خطبة جمعة مكتوبة بعنوان: المواظبة على الطاعات بعد شهر الصيام والقيام. للتنويه والتذكير بما يجب على ...

خطبة جمعة مكتوبة بعنوان: المواظبة على الطاعات بعد شهر الصيام والقيام. للتنويه والتذكير بما يجب على المسلم أن ينتبه له بعد وداع شهر رمضان المبارك.

الخطبة الأولى


الحمد للهِ القائمِ على كل نفسٍ بما كسبت الرقيبِ على كل جارحةٍ بما اجترحت المطلعِ على ضمائرِ القلوبِ إذا هَجَسَت الذى لا يَعزُبُ عن علمِه مثقالُ ذرةٍ في السمواتِ والأرضِ تحرّكَت أو سكنَت المتفضلِ بقَبولِ طاعاتِ العبادِ وإن صغُرت المتفضلِ بالعفوِ عن من معاصيهم وإن كثرت... فسبحانَ من عمَّت نعمتُه كافةَ العبادِ وشملت ووسعت رحمتُه كلَّ شيءٍ وغَمَرت.

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له جلَّت قدرتُه وعظُمت.

وأشهدُ أن سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا محمدا عبدُه ورسولُه ، اللهم صلِّ وسلم وأنعمْ وأكرمْ وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبِه ما تحرَّكت الألسنةُ بذلك ونطَقت.

عبادَ اللهِ : أوصيكم ونفسيْ بتقوى اللهِ العظيم، اتَّقوا الله فإنّ تقواه أفضلُ مكتَسَبٍ، "يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" (ءال عمران: 102).... واعلموا أن اللهَ تعالى يقولُ في القرءانِ الكريم:" وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ " (البقرة:284). فاللهَ اللهَ عبادَ الله.

إخوةَ الإيمانِ والإسلامِ: مرّ الفضيلُ بنُ عياضٍ برجلٍ فقال له: كمْ أتتْ عليك؟ قال: ستونَ سنةً قال: فأنتَ منذُ ستينَ سنةً تسيرُ إلى ربِّكَ توشِكُ أن تبلُغَ فقالَ الرجلُ: يا أبا عليٍّ إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعون قال له الفضيلُ: تعلمُ ما تقولُ؟ قالَ الرجلُ قلتُ إنا لله وإنا إليه راجعون قالَ الفضيلُ: تعلمُ ما تفسيرُها؟ قال الرجلُ: فسِّرْهُ لنا يا أبا علي قال: قولُك إنا لله أي أنا لله عبدٌ، وإنا إليه راجعون أي أنا إلى اللهِ راجعٌ، فمن علِم أنه عبدُ اللهِ وأنه إليه راجعٌ فليعلمْ بأنه موقوفٌ ومن علِمَ بأنّه موقوفٌ فليعلَمْ بأنه مسؤولٌ ومن علِمَ أنه مسؤولٌ فليعدَّ للسؤالِ جوابًا فقال الرجلُ فما الحيلةُ؟ قال: يسيرٌ، قال: ما هي؟ قال: تُحسِنُ فيما بقيَ يُغفَرْ لك ما مضَى وما بقي، فإنّك إن أسأْتَ فيما بقيَ أُخذتَ بما مضى وما بقي.... فإياكَ أخي المسلمَ، أن تُسيئَ فيما بقيَ من عمركَ، إياكَ أن تبتِعدَ عن طاعةِ اللهِ تعالى بحجةِ أن رمضان انسلخَ وانتهى، فاللهُ تباركَ وتعالى يقولُ: "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" (الحجر:99) ، أي داومْ على عبادةِ الله تعالى حتى يأتيَكَ الموت، وليسَ حتى ينتهيَ رمضان!! فلا تكنْ ممن يصلي في رمضانَ ويتركُ بعدَه، ولا ممن يصومُ شهرَ رمضانَ فحسب، ويتركُ صيامَ النوافلِ كستة أيامٍ من شوال، ولا ممن يُقبِلُ على قراءةِ القرءانِ قراءةً صحيحةً في رمضانَ ويغْفُلُ عنه بعد رمضانَ، ولا ممن يقبلُ على الصدقةِ في رمضانَ ويتركُها بعده، وكأنهُ يريدُ الراحةَ!! أي راحةٍ هذه؟! فلا راحةَ بالابتعادِ عن طاعةِ الله تعالى.

فيا أخي المسلم ، هي أيامٌ أو ساعاتٌ أو دقائقُ أو أقلُّ تمضي على كلِّ واحدٍ منّا ثمّ ينتهي به الأمرُ إلى القبرِ. تُرى أليسَ الكيّسُ من دانَ نفسَه وعمِلَ لِما بعد الموتِ؟...

بلى واللهِ

أليس الكيّسُ الفطِنُ الذكيُّ هو الذي حاسَبَ نفسَه في هذه الدنيا قبلَ أن يُحاسَبَ في الآخرة ِ؟

بلى واللهِ

فالغفلةُ لا تنفَعُ ، ومتاعُ الدنيا قليلٌ. فكم هي عظيمةٌ فرحةُ العبدِ المؤمنِ الصالحِ بما قام به من الخيراتِ في رمضانَ، فقد قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ". فيفرحُ الصائمُ يومَ القيامةِ عندما يلاقي الجزاءَ والثوابَ من اللهِ تعالى. وهذا للصائمِ الذي صام فقُبِل صيامُه بأن جاءَ بأسبابِ القَبولِ، وليس للجائعِ الذي أخبرَ عنه رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بقولِهِ: "وربَّ صائمٍ حظُّهُ من صيامِهِ الجوعُ والعَطَشُ".

وقد رُوي عن سيدِنا عليٍّ رضي اللهُ عنه أنه كان ينادي في آخرِ ليلةٍ من شهرِ رمضان: "يا ليتَ شعري من هذا المقبول فنُهنّيهِ ومن هذا المحرومُ فنعزّيهِ، أيها المقبولُ هنيئا لك، أيها المردودُ جبرَ اللهُ مصيبتَك".

نسألُ اللهَ تعالى أن يجعَلَنا من المقبولين.

أخي المسلم: تذكرْ أن العبرةَ بالخواتيمِ، العبرةَ بالحالِ التي تموتُ عليها، فإن كانت حسنةً فزتَ وربحتَ، وإن كانت سيئةً خبتَ وخسرتَ، فهذا عكرمةُ ابنُ أبي جهل قاتلَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في غزوة بدرٍ وفي أحد وفي غزوةِ الخندق ويومَ فتحِ مكة، حتى خرج هاربا لما دخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم فاتحًا لمكة، فلحقت به زوجتُهُ وأعطتهُ الأمانَ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فرجعَ فلما دخل على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مرحبًا بالرَّاكبِ المُهاجرِ" وكان عكرمةُ بعد ذلك إذا فتح المصحفَ يغشى عليهِ من هيبةِ كلامِ الله تعالى، وكانَ يضعُ المصحفَ على وجهِهِ ويقبِّلهُ ويقول: كلامُ ربي ما أحلاهُ، كلامُ ربّي ما أحلاه. ويومَ معركةِ اليرموكِ يأتي سيدنا عكرمةُ رضي الله عنه، فيخرجُ سيفَهُ من غِمدِهِ، ويكسرُ الغِمدَ أي بيتَ السيف، حتى لا ينتفعَ به أحدٌ من المشركين، ثم يقولُ رضي الله عنهُ: "من يبايعني على الموت؟" فيقولُ له سيدُنا خالدُ بنُ الوليد رضي الله عنه: يا عكرمةُ ارفُقْ بنفسِكَ، فيقولُ له سيدنا عكرمةُ رضي الله عنه: يا خالدُ إليكَ عني أنت كانت لك سابقةٌ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أما أنا فقد كنتُ أُقاتِلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الآنَ أعجِزُ عن قتالِ الروم!! لا والذي نجّاني يومَ بدرٍ، ثم قال: من يبايُعُني على الموت؟ فبايعهُ أربعُمائةِ رجلٍ تقريبا، فقاتلَ قتالَ الأبطالِ حتى استُشهِدَ وقد وجدوا في جسدِه بضعًا وسبعين طعنةً مقبلا غيرَ مدبر، كان يقاتلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ولكنْ خاتمتُه كانت أن ماتَ شهيدا رضي الله عنه فالعبرةُ بالخواتيم، فلا يضحكنّ الشيطانُ عليك ويغريكَ بما فعلت من صلواتٍ وصدَقاتٍ وقراءةِ قرءانٍ في رمضانَ، فيجرُّكَ إلى تركِ ذلك بعد رمضان؛ بل حَافِظْ أخي المسلم عَلَى صَلَاتِك، وَاجْتَهِدْ فِي عِبَادَتِك، وَنَوِّرْ بِتِلَاوَةِ الْقُرْءانِ تلاوةً صحيحةً قلبكَ وَبيتَكَ، وَأَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكَ، لترضيَ اللهَ تعالى خالقكَ ، وتفوزَ بالجنةِ في ءاخِرَتِكَ.

نسأل اللهَ تبارك وتعالى أن يتقبلَ صيامنَا وقيامَنا، وسائرَ طاعاتِنا، وأن يُحسِنَ ختامَنا هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.

وهذه أيضًا خطبة من موقع المزيد.كوم؛ بعنوان: خطبة ماذا بعد رمضان مكتوبة ومؤثرة

الخطبة الثانية


الحمدُ للهِ لهُ النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ والصلاةُ والسلامُ على سيدنَا محمدٍ سيدِ البشرِ.

عبادَ اللهِ اتقوا اللهَ وأطيعوهُ.

أمَّا بعدُ.. عبادَ اللهِ: روى البخاريُّ في صحيحِهِ عَنْ السيدةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ". وَلَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَمِلَ عَمَلًا ‌أَثْبَتَهُ (أَيْ: وَاظَبَ عَلَيْهِ)، وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ‌"يَا ‌مُصَرِّفَ ‌الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي ‌عَلَى ‌طَاعَتِكَ" فَاسْتَثْمِرُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ مَا بَقِيَ مِنْ عمُركُم فِي طَاعَةِ رَبِّكُمْ، فإنما الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا وهذه أيامُ شوالٍ مقبلَةٌ إلينا، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول:" مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ"؛ لأن الحسنةَ بعشرِ أمثالِها فرمضانُ ثلاثون يوما، تضاعف إلى ثلاثِمائةِ يوم، وهي عشرةُ أشهرٍ تقريبا، والستةُ من شوالٍ تضاعف إلى ستينَ يوما، وهي شهرانِ؛ فيكونُ كصيامِ السنةِ.

نسألُ اللهَ تعالى أن يثبِّتَنا على طاعتِهِ، إنه على كل شيءٍ قديرٌ وبعبادِه لطيفٌ خبيرٌ.

عِبَادَ اللهِ : إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيْمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: "إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلونَ على النبيِّ يا أيُّهَا الذينَ ءامَنُوا صَلُّوا عَليهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" لبيكَ اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالمينَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ.


  • اللهمّ اغفر للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأموات.

  • اللهم اجعلنا من الصابرين القانتين القائمين العابدين.

  • اللهم ارفعِ البلاءَ والأمراضَ عنِ المسلمينَ، وَفَرِّجْ عَنَّا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ.

  • اللهم فَرِّجِ الكَرْبَ عَنِ الأَقْصَى يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، واحفظْ فيه المسلمينَ المرابطين.

  • لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ.

  • اللهمّ أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، أنتَ الغنيُّ ونَحنُ الفقراءُ.

  • اللهم فرج كروبنا واستر عيوبنا وأذهب همومنا يا رب العالمين.

  • اللهمّ أغِث قلوبَنا بالإيمانِ واليقين.

  • اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ.

  • اللهم وَفِّقْ مَلِكَ البلادِ لِمَا فيه خيرُ البلادِ والعبادِ يا ربَّ العالمينَ ارزقْهُ البطانَةَ الصالحةَ التي تأمرُهُ بالمعروفِ وتنهاهُ عنِ المنكرِ.



عبادَ اللهِ:" إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُمْ لعلكم تذكرونَ ...
...المزيد

خطبة: نعوذ بالله من حر جهنم إحدى خطب الشيخ خالد محمد القرعاوي -جزاه الله خيرا-. تناول من خلالها ...

خطبة: نعوذ بالله من حر جهنم

إحدى خطب الشيخ خالد محمد القرعاوي -جزاه الله خيرا-. تناول من خلالها تقلب الليل والنهار وما يدعونا ذلك إلى التفكر في آيات الله ﷻ. وما يجدر بالمسلم التفكر فيه وفعله وقوله إذا اشتد الحر.

مقدمة الخطبة


الحمد لله الذي خلق فسوى؛ أظهر عجائبه وعظمته بمخلوقاته، وأمر بالتدبر والنظر في أرضه وسماواته، سبحانه وبحمده نعمه تترى، وفضله لا يحصى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، أصدق العباد لله شكرا، وأعظمهم لربه ذكرا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وإيمان إلى يوم الدين.

الخطبة الأولى


أما بعد: فاتقوا الله عباد الله حق التقوى فهي وصية الله للأولين والآخرين، وهي مستمسك الصالحين، وسبيل النجاة في الدنيا ويوم الدين. معاشر المسلمين: في تقلب الزمان مدكر، وفي التحول من شتاء إلى صيف محرق ما ينبه المتذكرين، وينير عقولهم تفكرا بعظمة الباري وسعة سلطانه، ونفوذ قدرته ومشيئته، وعموم علمه وحلمه،وشمول ملكه وحكمته. القائل في كتابه: ﴿يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾.

وهذا التقلب يسوقنا إلى شكر الله على جميع نعمه، فلقد نبه الله المؤمنين لذلك فقال: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾.

فالمساكن والمساجد والمراكب وأماكن العمل في برد معتدل وتكييف لطيف فلله الحمد والمنة. عباد الله: نعيش أيامنا مع واعظ الصيف وخطيبه، فهل أصغت قلوبنا لموعظته؟ووعينا دروسه وحكمه؟فمن منا لم يؤذه حر الصيف؟من منا من لم يسمع بمئات البشر ممن أهلكهم الحر وأفناهم في دول غربية وأوروبية،من منا من لم ير حرائق الغابات التي لم يسيطر عليها البشر؟فأي شيء نتعلمه من ذلك؟هل يكون حظنا متابعة الأخبار المجردة؟ كلا فالمؤمن يتذكر ويتعظ ويعتبر.

رأى عمر بن عبد العزيز رحمه الله قوما في جنازة قد توقوا من حر الشمس إلى الظل، فأبكاه المنظر فأنشد قائلا: من كان حين تصيب الشمس جبهته*أو الغبار يخاف الشين والشعثا. ويألف الظل كي تبقى بشاشته*فسوف يسكن يوما راغما جدثا. تجهزي بجهاز تبلغين به*يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا.

عباد الله: يسال البعض من أين يأتي الحر؟ فقد أجاب عن ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في الصحيحين: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: " قالت النار: رب أكل بعضي بعضا، فأذن لي أتنفس، فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد، أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر، أو حرور فمن نفس جهنم".

وقال ﷺ: «إذا كان الحر، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم». أعرفتم يا رعاكم الله أن مصدره من نار جهنم!أعاذنا الله جميعا منها. إذا حق لنا أن نذكر بأن الصيف موعظة، وأي موعظة! موعظة بأن نستعذ بالله من عذاب جهنم.

وهذا منهج ربنا في كتابه العزيز يذكرنا بنعيم الجنة ويخوفونا من عذاب النار. التي وصفها الله بقوله: ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا﴿. عباد الله: لقد كان رسول الله ﷺ يستغل أي فرصة لتذكير أصحابه، فإن رأى غيما ذكر بقوم عاد، وإن آنس حرا أو رأى نارا عظيمة ذكر فقال: «ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» قيل يا رسول الله إن كانت لكافية قال: «فضلت عليهن بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها». وإن رأى مريضا بالحمى ذكر بفيح جهنم، فقال ﷺ: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء». ولما دخل صلى الله عليه وآله وسلم على أم السائب يزورها قال: «ما لك؟ يا أم السائب أو يا أم المسيب تزفزفين؟» قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: «لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد» الأحاديث رواها الإمام مسلم.

أيها الأخ المسلم: حق عليك أن تسأل نفسك وأنت تتقي حر الدنيا: كيف تتقي حر الآخرة؟ التي قال الله عنها: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾. وإذا كان حر الدنيا من فيح جهنم فهو أيضا بسبب دنو الشمس نحو الأرض قليلا! فما بالكم بمشهد وصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل» قال سليم بن عامر: فوالله ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين قال: «فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما» وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه. رواه مسلم. يا مؤمنون: استعيذوا بالله من عذاب جهنم، فهذه وصية رسول الله لنا. وفقنا الله جميعا للأعمال الصالحة والأقوال الطيبة وأعاذنا برحمته من عذاب النار.
أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

وهذا مقترح: خطبة: الآيات الكونية في القرآن الكريم

الخطبة الثانية


الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن﴾ سبحانه وهو اللطيف الخبير، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله إمام الأنبياء، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وعنا معهم يا أرحم الراحمين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، وطهروا قلوبكم، وأصلحوا أعمالكم، فاليوم مهلة وعمل، وغدا حساب ولا عمل، فاستبقوا الخيرات، وتزودا من الصالحات فهي الباقيات.

إخوة الإيمان: في تقلب الزمان وتحول الحال فرصة للنظر والتفكر والاعتبار كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾.

العالم اليوم يتحدثون عن الاحتباس الحراري في الأرض، ويتابعون بدقة درجات الحرارة ويتخذون كافة الوسائل والاحتياطات، وينسون أن الأمر كله لله وبيد الله يقلبه كيف يشاء، فعلى العباد أن يعلموا أن الأرض اليوم تعج بالشرك والمعاصي، والشذوذ والسفور، وأن الظلم قد سام العباد، وكثر الهرج والمرج، واستهين بالدماء، واستبيحت الأعراض، فعلى الخلق أن يعودوا إلى الله، وأن يعودوا لمنهج الله القويم، وصراط المستقيم، وليتذكروا قول الله ﷻ: ﴿ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾. وسنة الله على العباد ماضية ولن تجد لسنة الله تبديلا. فقد عذب الله قوم شعيب عليه السلام بعذاب يوم الظلة فقد أرسل الله إليهم سموما من جهنم، فأطاف بهم سبعة أيام حتى أنضجهم الحر، فحميت بيوتهم وغلت مياههم في الآبار والعيون، فخرجوا من منازلهم هاربين والسموم يطاردهم، فسلط الله عليهم الشمس من فوقهم والرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم!

أيها المؤمنون: أعظم ما يدفع به العذاب وتتقى به النار الاكثار من الحسنات والتخفف من السيئات، فالمؤمنون فالموقنون بوعد الله ووعيده دائما خائفون من عذاب السموم، ذلك لأن الله من عليهم فوقاهم عذاب السموم، ﴿إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم﴾.

عباد الله: أطفئوا حر الصيف بمواساة الفقراء والصدقة عليهم، وتواصوا بالبر والمعروف، وارحموا العمالة الكادحة من حر الظهيرة، فلا تكلفوهم ما لا يطيقون، وارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء. ولا تنسوا أن "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " في حديث صححه الإمام الألباني عن عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس، أو قال: حتى يحكم بين الناس قال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق منه بشيء، ولو كعكة ولو بصلة.

عباد الله: نحن ننعم بحمد الله ببيوت وتكييف وتبريد، وفي بيوت مآس لا يعلمها إلا الله ﷻ أرامل ومطلقات، وعاطلون ومديونون، قد يقطع عنهم التيار وليس لهم بعد إلا أنتم. فهلا تفقدنا الأقارب والجيران والفقراء والمعوزين، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. هذا وصلوا وسلموا على إمام المرسلين، فقد أمركم الله بذلك فقال: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾.

  • فاللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارزقنا إتباعه ظاهرا وباطنا، وارزقنا حسن القول والعمل، اللهم جمل بواطننا بالإخلاص والتقوى. وظواهرنا بالطهر والنظافة والنقاء.

  • اللهم اغفر لنا ولوالدينا والمسلمين أجمعين. اللهم أدم علينا الأمن والأمان والإيمان ووفقنا لما تحب يا رحمان، وفق ولاة أمورنا لخدمة دينك واتباع سنة نبيك، ويسر لهم الهدى.

  • اللهم وانصر جنودنا واحفظ بلادنا وحدودنا، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

  • ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.


عباد الله أذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

وهنا أيضًا: خطبة عن صفات المنافقين في القرآن الكريم والسنة النبوية
...المزيد

خطبة عن صفات المنافقين في القرآن الكريم والسنة النبوية نسوق إليكم هنا خطبة جمعة مباركة، يكشف من ...

خطبة عن صفات المنافقين في القرآن الكريم والسنة النبوية

نسوق إليكم هنا خطبة جمعة مباركة، يكشف من خلالها الشيخ محمود بن أحمد الدوسري عن صفات المنافقين التي تناولتها آيات كتاب ربنا عز وجل، وما أوضحته أحاديث نبينا ﷺ.

الخطبة الأولى:


الحمد لله الحليم الغفار، العزيز الجبار، والصلاة والسلام على النبي المختار، وآله وصحبه ما تعاقب الليل والنهار.

أما بعد: فقد اشتد خوف الصحابة -رضي الله عنهم- ومن بعدهم من الصالحين من النفاق؛ حتى كان أبو الدرداء -رضي الله عنه- إذا فرغ من التشهد في الصلاة يتعوذ بالله من النفاق، ويكثر التعوذ منه، فقال له أحدهم: وما لك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟ فقال: "دعنا عنك، دعنا عنك، فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة، فيخلع منه".

وقال ابن أبي مليكة -رحمه الله-: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -ﷺ- كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل" ~ (رواه البخاري).

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "تالله لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا، وخوفهم من النفاق شديد، وهمهم لذلك ثقيل، وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، وهم يدعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل".

عباد الله: جاء ذكر المنافقين والمنافقات في القرآن والسنة في مواضع عديدة، تبين صفاتهم، وتحذر المؤمنين منهم، ومن أخلاقهم، حتى أفرد الله ﷻ سورة خاصة بهم، فمن أهم صفاتهم: مرض القلب، قال ﷻ: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) ~ [البقرة: ١٠]، قال ابن القيم -رحمه الله-: "قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت القصود السيئة على إراداتهم ونياتهم فأفسدتها".

ومن صفاتهم: الطمع الشهواني، قال سبحانه: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) ~ [الأحزاب: ٣٢]، والمرض هنا: هو شهوة الزنا، قال السعدي -رحمه الله-: "القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله مرض الشبهات الباطلة، ومرض الشهوات المردية؛ فالكفر والنفاق والشكوك والبدع كلها من مرض الشبهات، والزنا ومحبة الفواحش والمعاصي وفعلها من مرض الشهوات، والمعافى من عوفي من هذين المرضين".

ومن صفاتهم: التكبر والاستكبار، قال الله ﷻ: (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون) ~ [المنافقون: ٥] أي: صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكبارا عن ذلك، واحتقارا لما قيل.

ومن صفاتهم: الاستهزاء بآيات الله، والاستهزاء بالمؤمنين، قال الله ﷻ: (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون) ~ [التوبة: ٦٤]، وقال سبحانه:(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) ~ [البقرة: ١٤]، قال ابن القيم -رحمه الله-: "لكل منهم وجهان: وجه يلقى به المؤمنين، ووجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين. وله لسانان: أحدهما يقبله –بظاهره- المسلمون، والآخر يترجم به عن سره المكنون".

ومن صفاتهم: صد الناس عن الإنفاق، قال ﷻ: (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون) ~ [المنافقون: ٧].

ومن صفاتهم: أنهم سفهاء، ويرمون المؤمنين بالسفه، قال ﷻ: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) ~ [البقرة: ١٣].

ومن صفاتهم: موالاة الكافرين، قال ﷻ: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) ~ [النساء: ١٣٨-١٣٩].

ومن صفاتهم: التربص بالمؤمنين، قال ﷻ: (الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين) ~ [النساء: ١٤١]، فهم ينتظرون الحالة التي تصيرون عليها، وتنتهون إليها من خير أو شر، قد أعدوا لكل حالة جوابا بحسب نفاقهم.

ومن صفاتهم: مخادعة الله -وهم المخدوعون- والكسل في العبادات، قال ﷻ: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) ~ [النساء: ١٤٢] يخادعون الله بما أظهروه من الإيمان، وأبطنوه من الكفران؛ ظنوا أنه يروج على الله، والحال أن الله ﷻ خادعهم.

ومن صفاتهم: التذبذب والتردد، قال ﷻ: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) ~ [النساء: ١٤٣]، فهم متحيرون في دينهم، قال رسول الله -ﷺ-: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين؛ تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة" ~ (رواه مسلم)، والعائرة: المترددة الحائرة لا تدري لأيهما تتبع.

ومن صفاتهم: التحاكم إلى الطاغوت، قال ﷻ: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) ~ [النساء: ٦٠]، قال ابن القيم -رحمه الله-: "إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- رأيتهم عنه معرضين".

ومن صفاتهم: الإفساد بين المؤمنين، قال ﷻ: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم) ~ [التوبة: ٤٧].

ومن صفاتهم: الحلف الكاذب، والخوف والجبن والهلع، قال ﷻ: (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون * لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون) ~ [التوبة: ٥٦-٥٧]، وقال ﷻ: (يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم) ~ ؛ لأنهم جبناء.

ولا يفوتكم أيضًا هنا: خطبة عن الدروس المستفادة من الهجرة النبوية

الخطبة الثانية:


الحمد لله…

أيها المسلمون: ومن صفات المنافقين: يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله -ﷺ- كانوا إذا خرج النبي -ﷺ- إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله -ﷺ-، فإذا قدم النبي -ﷺ- اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت:(لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) ~ [آل عمران: ١٨٨](رواه مسلم).

ومن صفاتهم: يعيبون العمل الصالح، قال ﷻ:(الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم) ~ [التوبة: ٧٩]، فإن تصدق أحد بمال جزيل قالوا: "هذا مراء"، وإن تصدق بشيء يسير قالوا: "إن الله لغني عن صدقته".

ومن صفاتهم: الرضا بأسافل المواضع، قال ﷻ: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين) ~ [التوبة: ٨٦]، رضوا لأنفسهم بالعار، والقعود في البلد مع النساء.

ومن صفاتهم: الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف: (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف) ~ [التوبة: ٦٧].

ومن صفاتهم: كره الجهاد، والتخلف عنه، قال ﷻ: (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر) ~ [التوبة: ٨١].

ومن صفاتهم: التخذيل والإرجاف، قال ﷻ: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) ~ [الأحزاب: ١٢].

ومن صفاتهم: تأخير الصلاة عن وقتها، قال رسول الله -ﷺ-: "تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا" ~ (رواه مسلم)، قال ابن القيم -رحمه الله-: "يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول؛ فالصبح عند طلوع الشمس، والعصر عند الغروب، وينقرونها نقر الغراب، إذ هي صلاة الأبدان، لا صلاة القلوب".

ومن صفاتهم: التخلف عن صلاة الجماعة، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن… ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق" ~ (رواه مسلم).

ومن صفاتهم: البذاءة والبيان، قال النبي -ﷺ-: "الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق" ~ (صحيح، رواه الترمذي)، قال الترمذي -رحمه الله-: "والعي: قلة الكلام، والبذاء: هو الفحش في الكلام، والبيان: هو كثرة الكلام؛ مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيوسعون في الكلام، ويتفصحون فيه، من مدح الناس فيما لا يرضي الله".

ومن أبرز صفات المنافق؛ كما قال النبي -ﷺ-: "إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" ~ (رواه البخاري ومسلم).
...المزيد

خطبة عيد الأضحى المبارك (مكتوبة) والآن مع هذه الجميلة البليغة؛ انها خطبة عيد الأضحى المبارك ...

خطبة عيد الأضحى المبارك (مكتوبة)

والآن مع هذه الجميلة البليغة؛ انها خطبة عيد الأضحى المبارك للشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل، جزاه الله خيرا. نجد فيها الوعظ القوي والإرشاد الحسن. ولكن دعونا أولا نُلقي نظرة على عناصرها.

عناصرها:

  • الفرحة بالعيد والعتق من النيران.

  • الوصية بتقوى الله في يوم العيد.

  • من مظاهر قدرة الله تعالى وعظمته.

  • بعض فضائل إيمان العبد بقدرة الله وحكمته.

  • يقين المؤمن بحسن اختيار الله تعالى له.

  • أفعال الله تعالى في خلقه دائرة بين العدل والرحمة.

  • الوصية والتذكير للمرأة المسلمة.


وبداية؛ نوصيكم بالاطلاع على: خطبة عيد الأضحى قصيرة pdf + مكتوبة.. رائعة

الخطبة الأولى:


الحمد لله الخلاق العليم؛ تفرد بالجلال والكمال، وتنزه عن النظراء والأمثال، حي لا يموت، وباق لا يفوت "إذا قضى الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله".

الحمد لله البر الرحيم، الرزاق الكريم؛ يفيض على عباده فيغمرهم بجوده وإحسانه، خزائنه لا تنفد، وعطاؤه لا ينقطع (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون * وله من في السماوات والأرض كل له قانتون) ~ [الروم: ٢٥-٢٦]. نحمد ربنا؛ فله الحمد كله، لا نحصي ثناء عليه كما أثنى هو على نفسه؛ شرح صدورنا للإيمان، وعلمنا السنة والقرآن، وهدانا لشرائع الإسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جعل الأضاحي والمناسك من شعائره العظيمة، ورتب عليها أجورا كبيرة، فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وأعظم الشعائر في يوم العيد ذبح الأضاحي؛ (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) ~ [الحج: ٣٢]، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ "ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

الله أكبر؛ أعتق بالأمس خلقا كثيرا من النار لا يعلم عددهم أحد سواه؛ فاللهم اجعلنا ووالدينا وأهلنا وذرياتنا وأحبابنا منهم يا رب العالمين.

الله أكبر؛ رفعت إليه بالأمس دعوات كثيرة فأجابها، وهو مجيب الدعوات، اللهم فأجب دعواتنا، واغفر زلاتنا، ووالدينا والمسلمين.

الله أكبر؛ يسير الآن الحجاج في جموع غفيرة إلى الجمرات ليرموها (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) ~ [الحج: ٢٩]، فاللهم اقبل من الحجاج حجهم، ومن المضحين ضحاياهم، واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

أما بعد: فاتقوا الله ﷻ في هذا اليوم العظيم وأطيعوه؛ فإنه تاج الأيام ورأسها، وهو العيد الأكبر للمسلمين، قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أعظم الأيام عند الله يوم النحر"، فعظموه كما عظمه الله ﷻ بالتكبير والطاعة، واجتناب المعاصي؛ فإنها تنافي الشكر (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون) ~ [الحج: ٣٦].

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

أيها الناس: حين يرى العبد ما يعج به العالم من مخلوقات، وما يموج فيه من أحداث، وما يقع فيه من تقلبات؛ يتملكه خوف شديد، ويصاب بدهشة كبيرة؛ لما يرى من كثرته وتنوعه وتجدده. وما لا يراه ولا يعلمه أكثر مما يرى ويعلم؛ ليدرك العبد شيئا من عظمة الله ﷻ وقدرته ﷻ، وإحاطته بخلقه (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) ~ [الطلاق: ١٢].

ولله ﷻ في أفعاله حكم باهرة، وحجج بالغة؛ فهو ﷻ الحكيم العليم، لا يخلق شيئا عبثا (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) ~ [المؤمنون: ١١٥]، (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) ~ [القيامة: ٣٦]. وكل ما يقع في الكون فهو بأمر الله ﷻ وعلمه وقدرته؛ (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) ~ [الأعراف: ٥٤] (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) ~ [الفرقان: ٢]. وإيمان العبد بذلك يجعله يركن إلى الله ﷻ فيستروح ببرد اليقين، ويؤمن أن كل شيء بتقدير. فيتوجه بقلبه إلى ربه ﷻ ويذر المخلوقين، فلا يرجو منهم نفعا ولا ضرا، ولا يصرف لهم رجاء ولا خوفا؛ لعلمه أن علم الله ﷻ يحيط بهم، وأن أمره ﷻ يصيبهم، فالخلق ليسوا مفزعا مهما عظموا، ولن يكونوا ملجأ مهما كانوا؛ فالمفزع والملجأ إلى الله ﷻ وحده، ولا حول ولا قوة للعباد إلا به؛ (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) ~ [المائدة: ٢٣]، (قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) ~ [الزمر: ٣٨].

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

وربنا -سبحانه وتعالى- لا يقدر أمرا إلا لحكمة، سواء ظهرت للخلق أم خفيت عليهم؛ (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) ~ [ص: ٢٧]، (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون) ~ [الدخان: ٣٨-٣٩]. وما علم العباد حكمته من خلق الله ﷻ وأفعاله وأقداره ﷻ فهو الذي علمهم إياه، وما طوي عنهم علمه فلن يعلموه مهما أوتوا من العلم، والمصلحة أن لا يتكلفوا علم ما حجب عنهم؛ فإن القدر سر الله ﷻ في خلقه، لم يكشفه لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فكيف يكشف لآحاد الناس؟
الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

وأفعال الله ﷻ صادرة عن مشيئته ﷻ؛ فما شاءه كان، وما لم يشأه لم يكن؛ (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء) ~ [آل عمران: ٢٦]، (إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) ~ [آل عمران: ٣٧]، (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده) ~ [الأعراف: ١٢٨]، (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) ~ [سبأ: ٣٦].

ومشيئة العباد تحت مشيئته ﷻ؛ (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) ~ [التكوير: ٢٩]، ولا يحتج بالقدر على الكفر والمعاصي؛ فإن الله ﷻ منح العبد إرادة ومشيئة، وجعل له سمعا وبصرا وعقلا يدرك به النفع والضر، والخير والشر، ودله على الصراط المستقيم، وحذره من طريق الجحيم؛ فقامت عليه الحجة، وقطعت عنه المعذرة؛ (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) ~ [الأنعام: ١٤٩]، (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) ~ [النساء: ١٦٥].

وقد يقدم العبد على ما يظنه خيرا معجلا فيكون شرا مؤجلا، وقد يفعل ما يظن فيه نفعا فيكون عليه ضررا، والخيرة خفية، ولو كشف القدر للمؤمن لما حاد عن اختيار الله ﷻ له؛ فإن الله ﷻ يحب المؤمنين، ولا يختار لهم إلا ما هو خير لهم في العاقبة، ولو بدا لهم غير ذلك في أول وهلة، وهذا من حسن الظن بالله ﷻ، وهو ﷻ عند ظن عبده به، فإن ظن به خيرا فله، وإن ظن شرا فله.

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

ولا بد أن يوقن المؤمن أن أفعال الله ﷻ وأقداره في خلقه دائرة بين العدل والرحمة؛ فالجنة ونعيمها من آثار رحمته، والنار وعذابها من آثار عدله، وهلاكه للمكذبين عدل، وإنظاره للعاصين رحمة، ولا يدخل أحد الجنة إلا برحمته؛ (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) ~ [النساء: ٤٠]، (ولا يظلم ربك أحدا) ~ [الكهف: ٤٩]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان -يعني الإبهام والتي تليها- لعذبنا ثم لم يظلمنا شيئا" ~ (صححه ابن حبان) ~ ، وقال صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل أحدا عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة" ~ (رواه الشيخان).

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم…

هنا أيضًا: خطبة عيد الأضحى مكتوبة ومشكولة

الخطبة الثانية:


الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله ﷻ وأطيعوه، وكبروه في هذه الأيام العظيمة؛ فإنها أيام أكل وشرب وذكر لله ﷻ كما في الحديث الصحيح.

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

أيتها المرأة المسلمة: إن الدنيا بكل ما فيها من متاع ليست شيئا يذكر بالنسبة للآخرة؛ (وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع) ~ [الرعد: ٢٦]، وإن جزاء الله ﷻ للمؤمنات في الآخرة عظيم، وهن في الجنة أفضل من الحور العين؛ (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) ~ [النحل: ٩٧]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "... ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" ~ (رواه البخاري). فهنيئا لكل مؤمنة تمسكت بدينها، وحافظت على حجابها وحيائها، وقامت ببيتها وبعلها وأولادها، ودعت إلى ذلك بنات جنسها؛ فلها أجرها وأجرهن.

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

أيها المسلمون: ضحوا تقبل الله أضاحيكم، وكلوا منها وتصدقوا وأهدوا، وافرحوا بالعيد فيما أحل الله ﷻ لكم، وبروا والديكم، وصلوا أرحامكم، وأحسنوا إلى جيرانكم، وأدخلوا البهجة بالعيد في بيوتكم؛ فإنه فسحة الله ﷻ وسعته لعباده المؤمنين. وكبروا الله ﷻ إذ هداكم، واشكروه على ما أعطاكم.

أعاده الله علينا وعليكم وعلى المسلمين باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

هنا أيضًا: خطبة العيد الكبير «عيد الأضحى – يوم النحر – عيد الحجاج»
وصلوا وسلموا على نبيكم…
...المزيد

خطبة: وليال عشر -مكتوبة- عناصرها: عشر ذي الحجة أفضل الأيام | فضائل يوم عرفة | حال السلف في يوم ...

خطبة: وليال عشر -مكتوبة-

عناصرها: عشر ذي الحجة أفضل الأيام | فضائل يوم عرفة | حال السلف في يوم عرفة.

الخطبة الأولى


الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ~ [آل عمران: ١٠٢]، (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) ~ [النساء: ١]، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) ~ [الأحزاب: ٧٠-٧١]، أما بعد:

أيها المسلمون: فإن من رحمة الله ﷻ بعباده وتفضله عليهم أن يسر لهم مواسم للتزود من الطاعات والمسارعة إلى جنة عرضها كعرض الأرض والسماوات؛ وها هي تدخل علينا أعظم أيام الدنيا على الإطلاق؛ حيث أن العمل الصالح فيها أحب الأعمال إلى الواحد الخلاق؛ كما جاء في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ما العمل في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة، ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء" ~ (أخرجه البخاري) ~ ، وروى جابر بن عبدالله -رضي الله عنه-: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر" ~ (صححه الألباني).

والمتأمل في سبب تفضيل العشر الأول من ذي الحجة؛ اجتماع أمهات العبادات فيها دون غيرها من الأيام والشهور؛ يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره".

عباد الله: وأيام العشر الفاضلة من ذي الحجة تتفاوت في الفضل والمنزلة نظرا لتفاوت ما شرع فيها من أعمال جليلة وشعائر عظيمة؛ فأفضل أيامها يوم النحر -يوم عيد الأضحى المبارك- ثم يوم عرفة وذلك لما يكون فيهما من أعمال الحج وما حظيا به من الخصائص دون غيرها من الأيام؛ ولعلنا في هذا المقام نتحدث عن يوم عرفة الذي حظي بالمزايا والفضائل وإجابة الله لدعاء عباده وتحقيق ما يطلبونه من المسائل؛ فتعالوا لنعرض على مسامعكم بعضا من خصائص يوم عرفة وفضائله؛ فمن ذلك:

أن الله ﷻ أقسم به، والله ﷻ عظيم لا يقسم إلا بعظيم؛ فيوم عرفة من الأيام العظيمة وهو اليوم المشهود؛ كما في قوله ﷻ: (وشاهد ومشهود) ~ [البروج: ٣]، وقد جاء من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: "اليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة" ~ (حسنه الألباني).

وأقسم الله بيوم عرفة في قوله ﷻ: (والشفع والوتر) ~ [الفجر: ٣]؛ قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة".

ومن فضائل يوم عرفة: أنه يوم اكتمال الدين وإتمام الله نعمته على المؤمنين؛ قال ﷻ: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) ~ [المائدة: ٣]؛ يقول عمر -رضي الله عنه-: "والله إني لأعلم في أي يوم أنزلت وفي أي ساعة أنزلت وأين أنزلت وأين كان رسول الله ﷺ حين أنزلت: أنزلت ورسول الله فينا يخطب ونحن وقوف بعرفة".

ومن فضائله: أن صيامه يكفر ذنوب السنة الماضية والسنة الآتية؛ كما في حديث أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: "سئل رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة؛ فقال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والآتية" ~ (رواه مسلم).

ومن فضائل يوم عرفة: أنه يوم يرجى فيه إجابة الدعاء؛ فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" ~ (حسنه الألباني) ~ ؛ فعلى العاقل أن يغتنم هذا اليوم المبارك فيكثر فيه من الدعاء والابتهال ومناجاة الكريم المتعال.

ومن فضائل يوم عرفة ومزاياه: أن هذا اليوم يغيظ الشيطان وذلك حين يرى إقبال العباد على ربهم ويرى رحمات الله تتنزل عليهم ومغفرته لهم؛ وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما أري يوم بدر قيل وما رأى يوم بدر يا رسول الله قال أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة" ~ (رواه مالك والبيهقي) ~ ؛ فعلى المسلم أن يتزود من الطاعات والقربات في هذا اليوم المبارك، وأن يفر إلى ربه من المعاصي والسيئات والخطايا والموبقات؛ عل الله أن يكرمه بمرضاته وقربه ويعتق رقبته من النار برحمته وفضله.

كما أن مما حظي به هذا اليوم من الفضائل: أن ربنا ﷻ يعتق في هذا اليوم من رقاب عباده ما لا يعتق في غيره من الأيام، ويباهي بعباده ملائكته؛ كما روت عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء" ~ (رواه مسلم) ~ ؛ وفي هذا الحديث إشارة واضحة على فضل يوم عرفة.

فاغتنموا هذه الأيام المباركة تنالوا مرضاة رب العباد، وتزودوا فيها من أعمال البر تسعدون يوم المعاد.

تزود للذي لابد منه *** فإن الموت ميقات العباد
وتب مما جنيت وأنت حي *** وكن متنبها قبل الرقاد
ستندم إن رحلت بغير زاد *** وتشقى إذ يناديك المنادي
أترضى أن تكون رفيق قوم *** لهم زاد، وأنت بغير زاد
بارك الله لي ولكم بالقرآن الكريم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم؛ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروا إنه هو الغفور الرحيم.

وهنا: بليغة وقوية.. خطبة عيد الأضحى المبارك مكتوبة

الخطبة الثانية


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

عباد الله: يوم عرفة يوم مبارك فهنيئا لمن عرفه واجتهد فيه؛ كما كان يفعل سلفنا الصالح فكم لهم من المآثر التي لا تنسى؛ وسنعطر المقام بأمثلة يسيرة على اجتهادهم -رحمهم الله ورضي عنهم- في يوم عرفة بالدعاء وعظيم الخوف والرجاء؛ فمن ذلك: ما ذكر عن مطرف بن عبدالله وبكر المزني بعرفة فقال أحدهما: "اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي". وقال الآخر: "ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم".

وذكر عن الفضيل بن عياض -رحمه الله-؛ أنه نظر إلى بكاء الناس وتسبيحهم عشية عرفة فقال: "أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقا -يعني: سدس درهم- أكان يردهم؟ قالوا: لا، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق".

وذهب عبدالله ابن المبارك إلى سفيان الثوري -رحمهما الله- عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان فقال له: "من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له".

أيها المسلمون: هكذا كان حال سلفنا الصالح في أيام العشر عامة وفي يوم عرفة ويوم النحر خاصة؛ فاحرصوا على الاجتهاد في الطاعات والقربات وتزود في هذه الأيام الفاضلة من الأعمال التي شرعت فيها بدءا من فريضة الحج لمن تيسر له ذلك في هذا العام، ولا تغفلوا عن يوم عرفة صوموا نهاره وأكثروا فيه من الدعاء والذكر وقراءة القرآن والمحافظة على الفرائض وكف الأذى وأقبلوا على ربكم؛ فمن أقبل عليه أكرمه بقبوله ومرضاته وأعد له يوم لقائه منزلا بجناته.

اللهم وفقنا لاغتنام هذه العشر وارزقنا فيها عظيم الأجر ومغفرة الوزر.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

وصلوا وسلموا على البشير النذير والسراج المنير؛ كما أمركم بذلك العليم الخبير فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) ~ [الأحزاب:٥٦].

  • خطبة للشيخ: عبدالله البرح

  • عبر: ملتقى الخطباء


ولا تفوتك هنا: خطبة عيد الأضحى المبارك 2022 «مكتوبة» مُقسَّمة لعناصر وفقرات
...المزيد

خطبة مكتوبة؛ بعنوان: فرصة الحج وغنيمة العشر عناصرها: <ul> <li>جمال الحج ومشاعره ...

خطبة مكتوبة؛ بعنوان: فرصة الحج وغنيمة العشر

عناصرها:

  • جمال الحج ومشاعره الفياضة.

  • الشوق للحج عظيم على القلب، ومن لم يدركه تعوض منه بعشر ذي الحجة.

  • من معاني الحج وصوره الجميلة.


الخطبة الأولى


الحمد لله، كتب العزة للمسلمين بالإسلام، أحمده سبحانه وتعالى وأشكره على جزيل الفضل والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.

الحج موكب الإسلام ومظهره، ولباب حسه وجوهره، وموسمه الحرام أشهره.. مشهده العظيم،، ونديه الكريم ..

الحج ركن الإسلام، وفيه تعظيم لشعائر الرحمن.

هنيئا لمن حج بيت الهدى *** وحط عن النفس أوزارها

بيت الله المعظم هو ملتقى جموع المسلمين، وقبلة أهل الإسلام، تتوجه إليه القلوب والأبدان، ويفد إليه الحجاج والعمار رجالا ونساء: ( ليشهدوا منافع لهم).

الحج أمنية كل مسلم، وأنس كل مؤمن، وبلغة كل منقطع لربه.. تتقطع القلوب اشتياق إليه، وتحتفي الأقدام مشيا إلى عرصاته، وتبح الحناجر تلبية لدعوته (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق).

أرى الناس أصنافا ومن كل بقعة *** إليك انتهوا من غربة وشتات

تساووا فلا الأنساب فيها تفاوت *** لديك ولا الأقدار مختلفات

لا تلام النفوس وهي تتلهف أخباره، وتلهث لبلوغه، وتدفع الغالي والنفيس من أجل الحصول للوصول إليه ..

فكم لذة كم فرحة لطوافه *** فلله ما أحلى الطواف وأهناه

فواشوقنا نحو الطواف وطيبه *** فذلك شوق لا يعبر معناه

الحج مع مشقته مرغوب، ومع نصبه محبوب ..

الحج جماله ببساطته، وبهائه بقلة الكلفة فيه. كانت أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- كلما مرت بالحجون تقول: صلى الله على رسوله محمد لقد نزلنا معه ها هنا، ونحن يومئذ خفاف، قليل ظهرنا قليلة أزوادنا، فاعتمرت أنا وأختي عائشة، والزبير، فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا من العشي بالحج" ~ (متفق عليه).

هناك بين الحطيم وزمزم، وعلى ثرى مزدلفة وعرفات، تعود الذكريات، حين مشى عليها أطهر نفس أحرمت، وأزكى روح هتفت يعلن التوحيد ويكسر الوثن والإلحاد.

كأنني برسول الله مرتديا *** ملابس الطهر بين الناس كالقمر

ملبيا رافعا كفيه في وجل *** للـــــه في ثوب أواب ومفتقــــــر

وقام في عرفات الله ممتطيا *** قصواءه يا له من موقف نضـــــر

يشدو بخطبته العصماء زاكية *** كالشهد كالسلسبيل العذب كالدرر

مجليا روعة الإسلام في جمل *** من رائع من بديع القول مختصـــر

داع إلى العدل والتقوى وأن بها *** تفاضل الناس لا بالجنس والصـــور

يا ليتني كنت بين القوم إذ حضروا *** ممتع القلب والأسمــــــاع والبصـــر

أقبل الكف كف الجود كم بذلت *** سحاء بالخير مثل السلسل الهدر

أسر بالمشي وإن طال المسير بنا *** وما انقضى من لقاء المصطفى وطري

أي قلب لا يتقطع اشتياقا لتلك الربوع، وذاك الرضاب، وفضائله تقرع الآذان، وتشق الأسماع من كلام سيد الأنام عليه -الصلاة والسلام-: "من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه"، "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ~ (متفق عليهما).

ومن تمنى بصدق بلوغ تلك المشاعر العظام، وترقرقت محاجره متلهفا
ياحبذا الحج وأيام منى *** ومصلانا وتقبيل الحجر

ولم يستطع لذلك سبيلا لمرض ألم وبه وأقعده عن المسير، أو لقلة ذات اليد ولم يستطع لغلاء أسعاره فإن الله يعذره (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ~ ، ويبلغه بكرمه أجره "إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر" شاركوكم الأجر.(متفق عليه).

وفي مسند الإمام أحمد "مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما، فهو يعمل به في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا، عملت فيه مثل الذي يعمل " قال: قال رسول الله ﷺ: "فهما في الأجر سواء"، "ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو كان لي مال مثل هذا، عملت فيه مثل الذي يعمل"، قال: قال رسول الله ﷺ: "فهما في الوزر سواء".

ولكن الخسران والحرمان أن يهدر الإنسان الأموال في تنزه وسياحة وتوسع، ثم يحجم عن الحج ويرى نفسه مع غير المستطيعين.

ومن لم يتسنى له اللحاق مع ركب الحجاج فإن الله -ﷻ- جواد كريم، وعطاءه جزيل، وكرمه عميم، قد هيئ أياما عشرا عظاما، هي أيام عشر ذي الحجة، ينال المتعبد فيها والساعي في وجوه الخير أجرا عظيما وفوزا كبيرا قال من لا ينطق عن الهوى ﷺ: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذه العشر" قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء" ~ (أخرجه البخاري).
اللهم وفقنا لطاعتك وابعدنا عن معصيتك، واصرف عنا غضبك وسخطك، ونستغفرك اللهم من ذنوبنا، إنك أنت الغفور الرحيم.

ولا يفوتكم هنا: خطبة عيد الأضحى مكتوبة كاملة بالعناصر ومعززة بالآيات والأحاديث والأدعية

الخطبة الثانية


الحمد لله معز من أطاعه واتقاه ومذل من خالف امره وعصاه، وصلى الله وسلم على خير خلق الله؛ أما بعد:

الحج فرصة لمن ناله ووصل لتلك الرحاب الطاهرة الآمنة الوادعة، لاكتمال ركن الإسلام، ومحط لمحي الأوزار، وبلغة لهدم جاهلية الإنسان وتجديد الإيمان.. وفي صحيح مسلم قال النبي ﷺ لعمرو بن العاص -رضي الله عنه-: "أما علمت أن الحج يهدم ما كان قبله؟" وتحقيق ذلك في قوله -سبحانه-: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).

من فرض الحج أن نتعلم مناسكه، والحج كما حج المصطفى شعاره لعل خفا يقع على خف، وليحفظ بصره، وليمسك لسانه إلا من ذكر الله وما والاه.

الحج إخلاص وطاعة وإنابة، لا مباهاة ورياء وتصوير، قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: حج النبي صلى الله عليه وسلم على رحل، رث، وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، ثم قال: "اللهم حجة لا رياء فيها، ولا سمعة".

الحج دعاء وإخبات، ورجاء مع حسن اتباع ثم ليبشر بعدها بكرم الله وعطائه وقبوله فالله لا يضيع أجر من أحسن عملا ..

اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا وعقيدتنا وبلادنا، اللهم من اراد بنا أو بالحجاج والمسلمين سوءا أو فتنة فأشغله في نفسه ورد كيده في نحره وارح المسلمين من شره.

خطبة مقترحة: ولذكر الله أكبر.. خطبة عن أفضل الأعمال في عشر ذي الحجة

  • خطبة للشيخ: د عبدالعزيز التويجري.

  • عبر: ملتقى الخطباء.

...المزيد

خطبة: الصدقة تطفئ الخطيئة عناصرها: المال فتنة وأمانة - فضائل الصدقة - آداب الصدقة. <h2>الخطبة ...

خطبة: الصدقة تطفئ الخطيئة

عناصرها: المال فتنة وأمانة - فضائل الصدقة - آداب الصدقة.

الخطبة الأولى:


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: من أعظم وسائل تقوية التكافل الاجتماعي في الإسلام: البذل والإنفاق، وقد حث الله -سبحانه- عليه بقوله: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) ~ [البقرة: ٢٥٤]، وبقوله تبارك وتعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ~ [البقرة: ٢٧٤].

والإنفاق في سبيل الله -تعالى- من أعظم التحديات التي تواجه الإنسان لحبه الشديد للمال، وحرصه عليه: (وتحبون المال حبا جما) ~ [الفجر: ٢٠].

وحذر النبي ﷺ من فتنة المال بقوله: "إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال" ~ (صحيح، رواه الترمذي) ~ ، وبعضهم أصبح عبدا للمال: "تعس عبد الدينار والدرهم" ~ (رواه البخاري) ~ بخل بما أعطاه الله -تعالى- ظانا أن ذلك خير له، ولم ينصت لقوله سبحانه: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير) ~ [آل عمران: ١٨٠].

أيها الإخوة الكرام: إن المال أمانة عند العباد، وهم مستخلفون فيه: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير) ~ [الحديد: ٧]، فهؤلاء هم الذين يبارك الله لهم في أموالهم، ويضاعف لهم الأجر في الآخرة: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون) ~ [البقرة: ٢٤٥].

ومن أهم المعايير التي يقاس بها إيمان المرء: الصدقة، قال النبي ﷺ: "والصدقة برهان" ~ (رواه مسلم).

وهي تجارة عظيمة مع الله -تعالى-، وجهاد في سبيل الله بالمال، وفيها نجاة للعباد من العذاب الأليم: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) ~ [الصف: ١٠-١١].

ومن أراد تنمية ماله فلينفق منه في سبيل الله -تعالى-: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) ~ [سبأ: ٣٩]، وفي الحديث القدسي: "قال الله -ﷻ-: أنفق أنفق عليك" ~ (رواه البخاري).

وما أنفقه العبد في سبيل الله -تعالى- هو الذي يجده أمامه يوم القيامة، وما يبقيه في الأرصدة فهو ملك للورثة، قال النبي ﷺ: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله" قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه؟ قال: "فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر" ~ (رواه البخاري).

والبعض يظن أنه هو المالك الحقيقي للمال، وهو ظن خاطئ؛ لأن المال مال الله -تعالى- ساقه إليك من حيث لا تحتسب، وجعلك مستخلفا فيه: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) ~ [النور: ٣٣].

وبالصدقة يدفع الله -تعالى- البلاء عن العبد؛ كما قال النبي ﷺ: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر" ~ (حسن، رواه الطبراني في الكبير).

والصدقة تطفئ الخطيئة، قال النبي ﷺ: "الصدقة تطفئ الخطيئة؛ كما يطفئ الماء النار" ~ (صحيح، رواه الترمذي).

عباد الله: للصدقة والإنفاق آداب، فمن أهمها: الإخلاص لله -تعالى- فيها، فعدم الإخلاص يبطلها ويحبط أجرها، والبعض يتصدق قاصدا للرياء والسمعة، والمباهاة والتفاخر، فهذا يعاقب بأشد العقوبة يوم القيامة، قال النبي ﷺ: "ويؤتى بصاحب المال، فيقول: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله -تعالى-: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذاك" ~ (صحيح، رواه الترمذي).

ومن آداب الصدقة المفروضة: تقديمها على الصدقة المستحبة، وعدم تأخيرها عن وقتها، فإذا وجبت عليه زكاة في ماله، أو زرعه، أو تجارته؛ وجب عليه أن يخرجها في وقتها، وهي من أركان الإسلام، وأحب ما يتقرب به العبد إلى الله -تعالى- أداء الفرائض، فلا يؤخرها لغير عذر؛ لكيلا يتعرض لسخط الله -تعالى-.

ومن الآداب: عدم إبطال الصدقة بالمن والأذى، قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) ~ [البقرة: ٢٦٤].

بل يرى أن المنة لله -تعالى- أولا، إذ أعطاه المال، وأنعم عليه، وخلصه من شح النفس، ثم إن المؤمن العاقل؛ يرى أن المحتاج هو صاحب المنة عليه، إذ قبل منه صدقته، وأتاح له فرصة اكتساب الأجر والثواب من الله -تعالى-، وكان بعض الصالحين يقول: "والله إني لأرى الفقير صاحب منة علي، ولولا أن الله -ﷻ- جعله يقبل صدقتي؛ لحرمت الأجر والثواب من الله -تعالى-".

وعلى المتصدق أن يسر بصدقته ما استطاع إلا إذا كان في إعلانها مصلحة راجحة، قال الله -تعالى-: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير) ~ [البقرة: ٢٧١]، وأخبر النبي ﷺ أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "رجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" ~ (رواه البخاري ومسلم).

ومن الآداب: أن تكون الصدقة من كسب طيب، أي: من مال حلال؛ فإن ذلك سبب في قبولها، ونماء أجرها؛ كما قال النبي ﷺ: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله" ~ (رواه مسلم).

ومن الآداب: أن يتحرى بصدقته المحتاجين حقا، ولا يعطيها لمن لا يعرف، فالزكاة الواجبة لا تصح إلا لأهلها، وقد بين الله -تعالى- أصناف المستحقين للزكاة: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) ~ [التوبة: ٦٠].

ومن آداب الصدقة: تقديم ذوي الرحم إن كانوا من ذوي الحاجة، ولا يوجد من يصلهم بالمال، فحقهم أعظم من حق غيرهم، وقد قال النبي ﷺ: "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة" ~ (صحيح، رواه الترمذي والنسائي).

وكلما زادت درجة القرابة كلما زاد أجر المتصدق على صدقته.

الخطبة الثانية:


الحمد لله...

ومن آداب الصدقة: عدم الرجوع فيها، فلا يجوز استردادها ممن أخذها، قال النبي ﷺ: "مثل الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب، يقيء ثم يأكل قيأه" ~ (رواه مسلم).

ومن الآداب: أن يقدم الجيد من المال في الصدقة، ولا يقدم الرديء من الطعام، أو الخبيث من المال في الصدقة، قال الله -تعالى-: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) ~ [البقرة: ٢٦٧].

وإن استطاع أن يتصدق بشيء مما يحبه من مال، وطعام، ولباس، ونحوه، فله أعظم الأجر من الله -تعالى-: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ~ [آل عمران: ٩٢].

ومن الآداب: أن يرى المتصدق –حال صدقته– نعمة الله عليه؛ إذ أغناه، ولم يحوجه إلى أخذ الصدقة؛ بل جعل يده هي العليا، وجعله هو المعطي، لا الآخذ، وهي نعمة عظيمة تستوجب الاجتهاد في شكرها بطاعة الله -تعالى-، والإكثار من الصدقة، والعطف على الفقراء والمساكين، وذوي الحاجات.

ومن آداب الصدقة: أن يخرج المال طيبة به نفسه، فلا يكون كارها لذلك، فمن صفات المنافقين أنهم: (لا ينفقون إلا وهم كارهون) ~ [التوبة: ٥٤]. وأما المؤمنون فقد أثنى الله -ﷻ- عليهم بأن أعينهم تفيض دمعا؛ حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) ~ [التوبة: ٩٢].

ومن آداب الصدقة: أن تكون في وقت السعة والصحة والعافية والشباب والحاجة، والخوف من الفقر، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم؛ قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" ~ (رواه البخاري ومسلم).
خطبة للشيخ: محمود بن أحمد الدوسري | عبر: ملتقى الخطباء.

مقترح: خطبة عن الإنفاق في سبيل الله.. من وقف أو صدقة أو زكاة
...المزيد

خطبة: عبادة الرجاء والثبات على الطاعة بعد رمضان. يتحدث من خلالها -الشيخ راكان المغربي- عن الطاعة ...

خطبة: عبادة الرجاء والثبات على الطاعة بعد رمضان. يتحدث من خلالها -الشيخ راكان المغربي- عن الطاعة بعد رمضان.

الخطبة الأولى:


أما بعد: ها قد انقضى من الشهر جلُّه وما بقي منه إلا القليل.

لقد تزين شهرُ رمضان بمشاهدِ الإقبالِ على الطاعات، والمسارعةِ إلى الخيرات، وشهودِ الجماعات. إلى الله أقبلت القلوب، وله قامت الأقدام، وبين يديه خضعت الرقابُ وتمرغت الأنوف. أقبل الناسُ يرجون من الله رحماتِه، وينهلون من عطائه، ويغترفون من مكرماتِه.

حين عَظُمَ الرجاءُ في القلوب زادَ الإقبالُ على الله، فكان الرجاءُ كالوقودِ الذي أشعل الفتيل، وأمدّ الروحَ والبدنَ بالطاقة والقوة على العبادة.

إن عبادةَ الرجاء من أعظم العبادات التي تحث المؤمن على دوامِ السير إلى الله، فحين يستحضر المؤمنُ فضلَ الله وكرمَه فإنه سيمتلئ قلبُه رغبةً فيه ورجاءً، فيحثه ذلك على المسارعة في تحصيلِه بصالح الأعمال. وهذا ما كان يحصلُ مع من وفقهم الله للعبادة في رمضان. فتجد المسلم يسارع إلى الصيام والقيام يرجو بذلك أجرَ من صام رمضان ومن قام رمضان (إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)، وتجده حريصاً على العمرةِ الرمضانية لعلمه بأنها تعدل حجة. وتجده مقبلا في العشر الأواخر، يستثمر أوقاتَها ويعمر لحظاتها بالطاعة، لأنه يرجو فيها ثوابَ ليلةِ القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر.

ولئن كانت مكرمات الكريم تتضاعف في رمضان فيقبل الناسُ على الغرف منها، فإن الكريم سبحانه لا ينقضي كرمُه، ولا يفنى عطاؤُه بعد رمضان. ولذا فإن المؤمن الذي امتلأ قلبُه بالرجاء، لا يتوقف عن المسارعة في العمل بعد رمضان، بل يستحضر فضائلَ اللهِ العميمة، وخيرَه الواسعَ في كل زمانٍ ومكان، وبذلك يثبتُ على الطاعة، ويثابرُ على العمل الصالح، يرجو بذلك رحمةَ الله وكرمَه.

عباد الله:

لقد كان أنبياءُ الله وعبادُه الصالحين أعظمَ الناس رجاءً فيما عند الله، وكانت أسمى غاياتِهم التي يرجونها هي نيلُ رضوانِه، ودخولُ جناتِه، فكان الطمع في رحمته من أخص سماتهم. اسمعوا إلى طمع إبراهيم الخليل عليه السلام حين قال: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)، واسمعوا إلى المقارنة التي ذكرها الله بين أهل الإيمان وأهل الكفر حين قال سبحانه: (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ).

لقد نعى الله على الغافلين خلوَّ قلوبهم من الرجاءِ فيما عند الله، وإيثار الدنيا وزينتها فقال سبحانه عنهم: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، وطمأَن اللهُ أهلَ الإيمان الذين امتلأت قلوبهم بالرجاء والشوق إليه فقال سبحانه: (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

حين رأت تلك المرأة البغي ذلك الكلب العطشان، حرك الرجاء قلبها فحداها إلى العمل، ثم بلغها عظيم الثواب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم واصفا حالها: "بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ -أي بئر- ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها -أي خفها- فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لها بهِ".

وهكذا يفعل الرجاء بقليل العمل، يضاعفُه ويباركُه وينميه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أرْبَعُونَ خَصْلَةً أعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ، ما مِن عَامِلٍ يَعْمَلُ بخَصْلَةٍ منها رَجَاءَ ثَوَابِهَا، وتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلَّا أدْخَلَهُ اللَّهُ بهَا الجَنَّةَ" فيخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربعين عملٍ دون منيحة العنز و"هي الشَّاةُ ذَاتُ اللَّبَنِ تُعطَى لِيُنتَفَعَ بِلَبَنِها، ثُمَّ تُرَدُّ إلى أصحابِها"[1]، هذه الأربعون لا يعملُ بها أحد "رَجَاءَ ثَوَابِهَا، وتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إلَّا أدْخَلَهُ اللَّهُ بهَا الجَنَّةَ". قال حسان -أحد رواة الحديث-: " فَعَدَدْنَا ما دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ، مِن رَدِّ السَّلَامِ، وتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وإمَاطَةِ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، ونَحْوِهِ فَما اسْتَطَعْنَا أنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً".

فما أعظمَ فضلَ الله! وما أجلَّ كرمَه الوفير!

عباد الله:

في يوم من الأيام " دخلَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ على شابٍّ وَهوَ في الموتِ فقالَ: (كيفَ تجدُكَ؟)

فقالَ الشاب: واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أرجو اللَّهَ وإنِّي أخافُ ذنوبي.

فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ: "لا يجتَمِعانِ في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطِنِ إلَّا أعطاهُ اللَّهُ ما يرجو وآمنَهُ ممَّا يخافُ"

هذا هو حال الصالحين. يطيرون بجناحي الخوف والرجاء. يعملون العمل الصالح فيرجون ويخافون، يرجون ما فيه من الثواب، ويخافون مما يمكن أن يدخل فيه من عجب أو رياء فلا يُتَقبلَ منهم. ويقعون في الذنوب فيخافون ويرجون، يخافون من عاقبتها، ويرجون مغفرة الله حين يتوبون منها. هذا حالهم لا الرجاءُ يغرّهم، ولا الخوفُ يُقَنِّطُهم.

قال جل وعلا عن أنبيائه الأخيار: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)، وقال سبحانه: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا).

عباد الله:

لقد كان رمضانُ مدرسةً اجتمع فيها التعليمُ النظري والعملي، والتعليمُ الفردي والجماعي. تعلمنا فيها الصيامَ حتى صار عادةً يسيرةً لا نستصعبُها، وتروّضت أجسادُنا على القيامِ حتى لم نعدْ نشتكي طولَه، ولانت قلوبُنا للقرآن حتى صرنا نستعذبُ الجلوسَ معه أوقاتاً طويلةً دون ملل، وجادت أيادينا بالعطاء حتى لم نكدْ نسمعُ إيعادَ الشيطانِ الكاذبِ لنا بالفقر والنقص. تلك وغيرها بعضُ مكتسباتِ المدرسةِ الرمضانيةِ التي أعاننا الله على تحصيلها، وأذاقنا لذتَها. فحافظوا على المكتسبات، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثا، واعلموا أن أحبَّ الأعمال إلى الله ليس مجرد الاجتهادُ في رمضانَ ثم الانقطاعُ بعده، وإنما كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أحَبَّ الأعْمَالِ إلى اللَّهِ ما دَامَ وإنْ قَلَّ".

فإن كنتَ اجتهدتَّ في رمضانَ ترجو ما عند الله، فحافظ على منسوب الرجاءِ في قلبِك بعد رمضان، واستمر في النهلِ من مكْرُماتِ الكريم. ليكن لك نصيبٌ شهريٌ من الصيامِ والصدقةِ لا تتركُه إلى الممات، وليكن لك نصيبٌ يوميٌ من القيامِ وقراءةِ القرآنِ ولو بأقلِّ القليل.

اللهمَّ إنّا نسألُك الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرُّشدِ، ونسألُك شُكْرَ نِعمتِك وحُسْنَ عِبادتِك.
بارك الله لي ولكم..

الخطبة الثانية:


أما بعد: معاشر المسلمين..

"قَد شَرَعَ الله لَكُم في خِتَامِ هَذَا الشَّهرِ زَكَاةَ الفِطرِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ لَهُ فَضلٌ عَن قَوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ لَيلَةَ العِيدِ، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قَالَ : "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ زَكَاةَ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ، صَاعًا مِن تَمر، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ، عَلَى العَبدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَن تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلى الصَّلاةِ".

وَالأَفضَلُ إِخرَاجُهَا قَبلَ الصَّلاةِ مِن يَومِ العِيدِ، وَلا يَجُوزُ تَأخِيرُهَا إِلى مَا بَعدَ الصَّلاةِ، وَمَن أَخَّرَها بِغَيرِ عُذرٍ فَهُوَ آثِمٌ، وَيَجِبُ عَلَيهِ إِخرَاجُهَا، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ، فَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ زَكَاةَ الفِطرِ طُهرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعمَةً لِلمَسَاكِينِ، فَمَن أَدَّاهَا قَبلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقبُولَةٌ، وَمَن أَدَّاهَا بَعدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ".

وَيَجُوزُ أَن تُخرَجَ قَبلَ العِيدِ بِيَومٍ أَو يَومَينِ، وَفي البُخَارِيِّ: كَانَ ابنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- يُعطِيهَا لِلَّذِينَ يَقبَلُونَهَا, وَكَانُوا يُعطَونَ قَبلَ الفِطرِ بِيَومٍ أَو يَومَينِ.

وَمِمَّا شَرَعَهُ اللهُ لَنَا صَلاةُ العِيدِ، شعيرةً عظيمةً من شعائر المسلمين، وقد أُمرنا بأن نخرج إليها جميعا رجالاً ونساءً، كبارًا وصغارًا، ففي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهَا- قَالَت: "أُمِرْنَا أَن نُخرِجَ الحُيَّضَ يَومَ العِيدَينِ وَذَوَاتِ الخُدُورِ، فَيَشهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسلِمِينَ وَدَعوَتَهُم، وَتَعتَزِلُ الحُيَّضُ عَن مُصَلاَّهُنَّ".

وَمِمَّا شَرَعَهُ اللهُ لَنَا َالتَّكبِيرُ مِن غُرُوبِ الشَّمسِ لَيلَةَ العِيدِ حَتَّى انقِضَاءِ صلاة العيد تطبيقًا لأمر الله وشكرًا لنعمته، كما قال -سبحانه-: (وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ)[البقرة:185].

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

هنا أيضًا: خطبة مشكولة لآخر جمعة في شهر رمضان المبارك
...المزيد

خطبة عيد الفطر مكتوبة مشكولة عناصرها: 1. شكر الله على توفيقه 2. إحسان الظن بالله في قبول الأعمال ...

خطبة عيد الفطر مكتوبة مشكولة

عناصرها: 1. شكر الله على توفيقه 2. إحسان الظن بالله في قبول الأعمال 3. المداومة على الطاعة بعد شهر رمضان 4. تأملات في نعمة الإسلام 5. أعظم مظاهر العيد 6. العيد فرصة للتواصل والتسامح.

الخُطْبَةُ الأُولَى:


اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ.

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ. اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وللهِ الحَمْدُ.

الْحَمْدُ للهِ الْمَحْمُودِ بِلِسَانِ المُؤْمِنِينَ، المُتَفَضِّلِ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، لَا نُحْصِي نِعَمَهُ، وَلَا نَعُدُّ آلَاءَهُ، وَلَا نُحِيطُ بِإِحْسَانِهِ، فَلَهُ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَتَبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَا يَخِيبُ مَنْ دَعَاهُ، وَلَا يَضِيعُ مَنْ رَجَاهُ، فَسُبْحَانَهُ مِنْ إِلَهٍ، يُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَرْفَعُ وَيَضَعُ، وَيُغْنِي وَيُفْقِرُ، وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَكُلُّ شَيْءٍ بِيَدِهِ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ شَرَعَ لِأُمَّتِهِ الْأَعْيَادَ الشَّرْعِيَّةَ فَأَغْنَاهَا عَنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَنَهَاهَا عَنِ الْأَعْيَادِ الْبِدْعِيَّةِ، وَأَمَرَهَا بِالتَّمَسُّكِ بِالشِّرْعَةِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَلَا خَيْرَ إِلَّا أَحَبَّهُ لَنَا وَدَلَّنَا عَلَيْهِ، وَلَا شَرَّ إِلَّا كَرِهَهُ لَنَا وَحَذَّرَنَا مِنْهُ، تَرَكَنَا عَلَى بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى صَحَابَتِهِ الْغُرِّ المَيَامِينِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.

اللهُ أَكْبَرُ؛ صَامَ لَهُ المُؤْمِنُونَ تَعَبُّدًا وَرِقًّا، اللهُ أَكْبَرُ؛ قَامَ لَهُ الْقَائِمُونَ مَحَبَّةً وَذُلًّا، اللهُ أَكْبَرُ؛ بَذَلَ لَهُ الْمُحْسِنُونَ رَجَاءً وَخَوْفًا، فَاللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَاللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا أَعْطَانَا، وَاللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا أَوْلَانَا، وَللهِ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَللهِ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَللهِ الْحَمْدُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ كَمَا أَثْنَى هُوَ عَلَى نَفْسِهِ.

اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ- لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، اتَّقُوه (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) ~ [الأحزاب:٧٠، ٧١]، وَاحْمِدُوا رَبَّكُمْ حَيْثُ جَعَلَ لَكُمْ عِيدًا عَظِيمًا وَمَوْسِمًا جَلِيلًا كَرِيمًا يَتَمَيَّزُ عَنْ أَعْيَادِ الكُفَّارِ بِنُورِهِ وَبَهَائِهِ، وَيَخْتَصُّ بِخَيْرِهِ وَمَصَالِحِهِ وَبَرَكَاتِهِ؛ عَيْدٌ عَظِيمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالإِيمَانِ، قَائِمٌ عَلَى الإِخْلَاصِ وَالتَّمْجِيدِ وَالثَّنَاءِ وَالشُّكْرِ لِلرَّحْمَنِ.

عِيدُنَا -أَهْلَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ- لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ شَعَائِرِ الشِّرْكِ وَالكُفْرَانِ، عَيدُ الفَرَحِ وَالاسْتِبْشَارِ، عِيدٌ يَمَلَأُ القُلُوبِ فَرَحًا وَسُرُورًا، وَيَتَلَأْلَأُ فِي الإِفْطَارِ فِيهِ بَهَاءً وَضِيَاءً وَنُورًا، مَقْصِدُهُ الأَجَلُّ الأَكْبَرُ أَنَّهُمْ يَحْمدُونَ اللهَ عَلَى القِيَامِ بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصِّيَامِ وَمَا مَنَّ بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالقِيَامِ، المُوصِلَةِ إِلَى دَارِ السَّلَامِ، فَيَشْكُرُونَ اللهَ حَيْثُ وَفَّقَهُمْ لإِتْمَامِ صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ، وَمَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي لَيَالِيهِ وَأَيَّامِهِ، فَيَغْدُونَ إِلَى صَلَاةِ العِيدِ مُكَبِّرِينَ وَلِرَبِّهِمْ خَاضِعِينَ؛ (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ~ [البقرة:١٨٥]؛ قَدْ فَرَحوا بِإِكْمَالِ صِيَامِهِمْ وَقِيَامِهِمْ، مُسْتَبْشِرِينَ طَالِبِينَ مِنْ رِبِّهِمُ العِتْقَ مِنَ النَّارِ وَالقَبُولَ.

فَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُمْ، وَاطْمَعُوا غَايَةَ الطَّمَعِ فِي فَضْلِهِ العَظِيمِ، فَإِنَّهُ فِي هَذَا اليَوْمِ تُعْلَنُ النَّتَائِجُ، وَتُوَزَّعُ الجَوَائِزُ، فَيَفْرَحُ الَّذِينَ جَدُّوا وَاجْتَهَدُوا فِي رَمَضَانَ، سَبَقَ قَوْمٌ فَفَازُوا، وَجَدُّوا فَنَالُوا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الفِطْرِ خَرَجَ النَّاسُ إِلَى المَسْجِدِ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِمُ رَبُّهَمُ وَيَقُولُ: "عِبَادِيِ! لِي صُمْتُمْ، وَلِي قُمْتُمُ، ارْجَعُوا مَغْفُورًا لَكُمْ".

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: أدِيمُوا عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ رَمَضَانَ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يُعْبَدُ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ؛ وَبِئْسَ قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَ اللهَ -تَعَالَى- إِلَّا فِي رَمَضَانَ.

اللهَ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.

أَيُّهَا النَّاسُ! إِنْ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللهُ عَلَيْنَا هِيَ نِعْمَةُ الإِسْلَامِ؛ حِينَمَا يُسَلِّمُكَ مِنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ وَالوَثَنِيَّةِ وَوَسَائِلِهَا، وَلِهَذَا يُضِيفُ اللهُ هَذِهِ النِّعْمَةِ إِلَى نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ~ [المائدة:٣]، وقال: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ~ [البقرة:١٥٠]؛ لِأَنَّ فِيهَا فَلَاحَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَفِيهَا العِصْمَةَ وَالنَّجَاةَ مِنْ طِرِيقِ الجَحِيمِ، وَلَنْ يَقْبَلُ اللهُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا غَيْرَهُ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالَفَرَحِ مِنَ النِّعَمِ إِلَّا بِنِعْمَةِ الهِدَايَةِ لِلإِسْلَامِ؛ كَمَا قَالَ: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ~ [يونس:٥٨].

فَنِعْمَةُ الدِّينِ المُتَّصِلَةُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، لَا نِسْبَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَمِيعِ مَا فِي الدُّنْيَا مِمَّا هُوَ مُضْمَحلٌّ زَائِلُ عَنْ قَرِيبٍ، وَإِنَّمَا أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- بِالفَرَحِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ انْبِسَاطَ النَّفْسِ وَنَشاطَهَا، وَشُكْرَهَا للهِ -تَعَالَى-، وُقُوَّتَهَا وَشِدَّةَ الرَّغْبَةِ فِي العِلْمِ وَالإِيمَانِ الدَّاعِي لِلازْدِيَادِ مِنْهُمَا، وَهَذَا فَرَحٌ مَحْمُودٌ؛ وَلِهَذَا رَوى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمْرو بْنِ العَاصِ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ"، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِلَفْظِ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ هُدِيَ إِلَى الإِسْلَامِ".

وَلَا غَرْوَ! أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الفَلَاح، فَمَا مِنْ خَيْرٍ إِلَّا وَأَمَرَ بِهِ، وَمَا مِنْ شَرٍّ إِلَّا وَنَهَى عَنْهُ، فَفِيهِ مِنَ الأَوَامِرِ الجَمِيلَةِ الكَفِيلَةِ بِصَلاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ مِنَ البِرِّ وَالصِّلَةِ، وَالإِحْسَانِ وَالبَذْلِ، وَتَعْظِيمِ حُقُوقِ النَّاسِ، وَجَمَالِ التَّوَاصُلِ مَعَهُمْ بِالسَّلَامِ وَالزِّيَارَةِ وَالعِيَادَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالهَدِيَّةِ، وَفِيهِ التَّرَقِّي بِالنَّفْسِ وَالتَّزْكِيَةُ لَهَا، فَأَمَرَ بِالحَيَاءِ وَالعِفَّةِ، وَالسَّخَاءِ، وَإِحْسَانِ الظَّنِّ، وَنَبْذِ الشُّحِّ وَالحِقْدِ وَالحَسَدِ، وَأَبْطَلَ الخُرَافَةَ وَالغُلُوَّ، وَشَرَعَ مَا يَضْمَنُ الحَقَّ وَيَرْدَعُ البَاطِلَ وَأَهْلَهُ، وَيُخَوِّفُ مِنَ الجَرِيمَةِ، فَشَرَعَ الحُدُودَ وَالتَّعْزِيرَ، وَجَعَلَهَا مُنَاطَةً بِالسُّلْطَانِ وَمَنْ يُنِيبُهُ بِلَا فَوْضَى وَلَا هَوَى.

وَلِهَذَا كَانَ كُفْرَانَ هَذِهِ النِّعْمَةِ أَعْظَمَ الكُفْرَانِ وَأَشَدَّهُ، وَأَقْبَحَهُ وَأَرْذَلَهُ، فَمَنْ عَرَفَ هَذَا الدِّينَ وَعَرَفَ مَحَاسِنَهُ ثُمَّ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَاحْتَوشَتْهُ الشَّيَاطِينُ وَانْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَدْ خَسِرَ الخُسْرَانَ المُبِينَ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذَابِ المُهِينِ، وَهُوَ أَعْظَمُ عَذَابًا وَوَبَالًا مَمَّنْ لَمْ يَعْرِفْهُ تَمَامَ المَعْرِفَةِ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِ أَصْلًا وَلَمْ تَأْتِهِ هَذِهِ النِّعْمَةُ وَلَمْ يَعِشْهَا!

كَيْفَ لِرَجُلٍ وُلِدَ عَلَى الإِسْلَامِ، وَتَلَبَّسَ بِشَرَائِعِهِ، وَشَعَرَ بِفَضَائِلِهِ أَنْ يَرْتَدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ خَاسِرًا حَقِيرًا قَدْ كَفَرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي مَنَّ اللهُ بِهَا عَلَيْهَ؟!

وَلِهَذَا جَاءَ فِي القُرْآنِ آيَاتٌ تُزَلْزِلُ القَلْبَ بِمَا لِمْ يَأْتِ بِمِثْلِهِ مِنَ التَّهْدِيدِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ واللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) ~ [آل عمران: ٨٦ - ٩٠].

وَقَالَ -تَعَالَى-: (مَنْ كَفَرَ باللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ~ [النحل: ١٠٦ - ١٠٩]، غَرَّتَهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا، غَرَّتَهُمُ الشِّعَارَاتُ الزَّائِفَةُ -كَالحُرِّيَّاتِ وَالانْفِتَاحِ المُنْفَلِتِ- فَنَكَصُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ لِلْحَقِّ.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية:


اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الحَمْدُ.

أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ الْعِيدِ مَا يَحْدُثُ بَيْنَ الأَهْلِ وَالْجِيرَانِ مِنْ صِلَةٍ لِلْأَرَحَام وَتَبَادُلٍ للتَّزَاوُرِ وَالسَّلامِ؛ مِمَّا لَهُ الأَثَرُ الْبَالِغُ عَلَى النُّفُوسِ فِي نَشْرِ الْمَحَبَّةِ وَالأُلْفَةِ وَالتَّعَاوُنِ بَيْنَ الأَقَارِبِ، وَهَذِهِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) ~ [الرعد:٢١]. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِي: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".

أَيُّهَا الْمُسْلِمُ!إِنَّ الْعِيدَ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيْرًا مِنْهُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَوَانِعِ المَغْفِرَةِ هِيَ المُشَاحَنَاتِ وَالعَدَاوَاتِ، وَأَعْظَمِ أَسْبَابِ المَغْفِرَةِ هِيَ الصَّفْحُ وَالعَفْوُ، وَمَا زَادَ العَفُوُ إِلَّا عِزًّا، فَلَا تَسْتَسْلِم لِأَدْوَاءِ النَّفْسِ وَوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَأَعْلِنْ فِي يَوْمِ العِيدِ العَفْوَ وَالصَّفْحَ؛ لِتَنَالَ مِنَ الأَجْرِ مَا لَا تَنَالُهُ إِلَّا بِالصَّفْحِ وَالعَفْوِ.

اخْرُجُوا مِنْ هَذَا الجَامِعِ بِقُلُوبٍ نَظِيفَةٍ مِنَ الأَحْقَادِ، وَالْبَسُوا ثَوْبَ التَّسَامُحِ وَالتَّصَالُحِ، فَإِنَّهَا أَعْظَمُ عِبَادَاتِ يَوْمِ العِيدِ، وَأَعْظَمُ أُجُورِ يَوْمِ المَزِيدِ، (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) ~ [الشعراء: ٨٨، ٨٩].

أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ الشَّرِيفَاتُ، وَالْحَرَائِرُ الْمَصُونَاتُ الْعَفِيفَاتُ، يَا مَنْ أَعَزَّكُنَّ اللهُ بِالدِّينِ، وَشَرَّفَكُنَّ بِالسِّتْرِ وَالْجِلْبَابِ! تَمَسَّكْنَ بِحِجَابِكُنَّ كَمَا تَتَمَسَّكْنَ بِدِينِكُنَّ، فَاللهَ اللهَ فِي حَيَائِكُنَّ وَعَفَافِكُنَّ، وَاعْلَمْنَ أَنَّ الْمَرْأَةَ بِصَلَاحِهَا يَصْلُحُ الْمُجْتَمَعُ، وَبِفَسَادِهَا يُصْبِحُ الْمُجْتَمُعُ فِي تِيهٍ وَسَرَابٍ! فَالْأُمُّ هِيَ الْمُجْتَمَعُ، وَالْأُمُّ هِيَ الْأَسَاسُ، وَهِيَ صَمَّامُ الْأَمَانِ بِإِذْنِ اللهِ.

وَنُذَكِّرُ الجَمِيعَ بِالاحْتِرَازَاتِ الصِّحيَّةِ فِي سَلامِكُمْ وَاجْتِمَاعَاتِكُمْ، فَإِنَّ الْتِزَامَكُمْ بِهَا مُعِينٌ عَلَى حِفْظِ النَّفْسِ مِنَ الوَبَاءِ -بَإِذْنِ اللهِ-.

أَعَادَ اللهُ -تَعَالَى- عِيدَنَا عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ وَعَلَى المُسْلِمِينَ بِاليُمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ، وَتَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَمِنَ المُسْلِمِينَ صَالِحَ الأَعْمَالِ، وَتَقَبَّلَ اللهُ طَاعَتَكُمْ، وَجَعَلَ عِيدَكُمْ سَعِيدًا، وَعَمَلَكُمْ رَشِيدًا، وَأَعَادَ عَلَيْكُمْ رَمَضَانَ أَعْوَامًا عَدِيدَةً، وَأَزْمِنَةً مَدِيدَةً، بِصِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ وَإِيمَانٍ، وَتَقَبَّلَ اللهُ صِيَامَكُمْ وَقِيَامَكُمْ وَصَالِحَ أَعْمَالَكُمْ.

الدعاء


اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا وَدُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا ... اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ ... وانْصُرْ عِبَادَكَ المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِكِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِاليَهُودِ المُعْتَدِينَ وَالنَّصَارَى المُحَارِبِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكِ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَكَ، اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا ....

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِمَا يُرْضِيكَ، وَجَنِّبْهُمْ مَعَاصِيكَ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَى التَّائِبِينَ، وَاهْدِ ضَالَّ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ رُدَّهُمْ إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، اللَّهُمْ ارْفَعْ مَا نَزَلَ مِنَ الفِتَنِ ... اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا...

اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الرَّحِيمُ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى نَبِينَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

مقترح لك: خطبة الأوقاف لعيد الفطر مكتوبة + ملف pdf موقع المزيد
...المزيد

خطبة عيد الفطر مكتوبة مشكولة عناصرها: 1. المقصود بسُنَّة التدافع الربانية 2. فوائد سُنَّة ...

خطبة عيد الفطر مكتوبة مشكولة

عناصرها: 1. المقصود بسُنَّة التدافع الربانية 2. فوائد سُنَّة التدافع 3. ما يجب على المسلمين حيالَ سنة التدافع 4. أمثلة على سنة التدافع من حياة الأنبياء 5. وصايا للمرأة المسلمة.

الخطبة الأولى:


الْحَمْدُ لِلَّهِ الْخَلَّاقِ الْعَلِيمِ، الْبَرِّ الرَّحِيمِ؛ يَفِيضُ مِنْ جُودِهِ وَبِرِّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَيُتَابِعُ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ وَإِحْسَانَهُ، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِهِ الشَّكُورُ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ هَدَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ لِلْإِيمَانِ، وَعَلَّمَهُمُ الْحِكْمَةَ وَالْقُرْآنَ، وَزَكَّاهُمْ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ؛ فَلَهُمُ الْأَمْنُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَضَلَّ قَوْمٌ عَنْ هُدَاهُ؛ فَعَاشُوا فِي الدُّنْيَا أَشْقِيَاءَ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مُخَلَّدُونَ فِي الْعَذَابِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ رَفَعَ اللَّهُ -تَعَالَى- ذِكْرَهُ فِي الْعَالَمِينَ، فَعُرِفَ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَجَعَلَ أُمَّتَهُ خَيْرَ الْأُمَمِ أَجْمَعِينَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ؛ فَإِنَّكُمْ صُمْتُمْ شَهْرَكُمْ، وَقُمْتُمْ لَيْلَكُمْ، وَأَجْهَدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَتَقَرَّبْتُمْ إِلَى رَبِّكُمْ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فِي رَمَضَانَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الطَّاعَاتِ؛ فَلَا تَنْقُضُوا عَهْدَكُمْ، وَلَا تُفَارِقُوا مَسَاجِدَكُمْ، وَلَا تَهْجُرُوا مَصَاحِفَكُمْ، وَلَا تَقْبِضُوا أَيْدِيَكُمْ، وَاجْعَلُوا أَيَّامَكُمْ كُلَّهَا رَمَضَانَ؛ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَالْمُسَابَقَةِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ؛ فَإِنَّ غَايَتَكُمْ رِضَا اللَّهِ -تَعَالَى- وَالْفَوْزُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ يُنَالُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَاتِ إِلَى الْمَمَاتِ؛ (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)[الْحِجْرِ: 99].
اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

اللَّهُ أَكْبَرُ؛ كَمْ مِنْ صَائِمٍ قَائِمٍ فَقَدَ رَمَضَانَ، وَلَهُ بَعْدَ رَمَضَانَ صِيَامُ تَطَوُّعٍ وَقِيَامٌ وَتَهَجُّدٌ.

اللَّهُ أَكْبَرُ؛ كَمْ مِنْ مُنْفِقٍ أَطْعَمَ الطَّعَامَ طُوِيَتْ مَوَائِدُ إِطْعَامِهِ بِإِهْلَالِ الْعِيدِ، وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ وَيُطْعِمَ طَوَالَ الْعَامِ.

اللَّهُ أَكْبَرُ؛ كَمْ مِنْ قَارِئٍ نَشَرَ مُصْحَفَهُ يُرَتِّلُ الْقُرْآنَ وَيَتَدَبَّرُهُ فِي رَمَضَانَ، قَدْ عُرِفَ مَكَانُهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ كَثْرَةِ مُكْثِهِ فِيهِ، قَدْ بَارَحَهُ الْبَارِحَةَ، وَلَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَبَّرَهُ كُلَّ حِينٍ. فَاللَّهُ -تَعَالَى- يُعْبَدُ فِي رَمَضَانَ وَبَعْدَ رَمَضَانَ.
اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: قَرَأَ الْمُسْلِمُونَ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ، وَاسْتَمَعُوا لِآيَاتِهِ فِي التَّرَاوِيحِ وَالْقِيَامِ. وَمِمَّا قَرَؤُوا وَسَمِعُوا آيَاتُ التَّدَافُعِ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ قَضَى اللَّهُ -تَعَالَى- بِهَا عَلَى الْعِبَادِ، وَأَنْصَتُوا لِقَصَصِ التَّدَافُعِ فِي الْقُرْآنِ، وَكُرِّرَتْ عَلَيْهِمْ فِي السُّوَرِ؛ لِيَفْهَمُوا هَذِهِ السُّنَّةَ الرَّبَّانِيَّةَ الْعَظِيمَةَ. وَأَوَّلُهَا قِصَّةُ آدَمَ وَإِبْلِيسَ، ثُمَّ قَصَصُ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلُوطٍ، وَمُوسَى، وَشُعَيْبٍ مَعَ أَقْوَامِهِمْ، وَقِصَصٌ أُخْرَى غَيْرُهَا، كُلُّهَا نَمَاذِجُ لِلتَّدَافُعِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَقَرَؤُوا غَزْوَةَ بَدْرٍ فِي الْأَنْفَالِ، وَغَزْوَةَ أُحُدٍ فِي آلِ عِمْرَانَ، وَغَزْوَةَ الْخَنْدَقِ وَقُرَيْظَةَ فِي الْأَحْزَابِ، وَغَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ فِي الْحَشْرِ، وَغَزْوَةَ حُنَيْنٍ وَتَبُوكَ فِي التَّوْبَةِ، وَكُلُّهَا نَمَاذِجُ لِلتَّدَافُعِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَرَؤُوا أَخْبَارَ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ مِنْ تَدَافُعِ أَهْلِ الْبَاطِلِ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[الْبَقَرَةِ: 113]، "أَيْ نُسَلِّطُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ"، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى)[الْحَشْرِ: 14]. وَفِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ جَامِعَةٌ لِلتَّدَافُعِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ؛ كَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ)[الْحَجِّ: 62]؛ لِتَشْمَلَ تَدَافُعَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَالتَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ، وَالسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، وَهُوَ مَا شَهِدَتْهُ الْبَشَرِيَّةُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَلَنْ يَنْفَكَّ زَمَنٌ عَنْهُ، وَلَنْ تَخْلُوَ أَرْضٌ مِنْهُ، مُنْذُ أَنْ خَاطَبَ اللَّهُ -تَعَالَى- آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ قَائِلًا لَهُمْ: (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)[الْبَقَرَةِ: 36]، وَإِلَى آخِرِ الزَّمَانِ.

سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِصَالِحِ الْبَشَرِ؛ إِذْ لَوْلَا تَدَافُعُهُمْ لَفَسَدَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَضَمِرَتْ عُقُولُهُمْ، وَتَلَاشَتْ مَعَارِفُهُمْ، وَكَسَدَتْ تِجَارَتُهُمْ، وَتَلِفَتْ زُرُوعُهُمْ، وَتَوَقَّفَ عُمْرَانُهُمْ؛ فَالتَّدَافُعُ يَقُودُ إِلَى الصِّرَاعِ وَالتَّنَافُسِ، وَحُبِّ الْبَقَاءِ وَالْقِيَادَةِ؛ وَلِذَا قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)[الْبَقَرَةِ: 251]. وَمِنْ فَضْلِهِ عَلَى الْعَالَمِينَ قَضَاؤُهُ بِسُنَّةِ التَّدَافُعِ بَيْنَهُمْ. وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا)[الْحَجِّ: 40].

وَإِذَا كَانَ التَّدَافُعُ وَاقِعًا لَا مَحَالَةَ فَوَاجِبٌ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ حِيَالَهُ جُمْلَةُ أُمُورٍ؛ مِنْ أَهَمِّهَا: فَهْمُ هَذِهِ السُّنَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَتَفْسِيرُ مَا يَجْرِي مِنْ صِرَاعَاتٍ عَلَى وَفْقِهَا، وَالْيَقِينُ بِأَنَّ مَا يَقَعُ بَيْنَ الدُّوَلِ مِنْ تَدَافُعٍ وَصِرَاعٍ فَهُوَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَأَمْرِهِ الْكَوْنِيِّ؛ (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)[آلِ عِمْرَانَ: 154]، (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)[الْأَعْرَافِ: 54]، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ)[الرُّومِ: 25]، (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ)[هُودٍ: 123]. وَالْيَقِينُ بِأَنَّ هَذَا التَّدَافُعَ فِي صَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ ابْتِلَاءٌ يَبْتَلِي اللَّهُ -تَعَالَى- بِهِ الْعِبَادَ، فِي تَسْلِيطِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؛ (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)[مُحَمَّدٍ: 4]. فَإِنْ وَقَعَ ضَرَرٌ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ جَرَّاءَ التَّدَافُعِ؛ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَصْبِرُوا وَيَتَّقُوا وَيُوقِنُوا بِوَعْدِ اللَّهِ -تَعَالَى-؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[آلِ عِمْرَانَ: 120]. وَالتَّمْكِينُ مَعْقُودٌ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ؛ (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)[السَّجْدَةِ: 24]، وَأَنْ يَنْحَازَ أَهْلُ الْإِيمَانِ فِي أَيِّ تَدَافُعٍ لِلْحَقِّ مَهْمَا بَدَا لَهُمْ أَنَّهُ ضَعِيفٌ مُسْتَبَاحٌ، وَيَكُونُوا أَنْصَارَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- أَمَرَ بِاتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَالثَّبَاتِ عَلَيْهِ مَهْمَا كَانَتِ التَّضْحِيَاتُ؛ وَلِأَنَّ جَزَاءَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ فَوْزٌ عَظِيمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَلِأَنَّ الْحَقَّ ظَاهِرٌ عَلَى الْبَاطِلِ لَا مَحَالَةَ؛ (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)[الْأَنْفَالِ: 8]، (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)[الْأَنْبِيَاءِ: 18]. مَعَ التَّعَلُّقِ بِاللَّهِ -تَعَالَى- فِيمَا يُخْشَى مِنْهُ، وَالرُّكُونِ إِلَيْهِ -سُبْحَانَهُ-، وَالثِّقَةِ بِوَعْدِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَإِنَّ مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ؛ (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 122]، وَقَالَ الْمُعَذَّبُونَ الْأَوَّلُونَ: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)[إِبْرَاهِيمَ: 12]. وَأُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ فَكَانَتْ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأُلْقِيَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ ثُمَّ كَانَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ، وَأُلْقِيَ مُوسَى فِي الْيَمِّ طِفْلًا رَضِيعًا فَلَمْ يَغْرَقْ، وَخَرَجَ فِرْعَوْنُ بِجُنْدِهِ وَعَتَادِهِ وَجَبَرُوتِهِ فَغَرِقَ. فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ -تَعَالَى-، وَأَنَّهُ -سُبْحَانَهُ- يَجْعَلُ الْمِحَنَ مِنَحًا، وَالْعُسْرَ يُسْرًا، وَيُعْقِبُ الْكَرْبَ فَرَجًا، وَالضِّيقَ سَعَةً، وَيَقْلِبُ الْقِلَّةَ كَثْرَةً، وَالضَّعْفَ قُوَّةً، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَبِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ، وَأَنَّهُ يَجْرِي حُكْمُهُ فِي عِبَادِهِ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْيَقِينِ بِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالتَّعَلُّقِ بِهِ، وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، وَتَطْبِيقِ شَرْعِهِ، وَالْتِزَامِ دِينِهِ، وَالتَّمَسُّكِ بِكِتَابِهِ.

وهذه: خطبة الشيخ محمد حسان في عيد الفطر
اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية:


الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، الْمَلِكِ الْحَقِّ الْمُبِينِ؛ مَدَّ فِي أَعْمَارِنَا فَصُمْنَا شَهْرَنَا، وَحَضَرْنَا عِيدَنَا، فَلَهُ الْحَمْدُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ كَمَا أَثْنَى هُوَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ حَقَّتْ عِبَادَتُهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَوَجَبَ حَمْدُهُ وَشُكْرُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ حَثَّ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ التَّطَوُّعِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ، وَسَلُوهُ الْقَبُولَ؛ فَإِنَّ رَبَّكُمْ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى مَا وُفِّقْتُمْ لَهُ مِنَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ؛ (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[الْبَقَرَةِ: 185].

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ، أَيَّتُهَا الصَّائِمَةُ الْقَائِمَةُ: إِنَّ قَضَايَا الْمَرْأَةِ جُزْءٌ مِنَ التَّدَافُعِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ وَأَهْلِ الْبَاطِلِ، فَيَكْثُرُ الْجَدَلُ فِيهَا بَيْنَ مَنْ يُرِيدُونَ إِكْرَامَهَا وَالْحِفَاظَ عَلَيْهَا، وَمَنْ يُرِيدُونَ إِهَانَتَهَا وَابْتِذَالَهَا.. بَيْنَ مَنْ يُرِيدُونَ لَهَا رِسَالَةً سَامِيَةً، وَبِنَاءَ أُسْرَةٍ صَالِحَةٍ، تَنْعَمُ فِيهَا بِأَوْلَادٍ وَأَحْفَادٍ يَبَرُّونَهَا إِلَى مَوْتِهَا، وَمَنْ يُرِيدُونَ تَحْوِيلَهَا إِلَى سِلْعَةٍ تُبَاعُ وَتُشْتَرَى فِي سُوقِ النِّخَاسَةِ لِإِشْبَاعِ مَلَذَّاتِهِمْ؛ حَتَّى إِذَا ذَهَبَتْ نَضَارَتُهَا، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهَا؛ رُمِيَتْ كَمَا تُرْمَى النُّفَايَاتُ.. وَهَذَا التَّدَافُعُ سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ، يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تَخْتَارَ فِيهِ إِرْضَاءَ رَبِّهَا -سُبْحَانَهُ-، وَالثَّبَاتَ عَلَى دِينِهَا، وَالْعَمَلَ بِأَحْكَامِ شَرِيعَتِهَا، وَالتَّمَسُّكَ بِعَفَافِهَا وَحِجَابِهَا، وَبُعْدَهَا عَنْ مَوَاطِنِ الْفِتْنَةِ، فَلَا تُفْتَنُ هِيَ فِي دِينِهَا، وَلَا يُفْتَنُ الرِّجَالُ بِهَا. فَإِذَا اخْتَارَتْ ذَلِكَ فَلْتُبَشَّرْ بِرِضَا رَبِّهَا -سُبْحَانَهُ- عَنْهَا، وَبِسَعَادَةٍ تَغْمُرُهَا فِي دُنْيَاهَا، وَفَوْزٍ أَكْبَرَ يَنْتَظِرُهَا بَعْدَ وَفَاتِهَا، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا، دَخَلَتْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

حَفِظَ اللَّهُ -تَعَالَى- نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَبَنَاتِهِمْ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ، وَغَلَبَةِ الْهَوَى، وَمَكْرِ الشَّيَاطِينِ، وَجَعَلَهُنَّ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: بِالْأَمْسِ يَجِبُ الصِّيَامُ، وَالْيَوْمَ يَجِبُ الْفِطْرُ، وَغَدًا يُشْرَعُ الصِّيَامُ، وَكُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ -تَعَالَى-؛ (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)[آلِ عِمْرَانَ: 7]، وَنَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحَالٍ. وَالْعِيدُ عِيدُ أَهْلِ الْإِيمَانِ، بَعْدَ أَنْ قَضَوْا شَهْرًا كَامِلًا فِي الصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ وَالْقِيَامِ، وَالْبِرِّ وَالْإِطْعَامِ وَالْإِحْسَانِ، فَحُقَّ لَهُمْ أَنْ يَفْرَحُوا بِعِيدٍ شَرَعَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- لَهُمْ، وَأَنْ يَبَرُّوا وَالِدِيهِمْ، وَيَصِلُوا أَرْحَامَهُمْ، وَيُحْسِنُوا إِلَى جِيرَانِهِمْ، وَيُدْخِلُوا السُّرُورَ عَلَى نِسَائِهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ؛ فَهَذَا عِيدُهُمْ وَفَرَحُهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ -تَعَالَى-؛ "وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ".

أَعَادَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَتَقَبَّلَ اللَّهُ -تَعَالَى- مِنَّا وَمِنْكُمْ وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ صَالِحَ الْأَعْمَالِ.
اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]...
...المزيد

خطبة فضائل ليلة القدر والحث على تحريها عناصرها: 1. سرعة مرور أيام شهر رمضان 2. فضائل العشر الأواخر ...

خطبة فضائل ليلة القدر والحث على تحريها
عناصرها: 1. سرعة مرور أيام شهر رمضان 2. فضائل العشر الأواخر 3. ظواهر مؤسفة في العشر الأواخر 4. الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر 5. فضائل ليلة القدر والحث على تحريها.

الخُطْبَةُ الأُولَى:


الحمدُ لله الرَّحيمِ الرَّحمنِ، أَشهدُ ألاَّ إلهَ إلاَّ اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، الْمَلِكُ الدَّيَّانُ. وَأَشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُ اللهِ وَرَسُولُه جُودٌ يَتضَاعَفُ فِي رَمَضَانَ، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليه وعلى آلِهِ وَأصحَابِهِ أَهْلِ العِبَادَةِ والْبِرِّ والإحْسَانِ, ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ وإيمانٍ.

أمَّا بَعْدُ: فَيا أيُّها الصَّائِمونَ، اتَّقوا اللهَ -تعالى-؛ فتقوى اللهِ سَبِيلُ المُؤمِنينَ، وَزَادُ الصَّالِحِينَ، هَنِيئاً لَنا نَحْنُ الصَّائِمينَ؛ فَقَدْ أَدْرَكْنَا مِنَ الأَمْسِ أَوَّلَ أَيَّامِ العَشرِ الأَوَاخِرِ، ذَاتِ الفَضَائِلِ والْمَنَازِلِ، وَسُبْحَانَ اللهِ! كنَّا قبل أَيَّامٍ نَتَبَاشَرُ باستِقبالِهِ، وها نحنُ في عَشْرهِ الأَواخِرِ، وَعَمَّا قَلِيلٍ نُودِّعُهُ لِعَامٍ قَابِلٍ، أَيُّهَا الصَّائِمُ:
هَا قَدْ حَبَاكَ اللَّهُ مَغْفِرَةً *** طَرَقَتْ رِحَابَكَ هَذِهِ العَشْرُ

أيُّها الصَّائمونَ: إنَّ شهرَنا قَدْ أَخَذَ فِي النَّقصِ فَلْنَزِد في العمَلِ. وَمِن نِعَمِ اللهِ عَلَينَا أنْ جَعَلَ عَشْرَنَا مَوسمَ خَيرٍ وعَطَاءٍ، فَهيَ فُرصَةٌ لِمَنْ فَرَّطَ أَوَّلَ الشَّهْرِ، أَو تَاجًا وخِتَامًا لِمَن أَطَاعَ رَبَّهُ واتَّبعَ الأمْرَ.

أيُّها الصَّائمونَ: لَئنْ كَانتْ أيَّامُ رَمَضَانَ مَعْدُودَاتٍ, فَليالي العَشْرِ سَاعَات مَحدودة.

عِبادَ اللهِ: عشرُنا سُوقٌ عظيمٌ يَتَنافسُ فيه الْمُتَنَافِسونَ، وَيَتَمَيَّزُ فيها الصَّائِمونَ الْمُخلِصونَ؛ وَلَكِنْ أَتَدْرُونَ مَنْ هُمُ الخَاسِرُون؟ إنَّهُمْ طائفةٌ سَمِعتِ النِّداءَ وكأنَّهُ لا يَعنِيها، تَرى الْمُؤمنينَ يُصَلُّون ويَتَهَجَّدُونَ وكأنَّهم عن رَحمَةِ اللهِ مُسْتَغْنُونَ، وَصدَقَ اللهُ: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)[الكهف:103-104].

عِبَادَ اللهِ: ظَاهِرَةٌ مُؤسِفَةٌ تَظْهَرُ في كُلِّ عَشْرٍ مُبَارَكَةِ، ولا يُعرَفُ لها تَفسيرٌ إلاَّ الغَفْلَة والحِرمان, فَبَعْضُ الصَّائِمِينَ يَنْشَغِلُ بِمِهْرَجَانَاتِ التَّسَوُّقِ والتِّجْوالِ وَتَنْقَضِي لَيَالِي العَشْرِ في التَّنَقُّلِ بينَ الأسواقِ بَحثًا عن أَثَاثٍ أو ثِيَابٍ، وَنَسُوا أَنَّ رَسُولُنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "أَحَبُّ البِلادِ إلى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلادِ إلى اللهِ أَسْوَاقُهَا"(رَواهُ مُسْلِمٌ). فَعَلَينَا أَنْ نُذَكِّرَ أَنْفُسَنا وَأَهلِينَا بِفَضائِل العَشرِ لِتَكونَ دافِعَا لَنا على الجدِّ والعملِ.

عِبَادَ اللهِ: لَقد كانَ رَسُولُنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يجتهدُ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ وَيَخصُّهَا بِمَزِيدٍ من الأَعْمَالِ مَا لا يَجتَهِدُ في غَيرِهَا, فَهُوَ يُحيي الَّليلَ كُلَّه، ويَتجنَّبُ نِسَاءَه، كَمَا قَالَتْ أُمُّنَا عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَأرْضَاهَا-: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ".

قَالَ ابنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَلَمْ يَكُنِ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- إذَا بَقِيَ مِنَ رَمَضَانَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ يَدَعُ أَحَداً مِن أَهْلِهِ يُطيقُ القِيَامَ إلاَّ أَقَامَهُ". هَكَذا كَانَ هَدْيُهُ -صلى الله عليه وسلم- مُتفرِّغاً للعبادةِ, مُقبِلاً عَليها، بَلْ كَانَ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يَعْتَكِفُ في العَشْرِ لِيَنْقَطِعَ عَن الدُّنيا وَمَشاغِلِها مُتَحَرِّياً ليلةَ القدر. وَمِنْ بعْدِه سَارَ الصَّالِحِونَ, فَلَقَد كَانَ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ قَتَادَةُ بنُ دعَامة -رَحِمَهُ اللهُ- يَخْتِمُ القُرَآنَ في كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ مَرَّةً، فِإذَا دَخَلَ رَمَضَانُ خَتَمَ في كُلِّ ثَلاثِ لَيَالٍ مَرَّةً، فَإذَا دَخَلَتِ العَشْرُ خَتَمَ في كلِّ لَيلَةٍ مَرَّةً.

أيُّها الصَّائِمُونَ: أَتعجَبُونَ مِنْ هذهِ الهِمَّةِ؟ فَصَدَقَ مَنْ قَالَ: "كُنتُ أقُولُ: كَيفَ كَانَ السَّلَفُ يَعكُفُونَ على القُرآنِ طَويلاً؟، فَلَمَّا رَأَيْتُ العاكِفِينَ على الجَوَّالاتِ زَالَ عَجَبِي، وَعَلمْتُ أَنَّ القَلْبَ إذَا أَحَبَّ شَيئاً عَكَفَ عليهِ!".

أَيُّها الصَّائِمُونَ: وَمِنْ شِدَّةِ تَعظِيمِ السَّلفِ لِلعَشْرِ أنَّهُم كانُوا يَغْتَسِلُونَ وَيَتَطيَّبُونَ وَيَتَزيَّنُونَ لَهَا بِأَحسَنِ مَلابِسِهم كُلَّ لَيلَةٍ. فَاللهَ اللهَ يا صَائِمُونَ، لا تَفُوتَنَّكُم الفُرصَةُ، فَاطْرُدُوا الكَسَلَ، وَارْفَعُوا أَكُفَّكُمْ لِمَولاكُمْ، وَاسْجُدُوا لِربِّكُمْ، وَكُونُوا مِمَّن أَثْنَى اللهُ عَلَيهِمْ بِقَولِهِ: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا)[السجدة:16]، ردِّدُوا فِي هَذِهِ الَّليَالي: الَّلهُمَّ إنِّك عَفُوٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا.
فَالَّلهُمَّ أَعِنَّا عَلى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي وَلَكُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ.

الخطبة الثانية:


الحمدُ للهِ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِطَاعَتِهِ بَرَحْمَتِهِ, وَأَضَلَّ مَنْ شَاءَ بِعَدلِهِ وَحِكمتِهِ, أَشهدُ ألَّا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ. وَأشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صلَّى الله وَسلَّمَ وَبَارَكَ عليهِ وَعلى آلهِ وَصَحَابَتِهِ والتَّابِعِينَ لَهُم بِإحسَانٍ وإيمَانٍ إلى يوم الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: اغْتَنِمُوا شَهْرَ التَّقْوى بِتحْقِيقِ تَقْوى اللهِ -تَعالى- سِرًّا وَجَهْرًا.

أيُّها الصَّائِمُونَ: مِنْ دَلائِلِ تَوفِيقِ اللهِ لِلعَبْدِ أَنْ يَلتَمِسَ لَيلةَ القَدْرِ أَمَلاً بِالفَوزِ بِهَا، وَنَيلِ بَرَكَاتِها، فَقَدْ قَالَ اللهُ عَنْهَا: (إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)[الدخان:3-4]. فَهِيَ لَيلَةٌ مُبَارَكَةٌ لِكَثْرةِ خَيرِهَا وَفَضْلِهَا، كَفَاهَا شَرَفًا أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَبَارَكَ أُنْزِلَ فِيهَا.

وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. فَيها فَضَائِلُ مُتَنَوِّعَةٌ، فَمَعَ مَا سَبَقَ فَالْمَلائِكَةُ الْكِرَامُ تَتَنَزَّلُ فِيهَا وَهُمْ لا يَنْزِلُونَ إلاَّ بِالخَيرِ وَالبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَأَنَّها سَلامٌ لِكَثْرةِ السَّلامَةِ فِيهَا مِنَ العِقَابِ والعِتْقِ مِنَ النَّارِ بما يَقُومُ بِهِ الصَّائِمُ مِن طَاعَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

وَكَفَى لَيلَةَ الْقَدْرِ فَخْرًا أنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْزَلَ فيها سُورَة كَامِلَةً تُتْلَى إلى يَومِ القِيَامَةِ. لِذَا قَالَ عَنْهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"(رواه البُخَارِيُّ).

وَقَدْ حَثَّنَا رَسُولُنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- إلى التِمَاسِها في لَيَالِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَهِيَ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ أَقْرَبُ، لِذَا احْرِصُوا عَلى تَحَرِّيهَا مِن يَومِ غَدٍ السِّبْتِ مِن حِينِ أَذَانِ الْمَغْرِبِ إلى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهَكَذَا بَقِيَّة العْشْرِ.

فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ -يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ-، فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ، فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي"(رَواهُ مُسْلِمٌ).

وَقَدْ سَأَلَتْ أمُّ الْمُؤمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: "قُولِي: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي"، وَقَدْ أَخْفَى اللهُ –سُبْحَانَهُ- عِلْمَهَا عَلينَا رَحْمَةً بِنَا لِنُكْثِرَ مِن الْعَمَلِ في طَلَبِهَا بِالصَّلاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فَنَزْدَادُ قُرْبًا مِنَ اللهِ وَثَوَابًا، وَأَخَفَاهَا اللهُ أيضًا اخْتِبَارًا لَنَا لِيَتَبَيَّنَ الجَادّ مِن الكَسْلان.

أَيُّها الصَّائِمُونَ: كَانَ رَسُولُنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- إذا دَخَلَتِ العَشْرُ لَزِمَ مَسْجِدَهُ فَلا يَخْرُجُ مِنْهُ إلاَّ لَيلةَ العِيدِ؛ لأَنَّ في الاعْتِكَافِ أَسْرَارًا وَدُرُوسًا؛ فَالْمُعْتَكِفُ ذِكْرُ اللهِ أَنِيسُهُ، وَالقُرْآنُ جَلِيسُهُ، وَالصَّلاةُ رَاحَتُهُ، وَمُنَاجَاةُ الرَّبِّ مُتعَتُه، وَالدُّعَاءُ لذَّتُهُ. فَهَنِيئًا لِلمُعْتَكِفِينَ!

الدعاء


فالَّلهُمَّ تَقَبَّلْ صِيَامَنَا وَقِيامَنَا وَدُعَاءَنَا، الَّلهُمَّ وَفقْنَا للَيلةِ القَدْرِ, واجعل حَظَّنَا فيها مَوفُوراً، وَسَعينا فيها مَشكُوراً.

اللهم اجعل شهرنا شهر خيرٍ وبركة للإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم أعتق رقابنا ووالدينا والمسلمين من النار.

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. اللهم أعز الإسلامَ والمُسلمينَ، وأذلَّ الكفر والكافرينَ، واحمِ حوزةَ الدينِ، واجعل بلادنا وبلادَ المُسلمين آمنةً مطمئنة يا ربَّ العالمين.

اللهم وفَّق ولاةَ أمورنا لما تُحبُّ وترضى، وأصلح لهم البطانة، ووفقهم لأداء الأمانة. اللَّهُمَّ احفظ حُدُودَنا وانْصُرْ جُنُودَنا, ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت:45].

هنا أيضًا: خطبة وداع رمضان وزكاة الفطر «مكتوبة كاملة»

...المزيد

خطبة عن فضل شهر رمضان + إخراج الزكاة في هذه الخطبة المباركة، سنُلقي نظرة عن كثب على العديد من ...

خطبة عن فضل شهر رمضان + إخراج الزكاة
في هذه الخطبة المباركة، سنُلقي نظرة عن كثب على العديد من العناصر الحيوية. ومما نجده من عناصر في هذه الخطبة:

  • فضل شهر رمضان.

  • فضل الجود في رمضان وأنواعه.

  • وجوب إخراج الزكاة المفروضة وفضائلها.

  • الحرص على دفع الزكاة إلى الجهات الرسمية والحذر من دفعها للجهات المجهولة.


الخُطْبَةُ الأُولَى:


الْحَمْدُ للهِ الَّذِي اخْتَصَّ شَهْرَ رَمَضَانَ بِمَزِيدٍ مِنَ الْفَضْلِ وَالإِكْرَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْمَلِكُ الْعَلاَّمُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ الأَنَامِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَجْلِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا -أُمَّةَ الْإِسْلامِ- مَوَاسِمَ الطَّاعَاتِ، وَاَلَّتِي مِنْهَا: شَهْرُ رَمَضَانَ؛ شَهْرُ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالْقُرْآنِ، وَشَهْرُ الْجُودِ وَالْعَطَاءِ مِنْ خَالِقِ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ الَّذِي أَحَبَّ الصِّيَامَ، وَأَحَبَّ مَنْ تَقَرَّبَ لَهُ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيِمَةِ؛ فَجَعَلَ جُودَهُ وَعَطَاءَهُ لِعِبَادِهِ عَظِيمٌ وَكَرَمَهُ عَمِيمٌ، وَتَوَلَّى سُبْحَانَهُ الْجُودَ وَالْعَطَاءَ وَالْأَجْرَ وَالثَّوابَ وَالْجَزَاءَ لِعِبَادِهِ بِمَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللهُ -تَعَالَى-، وَلَـمْ يَكِلْهُ -تَعَالَى- إِلَى مَلائِكِتِهِ، بَلْ تَولَّى جَزاءَهُ -تَعَالَى- بِنَفْسِهِ، وَاللهُ -تَعَالَى- إِذَا تَوَلَّى شَيئًا بِنَفْسِهِ دَلَّ عَلَى عِظَمِ هَذَا الثَّوابِ وَذَلِكَ الأجْر؛ ذَلِكَ أنَّ الْعَبْدَ الصَّائمَ يَترُكُ مَا تَشتَهِيهِ نَفْسُهُ، وَمَا أَبَاحَهُ اللهُ -سُبْحَانَهُ- لَهُ مِنْ مَلَذَّاتِ الطَّعَامِ والشَّرابِ والجِماعِ؛ طاعةً للهِ -عزَّ وجلَّ-، وطَمَعًا فِي نَيْلِ محبَّتِه ورِضَاه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: " كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فإنَّه لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ".. الحديث(متفق عليه).

وَشَهْرُ رمضان هُوَ شَهْرُ الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالإِنْفَاقِ وَالصَّدَقَةِ، وَشَهْرُ التَّواصُلِ وَالتَّكَافُلِ، وَشَهْرٌ تَغْمُرُ فِيِهِ الرَّحْمَةُ قُلُوبَ الْـمُؤْمِنِينَ، وَتـَجُودُ فِيِهِ بِالْعَطَاءِ أَيْدِي الْـمُحْسِنِينَ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ".

وَصُوَرُ الْجُودِ مُتَعَدِّدَةٌ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ؛ مِنْهَا: الْجُودُ بِالنَّفْسِ، وَالْجُودُ بِالْمَالِ، وَالْجُودُ بِالْعِلْمِ وَبَذْلِهِ، وَالْجُودُ بِالْجَاهِ كَالشَّفَاعَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْجُودُ بِالْعِرْضِ بِأَنْ يَعْفُوَ عَنْ كُلِّ مَنْ شَتَمَهُ أَوِ اغْتَابَهُ، وَالْجُودُ بِنَفْعِ الْبَدَنِ، وَالْجُودُ بِالصَّبْرِ وَالتَّحَمُّلِ، وَالْجُودُ بِالْخُلُقِ وَالْبِشْرِ وَبَذْلِ النَّدَى، وَالْجُودُ بِتَرْكِ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَالاِسْتِعْفَافِ عَنْهُ.

وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَجُودُ بِهِ الْعَبْدُ، وَيَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-: فَرِيضَةَ الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ فَرِيضَةٌ عَظِيمَةٌ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلاَمِ وَمَبَانِيهِ الْعِظَامِ؛ وَهِيَ بُرْهَانُ صِدْقِ الإِيمَانِ، ‏وَسَبَبٌ فِي النَّمَاءِ وَالْبَرَكَةِ وَعَدَمِ النُّقْصَانِ؛ بِهَا تُدْفَعُ النِّقَمُ، وَتُسْتَجْلَبُ النِّعَمُ، ‏وَهِيَ مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ الْفَلاَحِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)[المؤمنون: 1-4].

وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجنَّةَ؟ قَالَ: "تَعْبُدُ اللهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ" قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هٰذَا شَيْئًا أَبدًا، وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هٰذَا"(متفق عليه).

وَهِيَ تَطْهِيرٌ لِصَاحِبِهَا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، وَتَزْكِيَةٌ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَتَطْهِيرٌ لِمَالِهِ، وَسَبَبٌ فِي زِيَادَتِهِ وَبَرَكَتِهِ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[التوبة: 103].

وَالزَّكَاةُ سَبَبٌ فِي حِمَايَةِ الْمُجْتَمَعَاتِ مِنَ الْفَسَادِ وَالْجَرَائِمِ الْخُلُقِيَّةِ الَّتِي تَتَوَلَّدُ عَنِ الْفَقْرِ وَالْعِوَزِ وَالْحَاجَةِ، وَفِيهَا تَوْطِيدٌ لِدَعَائِمِ الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالأُلْفَةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ؛ وَالَّذِي مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنَا إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:


الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ -تَعَالَى-، وَأَقْبِلُوا عَلَى رَبِّكُم وَتُوبُوا إلَيْهِ، وَاتَّصِفُوا بِخُلُقِ الْجُودِ وَالْإِحْسَانِ كَمَا هُوَ خَلُقُ نَبِيِّكُمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-؛ فَحَرِيٌّ بِنَا جَمِيعًا أَنْ نَسْلُكَ مَسْلَكَ نَبِيِّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَنَتَّصِفَ بِصِفَةِ الإِحْسَانِ وَالْجُودِ بِشَهْرِ الْجُودِ، بِدَفْعِ الصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ لِمُسْتَحِقِّيهَا، سَوَاءً دَفَعَهَا الْمُسْلِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ عَبْرَ الْجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الْمُصَرَّحِ لَهَا بِجَمْعِ الزَّكَاةِ وَالتَّبَرُّعَاتِ.

وَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ دَفْعِهَا لِجِهَاتٍ مَجْهُولَةٍ مَشْبُوهَةٍ خَارِجَ الْمَمْلَكَةِ، وَالَّتِيِ تَكْثُرُ وَتَنْتَشِرُ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَرُبَّمَا تَسْتَخْدِمُ مَا تَجْمَعُ مِنَ الأَمْوَالِ فِي حَرْبِ هَذِهِ الْبِلاَدِ.

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[المزمل: 20].

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، وَقَالَ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا"(رَوَاهُ مُسْلِم).

واقرأ أيضًا: خطبة عن ليلة القدر وفضل العشر الأواخر من رمضان والاجتهاد فيها

...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً