بسم الله الرحمن الرحيم
حقيقة الموت والاستعداد للآخرة
الحمد لله ربِّ العالمين، الحمد لله الذي خلق الموتَ والحياةَ ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إليه
المصير والمنتهى، من أراد صاحبًا فالله يكفيه، ومن أراد مؤنسًا فالقرآن يكفيه، ومن أراد غنًى فالقناعة تكفيه، ومن أراد واعظًا فالموت يكفيه، ومن لم يرد هذا ولا هذا فالنار تكفيه.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وأستاذنا ومعلمنا محمدًا رسول الله ﷺ، القائل: «كفى بالموت واعظًا» رواه الطبراني وحسنه بعض أهل العلم.
صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أجارني الله وإياكم من البدع والضلالات، آمين اللهم آمين.
فيا أيها الأحباب الكرام في الله، في ظلِّ التطورات الموجودة في زماننا هذا، والتقنيات المتسارعة، وتقارب الزمان، والتكنولوجيا الحديثة، ومع كل هذه التطورات؛ قد يغفل الإنسان عن الشيء الذي خُلق من أجله، ويغفل عن المصير الذي سيذهب إليه، ويظن مع كثرة هذه التطورات أنه لن يرحل، وأنه سيعيش أبد الآبدين في هذه الدنيا الفانية.
فلا بد من وقفاتٍ يا إخوة الإيمان، فإذا ما ركن الإنسان إلى هذه الدنيا نسي أن الآخرة حق، ونسي أن الموت حق، ونسي أن الدنيا فانية، ونسي أن موطنه الأصلي هناك؛ إما جنة، وإما نار ـ والعياذ بالله ـ للمجرمين والكافرين، ونسي أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر.
فتجده يغفل ويغفل ويعبث ويلهو في هذه الدنيا الفانية؛ لأنه نسي حقيقةً أمرنا النبي ﷺ أن نكثر من ذكرها، ألا وهي حقيقة الموت.
فالموت مخلوق، خلقه الله عز وجل، فالحياة والموت مخلوقان خلقهما الله للابتلاء والامتحان، قال سبحانه:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
والنبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني.
أكثروا من ذكره حتى لا نضيع في هذه الدنيا الفانية، وحتى لا ننسى الله، وحتى نستعد للقاء الله عز وجل، ولنرجع إلى موطننا الأصلي.
فكلنا راحلون، كلنا راحلون، ولو دامت الدنيا لأحدٍ لدامت لأفضل الخلق عليه الصلاة والسلام، فقد قال الله له:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30].
وقال سبحانه:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
وقال سبحانه:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].
ويقول جل وعلا:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78].
وهذا نداء للمجرمين والظالمين الذين بطشوا وتكبروا في هذه الدنيا، وظنوا أن حصونهم ستمنعهم من الرحيل، فقال الله:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾، ولو كنتم في قصور عالية محصنة، تظنون أن أحدًا لن يصل إليكم.
ولذلك يا إخوة الإيمان، حتى لا تزيدنا الغفلة عما خُلقنا من أجله، لا بد أن نعيش مع هذه المشاهد، نتذكر لنستعد؛ لأنه ستأتي هذه اللحظات حتمًا لا محالة لنا جميعًا.
وكل يوم يموت أناس، وتُشيَّع جنائز، ونحن ننتظر متى يأتي دور كل واحد منا.
كلنا سنرحل، لا أحد يبقى أبدًا، فهل نحن مستعدون؟
ولذلك قد تجد البعض لا يريد أن يُذكر بالموت، لكنه حقيقة لا بد أن نتذكرها؛ لأن النبي ﷺ قال: «أكثروا من ذكر هادم اللذات».
كم تمر علينا جنائز؟
كم من أحباب؟
كم من أصحاب؟
كم من آباء وأمهات؟
وكأن الأمر لا يعنينا!
ولذلك يصف الله حال الإنسان وهو يرحل من هذه الدنيا، فقال سبحانه:
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: 83-87].
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾؛ اقترب الرحيل، وبدأت الروح تصعد وتخرج،
﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾؛ أقرباؤه حوله، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا، الطبيب بجواره، والدواء بجواره، لكن إذا جاء أمر الله انتهى كل شيء.
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾؛ أي بملائكتنا، ﴿وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾.
ثم يأتي التحدي:
﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
فإذا جاء الأجل لا يتأخر الإنسان ساعة ولا يتقدم، قال سبحانه:
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].
لكن ما الذي ينفع الإنسان؟
الأعمال الصالحة.
قال سبحانه:
﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: 88-89].
أهله يبكون عليه، وهو يُبشر بروح وريحان وربٍّ راضٍ غير غضبان.
ولله در القائل:
ولدتك أمك يا ابن آدم باكيًا
والناس حولك يضحكون سرورًا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا
في يوم موتك ضاحكًا مسرورًا
ويقول سبحانه:
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: 26-30].
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾؛ هل هناك من يرقيه؟ هل هناك من ينقذه؟
﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾؛ أي أيقن أنه سيرحل.
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾؛ اجتمعت شدة الدنيا بشدة الآخرة، وسكرات الموت بآلامها.
ولذلك كان السلف يخافون أن تدخل الدنيا إلى قلوبهم فتلهيهم عن الآخرة.
فهذا هارون الرشيد رحمه الله ـ وقد ظلمه كثير من الناس بما نُسج حوله من الروايات المكذوبة ـ كان يحج عامًا ويغزو عامًا، وكان يقول للسحابة: “أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك”.
ويُذكر أنه قال للزاهد بهلول: عظني.
فقال له: أين آباؤك وأجدادك من لدن آدم إلى يومنا هذا؟
قال: تحت الأرض.
قال: فأين قصورهم؟ وأين أموالهم؟
قال: ذهبت.
قال: فما نفعتهم قصورهم في قبورهم؟
فبكى هارون الرشيد رحمه الله.
ثم قال له: زدني.
فقال: يا أمير المؤمنين، هب أنك عمرت السنين الطويلة، أليس القبر غاية كل حي، ويُسأل بعده عن كل شيء؟!
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، فيا فوز المستغفرين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فمن عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدة، ومن أعظم الشدائد سكرات الموت.
ولذلك دخلت ابنة الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله عليه وهو في آخر لحظاته فبكت، فقال لها:
يا بنية، أبكي أو لا تبكي، فو الذي نفسي بيده ما فاتتني تكبيرة الإحرام أربعين سنة.
ذكره الذهبي في السير.
وهذا بلال بن رباح رضي الله عنه، مؤذن رسول الله ﷺ، لما حضرته الوفاة، قالت زوجته: واكرباه!
فقال: “لا تقولي واكرباه، ولكن قولي: وافرحاه، غدًا نلقى الأحبة، محمدًا وصحبه” رواه ابن سعد وغيره.
الله أكبر!
هذه هي السعادة الحقيقية، وهذه هي الراحة الحقيقية.
وكان بعض السلف في المعارك يُطعن بالسهم فينزعه والدم يتدفق منه، ويقول: “فزت ورب الكعبة”، كما قالها الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه يوم أحد، رواه البخاري ومسلم بمعناه.
هؤلاء ضحوا بأموالهم وأنفسهم لنصرة دين الله، فعاشوا لله، فوجدوا السعادة في أحلك الظروف.
وإخواننا المستضعفون في فلسطين وغيرها يضحون بأنفسهم وأموالهم وفلذات أكبادهم من أجل دين الله ومقدسات المسلمين، وهم قادرون على حياة الدنيا، لكنهم اختاروا نصرة الحق.
ولذلك يا عباد الله، الدنيا فانية، وقد قال النبي ﷺ:
«لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» رواه الترمذي وصححه الألباني.
فالاستعدادَ الاستعدادَ للقاء الله عز وجل، حتى لا يندم الإنسان يوم لا ينفع الندم.
قال سبحانه:
﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100].
وقال سبحانه:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: 11].
وقال سبحانه:
﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 12].
ندمٌ يوم لا ينفع الندم.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم أصلحنا وأصلح شباب المسلمين.
اللهم أصلحنا وأصلح نساء المسلمين.
اللهم أصلحنا وأصلح بنات المسلمين.
اللهم ألبسهن ثوب العفة والحشمة والطهارة يا رب العالمين.
اللهم أصلح أولادنا وذرياتنا ونساءنا.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا غاية رغبتنا، ولا إلى النار مصيرنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا رب العالمين.
اللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من كيد الكائدين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق المبين.
اللهم عليك بالمتآمرين على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى والمنافقين، أرنا فيهم عجائب قدرتك يا قوي يا متين.
اللهم حرر المسجد الأقصى من دنس اليهود.
اللهم كن لعبادك المستضعفين في فلسطين والسودان واليمن وفي سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
عباد الله، صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
وأقم الصلاة. ...المزيد