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث المقدام بن مَعْدِي كَرِبَ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لهُ في أوَّلِ دَفْعةٍ، وَيَرَى مَقْعدَهُ من الجَنَّةِ، وَيُجَارُ من عَذابِ القَبْرِ، وَيأمَنُ من الفَزَعِ الأكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رَأْسهِ تاجُ الوَقارِ، الياقُوتةُ مِنْها خَيْرٌ من الدُّنْيا وَمَا فِيها، وَيُزوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجةً من الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ في سَبْعِينَ من أقَاربهِ). [سنن الترمذي].
ونحسب أن الأخ أبا يحيى النيجري -بطل قصتنا اليوم- من بين أولئك الذين علم الله فيهم خيرا، وجعل منهم للإسلام ذخرا، فهداهم للهجرة إلى دار الإسلام، والنفير إلى مواطن الإقدام، ففارقوا الأهل والخلان، وعافوا الذل والهوان والخذلان، وأنفوا حياة الرفاهية والترف والعبودية للشهوات والنزوات، في عالم حافل بالمغريات ومترع بالملهيات، والسعيد من نجّاه الله من ذلك.
• نشأة دعوية مبكرة
ولد الأخ المجاهد أبو يحيى النيجري في إحدى قرى منطقة (دوسو) في جنوب غرب النيجر، ونشأ وترعرع هناك، ثم انتقل لاحقا إلى العاصمة (نيامي)، لطلب العلم فرزقه الله تعالى بحظ منه، ولقد فارق -تقبله الله- صفوف الجماعات المنحرفة والفرق الضالة مبكرا، بعد أن بصّره الله تعالى بزيف دعاويهم وتلبيسهم على الناس أمر دينهم، فيمم وجهه نحو دعاة الحق الصادعين بملة إبراهيم، فشارك إخوانه في الدعوة إلى التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولمّا أعلنت دولة الخلافة -أعزها الله- وتمددت إلى غرب إفريقية؛ كان أبو يحيى يذود ويذب عنها بالحجة والبرهان، ويناظر أفراد الجماعات المنحرفة في بعض مساجد المنطقة ويفنّد شبهاتهم، ويحرض الناس على الالتحاق بركبها المبارك.
وعلى إثر هذا الجهد الدعوي، قامت بعض فرق المرجئة بالإبلاغ عنه وإخوانه إلى حكومة النيجر المرتدة، فقررت حكومة النيجر القيام بحملة أمنية لقمع وثني هؤلاء الموحدين عن أداء دورهم؛ فخيّب الله سعيها وباءت حملتها بالفشل، إذ فتح الله لعباده باب الهجرة والنفير ليمارسوا التوحيد قولا وعملا، فالتحقوا بقافلة الدولة الإسلامية في ولاية غرب إفريقية وبدأوا مرحلة جديدة من الدعوة والجهاد على منهاج النبوة.
• نفيره إلى أرض الجهاد
نفر الأخ أبو يحيى -تقبله الله تعالى- مع كوكبة من إخوانه المجاهدين المهاجرين قاصدين ميادين العز وساحات الجهاد، نصرة للإسلام والمسلمين، يحدوهم الشوق لأداء فريضة الجهاد المباركة وحب الشهادة في سبيل الله تعالى، ولم يُلقوا بالا لكل المخاطر التي تعترض طريقهم، ولا لرصد الأعداء وتعقبهم لهم، حتى يسّر الله له -ومن معه- الوصول إلى أرض الدولة الإسلامية.
وبعد وصوله واستقراره في ولاية غرب إفريقية مع إخوانه، التحق بمعسكر التدريب وخضع للدورات التي يخضع لها كل وافد جديد في الولاية.
وبعد تخرجه من المعسكر، تم اختياره للعمل في ديوان الأمن الذي يحفظ أمن المجاهدين والرعية معا، فسخّر أبو يحيى ما أعطاه الله من العلم والفهم في خدمة إخوانه ونصحهم وتوجيههم وتعليمهم أمور دينهم، ولقد قضى في تلك المرحلة جامعا بين الجهاد والتعليم، قرابة أربعة سنوات متواصلة، لم يدخر فيها جهدا في العلم والعمل.
• أخلاقه وعونه لإخوانه
كان أبو يحيى -تقبله الله- حسن الخلق، طيب السجية، صادق اللهجة، كثير الصيام والقيام، شديدا على الكافرين والمرتدين، رحيما رفيقا بإخوانه المسلمين، بشوشا كثير التبسم في وجوههم، إلا أن ذلك لم يمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدع بالحق دون خوف لومة لائم.
وقد اشتهر بأنه كثير العون لإخوانه وكثيرا ما تجده يردد هذا الحديث: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، فتجده ينشغل بقضاء حوائج إخوانه عن قضاء حوائجه الشخصية، وقد أكسبه حلمه ووقاره ورأفته بالمسلمين الهيبة والاحترام بين كل من عرفه، كما كان أبو يحيى قدوة في باب السمع والطاعة لأمرائه في المعروف، فيما أحبته نفسه أو كرهته امتثالا للنصوص النبوية الثابتة في هذا الباب.
• خادما للسجناء!
ولمّا ظهر ما وهبه الله من شجاعة وحسن تصرف ورباطة جأش لدى الملمات؛ كلفه إخوانه بمهمة إدارة السجن الذي يضم المقصرين من الجنود والرعية معا؛ فما زاده ذلك إلا تواضعا لإخوانه وبذلا في سبيل دينه؛ مما رفع قدره بين إخوانه وأذاع محبته بينهم.
وقد برزت خلال إدارته للسجن صفات إدارية وسمات أخلاقية رفيعة، نابعة من عمق شعوره بخطورة الأمانة التي حملها وسعيه الدؤوب في أدائها ولو كان الثمن روحه، ومن ذلك: أنه أصدر أمرا خلال إحدى حملات العدو الكبيرة؛ بإخلاء السجناء حفاظا على حياتهم، وبقي هو خلفهم حارسا لهم مع بعض إخوانه، وجعلوا من أنفسهم درعا لحماية المسلمين رغم أنهم مسجونون مقصرون! وبقي يتنقل بين الحراسة والإدارة طوال الحملة يصبّر إخوانه، ويوصيهم بالاقتصاد في المؤونة ويتفقد أحوالهم.
كما برزت شجاعته وتضحيته حين فُقد أحد السجناء المرضى خلال إحدى الحملات؛ فعاد أبو يحيى أدراجه للبحث عن هذا السجين رغم كثافة النيران واقتراب العدو وخطورة الموقف؛ حتى وجده وعاد مصطحبا إياه.
• مقتله على أيدي الخوارج
إن حب الغزو وكثرة النفير من شيم الصادقين المقبلين على الله تعالى، ولذا كان هذا الأمر سجية في الصحابة الكرام تطبعوا بها بعد أن تعلموها من قائد المجاهدين نبيهم محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو الذي تمنى القتل قائلا بلسان حاله ومقاله: (وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ).
ونحسب أن الأخ أبا يحيى من الصادقين في طلبهم للشهادة حيث كان يبحث عنها في مظانها، فتم له بفضل الله تعالى المشاركة في العديد من الغزوات ضد جيوش الحكومات المرتدة المطلة على بحيرة تشاد، والرباط في أكثر من ثغر، ولم يُعهد عنه إحجام ولا عرف بجبن في واحدة من المعارك التي شارك فيها، بل على العكس تماما؛ صبر ومصابرة وثبات وإقدام، بل كان يؤدي دور القائد والمعلم والمربي معا، تحريضا وتثبيتا وتصبيرا لإخوانه، وتذكيرا لهم بإخلاص النية والإكثار من ذكر الله تعالى.
وبعد انتدابه مسؤولا أمنيا، كان يطلب ويلح على إخوانه بشدة أن يسمحوا له بالمشاركة في الغزوات والمعارك، فكانوا يسمحون له حينا ويردونه أحايين أخرى ويعللونه بما نال من أجر النية، وفي أحد الأيام تقدمت مجموعة من الخوارج لمهاجمة أحد مواقع المجاهدين، فهبّ أبو يحيى مع إخوانه يذود عن حمى الإسلام وحياض الشريعة، حتى تجندل في ساحة العز مخضبا بدمائه متأثرا بجراح عميقة أصابته، حتى فاضت روحه إلى باريها وهو ابن أربع وثلاثين ربيعا، نسأل الله تعالى أن يتقبله في الصالحين ويعلي منزلته في عليين.
• لطيفة وخاتمة
ولعل من لطائف قصة أبي يحيى -تقبله الله-، أنه تعرض للأذى والمحاربة من قبل المرجئة في بداية طريقه، ثم خُتم له بالقتل على أيدي الخوارج في نهاية مشواره، ملخّصا بذلك مسيرة الدولة الإسلامية في سيرها على منهاج النبوة، وسطا بين الخوارج والمرجئة، بريئة من الفريقين، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 540 - قصة شهيد
السنة السابعة عشرة - الخميس 7 شوال 1447 هـ ...المزيد