نور السنة وظلمة البدعة "فصاحب السنة: حي القلب، مستنير القلب، وصاحب البدعة: ميت القلب مظلمه. ...

نور السنة وظلمة البدعة


"فصاحب السنة: حي القلب، مستنير القلب، وصاحب البدعة: ميت القلب مظلمه.

وقد ذكر الله سبحانه هذين الأصلين في كتابه في غير موضع وجعلهما صفة أهل الإيمان وجعل ضدهما صفة من خرج عن الإيمان، فإن القلب الحي المستنير هو الذي عقل عن الله، وأذعن وفهم عنه، وانقاد لتوحيده، ومتابعة ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقلب الميت المظلم الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يصف سبحانه هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها، ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم في جميع جهاتهم فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة.

وإذا قسمت الأنوار دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم، وهذه الظلمة هي التي خلق فيها الخلق أولا، فمن أراد الله سبحانه وتعالى به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها، كما روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى أن يجعل له نورا في قلبه وسمعه وبصره وشعره وبشره ولحمه وعظمه ودمه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه وأن يجعل ذاته نورا، فطلب صلى الله عليه وسلم النور لذاته ولأبعاضه ولحواسه الظاهرة والباطنة ولجهاته الست.

وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: "المؤمن مدخله من نور، ومخرجه من نور، وقوله نور، وعمله نور"، وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر لصاحبه يوم القيامة فيسعى بين يديه ويمينه، فمن الناس من يكون نوره كالشمس، وآخر كالنجم، وآخر كالنخلة السحوق، وآخر دون ذلك حتى إن منهم من يعطى نورا على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى، كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا كذلك، فهو هذا بعينه يظهر هناك للحس والعيان.

وقال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا..} الآية [الشورى: 52] فسمى وحيه وأمره روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، وسماه نورا؛ لما يحصل به من الهدى واستنارة القلوب والفرقان بين الحق والباطل.

وقد اختلف في الضمير في قوله عز وجل: {وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا} فقيل: يعود على الكتاب، وقيل: على الإيمان، والصحيح أنه يعود على الروح، في قوله: {رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} فأخبر تعالى أنه جعل أمره روحا ونورا وهدى، ولهذا ترى صاحب اتباع الأمر والسنة قد كُسي من الروح والنور وما يتبعهما من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حرمه غيره، كما قال الحسن: "إن المؤمن رُزق حلاوة ومهابة"، وقال جل وعلا: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ..} الآية [البقرة: 257] فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه، من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم، فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات.

وقال جل وعلا: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا..} الآية [الأنعام: 122] فأحياه سبحانه وتعالى بروحه الذي هو وحيه وهو روح الإيمان والعلم، وجعل له نورا يمشي به بين أهل الظلمة كما يمشي الرجل بالسراج المضيء في الظلمة، فهو يرى أهل الظلمة في ظلماتهم وهم لا يرونه كالبصير الذي يمشي بين العميان.


• الخارجون عن طاعة الرسل يتقلبون في الظلمات وأتباعهم يتقلبون في الأنوار

والخارجون عن طاعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومتابعتهم يتقلبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث.

وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار، ولهذه الأمة ونبيها من النور ما ليس لأمة غيرها ولا لنبي غيره، فإن لكل نبي منهم نورين، ولنبيها صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة من رأسه وجسده نور تام، كذلك صفته وصفة أمته في الكتب المتقدمة.
وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28] وفي قوله: {تَمْشُونَ بِهِ} إعلام بأن تصرفهم وتقلبهم الذي ينفعهم إنما هو النور، وأن مشيهم بغير النور غير مجد عليهم، ولا نافع لهم بل ضرره أكثر من نفعه.

وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس، ومن سواهم أهل الزمانة والانقطاع فلا مشي لقلوبهم ولا لأحوالهم، ولا لأقوالهم، ولا لأقدامهم إلى الطاعات، وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم.

وفي قوله تعالى: {تَمْشُونَ بِهِ} نكتة بديعة وهي: أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم كما يمشون بها بين الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدما عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه.

والله سبحانه وتعالى سمّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا يتلألأ، قال الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]، وقد فُسّر قوله: {نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بكونه: منوِّر السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض..
وقوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ..} هذا مَثَل لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أُبيُّ بن كعب وغيره.
وقد اختلف في تفسير الضمير في {نُورِهِ}.. والصحيح أنه يعود على الله عز وجل، والمعنى: مثل نور الله سبحانه وتعالى في قلب عبده، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا النور يضاف إلى الله تعالى: إذ هو مُعطيه لعبده وواهبه إياه، ويضاف إلى العبد: إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل ومحل وحامل ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل.

فالفاعل: هو الله تعالى، مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء، والقابل: العبد المؤمن، والمحل: قلبه، والحامل: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله.

وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم".

[اجتماع الجيوش الإسلامية/ لابن القيم].



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 533
السنة السابعة عشرة - الخميس 17 رجب 1447 هـ
...المزيد

أسباب الصَّبر عَن المَعصِيَة • السبب الأول علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها، وأن الله ...

أسباب الصَّبر عَن المَعصِيَة


• السبب الأول
علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها، وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانة لعبده وحماية عن الدنايا والرذائل، كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره.


السبب الثاني
الحياء من الله عز وجل، فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه وأنه بمرأى منه ومسمع، وكان حييا، استحيا من ربه أن يتعرض لمساخطه.


• السبب الثالث
مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك.. فما أذنب عبد ذنبا إلا زالت عنه نعمة.. بحسب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصر لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة نعمة حتى يسلب النعم كلها.


• السبب الرابع
خوف الله وخشية عقابه، وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده، والإيمان به وبكتابه وبرسوله، وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين، ويضعف بضعفهما.


• السبب الخامس
محبة الله سبحانه، وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه، فإن المحب لمن يحب مطيع.. والمحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه.


• السبب السادس
شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها وتحقرها، وتسوي بينها وبين السفلة.


• السبب السابع
قوة العلم بسوء عاقبة المعصية، وقبح أثرها، والضرر الناشئ منها.. فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته.


• السبب الثامن
قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مزمع على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها.


• السبب التاسع
مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس، فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات، فإنها تطلب لها مصرفا، فيضيق عليها المباح، فتتعداه إلى الحرام.


• السبب العاشر
ثبات شجرة الإيمان في القلب، فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتم، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر.


[طريق الهجرتين/ لابن القيم]


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 533
السنة السابعة عشرة - الخميس 17 شعبان 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

الشبيحة والهول! إن استغلال ورقة الهول ليس جديدا على الساحة، وهو قاسم مشترك استوت فيه الأطراف ...

الشبيحة والهول!


إن استغلال ورقة الهول ليس جديدا على الساحة، وهو قاسم مشترك استوت فيه الأطراف الكافرة الثلاثة؛ الإدارة الشيوعية والإدارة الثورية والحكومة الرافضية، فكل طرف يجذب هذه الورقة على النحو الذي يخدم مصالحه، فالإدارة الكردية استغلت الملف في تهديد خصومها واستجلاب الدعم الدولي لها، والنظام السوري استغل الملف لإثبات جدارته وتثبيت أوراق اعتماده في "مكافحة الإرهاب" لدى أسياده الصليبيين، أما الحكومة الرافضية فهي تستغل الملف بشكل خاص في تصفية حساباتها مع من مرّغوا أنفها في التراب وكشفوا للعالم سوءة جيشها الرافضي بغير غطاء الطيران الأمريكي.



• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد "532"
"الشبيحة والهول!"
...المزيد

ويحكم أين يُذهب بعقولكم؟ في جزيرة العرب عصفت الردة فأوقعت بكثير منهم، ولمّا أُعملت سيوف ...

ويحكم أين يُذهب بعقولكم؟


في جزيرة العرب عصفت الردة فأوقعت بكثير منهم، ولمّا أُعملت سيوف التوحيد في رقاب أعداء الله المرتدين، عاد بعضهم إلى رشده، فقدمت منهم وفودٌ إلى الصدّيق -رضي الله عنه-، فسمع منهم بعض خرافات مسيلمة الكذّاب، فقال لهم موبّخا على ما أهلكوا أنفسهم به، واتبعوا رؤوس الردة: "ويحكم، أين كان يُذهب بعقولكم؟"، فقد أصاب عقولهم عَصْفُ الفتنة فاتبعوا مسيلمة وطليحة وسجاح وأشباههم، وتركوا وصية نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، ودينه الذي لم يجفّ حبر تسطيره.

وتمر أزمان تشتد فيها عواصف الفتن حتى كان زماننا أشدها عصفا بترك حكم الله واتّباع أحكام الجاهلية، ويا عجبًا لمن ضلّ عن عظمة الشريعة، وعظمة من فرضها حكمًا بين عباده! لو دروا حكم مَن يأبون ويرفضون؟! إنه حكم الله العدل.

وحسبنا في هذه الشريعة أنها حكم الخالق سبحانه، أيُساوى حُكمه وقضاؤه بقضاء غيره من الطواغيت والأنداد؟! قد تعاظم سبحانه وعزّ، فما شيء إلا وهو خالقه ومُوجِده وقاهره، فتفرّد -وهو العليم- بالخلق، وتفرّد -وهو الخبير- بالأمر. إنه خلق آدم وبنيه فقال: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، وأنزل لهم حكما ليحتكموا إليه فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا}، فخلقه الأحسن، وحكمه الأحسن {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}.

وحكمه سبحانه مِن علو وقهر قال جل وعلا: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} يقول الطبري: "فالقضاء لله العلي على كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرا له اليوم"، فمن تصاغر فليس مِن حقه التشريع، ومَن كان مخلوقا فليس من شأنه الحكم، {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، إنهم يشرّعون من دون الله ابتغاء الحكمة، ويدَعون حكم خالق الحكمة سبحانه، وقد أُمر الناطق بالحكمة -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا}، قال الطبري: "أي: قل: فليس لي أن أتعدَّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حَكَم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} يعني القرآن، مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم".

وإن صحّ عقل الإنسان فإنه لن يتخذ حكما إلا حكم الله، لقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، قال ابن كثير: "أي: ومَن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء".

فكيف يطيب لفئام كثيرة تنتسب إلى الإسلام أن تظلّ تحت حكم البشر بالبرلمانات والمجالس الشركية، أو قرارات الطواغيت الخارجة عن حكم الشريعة؟!

إن تغيّر أحكام البشر وتعديلها بشكل مستمر، وعقد الجلسات للنظر في موادها، وتغيير المشرّعين الكافرين، كل فترة، دليل كافٍ على سفاهة هذه الأحكام والدساتير التي يحلفون على احترامها والقتال تحت رايتها.

قد كانت شرائع أخرى قبل هذه الشريعة الخاتمة، خيرا مِن هذه الأهواء والسخافات البشرية، ومع ذلك فلا يجوز الحكم بها، بعد إكرام البشرية بأحسن الشرائع وأيسرها.
وأعطى الله الأنبياء السابقين شرائع لكنها مخصوصة بأقوامهم وأزمانهم، في حين جاءت شريعة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بما لم تأت به أي شريعة سابقة، فهي صالحة لكل الأقوام والأزمان، وفي أحكامها سعادة الروح والجسد، وهي التي لزمها أهل القرون المفضلة فصاروا بها سادة أعزة، دان لهم بها الشرق والغرب، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وكانوا مثالا عاليا للأمم، ولا يمكن أن يكون ذلك الحكم سببَ ضياع الناس، أو مصدر تراجع لهم، إنما هذه المزاعم هي من أباطيل الشياطين وأقاويل الجاحدين؛ لإضفاء الحُسن على قبيح شركهم وديمقراطيتهم ودساتيرهم العفنة.

وما مآل إقامة حكم الله وشريعته إلا العزة في الدنيا، وسلامة الدين والنجاة في الآخرة، وأما مآل حكم القوانين الكفرية، فالذلة وفساد الدين والدنيا، والهلاك في الآخرة.

إن بشرا يخطئ وينسى ويغفل وينام، لا يستحق أن يقف موقف المشرّع ليحلّل ويحرّم، أو يناقش في حكم مَن خلقه وسوّاه فعدله في أي صورة ما شاء ركّبه! فيساوي قولَه بقول خالقه، فضلا عن أن ينحّي حُكم الله ليأمر عباد الله بطاعة نفسه.

وما كان لمخلوق كان أعمى فبصّره الله، وأصما فأسْمعه الله، وجاهلا فعلّمه الله؛ أن يشرّع للناس شيئا ولا أن يرضى بتشريع أحد دون الله، قال الله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا} قال ابن كثير: "أي: أطلب ربا سواه، وهو رب كل شيء، يُرَبّنِي ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر".

والحق كل الحق في حكم الله وقضائه، والعمل به والقتال في سبيله، والباطل فيما عداه، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، فأين العقول وأين يُذهب بها حين تختار الديمقراطية والوطنية والقومية وأحكام البشر وأهواءهم؟!

وقد عادت الشريعة وحكمها بقيام الدولة الإسلامية وسعيها المتواصل لإنقاذ الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ ولتُلغى أحكام الدساتير وترهات السفهاء وقوانين الكفر من الصدور وتُمحى من الدور، ويعلو حكم الخالق سبحانه، ويظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 352
الخميس 20 محرم 1444 هـ
...المزيد

﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ إن من حكمة الله وعدله أنه يبتلي المسلم حتى يظهر ...

﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾


إن من حكمة الله وعدله أنه يبتلي المسلم حتى يظهر ما علمه -عز وجل- في الأزل، ليَمِيزَ إيمان العبد من نفاقه، وليكون ذلك حجة له أو عليه يوم القيامة.

وإن الابتلاءات والفتن تتساقط على المسلم كتساقط البرَد، اختبارًا تلو الآخر، ليظهر الصادق من الكاذب، والصابر من العجول، والثابت من المتزعزع، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31]، وقال أيضًا جل جلاله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2].

ورحمة من الله بعباده؛ يأتي البلاء حسب قوة إيمان المسلم وجهده، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: (الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَةُ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) [أخرجه الترمذي].

وفي النهاية وبعد أن يرى الله صدق العبد وثباته وصبره ومناجاته وإخلاصه؛ يأتي الفرج ويُرفع البلاء، وهذا مصداق وعد الله تعالى حين قال: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7].
فهنيئًا لمن فُكِّ قيده، فقد برهنتم قوة إيمانكم وثباتكم إن شاء الله، وصبرا إخواننا الأسرى وأخواتنا الأسيرات، الذين اشتدَّ بلاؤكم ولم تفرج كربتكم بعد، ثقوا أن الله معكم، وإن أبى الجميع نجدتكم أو مساعدتكم فهو منجيكم ومنجدكم ما ثبتُم على دينكم، فهو العدل الحكيم، وهو على ذلك قدير.
...المزيد

المجاهد والقاعد.. لا يستويان إن الأمة كلها ترزح في هول كبير صنعه لهم الطواغيت بأوامر صليبية ...

المجاهد والقاعد.. لا يستويان



إن الأمة كلها ترزح في هول كبير صنعه لهم الطواغيت بأوامر صليبية يهودية -مبكّرة- وحبسوهم فيها وقالوا لهم: ارتعوا هنا مأكلكم ومشربكم، عمّروا دنياكم وبيعوا آخرتكم، فرضخت الأكثرية وانتفضت طائفة قليلة، فعيّرت الأكثرية القلة المؤمنة بصبرها وطهرها، بعد أن خذلتها وأمعنت في خذلانها ووقفت في معسكر عدوها.
أنتم جميعا أيها الغثاء -جنود الطاغوت وأنصاره- في هول كبير ليس بينكم وبين أهوال المراغمة وجه مقارنة أيستوي المجاهد والقاعد؟ أيستوي الحر والعبد؟ أيستوي ناصر التوحيد، وخاذله وبائعه وناقضه؟ فأقلّوا عليهم اللوم لا أبا لأبيكم، فلن تسدوا عشر الذي سدوا.


المصدر:
مقتطف من افتتاحية النبأ - العدد 531
"هولنا وهولكم لا سواء"
...المزيد

مؤسسة الفرقان / (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) مقتطف من كلمة ...

مؤسسة الفرقان / (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)



مقتطف من كلمة (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)
لأمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي عمر البغدادي -تقبله الله تعالى-


أمّة الإسلام، إن الله لم يفرض الجهاد لأجل تحرير الأرض ليحكمها مرتدّ من جلدتنا، بل لتكون كلمة الله هي العليا، فأوّل مقاصد الشريعة حفظ الدين، قال الآمدي في جامع الإحكام: "المقاصد الخمسة التي لم تخلُ من رعايتها ملّة من الملل ولا شريعة من الشرائع وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فإن حفظ هذه المقاصد الخمسة من الضروريات" انتهى.

ولا خلاف على الحقيقة في تقديم الدين على ما سواه من ضروريات الشريعة حال التعارض، فهو الهدف الذي له خلق الله الإنس والجن، ولأجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب. جاء في التقرير: "ويقدم حفظ الدين من الضروريات على ما عداه عند المعارضة لأنه المقصود الأعظم، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، وغيره مقصود من أجله، ولأن ثمرته أكمل الثمرات وهي نيل السعادة الأبدية في جوار ربّ العالمين" انتهى.

وسوف نفصّل بعض الشيء في هذه المسألة لأن كثيراً من الناس اليوم جعل الدين هو البضاعة المزجاة وآخر المقاصد في هذه الحياة الدنيا وجعل همّه أن يحفظ للناس أنفسهم وأموالهم ولو ضحّى هو ومن يتبعه بدينهم، فنراهم يعاونون المحتل الصليبي والمجوسي أو يصيروا أداة في أيادي عملاء اليهود في دول الجوار لدفع ضر عن الأنفس والأموال ويدَّعون كذباً أنه من جلب المصالح ودرء المفاسد، وهل أعظم من الدين مصلحة وأكبر من ضياعه مفسدة؟ فهذه الأصول الخمسة المتقدّمة والتي تسمى الضرورات الخمسة أولها ورأسها الدين وما بعده دونها مرتبة، ولا يحل أن يبذل ما هو أعلى مرتبة لتحصيل ما هو أدنى، وضرورة الحفاظ على النفس والمال لا شك أنها من ضروريات الشريعة الخمس؛ لكنها دون حفظ الدين مرتبة. والأنفس والمال لا يجوز حفظهما على حساب الدين، ولو كان الحفاظ على النفس والمال مقدّماً فلماذا شرع الله الجهاد وفيه إزهاق الأنفس وتلف الأموال؟ ولماذا شرع قتل المرتد؟ وقد سبق وذكرنا أقوال أهل العلم أن التعامل مع المحتل بأي نوع وتحت أي ذريعة هو كفر وردّة لا إشكال فيها؛ بل إن قوام الدين وحفظه يكون بالجهاد في سبيل الله وهذا محلّ إجماع والحمد لله، جاء في شرح الكوكب المنير: "فأما حفظ الدين فبقتال الكفار، قال الله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 29]، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). وقال صلّى الله عليه وسلّم: (من بدّل دينه فاقتلوه)" انتهى.

وهذا صريح القرآن أن الجهاد شرع لحفظ الدين، قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}، قال ابن جرير الطبري رحمه الله: (قال ابن زيد: {حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: حتى لا يكون كفر، وقرأ {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}، ونقل عن ابن جريج: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} أي: لا يفتن مؤمن عن دينه ويكون التوحيد خالصاً ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من أنداد). انتهى.

قال الشنقيطي رحمه الله: (والغاية التي ينتهي إليها قتال الكفّار أن لا يبقى في الأرض مشرك، وبالجهاد في سبيل الله يحفظ الله للناس دينهم ودنياهم). فبعد احتلال العراق أزهقت الأنفس ونهب المال وأخرج الأمريكان أنفسهم، ولأجل إذلال أمة لا إله إلا الله صوراً يقولون فيها: ها نحن كذلك ننتهك أعراضكم وننشر ذلك على الملأ، وبدلاً من أن تحمرّ أنوف وتهتزّ شوارب؛ هرع من انتهك عرضه إلى حضن المحتل بدلاً من السلاح، وأمعن في الخيانة بديلاً عن الثأر الذي هو من شيم العرب في الجاهلية الأولى فضلاً عن أنه من شرع رب العالمين، وأعجب منه أن يصير من يدافع عن الدين والعرض ويقتحم السجون لفك الأسرى عدوّاً لهم. فبالجهاد والثبات على أمر الله يحفظ الله للناس دينهم ودنياهم، ومن قتل في الجهاد فشهادة، ومن بقي ففي عز وفخار، وأما المصائب فهي تكفير لسيئات الناس عامّة والمجاهدين خاصة ويتم لهم أجرهم.

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (ما من غازية يغزون في سبيل الله فيسلمون ويغنمون إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم، وإن أصيبوا وأخفقوا تمّ لهم أجرهم)، والجوع والعطش وقلّة المال وغيره أجر عظيم إذا احتسب المرء وصبر لله، قال الله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
واعلم أيها المسلم أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأخبر في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}. وأخبر في كتابه بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة... إلى قوله رحمه الله: وأخبر سبحانه أنه مع وجود المرتدّين فلا بد من وجود المجاهدين المحبّين فقال سبحانه: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}).

ومن مقاصد الشريعة حفظ العقل، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

وقال صلّى الله عليه وسلّم: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).

والعقل هو قوام كل فعل يتعلق بالمصلحة وأحد ضروريات الشريعة الخمس، لكن المعتزلين الجدد أطلّوا من جحورهم مرة أخرى من تقديم العقل على النقل، وذهب الجهمية المتكلّمة في أن القرينة الصادقة ممّا دلّ عليه الخطاب هو العقل؛ فالهدى ما اهتدت إليه عقولهم، فكلّما جئتهم بدليل من الشرع بدؤوا يُعملون العقل فإذا هداهم إلى موافقة النقل فعلوه وإلا طرحوه، ولِئن كانت الشريعة حجرت العقل بتحريم كل مسكر فلأنْ تحفظ العقل والدين من تأويلات هؤلاء أولى، وما أحوج هؤلاء إلى عمر رضي الله عنه! قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا فإنه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر فسأل عمر عن {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} فقال: ما اسمك؟ قال: عبد الله صبيغ، فقال: وأنا عبد الله عمر, وضربه الضرب الشديد، وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول: ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ) انتهى.

فهذا أمير المؤمنين يحافظ على العقل والدين فيجلد في غير مسكر، فسكرة تأويلات هؤلاء أشد على أنفسهم ومن حولهم وأفتك لدينهم وعقولهم من سكرة الخمر بكثير، فرحم الله الفاروق.

وعقيدتنا عقيدة أهل السنّة أنه إذا تعارض الشرع مع العقل ظاهرياً قدّمنا الشرع، فلا نقدّم على كلام الله ورسوله كلام أحد من الناس كائناً مَن كان، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.

وإن الشرع لم يأتِ بما يعجز العقل الصريح عن تقبّله ولا ما ليس في طاقة البشر؛ فالعقل عندنا ليس أصلاً في ثبوت الشرع ولا يزيده صفة لم تكن له، فالعقل يصدِّق النقل في كل ما أخبر به والعكس ليس صحيحاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيراً من الناس يخلطون إما في هذا وإما في هذا.. إلى قوله: فمن احتج بلفظ ليس ثابتاً عن الرسول أو بلفظ ثابت عن الرسول، وحمله على ما لم يدلّ عليه فإنما أتي من نفسه)، يقول الشاطبي رحمه الله: (إن الله جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه لا تتعداه.. إلى قوله: فإذا كان العقل البشري كما رأيت من الضعف والقصور فكيف يقول عاقل بتقديمه على كلام الله فهذا تقديم الناقص على الكامل) انتهى.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 342
الخميس 9 ذو القعدة 1443 هـ
...المزيد

إفريقية أرض هجرة وجهاد المتأمل في تاريخ الدولة الإسلامية يجد توفيق الله تعالى لها حاضرًا، ...

إفريقية أرض هجرة وجهاد


المتأمل في تاريخ الدولة الإسلامية يجد توفيق الله تعالى لها حاضرًا، ومعيّته -سبحانه- مصاحبةً لمسيرتها المباركة منذ النشأة الميمونة في العراق وحتى يومنا هذا، بعد أن وصلت سنابك خيلها إلى أقاصي الأرض وليس آخرها أرض إفريقية.

وهذا التوفيق الربّاني والمعيّة الإلهية للدولة الإسلامية ليس لذاتها ولا أشخاصها، بل لأنها استفرغت وسعها في السير على المنهاج المتكامل الذي ارتضاه الله تعالى لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم ولم يرتضِ له بديلا عنه، وهو دين الإسلام الذي لن يُقبل مِن أحد غيره، قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}، وقال أيضًا: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، وقوام هذا الدين كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "كتابٌ يهدي وسيفٌ ينصر"، وقد بيّن علماء الملة أن أصل هذه المقولة هي آية من كتاب الله تعالى تأوّلها شيخ الإسلام ابن تيمية وهي قوله سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ..} [الحديد: 25]، فذكر المفسرون لهذه الآية الجامعة أن الدين كله قائم على الكتاب الذي هو مصدر الهداية والحق، وعلى البأس والقوة لحماية الحق وبسط العدل.

ولقد رفعت الدولة الإسلامية منذ أول يوم لها هذا الشعار القرآني الفريد، فأقامت مشروعها على الكتاب الهادي والسيف الناصر، وخطابات قادتها حول ذلك ومنهم الشيخ الزرقاوي -تقبله الله- ما تزال حتى يومنا هذا عالقة في الأذهان راسخة في القلوب، وما هي إلا سنوات قلائل بعد هذه الخطابات الصادقة حتى أحالت دولة الإسلام هذا الشعار إلى مشروع حقيقي عملي، وشقّت طريقها نحو إقامة الخلافة الراشدة التي ينتظر كثير من العاملين للإسلام نزولها على جناح طائر أسطوري يحلق في السماء! أو على ظهر حصان أبيض يرونه في أحلام يقظتهم ومنامهم.

وحيثما دار الكتاب الهادي والسيف الناصر دارت دولة الإسلام رحى الحروب، وأدرّت دماء قادتها وجنودها لتسقي شجرة التوحيد، وأدارت بصبر وعزم وإصرار فصول المعركة مع قوى الكفر الذين يحاولون وقف مسيرة الهجرة والجهاد.

ومن ثمرات هذه المسيرة المباركة كانت الولايات الإفريقية ومنها غرب إفريقية التي يبذل فيها اليوم جنود الخلافة جهودهم على مسارين مباركين متكاملين: الأول مسار الدعوة إلى التوحيد، وتعليم المسلمين أمور دينهم عبر إنشاء ديوان الدعوة والمساجد وديوان الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وديوان الزكاة وغيرها من الدواوين الدعوية والخدمية التي تسوس حياة الرعية وتنشئ جيل الإيمان وتُسلحه بالعلم والعمل، وفقا للكتاب الهادي.

أما المسار الثاني للمجاهدين هناك: فهو القتال والمقارعة لجيوش الكفر والردة التي تقاتل في سبيل الطاغوت ونصرة لديمقراطيته، بينما يقاتل المجاهدون -نحسبهم كذلك- في سبيل الله تعالى ونصرة لشريعته وفقا للسيف الناصر.

ولقد رأى المسلمون خلال السنوات الأخيرة كيف تحولت الولايات الإفريقية إلى ساحة هجرة وجهاد، يأوي إليها المهاجرون فرارًا بدينهم من العيش تحت سطوة الطواغيت وأحكامهم الجاهلية، وجهادا في سبيل الله تعالى وإعلاء لكلمته، ودعوة إلى توحيده وعبادته سبحانه، وهو ما أرعب الكافرين وأغاظ المنافقين وأشياعهم.

إن المشاهد التي نراها اليوم في أرض إفريقية هي نفسها التي كنا نراها بالأمس في العراق والشام، وأشبال الخلافة الذين تناوبت طائرات الروم والفرس معا على دكّهم بأطنان القنابل أصبحوا اليوم -بإذن الله تعالى- جيل التمكين القادم في أرض إفريقية التي كانت رمزا لاستضعاف المسلمين واحتقارهم والتسلّط عليهم من قبل النصارى والمرتدين، طوال سنوات طويلة خلت من حاكمية الكتاب الهادي وقوة السيف الناصر، حتى تغيّر الحال اليوم -بفضل الله تعالى- وغدا للمسلمين في أرض إفريقية دولة وقوة تهابها أقوى الدول وتحشد لها أمريكا العجوز تحالفا عالميا قوامه 85 دولة مأزومة تنتظر نصيبها من الاستنزاف على أيدي الأسد الغضاب في إفريقية السيف والكتاب.

ومن الجدير بالذكر أن التحالف الصليبي المترنح لم يطر إلى أرض إفريقية لقتال المجاهدين عسكريًا فحسب، فطائراته لم تغادر إفريقية أصلا طوال السنوات الماضية، لكنه يحشد ويخطط بالتزامن مع ذلك لبدء حرب فكرية تتصدى لمشروع الخلافة الذي يحكّم الكتاب ويوفّر بيئة للدعوة والإيمان يأمن فيها المسلم على دينه وعرضه ويربي أولاده تربية إيمانية بمناهج إسلامية لا جاهلية، قدواتهم فيها حمزة ومصعب وعمير -رضي الله عنهم-.
وبرغم تتابع الحملات العسكرية في الآونة الأخيرة على المجاهدين في الولايات الإفريقية إلا أن التمدد الميداني والتطور في الجهد الدعوي والإعلامي والإداري لا تخطئه العين في تلك الساحة المباركة التي أصبحت مصدر قلق وإرهاق للكافرين لم يزل في بدايته.

ويحسن بنا في هذا المقام أن نذكُر ونذكّر إخواننا في الولايات الإفريقية سائرة بما ذكَره وذكّر به الشيخ أبو عمر المهاجر -حفظه الله تعالى- المجاهدين بولاية غرب إفريقية في خطابه قائلا: "وما يسطرونه من ملاحم مرّغت أنوف الصليبيين والمرتدين في التراب، وهم يتصدون لهم ويكسرونهم حملة إثر حملة بفضل من الله وحده وبتوفيق منه سبحانه، فنقول لهؤلاء الأبطال: فاثبتوا عباد الله، فإنما تدافعون عن دينكم وأعراضكم لا يغلبنكم عليها عباد الصليب والمرتدون".

وختاما، نقول للمسلمين الذين لم يُوفّقوا للهجرة سابقًا إلى ساحات الجهاد وحالت دونهم الأسباب، هلمّوا إلى إخوانكم في أرض إفريقية فإنها اليوم أرض هجرة وجهاد، وساحة خصبة لاستقبال الطاقات والكوادر التي تبتغي نصرة الإسلام وفق معركة الكتاب الهادي والسيف الناصر، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 343
الخميس 16 ذو القعدة 1443 هـ
...المزيد

سجون الحرمين صبرا يزداد شرُّ طواغيت آل سلول في بلاد الحرمين يومًا بعد يوم، فهم لم يكتفوا ...

سجون الحرمين صبرا


يزداد شرُّ طواغيت آل سلول في بلاد الحرمين يومًا بعد يوم، فهم لم يكتفوا بمحاربة الشريعة، وموالاة اليهود والنصارى، ونشر الفساد في أرض الوحي؛ بل زادوا على ذلك بأن تسلّطوا على العباد بالبطش والتعذيب، فزجّوا في سجونهم النساء والرجال، والصغار والكبار، وملؤوا الأرض المقدسة جورا وظلما لن يوقفه غير الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو ما يحتّم على المسلمين الذين تهوي أفئدتهم إلى بلاد الوحي ويأتونها من كل فج عميق، أنْ ينتصروا لها وينزلوها منزلتها ويناصروا المستضعفين فيها، شأنها شأن سائر ديار المسلمين التي ترزح تحت ظلم طواغيت العرب والعجم.

ولقد تواترت أخبار جرائم جنود الطاغوت في هذه السجون، حيث التعذيب الجسدي والنفسي إلى الحد الذي يستحيي المرء مِن ذكره وبسط القول فيه، والذي لا يستحي هؤلاء المرتدون مِن ارتكابه، وكيف يستحون وقد شهد عليهم مَن كان تحت أيديهم أنهم يسبّون الله العظيم! ودينه القويم! ورسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-!، فلا عجب إذن من تعذيبهم الرجال واجترائهم على النساء وانتهاك حرماتهن، ومعاملتهن معاملة أسيادهم الصليبيين لنساء المسلمين في سجونهم، فليس بعد الكفر بالله ذنب ولا جرم.

وكثير من هذه السجون أنشأها طواغيت آل سلول نيابة عن أسيادهم الصليبيين لمحاربة المسلمين، فلا يسمعون بمجاهد غار على دينه وأراد أن يتحرك لنصرته، إلا سارعوا إلى الإيقاع به بشتى الطرق ليأسروه ويرموه في غياهب سجونهم، نصرة لأسيادهم وإبقاءً -في المحصلة- على ملكهم.

ومن حكمة الله تعالى، أنْ خرجت أخبار هذه السجون إلى العلن لتكون حجة أخرى على من يجادل عن هؤلاء الطواغيت وجنودهم، ويصبغ عليهم صفة الإسلام، مِن بلاعمة العصر المضلين، الذين ينبشون صغار السيئات في الناس ويتعامون عن الكفر الصراح عند أوليائهم! فتراهم يرقّعون لجنود الطاغوت؛ بالجهل تارة، وبالتأويل تارة، وبلقمة العيش تارة أخرى، دون أي اعتبار لدين الله تعالى، ودماء العباد وأعراضهم وأموالهم!، متجاهلين أنّ جنود الطاغوت هم يده ورجله وعينه، وحكمهم حكمه سواء بسواء، لقوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}.

ومن أقدار الله وحكمته أيضا، أنّ أيديهم طالت في الآونة الأخيرة كثيرًا من دعاة الضلالة الذين كانوا يبايعونهم "ولاةَ أمر للمسلمين"، ويحرّمون الخروج عليهم، ويفتون بقتل المجاهدين ويسفّهون جهادهم، ويتقربون بذلك لآل سلول، حتى إذا طال عليهم الأمد، أوقعهم الله في شرّ أفعالهم، وأراهم "ولاة أمرهم" على حقيقتهم، فباتوا اليوم في السجون جنبًا إلى جنب مع مَن كانوا بالأمس يحاربونهم ويفتون بخارجيتهم، مع الفارق الكبير بين الفريقين.

ولقد دلت نصوص الكتاب والسنة على وجوب القتال لاستنقاذ المستضعفين من المسلمين، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ..}، والأسرى من المستضعفين، كما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بفكاك الأسرى بقوله: (فُكُّوا العانِيَ) [رواه البخاري]، لأن السجن فتنة وعذاب، وبُعد عن الأهل والأحباب، وقد قال يوسف -عليه السلام- بعد أن خرج من الأسر: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف]، وقال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (ولو لَبِثْتُ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ يُوسُفُ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) [البخاري] وفيه إشارة إلى مدى المحنة والصبر الذي بذله يوسف -عليه السلام- داخل السجن.

ولذلك، فعلى المسلمين في بلاد الحرمين وخارجها، أنْ يدركوا أنّ إخوانًا لهم خلف قضبان سجون آل سلول؛ يستنصرونهم ليفكّوا قيودهم، ويحرروهم من عذابات الأسر ومرارته، ويخلّصوهم من ظلم طواغيت آل سلول المجرمين، فما تسلط هؤلاء الطواغيت على رقاب المسلمين إلا لأنهم لم يجدوا مَن يردعهم، ويجاهدهم في الله حق الجهاد، فالطريق الصحيح في هذا الزمان قد بدأه إخوانهم قبل سنين قليلة، حين قتل أحد أبطال الإسلام في بلاد الحرمين خاله (العقيد) المرتد واغتنم سيارته وتوجّه بها صوب (سجن الحائر)، وفجّر حزامه الناسف عند أسوار السجن على عساكر الطاغوت، ليرسم البداية كما رسمها من قبله الشيخ أبو أنس الشامي -رحمه الله- على أسوار (سجن أبي غريب)، ليُكمل المسير إخوانه بعد سنين قليلة ويتموا استنقاذ إخوانهم من الأسر في ملاحم بطولية سطّرها التاريخ.

وفي هذا المقام، نذكّر برسالة الخليفة أبي بكر البغدادي -رحمه الله- التي خاطب بها أهل الجزيرة قائلا: "يا أهل السنة في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- أين أحفاد الصحابة فيكم؟ أين غيرتكم على دينكم وأمتكم؟ أين مروءتكم وشهامتكم؟… ثبوا من رقادكم وسكرتكم، وانفضوا غبار الذل عنكم، فما عاد طغيان وكفر دولة آل سلول -قبّحهم الله- بخاف حتى على صبيانكم! وقد عزموا على تغريبكم وعلمنتكم في حملة ممنهجة، سعيًا لإكفاركم وتدمير منهج أهل السنة والجماعة على أرضكم".
وقال ابن عقيل -رحمه الله-: "إذا أردتَ أنْ تعلم محلّ الإسلام مِن أهل الزمان؛ فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بـ(لبيك)!، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة". فعلى المسلمين في بلاد الحرمين والوافدين إليها من كل حدب وصوب، أن يضعوا هذا الكلام نصب أعينهم، وأن يدركوا أن مقياس حبهم للإسلام هو نصرتهم لهذا الدين العظيم ومعاداتهم ومجاهدتهم لأعداء الله تعالى، وطواغيت آل سلول اليوم هم من ألدّ أعداء الله تعالى، وحربهم على دينه لا تخفى على أحد، وموالاتهم لليهود والنصارى صارت حديث الساعة، وقد طغوا وبغوا وفعلوا ببلاد الحرمين وأهلها ما لم يفعله طاغوت قبلهم.

أما إخواننا الأسرى في سجون بلاد الحرمين، فنذكرهم بأنهم في الأسر يُبتلون على قدر إيمانهم، وأنّ الله تعالى إذا أحب عبدا ابتلاه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، فنوصيهم بالاحتساب والصبر فهم أهله، وأن يعلّقوا قلوبهم بالله تعالى، وأن يُدركوا أنه ما عاداهم وأسرَهم الطواغيت إلا لأنهم كفروا بهم كما أمرهم ربُّهم، فهم في السجون في سبيل الله تعالى كما إخوانهم يجاهدون الطواغيت في سبيل الله، فهي طريق واحدة وغاية واحدة، وليكونوا على يقين بأن فرج الله تعالى قريب، وأن الله تعالى لن يضيع أعمالهم وجهادهم بل هو سبحانه يهيؤهم لقادم الأيام، وأن الله تعالى سيرغم آل سلول وجنودهم وأحبارهم المرتدين، طال الزمان أم قصر، على أيدي عباد الله المجاهدين الذين عملوا بما علموا، وستعود بلاد الحرمين منارا لدين الله كما يرضاه الله، وما ذلك على الله بعزيز.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 345
الخميس 1 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - مقال صحيفة النبأ 532 • الشبيحة والهول! ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي ...

الدولة الإسلامية - مقال صحيفة النبأ 532


• الشبيحة والهول!


ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي بظلالها على المشهد السوري، وفي القلب منه قضية أسرى المجاهدين الذين تتنافس اليوم الحكومات والميليشيات والإدارات الكافرة على مسك ملفهم وإحكام قيدهم، خدمةً لعيون أمريكا الصليبية.

وبعد خروج هذا الملف من أيدي الإدارة الكردية الشيوعية واستقراره في أيدي الحكومة السورية المرتدة، ها هي الحكومة العراقية الرافضية تستعد هي الأخرى لتأخذ دورا إضافيا في منظومة الحرب على أسرى المجاهدين وعوائلهم وأطفالهم في أكبر عملية أسر جماعي للأطفال والنساء بمباركة وتحريض طواغيت العالم وحكوماتهم وشيوخهم وإعلامييهم ومفكريهم ومؤسسات إنسانيتهم العوراء.

تُذكّرنا هذه الأحداث بقضية سجن صيدنايا الذي ذرف عليه الثوار دموع التماسيح وحوّلوه متحفا لالتقاط الصور التذكارية، بينما جفّت دموعهم وتبلّدت مشاعرهم اليوم أمام صيدنايا الجولاني في مخيم الهول، بل تورطوا في الجريمة ذاتها بالتكتم عليها والسعي لإخفاء ملابساتها وقلب حقائقها وصرف الأنظار عنها، مقابل تحسين صورة المجرم الذي يستأسد على النساء والأطفال، وتصويره على أنه حارسهم! في تناقض فجّ لا تجتمع أركانه إلا في مخيلات عبدة الطاغوت.

وحاليا تعكف جهات أمنية تابعة للنظام، عبر منصات غير رسمية على بث حالة من التضليل الإعلامي المتعمد، بهدف حجب أنظار الناس عن سلوك شبيحة الجولاني في التعامل مع مخيم الهول؛ من خلال تسليط الضوء على بعض السجون والمخيمات الخاضعة للحكومة الرافضية في هذا الوقت بالذات، ليس حبا بأسرى المسلمين هناك بل استغلالا لمعاناتهم في تخفيف الضغط الإعلامي عن نظامهم السوري!

فهؤلاء الكفرة الفجرة لم يكتفوا بالتورط في تأييد وتشييد النظام المرتد في حربه على الإسلام، بل تعدوا ذلك إلى المتاجرة بأعراض المسلمين واتخاذها ورقة لابتزاز المجاهدين تارة، وتارة أخرى لصرف الأنظار عن ممارسات نظامهم الهمجي الذي يُحكم قبضته على الأسر المكلومة في الهول.

إن استغلال ورقة الهول ليس جديدا على الساحة، وهو قاسم مشترك استوت فيه الأطراف الكافرة الثلاثة؛ الإدارة الشيوعية والإدارة الثورية والحكومة الرافضية، فكل طرف يجذب هذه الورقة على النحو الذي يخدم مصالحه، فالإدارة الكردية استغلت الملف في تهديد خصومها واستجلاب الدعم الدولي لها، والنظام السوري استغل الملف لإثبات جدارته وتثبيت أوراق اعتماده في "مكافحة الإرهاب" لدى أسياده الصليبيين، أما الحكومة الرافضية فهي تستغل الملف بشكل خاص في تصفية حساباتها مع من مرّغوا أنفها في التراب وكشفوا للعالم سوءة جيشها الرافضي بغير غطاء الطيران الأمريكي.

وقد أُسقط في أيدي بعض المفتونين بالنظام الجديد، بعد أن رأوا جنود الجولاني يُطْبقون الحصار على مخيم الهول من جميع الجهات وينتشرون كالجراد على بواباته وينشرون القناصات على أبراجه، خشية فرار طفل أو أمّ من هذه الأهوال! في صورة أعادت للأذهان سريعا ما كان عليه الحال قبل أسابيع قليلة فقط، يوم كان الهول تحت سيطرة شبيحة "قنديل" قبل أن يستلمه شبيحة الجولاني.

كما انصدم بعض الواهمين بالنظام، بعدما انتشرت الأخبار عن قتل جنود النظام لأحد زملائهم السابقين بتهمة تهريب عدد من عوائل مخيمات الأهوال، حيث لم تشفع له سابقته ولا صلته عند جلاوزة النظام وزنادقة الثورة الذين حققوا المفاصلة التامة مع معسكر الإيمان في وقت قياسي تفوّقوا فيه -كفرا وردة- على كثير من الجيوش العربية التي شابت في الكفر!

ودعونا نتوقف قليلا عند هذا الحدث الذي تغافل عنه الإعلام الثوري ولم يلق تفاعلا من قبل نشطاء الثورة وشاهدي زورها الذين فاقوا نشطاء النظام النصيري انحطاطًا ووضاعةً كأنّ شخصياتهم ذابت في شخصيات النظام القديم، فأنبتت لنا مسوخا بشرية، أخذت من رجس النظام السابق والحالي بحظ وافر، فتضلّعت خسةً ودناءةً فاقت كل وصف، ولا عجب إنها شنشنة الطواغيت وحاشيتهم، ومهما تغيّرت قشورها وجلودها فالأصل واحد.

لكن الأمر الذي نحتاج أن نتوقف عنده طويلا، هو ماهية العقيدة العسكرية التي يعتنقها جنود "الجيش العربي السوري" الذين نفّذوا المهمة القذرة بدم بارد مع سبق إصرار وترصد! وبأوامر صريحة من "وزارة داخليتهم" التي يديرها "شبيح" أمني ضالع في العديد من الجرائم والمهام السرية القذرة بحق المجاهدين وعوائلهم كأنه تخرّج من أحد أفرع مخابرات النظام لا الثورة!

متى وأين وكيف وصل جنود الثورة -جنود النظام الجديد- إلى هذه الحالة من الدناءة والانحطاط والافتقار لأدنى درجات المروءة التي تمكث جيوش الطواغيت العربية سنوات حتى توصل أفرادها إلى هذه الحالة الهمجية الفريدة في الانحدار والتخلي عن كل القيم إلى الحد الذي يدفعهم لقتل أحد زملائهم بتهمة شريفة؛ كان جنود الإدارة الشيوعية يغضون الطرف عنها أحيانا مقابل بعض الفتات!
لم تتسع صدور جنود الإدارة السورية لجندي سابق في صفوفهم جريرته المساهمة في تهريب بعض المسلمات من الأهوال، بينما اتسعت لجميع الطوائف الكافرة من الدروز والعلوية والرافضة والنصارى، فما هذه العقيدة القتالية التي جعلتهم يطلقون النار على زميلهم دون تردد؟! بينما يقفون صفا واحدا كالخُشب المُسندة حمايةً لشجرة التثليث أو حمايةً لمعبدٍ رافضي يُسب فيه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

نحن نخبركم أي عقيدة قتالية هذه، إنها عقيدة الجيوش العلمانية الكافرة، الذين تخرّجوا من المدارس العسكرية الغربية، التي تتقن صناعة الطواغيت وتحوّلهم إلى عبدة للطاغوت بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

يقول أحد إخواننا التائبين من إحدى الجيوش العربية المرتدة: كان الجيش في تدريباته يأمرهم بسب الذات الإلهية مرارا بصوت عال -والعياذ بالله- ويجبرهم على تصرفات قذرة غير بشرية خلال الدورات العسكرية "المتقدمة" ليقطعوا أي صلة بين هذا الجندي وبين أي نزعة دينية أو خلقية أو بشرية مستقيمة قد تقف حاجزا بينه وبين بعض المهام الأمنية القذرة، هذه بعض طرق الجيوش العلمانية في صناعة جنودها الكفرة.

لكن ما هي طريقة "الجيش العربي السوري" في صناعة جنوده وإيصالهم إلى هذا المستوى المتقدم في الكفر والعربدة؟! ثم إنْ كان هذا سلوك جنود جيش الجولاني بعد أول عام لهم في الحكم، فليبشر أهل سوريا بنظام أسوأ من سابقه، لن يلبث جنوده طويلا حتى يُخرجوا "الشبيحَ" الحقير الذي بداخلهم، ومن لم يُخرجه منهم، سيخرجونه من صفوفهم كما فعلوا بآخرين.

ختاما، هذه رسالة لكل الغيارى من شباب المسلمين في الشام ممن يرون ويسمعون ما يحل بالحرائر في سجون شبيحة الجولاني في الهول وغيره، نقول لكم إن الموت على عتبات السجون ذودا عن هذه الحرمات، ميتة يحبها الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهي والله دأب أولي العزمات من السابقين الأولين من المجاهدين الذين غيّبتهم القبور والسجون، والحر تكفيه الإشارة.


• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 532
الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

مقال: النُذر الإلهية والغفلة العالمية لا يكاد سمع المرء يخلو من أخبار هنا أو هناك عن خسوفات ...

مقال: النُذر الإلهية والغفلة العالمية


لا يكاد سمع المرء يخلو من أخبار هنا أو هناك عن خسوفات وكسوفات، عن فيضانات تُغرق مدنا كبرى، وعواصف مطرية أو نارية تأكل الأخضر واليابس، زلازل تتكاثر وأراض تنهار، جفاف يغزو بقعا وسيول تُغرق أخرى، وآيات تزداد وتتوالى حينا بعد حين، تُنذرنا وتخوّفنا، وتُذكّرنا بضعفنا والغاية من خلقنا.


• {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}

إن من حكم إرسال الآيات على الناس تخويفهم ليعودوا ويتوبوا، لقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}، قال الإمام ابن كثير: "قال قتادة: إن الله خوّف الناس بما يشاء من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه".

فعلى مر العصور كانت الآيات تأتي تذكيرا وتخويفا للناس، وإيقاظا لهم من سباتهم خصوصا عند شيوع الغفلة، فمنهم من يتذكر ويتوب، وأكثرهم يعرض ويصر على غفلته، ويرى هذه الآيات المؤدِّبات أحداثا بيئية عادية كحال الكثيرين في هذا الزمان، الذي تتابعت فيه النذر وتكاثرت وما تزال في ازدياد شديد، تقابلها غفلة عالمية عارمة؛ فتجد الناس مثلا عند حدوث آية الكسوف أو الخسوف، بدل أن يصطفوا لله مصلّين وجلين قانتين؛ يصطفون خلف الشاشات والمناظير لاهين عابثين محلّقين في "الظاهرة الفلكية" غافلين عن الآيات الإلهية، وكذا تسمعهم عند حدوث أي فيضان أو إعصار مدمر، يقولون إن ذلك ناجم عن "التطرف المناخي" أو "هشاشة البنية التحتية" متغافلين متعامين عن قدرة الله تعالى، وعن حقيقة أن الدول التي كانت تفتخر بقوتها وتطورها، لم تصمد أمام جنود الله القاهرة من زلازل وبراكين مدمرة، وسيول جارفة ورياح عاصفة، وأعاصير مغرِقة وأخرى محرقة، وهكذا تراهم مع كل آية يرسلها الله تذكرة ونذيرا؛ يزداد إعراضهم وطغيانهم كما وصفهم سبحانه إذ يقول: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا}.


• {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}

كانت عاد تتبجح بقوتها فعاثت فسادا وطغت وتجبرت، فأرسل الله عليهم ريحا عاتية اجتثتهم عن بكرة أبيهم فما أغنت عنهم قوتهم شيئا أمام جندي واحد من جنود الله، وبعدها ثمود ما اتعظوا بأسلافهم فأهلكهم الله كما فعل بمن قبلهم، وتعاقبت خلفهم أمم وأقوام كثيرة أتتهم النذر فما استجابوا لربهم وما أقلعوا عن غيّهم، فقلع الله مساكنهم وأبنيتهم وخرّت عليهم سقوفهم من فوقهم وأتاهم الموت من كل مكان، وذاك فرعون كم طغى وبغى وتجبر، واستضعف الخلق واستباح دمهم واستكبر، فأنذره الله بالرسل وخوّفه بالآيات، فما زاده ذلك إلا غيا، حتى جاءت القاضية فغرق في لجج البحر وصار لمن بعده آية.

وفي عصرنا أبت عاد وأخواتها إلا أن تترك أحفادا أشرّ منها، قد تعلموا في مدرستها ثم تتلمذوا على يد فراعنتها، فصاروا في الغي والبغي سيان، بل تفوقوا عليهم وغدوا معلمين لا متعلمين!، دول وأقوام صاروا للكفر رأسا وللباطل أصلا، طغوا وبغوا واستباحوا الحُرم والدم ولسان حالهم اليوم كحال أسلافهم بالأمس: من أشد منا قوة؟، فجاءتهم نذر العقاب والغضب، من غزو الأعاصير المدمرة التي تشل قواهم البحرية والجوية، والعواصف الثلجية التي تحبسهم في دورهم وتعطل حياتهم، والسيول التي تغرق طرقهم وتجرف منازلهم وآلياتهم، والزلازل التي تضربهم وتشردهم وتثقل اقتصادهم، حتى باتوا يقرون بأن ما يجري في العالم "ليس عاديا" وأنها "تغيرات غير مسبوقة" إلى غيرها من عبارات واعترافات العجز أمام قوة الله تعالى التي يصفونها جحودا وإلحادا بـ "قوة الطبيعة"، فأين هي إذًا قوتهم التي يتبجحون أنهم "طوّعوا" الطبيعة بها؟ وأين ترساناتهم التي يفتخرون بها؟ أين بُناهم التحتية وحصونهم الأرضية التي يحتمون بها؟ وأين قلاعهم العاجية التي يتطاولون بها؟ وغيرها الكثير من الآيات والنذر الإلهية، التي تتتابع وتشتد عليهم يوما بعد يوم، وما زال حال أكثرهم اليوم كحال أكثرهم بالأمس كما أخبر تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}.
• {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ}

وما يزال أهل الكفر وأربابه يمكرون السيئات، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر، فينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، ويبثون سمومهم من شهوات وشبهات لإغواء الخلق وإضلالهم، يفسدون في الأرض ولا يصلحون يحاربون الإسلام وهم في غيهم يعمهون، وتمادى بهم الطغيان حتى ظنوا أنهم على الأرض قادرون، وأمنوا على أنفسهم من مكر الله القائل: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ}.

وما يزال سبحانه ينذرهم ويخوّفهم بآيات بيّنات مُحرقات مُغرقات عاصفات ناسفات لا يجحدها أو ينكرها إلا مستكبر جحود، سيول تجرف عمرانا وأعاصير تجتاح حصونا، بلدان يغزوها عسكر الجفاف وأخرى تدكها جيوش الزلازل والبراكين، الأرض صارت تنتفض! والسماء تضطرب! ولا تكاد النذر تتوقف! والجحود والغفلة العالمية في ازدياد.

ومن معالم هذا الجحود بين أهل هذا الزمان، إصرارهم على رد الأمر إلى الأسباب المادية البحتة المجردة عن الإيمان بالخالق وقوته وجبروته وغضبه وعقابه، فيبررون ما يجري بـ "الاحتباس الحراري" و "النمو السكاني" وغير ذلك من المبررات والتفسيرات الصماء، ونسوا أن الله أرسل على أسلافهم من الأمم الغابرة -مِن أمثال هذه الآيات- ما أبادهم وجعلهم أحاديث ومزقهم كل ممزق؛ ولكن قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

ولا يخفى على كل ذي لب أن معاصي الأمم السالفة قاطبة، قد اجتمعت في هذا العصر من كفر وشرك وفسوق وشذوذ، وربا وتطفيف، بل ظهر في عصرنا من الذنوب والفواحش المصادمة للفطرة البشرية ما لم تعرفه الجاهلية الأولى، ومع ذلك ما زال الناس في سكرة مطبقة وفي أمن رهيب من بأس الله وعقابه يوشك أن يحل بهم ويأخذهم على حين غرة كما فُعل بأشياعهم، قال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.


• اركب معنا

أمام طوفان الكفر الجارف وعواصف الذنوب المهلكة، كان لا بد من سبيل للنجاة من غضب الجبار سبحانه، فرارا منه إليه جل شأنه، وكان لزاما على كل مسلم البحث عن سفينة نجاة توصله إلى بر الأمان، سفينة شراعها التوحيد ووقودها الجهاد، يركبها المؤمنون فيأمنون وينجون.

فيا أيها المسلمون القابعون في ديار الكفر، قد رأيتم ما رأيتم من علو الطغاة وفشو الخبث بين ظهرانيكم، ووصلكم من النذر الإلهية ما يقرع الأسماع ويقتلع القلوب، فما الذي يمنعكم عن اللحاق بركب النجاة؟ ألم يطرق مسامعكم ما أجاب به نبيكم -صلى الله عليه وسلم- زينب -رضي الله عنها- حينما سألته: "أنهلك وفينا الصالحون؟". قال: (نعم إذا كثر الخبث) [البخاري]، فإن تعذّر بعضكم بالدعوة والإصلاح، نقول لكم: حتى الإصلاح في الأوساط الجاهلية اليوم لا سبيل إليه بغير قوة وشوكة، ولا سبيل إليه دون الأسر والقتال والصدام مع الطواغيت وعسكرهم ودعاتهم! وقد جربناه قبل النفير إلى ميادين الهداية والرشاد، وهل يترك الطغاة داعيا إلى الحق حرا معافا؟!

ولو كان ما يمنعكم عن اللحاق بإخوانكم حب الدنيا وزهرتها وكراهية الموت، فالموت إذا جاء لن يرده عنكم أحد وهو قريب منكم حيث أنتم على أسرّتكم وبين أهليكم، فاتقوا الله، ولا تأمنوا مكره، واعلموا أنكم تخلفتم عن فريضة من أعظم فرائض العصر، وركنتم إلى الفانية، وعرّضتم أنفسكم لسخط الله ووعيده لمن قعد عن سبيله وتخلف عن تلبية ندائه، فانفضوا عن أنفسكم غبار القعود والتخلف عن ركب الهدى، والتحقوا بسفينة الإيمان لعلكم تنجون، {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ}.


• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 532
الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

أين غيارى وغضاب أمة التوحيد؟ لم تسجل حوادث التاريخ سجن هذا العدد الضخم من النساء والأطفال في ...

أين غيارى وغضاب أمة التوحيد؟


لم تسجل حوادث التاريخ سجن هذا العدد الضخم من النساء والأطفال في مثل هذه الظروف القاهرة في قلب البلاد المسلمة وبين المسلمين بقرار من الكافرين المحاربين إلا في زماننا!

وستبقى صور الحرائر والأطفال في سجون ملاحدة الأكراد ومرتدي الصحوات عارًا لا يمحى ومسبة لا تمسحها الأيام ولا المبررات.

حدثونا عن قاع البؤس والذلة والاستضعاف، نحدثكم عن سجون ومخيمات الأهوال في زمن شعارات ودعاوى حقوق المرأة والطفل التي أذلوا بها دولاً وشعوبا برمتها!

مبارك خروج كل حرة من هذه السجون الوقحة.. جعلها الله رفعة وأجرًا وآخر الكروب والفواجع وجبر الله من ينتظرن الفرج جبرًا عزيزا وعجل بفكاك أسرهن، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً