من ثِمار التقْوى قال الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "تقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما ...

من ثِمار التقْوى


قال الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "تقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه، وغضبه، وسخطه، وعقابه؛ وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته، واجتناب معاصيه". [جامع العلوم والحكم]


❖ نيل ولاية الله تعالى

قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس]، قال الإمام أبو جعفر: "يقول تعالى ذكره: ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم في الآخرة من عقاب الله، لأن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا". [تفسير الطبري]


❖ التفريق بين الحق والباطل

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال]، قال الإمام أبو جعفر: "فرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل، حتى يعرفوه ويهتدوا بذلك الفرقان". [تفسير الطبري]


❖ الرزق من حيث لا يحتسب

قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، قال ابن كثير: "ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله". [تفسير ابن كثير]


❖ تكفير السيئات وزيادة الأجر

قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ}، قال أبو جعفر: "ومن يخف الله فيتقه باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، يمح الله عنه ذنوبه وسيئات أعماله، (وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا): يجزل له الثواب على عمله ذلك وتقواه، ومن إعظامه له الأجر عليه أن يُدخله جنته، فيخلده فيها". [تفسير الطبري]عملاً بوصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم-


نسمع ونرى اليوم ما آلت إليه الأوضاع في الجزيرة العربية التي استباح حماها اليهود والنصارى يدنسونها وينشرون فيها شركهم وشرّهم بتواطؤ وتأييد من قبل حُكّام الجزيرة المرتدين، يستوي فيهم حكام قطر والسعودية والإمارات، مِن قبل كأس الغثاء ومِن بعد.

ولم يكن العجب من استضافة قطر لكأس الهوى واستقدامها لمئات الآلاف من النصارى واليهود وغيرهم إلى شرق الجزيرة العربية، بل العجب حقيقة ممّن تعجّب مِن حال قطر! وبدا كأنه لأول مرة يعرف حقيقة هذه الإمارة الطاغوتية التي تحارب الإسلام منذ كانت محميّة بريطانية!

فهل كان يلزم أن تستضيف قطر هذه الفعالية الخبيثة؛ ليتفطّن بعض "الإسلاميين" لدورها وخطرها على الإسلام بعد أن كانوا يرونها "صديقا" و"داعما" أو على الأقل "محايدا"!، فهل لم تكن قطر خطيرة يوم استضافت قاعدة العديد الأمريكية؟! وهل لم تكن خطيرة يوم روّضت الحركات المسلحة ونقلتها من الخنادق إلى الفنادق، ومن تجريم الخيانة إلى شرعنتها؟!

لقد منح الصليبيون قطر فرصة استضافة كأس الغثاء هذا بعد نحو عقدين من رعيها لحوار الأديان الذي يهدف إلى نشر الإباحية المطلقة! فلا حلال ولا حرام، ولا حق ولا باطل، بل "إنسانية" تساوي بين الخير والشر والإسلام والكفر والجنة والنار! هكذا كافأ النظام العالمي الجاهلي هذه الدويلة الوظيفية التي خدمت اليهود والنصارى أكثر من غيرها من دويلات الخليج.

وبعد رصدنا لعدد من الدعوات والخطابات التي تناولت هذا الحدث، وجدنا أنَّ أحدا لم يقدّم الحلَّ الشرعي لما يجري، كما لم يشخّص الداء كما ينبغي، وهو نفس الأمر الذي فعلوه عند حديثهم عن "الدور الإماراتي" في حرب الإسلام! فكل الذين ينتقدون الإمارات لولائها لليهود -مثلا- لم يحرِّضوا على استهداف طواغيتها حكومة وجيشا، وكذا كلّ الذين ينتقدون قطر اليوم لم يحرِّضوا على استهداف طواغيتها! بل دعا بعضهم -حرفيًا- إلى نفس ما دعت إليه قطر من استغلال موسم الغثاء هذا في الدعوة إلى الله!! ولا ندري هل يملك الدعاةُ إلى الله -حقًا- فرصة للدعوة في هذه المقام إلا إنْ كانوا دعاة على أبواب قطر!

إنّ دور قطر في الحرب على الإسلام ليس حديثا، وإنّ من التضليل للمسلمين أن تدقّ بعض الحركات المنحرفة نواقيس الخطر بعد هذا الحدث فقط؛ رغم سكوتها طيلة السنوات الماضية عن قطر وإعلامها ودعاتها ودورها المشبوه في محاربة الإسلام، ودورها العلني في "إعادة ضبط المصنع" للعديد من الحركات الإسلامية وفقًا للمواصفات العالمية للنظام الدولي الجاهلي، فكل ذلك لم يدفع هذه الحركات المهترئة إلى مهاجمة قطر ودورها إلا بعد أن استيقظوا على صراخ الغثاء في كأس الهوان! فهل هذه يقظة متأخرة! أم هي فرصة للتعبير عن شعورهم بالخذلان من قطر بعد أن قلبت لهم ظهر المجن فسلبت منهم "طالبان" وحوّلتها إلى حارس للمصالح الأمريكية! وسلّطت عليهم قنواتها الفضائية بعد أن كانت منبرا شبه رئيسي لهم على مدار عقود من الزمان!

وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة الإسلامية -أعزّها الله- تحذّر وتنذر المسلمين من خطر قطر كما الإمارات، ومن خطر تركيا كما السعودية؛ كانت هذه الحركات تتهم الدولة الإسلامية بالعمالة لكل هذه الأطراف مجتمعة! وهي وحدها التي كفّرت حكوماتهم مجتمعة، ولم تفرّق بين طاغوت وآخر كما فرّق هؤلاء، وهذا كله -بفضل الله تعالى- ثمرة الاتباع وترك فقه الرخويات والترهّل العقدي الذي اتبعته هذه الحركات التي حاولت أن تحافظ على بقائها بأي ثمن، بينما كانت الدولة الإسلامية حريصة على بقائها على منهاج النبوة حتى لو لم يبق منها جندي واحد، فظلت باقية بفضل الله تعالى وتدبيره والجزاء من جنس العمل.

لقد أصابت الدولة الإسلامية وما زالت تفعل، يوم أن وضعت كل هذه المحاور في خانة واحدة وقالت للمسلمين احذروهم على دينكم ودنياكم، ولا تفرقوا بينهم فهم سواء في الحكم والخطر، بل إنّ الدور القطري في الحرب على الإسلام أكثر عمقًا وأثرًا وخطرًا من دور طواغيت الإمارات والسعودية والحدث الأخير خير دليل على ذلك، فما فشلت السعودية في إدخاله إلى الجزيرة العربية من الإباحية والشذوذ نجحت قطر في إدخاله من نافذة كأس الهوى والهوان!!

كما كان من السخافة بمكان حالة الترويج الإعلامي الكبير الذي تولى كبره ليست الآلة الإعلامية القطرية فحسب، بل حتى دعاة السوء من الدجاجلة الصغار الذين جلبتهم قطر ليمارسوا دور قائدهم الدجال الأكبر، في التضليل والتلبيس على المسلمين! محاولين أن يصوّروا كأس الهوى الذي استحقته قطر بحربها على الإسلام؛ على أنه فرصة لنصرة الإسلام! وأن موسم الشذوذ هو موسم للدعوة!وليس مصادفة أن يكون هذا السواد الأعظم من الغثاء؛ دعاة وإعلاميين وكتاب وغيرهم، هم نفسهم الذين تولوا كبر الحرب الإعلامية والفكرية ضد الدولة الإسلامية في أوج الحرب الصليبية على دار الخلافة في العراق والشام! فهي معركة واحدة بين أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين أتباع الدجّال الذين يريدون أن يلبسوا الحق بالباطل ويستروا الكفر بما يصف ويشف!

وهذه رسالة نوجهها إلى ضحايا فقه الأولويات والموازنات ممن لم يستبينوا الرشد إلا متأخرا، أنّ الأولوية دوماً للتوحيد والمفاصلة التامة مع الجاهلية بكل صورها، وأنه لا وزن للمرء تحت أديم السماء ما عطّل التوحيد وأمات الولاء والبراء، فما يجري اليوم من ذوبان وانصهار الناس في هذا التجمّع الجاهلي الكبير هو نتيجة هذا الفقه الأعوج الذي دشّنه عبيد المصالح ولسان حالهم أنهم أدرى بمصالح العباد من خالقهم سبحانه! القائل: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، فاللطيف الخبير هو من شرع الجهاد لضرب أعناق الكافرين والمرتدين، واللطيف الخبير -سبحانه- هو الذي فرض الولاء والبراء ومدح ذلك في كتابه ودعا نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى اتباعه فقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}.

وهل اتضح لطلبة العلم الذين غرقوا في خلافات ومسائل "عهد الأمان"؛ أنّ طواغيت الجزيرة ودعاتهم لم يكونوا يقصدون هذه المسائل بحال، بل كانوا يقصدون صرف المسلمين عن قتال الصليبيين واليهود الذين أصبحوا اليوم من أهل الجزيرة العربية المقيمين! ولهم من الحقوق ما ليس لسكانها الأصليين؟!

أمة الإسلام.. قد بسطنا في هذا المقال الداء ولم يبق إلا الدواء وهو ليس من عندنا ولا من وحي خيالنا، بل هو وحي من عند الله تعالى، وعلى لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- القائل في مرض وفاته: (أخرِجوا المشرِكينَ من جزيرةِ العربِ) [رواه الشيخان]، والقائل أيضا: (لأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ، والنَّصارَى مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ حتَّى لا أدَعَ إلَّا مُسْلِمًا) [رواه مسلم]، فهذه وصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم- ولا يشاورنَّ أحدٌ أحدًا في تنفيذها، فمن لهذه الوصية أيها المسلمون؟



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 366
السنة الرابعة عشرة - الخميس 30 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

مِن أقوال علماء الملّة قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "وأما الإخلاص فهو حقيقة ...

مِن أقوال علماء الملّة

قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:

"وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ..}، فمن لم يستسلم له فقد استكبر، ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام، والإسلام ضد الشرك والكبر، وذلك في القرآن كثير، ولهذا كان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وهي متضمنة عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه؛ وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله مِن أحد مِن الأولين والآخرين دينا سواه". [التحفة العراقية] ...المزيد

حديث نبوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (قال الله تبارك ...

حديث نبوي


عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

(قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه). [رواه مسلم]

مقتطف من كلمة "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" يا أهل السنة في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- أين ...

مقتطف من كلمة "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"


يا أهل السنة في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- أين أحفاد الصحابة فيكم، أين غيرتكم على دينكم وأمتكم؟ أين مروءتكم وشهامتكم؟ أما ترون حال أهل السنة في العراق والشام واليمن؟ أو تظنون أنكم بمنأى عما يلاقيه أهل الإسلام من الكرب والبلاء؟ ثبوا من رقادكم وسكرتكم وانفضوا غبار الذل عنكم، فما عاد طغيان وكفر دولة آل سلول قبحهم الله بخاف حتى على صبيانكم، وقد عزموا على تغريبكم وعلمنتكم في حملة ممنهجة سعيا لإكفاركم وتدمير منهج أهل السنة والجماعة على أرضكم، يا أحفاد الفاتحين حطموا حاجز الخوف المتوهم في نفوسكم ولا تعولوا على أشباه الرجال ممن يسمون بالعلماء، فقد باعوا دينهم لهذا الطاغوت وأرخصوا الأعراض إرضاءا لنزواته وشهواته، وخدروكم بدعوى الأمن الزائف على أرضكم وخوف الفتنة والقتل، إن الفتنة الشرك إن الفتنة أن يقتل أبناؤكم على غير ملة الإسلام في سبيل نصرة الطاغوت والوطنية، إن الفتنة أن تنطلق طائرات القتل والدمار من أرضكم يقودها أبناؤكم وبفتاوى القتلة المجرمين بلاعمة العصر لتقصف مدن وبلدات أهل السنة في العراق والشام وتسويها بالأرض، نصرة وإعانة للصليبيين وتمكينا للنصيرية والرافضة وملاحدة الأكراد من رقاب أهل السنة، ومن منا لم يسمع بدعم الملاحدة الأكراد بمئة مليون دولار كما صرحوا بذلك، وبدعمهم اللامحدود لرافضة العراق؟ أما في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- من يقف في وجه هؤلاء المرتدين السفهاء؟ انهضوا يا آساد النزال في الحجاز ونجد والبحرين وأعدوا العدة وجهزوا السرايا وعبئوا الكتائب واستعينوا بالله لخلع هؤلاء المرتدين الخونة أحفاد أبي رغال الذين طال شرهم ومكرهم بأهل السنة في كل مكان، وأبوا إلا أن يكونوا العين الساهرة للصليبيين واليد الباطشة بالمسلمين اليوم، فإنه لا صيانة للدين والعرض من دون دم مهراق وقلب للآخرة تواق.

ويا أهل السنة في الأردن ألأجل رغيف خبز تضجون وحكم الله وشرعه في أرضكم مضيع مبدل قد عفا رسمه فلا يرى، كفاكم جريا خلف السراب واكفروا بالأحزاب فإن صلاح الحال لن يكون إلا بخلع هؤلاء الطواغيت الجاثمين على البلاد وبإقامة شرعة رب العباد، فأقبلوا على ربكم ودينكم أين أصحاب العزمات منكم كفوارس السلط والفحيص وليوث الكرك والزرقاء وإربد ومعان، أين الأنجاد أين أهل الشداد ليفهموا ذنب الروم وكلب اليهود من هم أبناء الإسلام من هم المجاهدون، فإن للموحدين ثأرا قد أقسموا برب البيت أن لا يضيعوه وإن غدا لناظره لقريب، واعلموا يا أهل الإسلام أن النصر والتأييد بيد الله وحده: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]، قال الإمام الطبري في تفسيره: "{فلا غالب لكم} من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم من بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله؛ فإن الغلبة لكم والظفر دونهم"، فاستنزلوا النصر من الله وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا.... يا أجناد الخلافة في العراق والشام وخراسان واليمن، وشرق آسيا وغرب إفريقية ووسطها والصومال وليبيا وسيناء ونجد والحجاز وتونس والجزائر والقوقاز وكشمير، يا جنود الإسلام وحملة لوائه يا ليوث الغاب وأسد الميدان، ضعوا نصب أعينكم قول ربكم: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 36 - 38] وقوله سبحانه: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 139 - 140] فاسعوا للنصر مجتهدين باذلين، واطلبوا الشهادة صابرين محتسبين، وتوكلوا على من بيده ملكوت كل شيء، وارجوه العون والسداد والهداية والرشاد، وواصلوا المسير، فهذا طريق الرسل والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، هجرة وقتال، دماء وأشلاء، ولا يهولنكم أو يغرنكم كثرة المنتكسين أو المخذلين والمخالفين، والزموا غرز الجماعة، وإياكم والاختلاف على أمرائكم، وليحفظ كل امرئ منكم ثغره ولا يؤتين الإسلام من قبله، فالطبيب والإعلامي، والقاضي والدعوي، والمحتسب والأمني والإداري، كل في جهاد وجلاد وصبر واحتساب، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، واحذروا ممن يريد أن يحرّش بينكم وبين أمرائكم، ويحيي الضغائن ودعوى الجاهلية بين أظهركم، وعضوا بالنواجذ على وصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، حين قال: (وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية، فهو من جثاء جهنم) قالوا: يا رسول الله، وإن صام، وإن صلى؟ قال: (وإن صام، وإن صلى، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل).

وأبشروا بالمعية والتأييد وإن قل الناصر والمعين، ففي صحيح مسلم قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك).



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 365
السنة الرابعة عشرة - الخميس 23 ربيع الآخر 1444 هـ

مقتطف:
من كلمة "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"
لأمير المؤمنين الشيخ أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى-
...المزيد

خصال المجاهدين الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم ...

خصال المجاهدين


الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم المرسلين وبعد.

فإن الله يربي عباده ويُعلّمهم سبله ويرشدهم إلى الهداية وجميل الخصال؛ ليكونوا على التمام ظاهرا وباطنا، وقد بين الله للمجاهدين الخصال الواجب أخذها، ليكونوا مؤمنين حقا، ومن ذلك ما افتتحت به سورة الأنفال التي فيها ذكر آداب الجهاد وأحكامه وإرشاداته والتي لا غنى للمجاهد عنها، فهي قد نزلت للرعيل الأول من الصحابة الكرام في أول غزوة كُبرى كانت فرقانا بين الإسلام والكفر، وقد سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- قسمة الغنائم، فأتاهم الجواب ولكن بعد ذكر ما هو أهم؛ من معاني الإيمان والطاعة وذكر النعمة والتواضع لله والمُضي في قتال الأعداء ليكون الدين كله لله.

وتؤخذ خصال المجاهدين من آيات الجهاد وسُوَرِه فإنه منبعها ومعينها الذي لا ينضب.

قال ربنا سبحانه: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال].


- الخشية والخشوع:

الخصلة الأولى: أنهم {إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، قال ابن كثير: "وقال مجاهد: {وجلت قلوبهم} فرقت، أي: فزعت وخافت. وكذا قال السدي وغير واحد. وهذه صفة المؤمن حق المؤمن، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي: خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره" [التفسير]، فهم أهل خوف من الله تعالى، إذا سمعوا أمر الله انقادوا وإذا سمعوا نهيه انزجروا وتركوا، وقّافون عند كتاب الله، وليس من الوجل عند آيات القرآن التبرير للحال أو البحث عن الأعذار أو التحايل على دين الله أو ليّ أعناق النصوص، بل يكون حالهم: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان]، وهؤلاء هم المخبتون الخاضعون لله، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج]، وهذه من أهم الخصال التي يتصف بها المجاهد في سبيل الله، فليس هو مقاتلا فقط يحمل السلاح، بل هو جندي لله يعمل على إقامة دين الله وتعبيد الناس لخالقهم سبحانه فلا بد أن يكون معظّما لله ولشعائره، يقْدُر الله حق قدره، ممتلئٌ قلبه إجلالا لله، فكلام الله عنده أعظم كلام وأوامره أعظم أوامر، فمن سمعها لا بد أن تقع في قلبه موقعها ويبقى في سمعه صداها، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال].

ويدخل في تعظيم الله وكتابه تعظيمُ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه عليه الصلاة والسلام مبلغٌ عن الله، والسنة مفسِّرة للقرآن ومبيّنة له، وقد كان أسلافنا من الصحابة رضي الله عنهم على قدر كبير من تعظيم سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- والحرص عليها، وهذا برهان توفيقهم وسدادهم -رضي الله عنهم-.


- زيادة الإيمان عند القرآن:

الخصلة الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}، فآيات الله تغيّر في حالهم، إذا سمعوها أو قرؤوها يزدادون إيمانا ويقينا، بل ويستبشرون بها كما قال الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة]، فتُسر قلوبهم وتستنير وجوههم لما وجدوه من الزيادة في الإيمان والعلم من آيات الله تعالى، فالغنيمة عندهم تلك الآيات البينات، وهم مع أخذهم الآيات يأخذون معها العلم والعمل، فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "كان أصحابنا يقرئونا ويعلمونا ويخبرونا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان يقرئ أحدهم عشر آيات فما يجوزها حتى يتعلم العمل فيها" قال: وقالوا: علمنا القرآن والعمل جميعا". [شرح مشكل الآثار]

فينبغي للمؤمن عموما والمجاهد خصوصا أن يكون حريصا على تعلّم تفسير كتاب الله تعالى وتفقد الجوانب العملية في الآيات ليزداد إيمانا وعملا، ولا يمنع الإنسان من الانتفاع من آي القرآن إلا ثقل الذنوب وغفلة القلوب، والتعلق بالدنيا، وأما الذي يزداد إعراضا فهذا المنافق، قال الله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة] فلا تزدهم الآيات إلا وبالا وشرا وضيقا وعنادا وقسوة، وهؤلاء هم الذين لهم الويل، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر].- التوكل على الله:

الخصلة الثالثة: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، قال ابن كثير: "أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب؛ ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان" [التفسير]. وهذه خصلة عظيمة لا يستطيع المجاهد السير إلا عليها، فأنى له بالقدرة على تكاليف الجهاد والعالم كله متربص به والعدد قليل والإمكانات أقل والعوائق كثيرة، بغير التوكل، ولذا فإن المتوكل على الله اعتماده كله على الله وثقته به سبحانه، ويرى كل شيء بيد ربه ومولاه، فإن احتاج سأل الله وإن تعسر عليه شيء تضرع إلى الله، وإن عمل رجا من الله التمام، فهو يعمل بالأسباب ولا يرى الأسباب كل شيء، بل إن فقد سببا فهناك سبب آخر، فالمسبِّب والمعين هو الله، يلهمه الأسباب ويهيئ له الأمور، فلا يعرف المجاهد كللا ولا مللا ولا يعجزه شيء، بل هو القوي والمثابر والمصابر، فالله معينه ومُيسّر أمره، وهذا يدخل مع المجاهد في كل أعماله فلا ينسد أمامه باب إلا وبحث عن البديل، بثقته بالله وحسن توكله عليه.


- إقامة الصلاة:

الخصلة الرابعة: قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}، قال ابن كثير رحمه الله: "وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها، وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا إقامتها". [التفسير]، فإن شأن الصلاة عظيم وهي أعظم من الجهاد، وقد شرعت الجماعة في الجهاد في صلاة الخوف تأكيدا لأهميتها وعظيم أثرها على المجاهدين، بصفّهم شعثا غبرا لله ربهم، وقد قال أبو بكر رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان وهو يبعثه مع جيشه إلى الشام: "وصلِّ الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها" [الكامل في التاريخ]، وقال لعمرو بن العاص رضي الله عنه أيضا وهو أمير جيشه: "والصلاة ثم الصلاة أذّن بها إذا دخل وقتها، ولا تصل صلاة إلا بأذان يسمعه أهل العسكر" [فتوح الشام].

وقد كان للصلاة أثر حتى على نفوس الأعداء كما جاء في قصة القادسية أنه لما أذن المؤذن للصلاة، رآهم رستم -قائد جيش الفرس- يتحشحشون (يتجهزون)، فنادى في أهل فارس أن يركبوا، فقيل له: ولم؟ قال: أما ترون إلى عدوكم قد نودي فيهم فتحشحشوا لكم! قال عينه (الجاسوس الذي بعثه إلى المسلمين): ذلك إنما تحشحشهم هذا للصلاة، فقال بالفارسية: وإنما هو عمر الذي يكلم الكلاب فيعلمهم العقل" [تاريخ الطبري].

فالواجب أداؤها كما أمر الله ولو كان الإنسان في الجهاد والرباط ما دام في مأمن، قال تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء]، وعليه ألا يتوسع في الرخص التي لا يحتاجها كالجمع والتيمم، وأما إن حصل الخوف أو الاستنفار أو مجابهة العدو فإنه يصلي ويتطهر بحسب ما استطاع، وله حتى أن يصلي إيماءً في حال الشدة.

ومن حسنت صلاته حَسُن جهاده وسائر أعماله، ومن قصّر في الصلاة قصّر في غيرها من أبواب الدين، فتنبّه.


- البذل والجود بالمال:

الخصلة الخامسة: قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، قال ابن كثير: "والإنفاق مما رزقهم الله يشمل خراج الزكاة، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب، والخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه. قال قتادة في قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم، أوشكت أن تفارقها".

والمجاهد يجود بنفسه وماله، فإن الشجاعة والكرم قرينان، ومن تعلق بالآخرة بذل الدنيا ولم يُبالِ بها، والجود من الموجود دون تكلّف لما لا يُطاق، وأعظم الإنفاق النفقة في أبواب الجهاد وما يتعلق بها.

ثم خُتمت هذه الآيات بتأكيد إيمان من جمع هذه الخصال الجامعة، فقال سبحانه: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فمن اتصف بهذه الخصال سلم له دينه وصار مؤمنا حقا مجاهدا حقا تقيا حقا، وله الجزاء الأوفى قال تعالى: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، نسأل الله الدرجات العُلى والنعيم المقيم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، والحمد لله رب العالمين.


● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 365
السنة الرابعة عشرة - الخميس 23 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

موزمبيق.. وبركة الخلافة كان تمدد الدولة الإسلامية إلى موزمبيق على الشواطئ الشرقية جنوب ...

موزمبيق.. وبركة الخلافة



كان تمدد الدولة الإسلامية إلى موزمبيق على الشواطئ الشرقية جنوب إفريقية، حدثا مفاجئا أذهل التحالف الصليبي العالمي الذي تشكّل لمحاربة دولة الخلافة، وأثبت فشله في وقف انتشار دعوتها وجهادها، كما حيّر التمدد كثيرا من "الإسلاميين" الذين اعتادوا أن يبقى الإسلام حبيسًا داخل حدود مغلقة، وأن تبقى اهتماماتهم محصورة في قضايا معيّنة يختارها لهم طواغيت اليهود والنصارى بدقّة.

في البداية حاول الصليبيون والمرتدون أن يصوّروا الحدث على أنه مجرد "محاولة إعلامية" من قبل الدولة الإسلامية للتغطية على محنة العراق والشام، والتي بالمناسبة لا تستحي الدولة الإسلامية من ذكرها، فما أحدٌ جاء بمثل ما جاءت به إلا عودي، وترى فيها وسام شرف على جبين كلّ جندي من جنودها، ورثوه عن نبيهم محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ إلا أن اشتعال جذوة الجهاد في موزمبيق بدّد هذه الأوهام، خصوصا بعد هجمات (بالما) و(موسيمبوا دا برايا) والتي ما زالت تبعاتها الاقتصادية والأمنية تخيّم على البلاد رغم مرور سنوات عليها، حيث ظنّ الصليبيون أنها موجة عابرة، ولكن سرعان ما ساءت ظنونهم كما ساءت تقديراتهم، واتضح أنها لم تكن سوى البداية، فقد أصبح الجهاد في موزمبيق واقعا مستمرا يصعب تغييره -بفضل الله تعالى-.

وبنظرة موجزة على أحوال الجهاد في ولاية موزمبيق، نجد أن المجاهدين سارعوا من وتيرة هجماتهم في معظم مناطق (كابو ديلغادو) وحوّلوها إلى ساحة حرب يضربون فيها حيث أرادوا، وينتقون الأهداف العسكرية أو الاقتصادية أنى شاءوا، ويتنقلون بين شمالها وجنوبها في سرعة وحركة دائمة أنهكت جيوش الصليبيين وشتّت حملاتهم.

فتارة يهاجم المجاهدون الثكنات والحاميات العسكرية للقوات الموزمبيقية وحلفائهم الأفارقة الذين اضطروا إلى "تمديد انتشار" قواتهم أكثر من مرة بعد فشلهم في تحقيق أهدافهم، وباتوا يتحدثون عن "التحديات المالية" التي تواجه بعثاتهم العسكرية العالقة تحت نيران أسود الخلافة في أدغال موزمبيق.

وتارة يهاجم المجاهدون التجمعات النصرانية، فيحرقون قراهم وكنائسهم ويشردون بهم مَن خلفهم، فصار قطع رأس نصراني واحد في قرية كافيا لتشريد مئات النصارى في القرى المجاورة، وأصبح النصارى يهربون من القرى الساحلية إلى القرى الداخلية، ومنها إلى مراكز المدن والبلدات وكل ذلك بحثا عن الأمن المفقود، وبات التشريد والرعب يلاحقهم حيثما حلوا ونزلوا، بعد أن غدت كل البلدات والقرى في دائرة التهديد الذي لا سبيل لوقفه عنهم إلا بالإسلام أو الجزية امتثالا لشريعة الإسلام.

ومؤخرا، لجأت الحكومة الموزمبيقية إلى دعم وتجنيد ميليشيات محلية تتولى الدفاع عن القرى والتجمعات النصرانية في مؤشر واضح على فشل القوات الحكومية النظامية، وما إنْ بدأت هذه الميليشيات تتجمع في بعض القرى؛ حتى أصابهم ما أصاب أسيادهم من الخسائر، وصاروا يناشدون بحاجتهم إلى الدعم الحكومي لمواجهة الإرهاب! فصارت القوات الموزمبيقية والميليشيات المحلية ومِن خلفهم القوات الإفريقية (سادك)، كلهم يحتاج إلى من يدعمهم للتصدي لتمدد الدولة الإسلامية!

ومن الحرب العسكرية إلى الاقتصادية، حيث بات جنود الخلافة في موزمبيق اليوم يهددون التجارة العالمية ممثلة بمشاريع الغاز التي تديرها شركات صليبية ضخمة، اضطرت على وقع الهجمات إلى "تعليق أعمالها" أو "تقليصها"، وأحسنها حالا أصبحت تشترط لمواصلة نشاطها؛ توفير تدابير أمنية خاصة لحمايتها، مما فاقم الخلافات بين هذه الشركات والحكومة الموزمبيقية والتي طغى على خطابات مسؤوليها لهجة التسوّل والاستجداء لهذه الشركات الصليبية من أجل البقاء، وباتوا يصرحون ويصارحون بأن "هذه الهجمات لن تتوقف، وأن الحياة يجب أن تستمر" فانتقلوا صاغرين من وهم "القضاء على الإرهاب" إلى استراتيجيات "التعايش" معه! وأنّى لهم ذلك، فالحرب الدائرة بينهم وبين المجاهدين حرب وجود.

وبينما لم يلتقط الصليبيون أنفاسهم بعد مِن أزمة تهديد قطاع الغاز المسروق، حتى باغتهم المجاهدون بالتمدد جنوبا نحو مهاجمة قطاع التعدين، وأجبروا كبرى شركات التعدين على إعادة النظر في أنشطتها، فزادوا بذلك ضريبة الاستنزاف الاقتصادي للحكومة الموزمبيقية والتي لم تعد تدري من أين تتلقى الضربات؟، بل بلغ الرعب والقلق بالصليبيين منتهاه حين بدأوا يتحدثون لأول مرة عن مخاطر "جهادٍ بحري" يُهدد جزءا من سواحل موزمبيق وتنزانيا ومناطقها الحدودية، إنهم يتحدثون عن مخاوف ومخاطر وتهديدات دون الحديث عن أي حلول، لأنه لا حلول -بإذن الله تعالى-.أمام هذا التمدد السريع والكبير للمجاهدين، عكف قادة الحكومة الموزمبيقية مؤخرا بالتعاون مع بعض المرتدين، على تحذير السكان من خطر "الانضمام" إلى المجاهدين، وتحدثت تقارير صليبية عديدة عن تزايد إقبال الشباب المسلم على الالتحاق بصفوف المجاهدين من موزمبيق ودول مجاورة، وكعادتهم بدأ دعاة الردة الذين لا تخلو منهم بلد، يتحدثون عن ضرورة "تصميم برامج تهدف إلى محاربة العقيدة" وعدم الاكتفاء بالمواجهة العسكرية.

شرعيا، ما يجري في موزمبيق هو -بفضل الله تعالى- ثمرة من ثمرات إقامة دولة الخلافة، والاجتماع على منهاج واحد واضح، تحت راية واحدة واضحة، تقاتل بعقيدة واحدة واضحة، هي ما عليه النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضوان الله عليهم-.

وفي ذلك رسالة إلى جموع المسلمين القاعدين عن الجهاد، المتخلفين عن درب الهدى السالكين دروب الهوى، أن الجهاد اليوم يتسابق على اللحاق برايته المسلمون الأعاجم الذين يقطنون أقاصي الأرض، يتنافسون على نصرته وإرداف ساحاته بالجنود والكوادر، ويبذلون له الغالي والرخيص، بينما يتقاعس المسلمون الناطقون بالعربية عن ذلك، فليحذر هؤلاء المساكين من سُنّة الاستبدال فإنها ماضية لا محالة.

إنّ جيلا إيمانيا جديدا ينشأ في موزمبيق وغيرها من الولايات الإفريقية، لم تتلوث فطرته بالمناهج المنحرفة، ولم يتتلمذ على أيدي دعاة السوء، ولم يؤطّر في سراديب الحركات المرتدة، بل يجري إعداده -وحسب- على منهاج النبوة الذي اجتمع على حربه تحالفٌ عالميٌّ لم يسبق له مثيل في التاريخ، هرع مسرعا يحاول عبثا إيقاف تمدّد هذه الدولة المباركة في العراق والشام، فأمدّها الله بمدد من عنده، وأوصل طلائعها إلى حيث لم يحتسبوا، وما زالت تصول وتجول وتشقّ طريقها إلى أبعد ما يظنون، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 365
السنة الرابعة عشرة - الخميس 23 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

الديمقراطية الديوبندية! "الذهاب للتصويت عبادة، أرجو أن تتوضؤوا في الصباح الباكر وتصلوا ركعتين ...

الديمقراطية الديوبندية!

"الذهاب للتصويت عبادة، أرجو أن تتوضؤوا في الصباح الباكر وتصلوا ركعتين نافلة، وعندما تذهبون إلى مركز الاقتراع، ستكونون هناك وحدكم، لن يكون معكم ممثل عن الحزب الوطني، ولا عن حزب الشعب، ولا عن حركة الإنصاف، ولا عن جمعية العلماء، ستكون وحدك أمام الله، فاستشعر مراقبته، وتوجه نحو القبلة، وصوّت لمن تراه مناسبًا".

تخيّل أنّ هذا الخطاب الذي يتفجّر ديمقراطية وبالضرورة كفرا، هو واحد من خطابات عديدة صادرة عن أبرز مشايخ "جامعة الجهاد" -كما يسمونها- وأشهر "الحوزات العلمية" التي تخرّج منها أكابر قادة طالبان بشطريها، وآخرون من دونهم نهلوا من نفس المناهل الديوبندية، فماذا عساهم يفرّخون لنا في زمن السامري وأحفاده؟!

يعود التصريح السابق إلى شيخ الديمقراطية وإمامها "محمد إدريس" الذي لطالما هتف بها ودعا إليها من داخل المساجد التي حوّلها إلى مسرح للترويج لحملاته الانتخابية الكفرية، دعما لحزبه السياسي الديمقراطي البغيض "جمعية علماء الإسلام" الذي يتبنى الديمقراطية نهجا، وينافح عنها ويُعبّد الناس إليها.

منهجيا، ينحدر هذا "الرمز الديمقراطي" من "المدرسة الديوبندية" التي تأسست في الهند تحت مسمى: "دار العلوم ديوبند" وامتدت إلى جارتها تحت مسمى: "دار العلوم حقانية" على يد مؤسسها "عبد الحق أكوروي" الذي درس في فرعها الهندي قبل أن ينقل تجربتها الديوبندية إلى باكستان، لتصبح لاحقا "صرحا ديوبنديا" تخرّج منه أبرز قادة طالبان ونالوا درجة "الحقانية" الشهيرة.

لقد كان الرجل إماما من أئمة "دين الديمقراطية" بل كان شعلة الحملات الانتخابية وصوتها الهادر، يدعو إليها على المنابر، مناوئا للشريعة مصادما للتوحيد، إلا إنْ كان للجهاديين اليوم رأي آخر فيما يتعلق بحكم الديمقراطية المنبرية!

وكان كغيره من قادة الجمعية الديوبندية، يرى أن التصويت لحزبه السياسي في الانتخابات "شهادة شرعية" لا يجوز كتمها، ويحث طلابه على المشاركة في العملية الديمقراطية قطعا للطريق على القوى العلمانية! ولم نسمع عن ديمقراطية تواجه العلمانية إلا عند هؤلاء وسلفهم "الإخوان"، وسيزول عجبك عندما تعلم أن هذه القوى العلمانية ليسوا سوى خصومه ومنافسيه على صناديق الاقتراع.

كما كان شيخ القاعدة وطالبان يقدّم حزبه للحكومة "المتأمركة" كبديل آمن للإرهاب! ويحذّر من أن خسارة حزبه للانتخابات ستؤدي إلى تقوية الجماعات الخارجة عن "دين الديمقراطية".

ومن العجائب أنّ أحد "الأفرع المجهرية" الذي تخرج بعض قادته من نفس الحوزة الديوبندية؛ سارع إلى نعي إمام الديمقراطية وعضو البرلمان السابق!! واتهم المجاهدين بأنهم أداة في يد الاستخبارات الدولية! مع أن الجميع بات يعلم أن الاستخبارات الدولية جرّبت كل الحلول، فلم تجد أنجع من تدجين "الجهاديين" لضرب المجاهدين من دمشق إلى كابل وما زالت العملية تتوسع.

ومن المفارقات، أن شيخ ذلك "الفرع المجهري" ومولاهم ومعلمهم وقدوتهم وقائدهم "إدريس" كان قد أشاد بدور "قيادة جيشه المتأمرك" في الوساطة بين "الصهيوصليبية" وإيران!، كما قاد جهود الإصلاح بنفسه بين "حكومة القاعدة" والحكومة الباكستانية "المتأمركة" التي دعت القاعدة لإسقاطها في آخر بياناتها، انتصارا للإمارة التي خرج "إدريس" فيها ليصلح بينهما!

وقد يتساءل المرء عن طبيعة هذه العلاقة المعقدة بين مشايخ الحوزات الديوبندية الديمقراطية، والجهاديين الذين يقال إنهم يكفّرون الديمقراطية، ولعل الجواب في فهم طبيعة العلاقة بين "شيخ الطريقة" الذي لا يُسأل عما يفعل، و "المريد" الذي لا يملك من أمره شيئا أمام قداسة "المولوي" العظيم.

فالعلاقة بين المعلم والطالب في "الحوزة الحقانية" هي نسخة طبق الأصل من علاقة "الشيخ ومريده" في الطرق الصوفية! حيث يتم تنشئته على الطاعة العمياء للشيخ، وتقديسه وتعظيمه، حتى لو كان الشيخ يروّج لدين الديمقراطية والانتخابات الكفرية في الخطب المنبرية!

ومما شاع وراج عن هذه "الحوزة الديوبندية" وأئمتها من أرباب الديمقراطية، أنهم "مشايخ الحديث!" وهذا تضليل منهجي تاريخي ضارب بجذوره في البيئة الأفغانية الباكستانية، ينبغي أن يُصحح، فأهل الحديث هم أهل التوحيد والولاء والبراء، هم أهل منابذة المشركين وهدم مناهجهم وياسقهم وديمقراطيتهم التي يدين بها ويدعو إليها "إدريس" وغيره ممن قطف رؤوسهم أهل الحديث بحق، نحسبهم ولا نزكيهم.

وابسطوا الصحاح والسنن والمسانيد، هاتوا المعاجم والزوائد والموطآت، نقِّبوا في المستخرجات والمستدركات، وقبلها الآيات، ودلونا على ما يبيح "الديمقراطية الديوبندية" التي يعتنقها هؤلاء، ويداريها الجهاديون وينعون أربابها!إن جريمة هؤلاء الديمقراطيين الإسلاميين أشدّ من جريمة الديمقراطيين الخلّص، لأن الديمقراطيين الإسلاميين يشرعنون كفرهم باسم الدين! ويغلّفون الديمقراطية بشعارات نصرة الإسلام والمسلمين! وهذا جرم مضاعف وتجارة بالدين؛ لا يفعله الديمقراطيون التقليديون، بل يقدمونها كما هي بسفورها وقذارتها، وهؤلاء يقدمونها في صورة مغايرة يتقبلها "المريد" ويقدّم لها صوته، كما يقدّم غيره لها روحه.

ولم يكن مستغربا مسارعة "هيئة علماء الإخوان" إلى نعي شيخ الديمقراطية، فالطيور على أشكالها تقع، فالإخوان هم أرباب الديمقراطية قبل أن تتسلل منهم إلى الجهاديين، لكن ما كان لافتا في ثناء الإخوان على شيخ القاعدة وطالبان؛ هو تسليطهم الضوء على دعمه للحوار بين طالبان وباكستان، وإشادته بدور جيشه في الوساطة بين أمريكا وإيران، ومساعدته في الحد من انتشار "التفسيرات المتشددة"، وشغله مناصب في البرلمان الإقليمي.

وبتقديرنا فإنّ هذا "الانتقاء الإخواني" هو في الحقيقة "تنظير عميق" يمارسه أقطاب الإخوان على مريدي القاعدة وطالبان مفاده: فيمَ اختلفنا؟!

ونحن نقول: حقا، فيمَ اختلفتم؟! فإن لم تكن هذه الديمقراطية هي التي كفّرها الجهاديون في مقتبل أعمارهم، وناصبوا أهلها العداء فما هي الديمقراطية؟! هل عابوها على خصومهم عجزا، ولمّا طبقتها أحزابُهم ومراجعُهم صححوها وتعذّروا لأئمتها؟ أحرام على العلمانيين حلال للجهاديين؟! أديمقراطية سوداء وأخرى بيضاء؟! {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ}.

وكيف يصح في الأفهام شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل؟!



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 546
السنة السابعة عشرة - الخميس 19 ذو القعدة 1447 هـ
...المزيد

مقتطفات نفيسة من كلام أمير المؤمنين الشيخ أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى- • أيّها ...

مقتطفات نفيسة
من كلام أمير المؤمنين الشيخ أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى-


• أيّها المسلمون:

من ظن منكم أن بمقدوره أن يسالم اليهود والنصارى والكفار ويسالمونه، فيتعايش معهم ويتعايشون معه، وهو على دينه وتوحيده، فقد كذّب صريح قول ربه عز وجل، الذي يقول: (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)، (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)، (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). فهذا حال الكفار مع المسلمين إلى قيام الساعة؛ (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)، وإن قتال الكفار والهجرة والجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم تعال صلِّ لنا، فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء. تكرمة هذه الأمة).



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 364
السنة الرابعة عشرة - الخميس 16 ربيع الآخر 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

حديث نبوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تعس عبد الدينار، ...

حديث نبوي


عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع). [رواه البخاري] ...المزيد

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا لقد جاء الإسلام منظومة حياة كاملة، تنظم علاقة ...

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا



لقد جاء الإسلام منظومة حياة كاملة، تنظم علاقة المسلم بربه تعالى، وعلاقاته بمن حوله وما حوله من الخلق، ومما أولاه الإسلام أهمية بالغة هو علاقة المسلم بوالديه، فحث على برّهما وجعل ذلك من القربات إليه سبحانه وتعالى، وأثنى على صفوة خلقه ببرهم لوالديهم، ونستعرض في هذا المقال معنى هذه العبادة العظيمة وصورها وخطورة مخالفتها بالعقوق ونماذج من البارين بآبائهم إن شاء الله تعالى.


- البِرّ وفضله:

لقد فسّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معنى البرّ فقال: (البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ) [مسلم]، وبرّ الوالدين: هو حسن الخلق في التعامل معهما، والإحسان إليهما بالقول والعمل، والسعي في إرضائهما، وطاعتُهما فيما لا معصية فيه، وهو عبادة وقربة مدح الله تعالى بها صفوة خلقه، فقال سبحانه عن يحيى -عليه السلام-: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا}، وقال عن عيسى -عليه السلام-: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}، وقد حثّت على هذه العبادة نصوص كثيرة من الكتاب والسنّة، منها قوله تَعَالَى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء]، فقد قرَن الله تعالى في هذه الآية بين عبادته وحده وبرّ الوالدين تنبيها على حقّهما العظيم، ثم نهى عن أدنى مراتب القول السيئ لهما، وهي كلمة "أفٍ" التي يقولها الناس للتضجر، فما بالك بما هو أكبر منها؟! ونهى عن الخشونة في الكلام معهما وأمر بالقول الكريم الطيب لهما، وقال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}، فقد وصى اللهُ تعالى الإنسانَ بالإحسان لوالديه، وذكّره بما يقاسونه لأجله منذ صغره، فأمّه حملته في بطنها رغم ضعفها ثم بقيت تداريه بالرضاعة والرعاية إلى أن كبُر، ثم قرن الشكر له تعالى بالشكر لوالديه، وشكر الوالدين هو البرُّ بهما، وقال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا...} قال ابن كثير: "يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق" [التفسير].

وجاءت في السنة أحاديث كثيرة تحث المسلم على بر والديه، منها ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (رَغِمَ أنفُه، ثم رغم أنفُه، ثم رغم أنفُه، قيل: مَن يا رسول الله؟! قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدَهما أو كليهما، ثم لمْ يدخل الجنة)، قال القاضي عياض: "فيه فضلُ البر وعظيمُ أجرِه، وأنّ برّهما يدخلُه الجنة، فمن فاته ذلك وقصر فيه فقد فاته خير كثير" [إكمال المعلم]


- العقوق خطره وصوره:

وخلاف البر هو العقوق، فإن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر في الإسلام، وفي إقران الله عز وجل الإحسان للوالدين بعبادته وتوحيده في عدة مواطن من كتابه تنبيه على عظم شأنهما وحرمة عقوقهما، وقد بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك فيما رواه الشيخان عن أبي بَكرة نُفيع بن الحارث عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...) [متفق عليه]، فتأمل كيف قرن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عقوق الوالدين بالإشراك بالله، ومن ذلك أيضا قصة جريج العابد، التي قصها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (..كان جريج رجلا عابدا، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمُّه وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصَرفتْ، فلما كان من الغد أتتْه وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفتْ، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: أيْ رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تُمتْه حتى ينظر إلى وجوه المومسات...)، فما مات حتى ابتلاه الله بأن رأى وجوه المومسات (أي البغايا)؛ وذلك لأنه فضّل صلاة التطوع على إجابة أمّه، فاستجاب الله دعاءها عليه، رغم أن مخالفته لأمه في أمر يسير وفي حال كونه في أمر من أمور الآخرة، فكيف بمن عقّ والديه انتصارا لنفسه أو طمعا في الدنيا؟!ومن صور عقوق الوالدين المنتشرة بين الناس هي العبوس في وجههما، ورفع الصوت في حضرتهما، وتسميعهما ما يكرهان، والبخل عليهما بالمال ونحوه، وتقديم الزوجة أو الولد عليهما، والتضجّر من أوامرهما وإظهار الكراهة لخدمتهما، هذا فضلا عن الدعاء عليهما أو سبّهما وضربهما، نسأل الله السلامة والعافية من هذا الذنب العظيم.


- الوالد كافرا:

وقد جاء الأمر ببر الوالدين وليس ودّهما؛ لأن البرّ أعمُّ من الودّ، فقد يكون الوالدان أو أحدُهما كافرا، فالمسلم يَبرّهُ بالإحسان إليه قولا وعملا والدعاء له بالهداية في حياته من غير مودّة قلبية، فهو من جنس برّ الذين لم يؤذوا المسلمين من أهل الكتاب المستأمنين أو المعاهدين أو الذميين، كما قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة]، فلا يعني برُّ الكافر والقسط إليه محبتَه، بل المسلم يكره كلّ كافر على كل حال، لكن هذا من جنس الإنصاف المأمور به شرعا، وقد قصّ علينا ربنا تعالى في كتابه برّ إبراهيم الخليل -عليه السلام- لأبيه الكافر، في سورة مريم، قال تعالى: {وَٱذكُر فِي ٱلكِتَٰبِ إِبرَٰهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقا نَّبِيًّا * إِذ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعبُدُ مَا لَا يَسمَعُ وَلَا يُبصِرُ وَلَا يُغنِي عَنكَ شَيـٔٗا * يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَد جَآءَنِي مِنَ ٱلعِلمِ مَا لَم يَأتِكَ فَٱتَّبِعنِيٓ أَهدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا * يَٰٓأَبَتِ لَا تَعبُدِ ٱلشَّيطَٰنَ إِنَّ ٱلشَّيطَٰنَ كَانَ لِلرَّحمَٰنِ عَصِيّٗا * يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَاب مِّنَ ٱلرَّحمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَٰنِ وَلِيّٗا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَن ءَالِهَتِي يَٰٓإِبرَٰهِيمُ لَئِن لَّم تَنتَهِ لَأَرجُمَنَّكَ وَٱهجُرنِي مَلِيّٗا}، فتأمل حسن خطاب إبراهيم -عليه السلام- لأبيه ورأفته به وخُلقه معه رغم أن أباه قد أمره بالكفر بل توعده بأن يرجمه ويهجره بسبب توحيده! ومثل هذا ما أمر الله تعالى به من مصاحبة الوالدين المشركين بالمعروف وإن أمراه بالشرك، قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان]، قال ابن كثير: "أي: إنْ حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمْنعنّك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، أي: محسنا إليهما" [التفسير]، وقد جاء هذا المعنى أيضا فيما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- أنها قالت: "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قُلتُ: وهي رَاغِبَةٌ، أفَأَصِلُ أُمِّي؟ قالَ: (نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ)"، ومن هنا تعلم خطأ من يزعم الاستقامة على أمر الله ثم يهجر والديه أو يؤذيهما أو يقطع النفقة عنهما بسبب معصية أو ذنب والله المستعان، وبر الوالدَين الكافرَين هو دعوة عملية لدين الله تعالى، وقد يكون هذا البر سببا في هدايتهما، ويا سعادة من هدى الله والديه على يديه، وكان سببا لنجاتهما من النار والقصص في ذلك كثيرة.


- من صور البر:

ولبرّ الوالدين صورٌ كثيرة، منها التذلل والدعاء لهما، كما قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} قال ابن كثير: "أي تواضع لهما بفعلك، (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا) أي في كبرهما وعند وفاتهما" [التفسير]، ومنها تفقّد حاجاتهما وقضائها، وحسن الكلام معهما، وتطييب خاطرهما، ومنها تعاهدهما بالزيارة والنفقة عليهما وجلب الهدايا لهما.

ومنها الدعاء لهما بالهداية إن كانا على الكفر ما داما في الحياة، أما بعد الموت فلا يجوز الدعاء لهما، لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة]، أما إن كان الأبوان على الإسلام فإنه من البر الدعاء لهما بعد موتهما، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا مات ابنُ آدم انقطع عنه عملُه إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) [رواه مسلم]، وقد كان هذا دأب الأنبياء -عليهم السلام- كما قال نوح: {رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ..}. [نوح]ومن صور بر الوالدين كذلك هو بر أصدقائهما ومن يحبون، وهو نوع من البر قلّ من ينتبه له، فقد روى مسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "أن رجلا من الأعراب لقيَه بطريق مكة، فسلّم عليه عبدُ الله وحملَه على حمارٍ كان يركبه وأعطاه عمامةً كانت على رأسِه، فقال ابنُ دينار: فقلنا له: أصلحك الله، إنّهم الأعرابُ وإنّهم يرضون باليسير، فقال عبدُ الله: إنّ أبا هذا كان وُدّا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: إنّ أبرّ البرّ صلةُ الولدِ أهلَ وُدّ أبيه"، فتأمل كيف أعطى ابن عمر -رضي الله عنهما- دابته وعمامته لهذا الأعرابي رغم حاجته لهما بسبب أنه من أصحاب أبيه، فأكرمه برّا بأبيه.

ومن صور البر أيضا ترك بعض النوافل إن تعارضت مع حاجة الوالدين.


- نماذج من بر الوالدين:

وقد ذكر الله تعالى في كتابه قصة إسماعيل -عليه السلام- في برّه لأبيه إبراهيم، قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلمَنَامِ أَنِّيٓ أَذبَحُكَ فَٱنظُر مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفعَل مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الصافات]، وهذه قصة عجيبة من قصص البر، امتثل فيها الابنُ أمر والده بذبحه!، فتأمل كيف أنه ينادي أباه بأدب جمّ وهو مقبل على ذبحه؟! وكيف أنه لم يخالفه في هذا الأمر الذي هو أشقّ أمر على النفس وأصعبه؟ ومن قصص البر أيضا ما قصه علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أمر النفر الثلاثة، وبرّ أحدهم بوالديه وما حصل له من ثمرات هذا البر، فعن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا..) [متفق عليه] فتأمل تقديم هذا العبد الصالح لأبويه، وكيف أنه ترك أولاده جوعى في سبيل أن يطعم والديه قبلهم!

وقد أدرك السلف الصالح فضل برّ الوالدين، وجعلوه واقعا مع والديهم، منهم الإمام منصور ابن المعتمر، حيث قال صاحبه الإمام أبو بكر ابن عياش: "كنت مع منصور جالسا في منزله، فتصيح به أمه، وكانت فظة عليه، فتقول: يا منصور، يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبى؟ وهو واضع لحيته على صدره، ما يرفع طرفه إليها" [سير أعلام النبلاء]، وقال محمد بن المنكدر: "بات عُمَرُ (أخوه) يصلي وبتُّ أغمز رجليْ أمي وما أحب أن ليلتي بليلته" [الطبقات الكبرى]، فتأمل تفضيله خدمة أمّه على صلاة قيام الليل، وعن الزهري قال: "كان عليّ بنُ الحسين بنِ علي بن أبي طالب لا يأكل مع أمّه، وكان أبرّ الناس بها، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن آكل معها فتسبق عينها إلى شيء من الطعام، وأنا لا أعلم به فآكله، فأكون قد عققتها" [البر والصلة لابن الجوزي] ومثل هذا عن السلف كثير.- بر الوالدين والجهاد:

إن برّ الوالدين مقدّم على الجهاد في سبيل الله إن كان فرض كفاية لا فرض عين كما هو الحال اليوم، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: (يا نبيَّ الله، أيُّ الأعمالِ أقرب إلى الجنَّة؟ قال: الصَّلاةُ على مواقيتها، قلتُ: وماذا يا نبيَّ الله؟ قال: برُّ الوالدين، قلتُ: وماذا يا نبيَّ الله؟ قال: الجهاد في سبيل اللَّه) [رواه مسلم]، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: "أقبل رجلٌ إلى نبيِّ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أُبايِعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، قال -صلى الله عليه وسلم-: (فهل من والدَيك أحدٌ حيٌّ؟) قال: نعم، بل كلاهما، قال: (فتبتغي الأجر من الله؟) قال: نعم، قال: (فارجِعْ إلى والدَيك فأحسِنْ صُحبتهما) [رواه مسلم]، وهذا كما تقدم عندما يكون الجهاد فرض كفاية، وهو خلاف ما يتعمّده أئمة الضلال اليوم من تضليل شباب المسلمين عبر سرد هذه الأحاديث لصدهم عن الجهاد في سبيل الله دون التمييز بين نوعي الجهاد.

أما إن كان الجهاد فرض عين كما في زماننا هذا، فإنه مقدّم على بر الأبوين، قال ابن حجر -رحمه الله-: "قال جمهور العلماء: يَحْرُمُ الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين عليه؛ والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيّن الجهاد فلا إذْن" [فتح الباري]، فالقعود عن الجهاد في حال تعيّنِه هو معصية لله تعالى، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فطاعة الوالدين من طاعة الله تعالى، فإن أمرا بالمعصية فلا طاعة لهما في ذلك، فلا ينبغي أن يكون البرُّ سببا في ترك ما أمر الله به أو الوقوع فيما نهى عنه، وجاء في ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن مصعب بنِ سعد بن أبي وقّاص عن أبيه -رضي الله عنه-: "أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفتْ أمّ سعدٍ أن لا تكلّمه أبدا حتى يكفرَ بدينِه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمتَ أنّ الله وصاك بوالديك، وأنا أمّك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثَتْ ثلاثا حتى غُشيَ عليها من الجهد، فقام ابنٌ لها يقال له عمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد" فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ..}، ومع هذا، فينبغي أن تكون هذه المخالفة لأمر الأبوين بالحسنى، ويحاول المسلم أن يقنعهما بأمر الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، لعل الله يهديهما ببركة التزامه بما أمره الله تعالى به من برّهما.

وبعد، فقد عرفت أخي المسلم فضل بر الوالدين وعظيم شأنه وتأثيره في دينك، وتبيّنت من خطورة العقوق وعِظَم ذنبِه، وطفت على نماذج من برّ الصالحين بوالديهم، فراجع نفسك في هذا الباب الخطير، وأصلح تقصيرك فيه ما دام في عمرك بقية، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل، نسأل الله أن يعيننا على طاعته والتزام أمره، إنه سميع مجيب.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 364
السنة الرابعة عشرة - الخميس 16 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

اسلك سبيلهم ولو كنت وحدك! إنّ أجيالا كثيرة من المسلمين تتعاقب فتُنسى وتطوى، بينما يبقى قلائل ...

اسلك سبيلهم ولو كنت وحدك!



إنّ أجيالا كثيرة من المسلمين تتعاقب فتُنسى وتطوى، بينما يبقى قلائل منهم لا يمكن للتاريخ أن يطوي صفحتهم كما طوى الملايين غيرهم، فقد جعل الله لهم ذكرا في العالمين ما زلنا نتناقله إلى يومنا، بعد أن حفروا على صخر الزمان أسماءهم بحروف البذل والجهاد حتى أتاهم اليقين، وكانوا لمن بعدهم مثالا حيّا في كيفية الاقتداء بالأنبياء والمرسلين، في خوض غمار معركة الشبهات والشهوات والانتصار فيها، وتجاوزِها لمعركة أخرى؛ معركة تغيير الواقع لا الاستسلام له، كما هو حال أكثر الناس اليوم.

وعلى إثر هؤلاء الأبطال العظام سار نفرٌ من أبناء الإسلام اليوم، فنهلوا مما نهل منه الأولون، وساروا على نفس الدرب الذي سار عليه السابقون؛ وخاضوا نفس المعركة بكلّ فصولها حتى إحدى الحسنيين.

ففي الوقت الذي استسلم فيه أكثر الناس اليوم للأمر الواقع؛ كان هؤلاء الأبطال يسبحون عكس تيار هذه الجموع المستسلمة، ويرفضون الانصياع لضغط الأكثرية التي تناديهم للرضوخ، ذلك أن الله تعالى هداهم وعرّفهم بأن الواقع الذي استسلم له الناس إنما هو من صنع أيديهم! وأن تغيير هذا الواقع يبدأ من المرء نفسه، وأن العبد بقعوده وتقاعسه شريك في صناعة هذا الواقع المرير، وقد قال ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..}؛ فلن يتغير شيء إنْ جلس كل منا يندب حظّه ويبكي مآسي المسلمين ويتعاطف مع جراحاتهم، ثم ما إن تذهب موجة العاطفة هذه، ويختفي مشهد المأساة من أمامه حتى يعود أدراجه ليأخذ مكانه من جديد وسط الغثاء القاعدين، بانتظار مشهد آخر يستدرّ دموعه لا دماءه! ويستدعي عاطفته لا عقيدته!

لقد وضع الشيخ أبو عمر البغدادي -رحمه الله- يده على هذا الجرح القديم حين صاح بأمة الإسلام قائلا: "أمة الإسلام، لسنا اليوم بحاجة لمن يذرف الدموع، ويؤلف الشعارات، إننا اليوم بحاجة إلى التضحيات، بحاجة لمَن سمع قول الله تعالى: {انفروا خفافًا وثقالًا..}، فطار عن فراشه ووطئه، وذبّ عن كاهله الجبن والخنوع، وامتطى صهوة الجهاد وكان باطنه كظاهره"، وصدّق الشيخ رحمه الله كلماتِه العلاجيّةَ هذه بأفعاله، في زمن كَثُر فيه الكلام وقلّت الأفعال، حين قال نيابة عن ركب المجاهدين الميمون: "فلسنا من يذرف الدموع، ويبكي قاعداً مثل النساء، فما كان ولن يكون هذا سبيلنا، فإن دماءنا ترخص دفاعاً عن الدين والعرض"، وكانت خاتمته بالدماء! فالدموع هي عزاء المحبَطين ذوي الهمم الخائرة، الذين يبكون كالنساء على واقع يتقاعسون عن تغييره كالرجال!

إن المسلم مكلّف بأن يؤدي حق الله عليه، سواء أدى الناس ما عليهم أم انتكسوا، تقدموا أم تأخروا، فلا ينتظر من الناس التأييد أو النصرة، فالغثاء سيقضون على عزيمته إن التفت إليهم، وليتأمل ما قاله الله تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: {فَقَاٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا}، فالمسلم لن يُسأل عن غيره لماذا لم يتحرك، لكن سيسأل عن نفسه لماذا لم يستجب لأمر ربه سبحانه، وبقي يتلفّت يمنة ويسرة، ويقول ما أنا إلا من هذه الجموع إن غوت غويت وإن ترشد أرشد! فأول الطريق إذن هو الخروج من فوضى هذه الجموع الساعية خلف الشهوات، والاستنان بالصالحين الذين حبّروا نصائحهم بدمائهم، وعرفوا مراد الله منهم، فنفضوا عن كواهلهم غبار الذل، وانتفضوا في وجه الواقع، وأسرجوا خيول المجد، ليبنوا لأمتهم ما هدم أعداؤها عبر قرون من الغزو العقدي والأخلاقي.

إن الأمة اليوم بحاجة إلى رجال أشداء، رجال يصدقون مع الله على ما يعاهدونه، لا ينتكسون وسط الطريق أو يتخلون، أو يستطيلون الطريق أو يميّعون، أو يستبطئون النصر أو يستعجلون، بل من الأفذاذ الذين يرمون الدنيا خلف ظهورهم، لا يبالون بقلة السالكين وتخريف المعاندين، فإن وفقك الله -يا عبد الله- والتحقت بركبهم، فإياك وزاد العاطفة الآنية، فإن الطريق طويلة موحشة، معفرة بالدماء والابتلاءات الثقيلة، لا تقوى العواطف أو ردّات الفعل أن تحملك عليها إلا لوقت قليل ثم تسلمك للزاد الحقيقي، الذي تتكئ عليه نفسك لتقْوى على المواصلة، ذلك الزاد هو تقوى الله تعالى، كما قال ربك سبحانه: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}، فتقوى الله في السر والعلن هو الوقود الذي يمكّنك من الاستمرار -بإذن الله- كلما عرضَتْ لك الفتن أو زادت عليك المحن، ثم سر على بركة الله، على بصيرة من أمرك، ولن تضل ما دام الكتاب والسنة هادييك ودليليك، ثم هاؤم الكفار من حولك قد ملؤوا الدنيا بكفرهم، وحاربوا دين مولاك وقتلوا إخوانك وشردوا بهم، فاشف صدرك منهم وصدور قوم مؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، ولن تعجز أن تجد وسيلة لذلك، فمن توكل على الله فهو حسبه وكافيه، وميسر أموره وهاديه، ومنقذُه من أن يكون رقما في هذا الغثاء الكثير.ومن سار في هذا الدرب الشديد، الذي عجز عنه عشاق الدنيا، وامتُحن عليه المدّعون بالتقوى، فلا يلتفت للجموع التي تناديه بأن طريقك هذا نهايته الهلاك، وكيف يكون هلاكا وقد دلنا عليه خالقنا؟! وسار عليه الأنبياء والصالحون قبلنا؟! فاسلك هذا السبيل ولو كنت وحدك، فلم ينتظر أبو بصير -رضي الله عنه- أحدا حين أذاق كفار قريش الويلات، ولم ينتظر السابقون الأولون -ليلتحقوا بدين الله- توافد البيعات، وتأمل في غربة الصحابة وهم يسيرون أفرادا من اليمن أو الروم أو فارس، ليسلكوا -كلٌّ وحده- درب الحق رغم أمواج الكفر من حولهم، فلن تكلّف إلا نفسك، وأنت من سلالة إبراهيم الخليل -عليه السلام- الذي كان أمة وحده، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 364
السنة الرابعة عشرة - الخميس 16 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
25 ذو القعدة 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً