لماذا سُمِّيت سورة الأنعام بهذا الاسم؟ بقلم الباحث والمفكر الإسلامى حازم محمود،، ليست ...

لماذا سُمِّيت سورة الأنعام بهذا الاسم؟

بقلم الباحث والمفكر الإسلامى
حازم محمود،،



ليست تسمية سورة الأنعام راجعةً إلى مجرد ورود الحديث عن الإبل والبقر والغنم، فذلك تبسيط لا يليق بمنهج القرآن في التسمية، وإنما الاسم عنوان دلالي يكشف عن محور السورة كله.

سورة الأنعام سورة مكيّة نزلت في ذروة الصراع العقدي، وكانت تخاطب عقلًا معاندًا وقلبًا مغلقًا، لا يفتقد الدليل، بل يفتقد الاستعداد للسماع.

الأنعام: من الحيوان إلى الحالة النفسية
القرآن لا يكتفي بوصف الكافرين بالكفر، بل ينزل إلى مستوى الإدراك والسلوك، فيصفهم بحالة تشبه الأنعام، لا من حيث الخِلقة، بل من حيث:

غياب التعقّل

تعطّل السمع القلبي

العيش بدافع الغريزة لا الهداية

قال تعالى في سورة محمد:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾

وهذا المعنى نفسه يتردد بقوة في سورة الأنعام، ولكن بلغة أعمق وأطول نَفَسًا.

السورة ترسم صورة “الإنسان الأنعام”
تأمل قول الله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾

هنا انتقال من السمع الحسي إلى السمع الوجودي؛ فالكافر ليس فاقد الأذن، بل فاقد القابلية، ولذلك شبّه بالموتى… والأنعام تشترك معهم في هذه السلبية الإدراكية.

ثم يقول:

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾

وهنا تتجلى أقصى درجات العناد:
الدليل حاضر، لكن القلب مغلق… تمامًا كما ترى الأنعام العلف ولا تعي معناه.

“النفق في الأرض” صورة اليأس من قابلية الهداية
قول الله تعالى:

﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾

ليس المعنى هنا البحث عن وسيلة إقناع جديدة، بل التصريح بأن المشكلة ليست في الحجة، بل في طبيعة المتلقي.
وهذا ينسجم مع فكرة “الأنعام”:
مخلوقات لا تُخاطَب بالحُجج، بل تُساق بالغرائز.

الهداية فعل إلهي لا يستقبله إلا الحي
وتُختَم الدائرة بقوله:

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾

فالفرق الجوهري ليس بين ذكي وغبي،
ولا بين عالم وجاهل،
بل بين صدر مشروح وصدر مغلق.

الأنعام لا تُشرح صدورها،
وكذلك القلوب التي اختارت الغلق.

الخلاصة البلاغية
سُمِّيت سورة الأنعام لأنها:

لا تصف حيوانات تمشي على الأرض

بل تصف قلوبًا تمشي بلا هداية

وتعرض نموذج الإنسان حين يُفرغ من السمع والبصيرة، فينحدر إلى مستوى “الأنعام بل هم أضل”

وهو ما يجعل اسم السورة مفتاحًا لفهمها
...المزيد

أفلا يتدبرون القرآن بقلم الباحث و المفكر الإسلامى حازم محمود آيات القتال في القرآن: بين الفهم ...

أفلا يتدبرون القرآن
بقلم الباحث و المفكر الإسلامى حازم محمود

آيات القتال في القرآن: بين الفهم السياقي والتوظيف الخاطئ

ليس صحيحًا – كما يحلو للبعض أن يزعم – أن آيات القتال في القرآن «آيات تاريخية» انتهى مفعولها بانتهاء زمن نزولها، ولا يصح بحالٍ من الأحوال تحويل ألفاظ القرآن إلى وقائع جامدة تُحبس في الماضي؛ فالقرآن كتاب هداية متجددة، يخاطب الإنسان في كل زمان ومكان، بآياتٍ محكومة بالسياق، لا منزوعة عنه.

فالقرآن لا يدعو إلى القتال على إطلاقه، ولا يشرعن العنف لمجرد الاختلاف في العقيدة، وإنما يضع أخلاقًا وقوانين للحرب حين تقع، ويفصل بينها وبين قيم السلم والعفو حين يكون السلم هو الأصل.

فعلى سبيل المثال، يقول تعالى في سورة محمد:

{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ… حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}

هذه الآية لا تُنزل في فراغ، ولا تُفهم خارج سياقها؛ فهي تتحدث عن حال الحرب الفعلية، حين يواجه المسلم عدوًا رافعًا سيفه، لا عن علاقة المسلم بغيره في حال السلم. فليس من الحكمة – ولا من الأخلاق – أن يُقابل المحارب المعتدي بالابتسامات أو الورود، بل للحرب قوانينها، وللدفاع شروطه.

وعلى الجانب الآخر، تتجلّى أخلاق الإسلام في حال السلم بوضوح، كما في قوله تعالى في سورة الجاثية:

{قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ}

وهي آية نزلت في مكة، حين شُتم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أحد المشركين، فَهَمَّ أن يبطش به، فجاء التوجيه الإلهي بالصفح والتجاوز. وهذا وحده كافٍ لإبطال دعوى أن القتال هو الأصل في العلاقة مع غير المسلمين.

وحتى آيات القتال في سورة التوبة – التي يكثر الجدل حولها – لم تُفصل عن الرحمة، ولا عن العدل، ولا عن حماية الإنسان، بل جاءت دقيقة في توصيف الحالات:

{فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ…}
ثم مباشرة:
{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ… ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}

فالقرآن هنا يفرّق بوضوح بين:

مشركٍ مصرّ على القتال ونقض العهود

وآخرٍ طلب الأمان ليفهم الدعوة

بل ويختم ذلك بقوله:

{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ}

وكأن القرآن يعذرهم بجهلهم، ويفتح لهم باب الفهم قبل أي حكم أو مواجهة.

ومن الخطأ الفادح أن تُقرأ هذه الآيات بمعزل عن سبب نزولها؛ فهي نزلت في مشركين خانوا العهود، وسعوا لإعادة الشرك إلى المسجد الحرام، وبدؤوا العدوان، فكان القتال ردًّا على عدوانٍ قائم، لا فرضًا دائمًا.

ثم يأتي القرآن ليؤكد مبدأ حرمة الدم الإنساني مطلقًا، فيقول:

{مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}

وهنا الحديث عن النفس الإنسانية، لا عن المسلم وحده، ويؤكد ذلك تشريع الدية في القتل الخطأ، حيث لم يفرّق بين مسلم وغير مسلم إذا كان بينه وبين المسلمين ميثاق.

وعليه، فلا قتال في القرآن على طول الخط، ولا قتال بلا حرب، ولا حرب بلا عدوان.
ولكل مقامٍ مقام، ولكل حدثٍ حديث، وأي خلل في الفهم – سواء عند المتشدد الذي استباح دماء الأبرياء، أو عند من يدعو إلى تفريغ القرآن من أحكامه بزعم “التاريخية” – إنما هو نتيجة الجهل بالنص، أو اتباع الهوى، لا عيب في القرآن ولا في هدايته.

فالقرآن هدى ورحمة، ومنهج عدل، لا كتاب عنف
...المزيد

الفرق بين لفظ بعث وارسل (لطائف قرآنيه) بقلم: الباحث والمفكر الإسلامى حازم محمود ...... ...

الفرق بين لفظ بعث وارسل (لطائف قرآنيه)

بقلم: الباحث والمفكر الإسلامى
حازم محمود
...... عندما اقرأ قوله تعالى فبعث الله غرابا
يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه

يتبادر إلى ذهنى وكأن الله بعث ما نسميه حانوتى بلفظنا الدارج حاليا أو المتعهد بتغسيل وتكفين الموتى ودفنهم، ولكنه كان من أمة الطير بمعنى من يقوم بوظيفة الحانوتى من الغربان،،،،،،، لذلك يجب أن نتدبر الآتى

الفرق بين لفظ بعث وارسل فى القرآن يستخدم بعناية إلهيه فائقه.

لماذا قال الله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ ولم يقل: فأرسل الله غرابًا؟
لمسة بلاغية تكشف عمق الاختيار القرآني

من دقائق البيان القرآني التي لا تُدرك من القراءة السطحية، اختيار الألفاظ بما يناسب المقام أدق مناسبة. ومن ذلك قوله تعالى في قصة ابني آدم:

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 31]

فلماذا بعث، ولم يقل: أرسل؟

البعث: إثارةٌ بعد تمحيص، لا حركةٌ عابرة
الفرق بين البعث والإرسال ليس فرق ترادف، بل فرق دلالة ومقام.
فالإرسال يدل على توجيهٍ عام قد يقع من غير تخصيص، أما البعث فيفيد:

إثارة بعد خفاء

إقامة بعد سكون

اختيارًا وتعيينًا بعد تمحيص

ولهذا استُعمل البعث في القرآن في مواضع التخصيص والانتقاء:

﴿وَبَعَثْنَا فِيهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾

غرابٌ مُعيَّن لمهمةٍ مخصوصة
الغراب في الآية ليس أي غراب مرّ مصادفة، ولا حركة طائر عادية، بل مخلوق مُختار لوظيفة بعينها:

﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾
والبحث هنا نبشٌ وتقليبٌ وتنقيب، وهي مهارة فطرية اشتهر بها الغراب.

فالمشهد ليس “إرسال طائر”، بل بعث صاحب خبرة فطرية ليؤدي مهمة دقيقة: تعليم أول قاتل في التاريخ كيف يواري سوءة أخيه.

كأنه “مسؤول مراسم الدفن” في عالم الطيور
من حيث المعنى البلاغي، لا التشبيه الحرفي، يمكن القول:

كأن الله بعث غرابًا مختصًّا بأمر الدفن، كما يُستدعى صاحب الخبرة لأداء مهمة لا يحسنها غيره.

وهذا المعنى لا يؤديه لفظ أرسل، لأن الإرسال لا يفيد التخصيص ولا التعيين، بينما البعث يفيد أن هذا الغراب مُنتقى للمقام.

توبيخ الإنسان بالبعث لا بالإرسال
بهذا الاختيار اللفظي يشتدّ التوبيخ:
إنسانٌ قتل أخاه، ثم عجز عن أبسط تصرّف إنساني، حتى بُعث له طائر مختص ليوقظه من موته المعنوي.

ولهذا جاءت صرخته الموجعة:

﴿قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ﴾

استُعمل لفظ “بعث” لأن المقام مقامُ تمحيصٍ وتخصيصٍ وتعيين، لا مجرد إرسال.
فكان الغراب مبعوثًا بخصيصة، لا مرسَلًا بحركة.

وهكذا تتجلّى بلاغة القرآن: لا كلمة فيه تقوم مقام أختها، ولا لفظ يُستبدل بغيره دون أن يختلّ المعنى.
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً