حبُّ الظهور.. تفقّد نيتك! الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ...

حبُّ الظهور.. تفقّد نيتك!






الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

إن الله العليم الخبير استخلف الإنسان في الأرض، وخلق فيه من الغرائز وحوله من متاع الدنيا ما يختبر به انقياده إليه، وتمسّكه بما أمرَه به، وهو سبحانه ناظر إليه، مطّلع على جميع أحواله، كما قال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون...) [رواه مسلم]، فالإنسان تحت نظر الله تعالى وسمعه، يعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وقد حدَّد له -جلّ في علاه- من متاع هذه الدنيا "الحلوة الخضرة" ما يأتي وما يذر، فأباح له ما رضيَه له مما فيه صلاح حاله وحال مَن حوله، ونهاه عما لا يرضاه له مما فيه فساد حاله وحال مَن حوله.

ومما نهاه ربه عنه مما يفسده: تطلعه لحبّ الظهور وطلب الجاه في هذه الحياة الفانية، فهذه الصفة ليست من صفات المتطلعين للدار الآخرة، التي كتبها الله لأهل الصلاح وخفض الجناح للمسلمين، قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]، فالمسلم الذي يحرص على أن تكون له عاقبة المتقين الحسنة يحرص على ألا يبغي العلو والجاه في هذه الأرض على حساب دينه، بل يأطر نفسه على التواضع أطرا، إنْ وجد منها تعلّقا بالجاه أو حب الظهور.

كتب سفيان الثوري إلى عباد بن عباد، رسالة قال فيها: "إيّاك أن تكون ممن يحبُّ أن يُعمل بقوله!، أو يُنشر قوله!، أو يُسمع قوله!، وإيّاك وحب الرياسة فإن الرجل يكون حبُّ الرياسة أحبَّ إليه من الذهب والفضة وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة، فتفقّد قلبك، واعمل بنية".

وحبّ الجاه والظهور من أدواء النفوس الخفية التي لها أسبابها وأعراضها وآثارها، كما لها أيضا طبّها وعلاجها.


• من أسباب هذا المرض

فمن أسباب هذا الداء، هو الجهل بحقيقة الدنيا، فمن تأمل حقيقة أنها إلى زوال حتمي، وأنها متاع قليل، وأنها مهما طالت فهي قصيرة ومهما عظمت فهي حقيرة، وأن المسلم فيها كراكب استظلّ بظل شجرة ثم راح وتركها؛ لم يعظم في عينه شيء مِن جاهها، ولم تتطلع نفسه لشيء من حطامها، ومن أسباب هذا الداء أيضا جهل الإنسان بنفسه، فيظن نفسه أكبر مما هو عليه، فيزعم أنه يطلب لها بالجاه حقها، ويضعها في المكانة اللائقة بها ولا يدري أنه بذلك يقتلها!، ومن الأسباب كذلك، الشعور بالنقص الذي يحاول صاحبه أن يعوّضه بطلبه للجاه، ويسد حاجة نفسه من ذلك، ومن أسبابه المؤدية إليه أيضا، كثرة المدّاحين ممن أُمرْنا أن نحثوَ التراب في وجوههم، الذين لا يراعون حال الممدوح ولا تأثّره السيئ بالمدح، مِنْ تعاظم نفسه وتعاليها وإيهامها بالجاه الزائف.


• أعراض هذا المرض

أما أعراض هذا الداء فكثيرة، منها طلب العلم للجدال والظهور، لا للتعلم والعمل، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ) [أخرجه أبو داود]، ومنها: التكلم عن النفس كثيرا، فيقول قائلهم: لي كذا وكذا، وأستطيع كذا وكذا، وعندي كذا كذا، وقد ذكر الله تعالى في كتابه أمثلة من هؤلاء، فمنهم إبليس -لعنه الله- كما في قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف:12]، ومنهم فرعون الطاغية كما في قوله تعالى: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف:51]، ومنهم قارون الذي خسف الله به وبداره الأرض والذي قال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78]، ومن أعراض هذا الداء كذلك: طلب الإمارة والرياسة، والحرص عليها لذاتها، لا لأخذها بحقها وفائدة البلاد والعباد، وإنما إشباعا لشهوة الجاه وإرضاءً لرغبة النفس.

• آثار هذا المرض

ومن آثار طلب الجاه وحب الظهور بالمال أو الرياسة أو العلم أو غيرها هو فساد الدين والعياذ بالله، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث كعب بن مالك الأنصاري -رضي الله عنه-، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ) قال ابن رجب -رحمه الله-:"فهذا مثل عظيم جدًّا ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لفساد دين المؤمن بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين ضاريين باتا في الغنم قد غاب عنها رعاتها ليلًا، فهما يأكلان الغنم ويفترسانها، ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا قليل" [ذم المال والجاه]، ومن آثاره أيضا أنه ربما ينتهي بصاحبه الساعي إليه الحريص عليه إلى الوقوع في نواقض الإسلام أو اقتحام الذنوب العظام، كما حصل مع فرعون وقارون ومشركي قريش وابن سلول، وكما يحصل اليوم من كثير من الناس، من المتعالمين ووجهاء الناس وأعيانهم، ومن محبي الشهرة والتصدّر في الشبكة العنكبوتية، فحُبّ الظهور عند كثير من هؤلاء دفعهم إلى مداهنة الناس وتقديم أهوائهم ورضاهم على أحكام الله وأوامره ورضاه، فلم ينالوا غير سخط الله تعالى وسخط الناس!


• علاج هذا المرض

وبما أنه من الأدواء، فإن له دواءً ولا بد، ودواؤه: معرفة حقيقة الدنيا واستحقارها، والتطلع للدار الآخرة والتأمل فيما جاء في وصفها، من لذات لا كدر فيها ولا انقطاع لها، ومعرفة حقيقة النفس والاعتراف بضعفها، وحاجتها لعون الله خالقها وبارئها، والتبرؤ مِن حولها وقوتها إلى حول الله وقوته، وسؤاله سبحانه وتعالى الإخلاص في الأقوال والأعمال، وسؤاله -جلّ وعلا- أن يكسر هذه الرغبة في النفس المتطلعة لها، والتأمل في حال الذين أرادوا الظهور في هذه الدنيا فأهلكهم الله شر هلاك وقصم ظهورهم وجعلهم عبرة، والحرص على عدم طلب الرياسة والتصدّر فإنه باب شر وخطر إذْ الإنسان ضعيف لا يأمن على نفسه!، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، كما جاء في الحديث عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: (قُلْتُ: يَا رسول اللَّه، ألا تَستعمِلُني؟ فضَرب بِيدِهِ عَلَى مَنْكبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعِيفٌ، وإنَّهَا أَمانةٌ، وإنَّها يَوْمَ القيامَة خِزْيٌ ونَدَامةٌ، إلَّا مَنْ أخَذها بِحقِّها، وَأدَّى الَّذِي عليهِ فِيها) [رواه مسلم].


• فائدة

فإن قال قائل: إن إبراهيم -عليه السلام- سأل الله أن يجعل له ذكرا من بعده فقال: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء:84] وإن يوسف -عليه السلام- قد طلب الرياسة حين قال للملك: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]، وقد ذكر الله تعالى من صفات عباد الرحمن الصالحين أنهم: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74] فقد طلبوا أن يكونوا أئمة للمتقين، فلماذا يُمنع المسلم أن يطلب الذكر والجاه؟ فنقول: أما نبيُّ الله إبراهيم -عليه السلام- فإنه سأل الله أن يكون له مِن بعده ذكر حسن ولم يكن يعمل من أجل ذلك، قال ابن كثير في تفسير الآية المذكورة: "أي واجعل لي ذكرا جميلا بعدي أذكر به، ويُقتدى بي في الخير"، وأما نبي الله يوسف -عليه السلام- فقد كان أهلا لها ولم يطلبها لذاتها، وإنما لصلاح البلاد والعباد، أما دعاء عباد الرحمن بأن يكونوا أئمة للمتقين، فقد قال الإمام البخاري -رحمه الله- في تفسيرها: "أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا"، ففرق بين من يطلب الإمارة والذكر حرصا على الدنيا وبين من يطلب ذلك حرصا على الآخرة، وقد قال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود:16،15]

فهذا هو الداء، وهذه هي أسبابه وأعراضه وآثاره، فلا بد للمسلم أن يتفقد نفسه كل حين، فربما أصيب بهذا الداء الخفي من حيث لا يشعر، فمن أحسّ بشيء من ذلك فليبادر للعلاج ما دام في العمر بقية، وليصلح نفسه ولْيتهمْها، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 340
الخميس 25 شوال 1443 هـ
...المزيد

أنجدوا أخواتكم في الهول أيها المسلمون، أيتها القبائل والعشائر العربية، إن المؤمنات المستضعفات ...

أنجدوا أخواتكم في الهول


أيها المسلمون، أيتها القبائل والعشائر العربية، إن المؤمنات المستضعفات قد تركن في العراء وحدهن، دون مأوى أو طعام.

وإن عزة المسلمين في نسائهم، فكيف بمن فررن بدينهنَّ لأخرتهنَّ، فإن إيواءكم لهن وإعانتهن شرف عظيم لكم، ورفعة لعزتكم وكرامتكم بين المسلمين، فهو وقار لقبائلكم، وصون لأعراضكم، فليست كل عشيرة ادعت أنها توارثت الغيرة والشجاعة عن أجدادها، وتلاقحت قيم الأخوة في أجيالها صادقة في دعواها، فإلجاء العفيفات التقيات فرصة لإثبات دعواكم وإظهار شجاعتكم ومروءتكم، وغيرتكم على المسلمين ونسائهم خاصة، كما أنه سيظهر تآخيكم وتحاببكم بين بعضكم.

فإن تلبية ندائهن برهان أصالتكم به يرتفع شأنكم وتزداد هيبتكم، ويفخر المسلمون بكم، فكونوا أول منجد للمستضعفين تكونوا أنبل قبائل المسلمين.
...المزيد

مخيم الهول / انصروا أخواتكم إنَّ نُصرةَ النساءِ في الشِّدَّةِ من أعظمِ القُرُبات، وقد أمرَ ...

مخيم الهول / انصروا أخواتكم



إنَّ نُصرةَ النساءِ في الشِّدَّةِ من أعظمِ القُرُبات، وقد أمرَ الإسلام برفع الظلم، وجبرِ الخواطر، والوقوف مع المكسورين، فمَن أعَانَ سجينة في كربٍ، فقد سارَ على خُلُقِ الرَّحمةِ"

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : « اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا » (متفق عليه)

وقال أيضا: « وَاللَّه فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ » (رواه مسلم)

وَقَالَ: « مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ » (رواه مسلم)


#انقذوا_أخواتكم_في_مخيم_الهول_وروج
...المزيد

النُذر الإلهية والغفلة العالمية لا يكاد سمع المرء يخلو من أخبار هنا أو هناك عن خسوفات ...

النُذر الإلهية والغفلة العالمية




لا يكاد سمع المرء يخلو من أخبار هنا أو هناك عن خسوفات وكسوفات، عن فيضانات تُغرق مدنا كبرى، وعواصف مطرية أو نارية تأكل الأخضر واليابس، زلازل تتكاثر وأراض تنهار، جفاف يغزو بقعا وسيول تُغرق أخرى، وآيات تزداد وتتوالى حينا بعد حين، تُنذرنا وتخوّفنا، وتُذكّرنا بضعفنا والغاية من خلقنا.


• {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}

إن من حكم إرسال الآيات على الناس تخويفهم ليعودوا ويتوبوا، لقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}، قال الإمام ابن كثير: "قال قتادة: إن الله خوّف الناس بما يشاء من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه".

فعلى مر العصور كانت الآيات تأتي تذكيرا وتخويفا للناس، وإيقاظا لهم من سباتهم خصوصا عند شيوع الغفلة، فمنهم من يتذكر ويتوب، وأكثرهم يعرض ويصر على غفلته، ويرى هذه الآيات المؤدِّبات أحداثا بيئية عادية كحال الكثيرين في هذا الزمان، الذي تتابعت فيه النذر وتكاثرت وما تزال في ازدياد شديد، تقابلها غفلة عالمية عارمة؛ فتجد الناس مثلا عند حدوث آية الكسوف أو الخسوف، بدل أن يصطفوا لله مصلّين وجلين قانتين؛ يصطفون خلف الشاشات والمناظير لاهين عابثين محلّقين في "الظاهرة الفلكية" غافلين عن الآيات الإلهية، وكذا تسمعهم عند حدوث أي فيضان أو إعصار مدمر، يقولون إن ذلك ناجم عن "التطرف المناخي" أو "هشاشة البنية التحتية" متغافلين متعامين عن قدرة الله تعالى، وعن حقيقة أن الدول التي كانت تفتخر بقوتها وتطورها، لم تصمد أمام جنود الله القاهرة من زلازل وبراكين مدمرة، وسيول جارفة ورياح عاصفة، وأعاصير مغرِقة وأخرى محرقة، وهكذا تراهم مع كل آية يرسلها الله تذكرة ونذيرا؛ يزداد إعراضهم وطغيانهم كما وصفهم سبحانه إذ يقول: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا}.


• {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}

كانت عاد تتبجح بقوتها فعاثت فسادا وطغت وتجبرت، فأرسل الله عليهم ريحا عاتية اجتثتهم عن بكرة أبيهم فما أغنت عنهم قوتهم شيئا أمام جندي واحد من جنود الله، وبعدها ثمود ما اتعظوا بأسلافهم فأهلكهم الله كما فعل بمن قبلهم، وتعاقبت خلفهم أمم وأقوام كثيرة أتتهم النذر فما استجابوا لربهم وما أقلعوا عن غيّهم، فقلع الله مساكنهم وأبنيتهم وخرّت عليهم سقوفهم من فوقهم وأتاهم الموت من كل مكان، وذاك فرعون كم طغى وبغى وتجبر، واستضعف الخلق واستباح دمهم واستكبر، فأنذره الله بالرسل وخوّفه بالآيات، فما زاده ذلك إلا غيا، حتى جاءت القاضية فغرق في لجج البحر وصار لمن بعده آية.

وفي عصرنا أبت عاد وأخواتها إلا أن تترك أحفادا أشرّ منها، قد تعلموا في مدرستها ثم تتلمذوا على يد فراعنتها، فصاروا في الغي والبغي سيان، بل تفوقوا عليهم وغدوا معلمين لا متعلمين!، دول وأقوام صاروا للكفر رأسا وللباطل أصلا، طغوا وبغوا واستباحوا الحُرم والدم ولسان حالهم اليوم كحال أسلافهم بالأمس: من أشد منا قوة؟، فجاءتهم نذر العقاب والغضب، من غزو الأعاصير المدمرة التي تشل قواهم البحرية والجوية، والعواصف الثلجية التي تحبسهم في دورهم وتعطل حياتهم، والسيول التي تغرق طرقهم وتجرف منازلهم وآلياتهم، والزلازل التي تضربهم وتشردهم وتثقل اقتصادهم، حتى باتوا يقرون بأن ما يجري في العالم "ليس عاديا" وأنها "تغيرات غير مسبوقة" إلى غيرها من عبارات واعترافات العجز أمام قوة الله تعالى التي يصفونها جحودا وإلحادا بـ "قوة الطبيعة"، فأين هي إذًا قوتهم التي يتبجحون أنهم "طوّعوا" الطبيعة بها؟ وأين ترساناتهم التي يفتخرون بها؟ أين بُناهم التحتية وحصونهم الأرضية التي يحتمون بها؟ وأين قلاعهم العاجية التي يتطاولون بها؟ وغيرها الكثير من الآيات والنذر الإلهية، التي تتتابع وتشتد عليهم يوما بعد يوم، وما زال حال أكثرهم اليوم كحال أكثرهم بالأمس كما أخبر تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}.

• {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ}

وما يزال أهل الكفر وأربابه يمكرون السيئات، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر، فينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، ويبثون سمومهم من شهوات وشبهات لإغواء الخلق وإضلالهم، يفسدون في الأرض ولا يصلحون يحاربون الإسلام وهم في غيهم يعمهون، وتمادى بهم الطغيان حتى ظنوا أنهم على الأرض قادرون، وأمنوا على أنفسهم من مكر الله القائل: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ}.

وما يزال سبحانه ينذرهم ويخوّفهم بآيات بيّنات مُحرقات مُغرقات عاصفات ناسفات لا يجحدها أو ينكرها إلا مستكبر جحود، سيول تجرف عمرانا وأعاصير تجتاح حصونا، بلدان يغزوها عسكر الجفاف وأخرى تدكها جيوش الزلازل والبراكين، الأرض صارت تنتفض! والسماء تضطرب! ولا تكاد النذر تتوقف! والجحود والغفلة العالمية في ازدياد.

ومن معالم هذا الجحود بين أهل هذا الزمان، إصرارهم على رد الأمر إلى الأسباب المادية البحتة المجردة عن الإيمان بالخالق وقوته وجبروته وغضبه وعقابه، فيبررون ما يجري بـ "الاحتباس الحراري" و "النمو السكاني" وغير ذلك من المبررات والتفسيرات الصماء، ونسوا أن الله أرسل على أسلافهم من الأمم الغابرة -مِن أمثال هذه الآيات- ما أبادهم وجعلهم أحاديث ومزقهم كل ممزق؛ ولكن قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

ولا يخفى على كل ذي لب أن معاصي الأمم السالفة قاطبة، قد اجتمعت في هذا العصر من كفر وشرك وفسوق وشذوذ، وربا وتطفيف، بل ظهر في عصرنا من الذنوب والفواحش المصادمة للفطرة البشرية ما لم تعرفه الجاهلية الأولى، ومع ذلك ما زال الناس في سكرة مطبقة وفي أمن رهيب من بأس الله وعقابه يوشك أن يحل بهم ويأخذهم على حين غرة كما فُعل بأشياعهم، قال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.


• اركب معنا

أمام طوفان الكفر الجارف وعواصف الذنوب المهلكة، كان لا بد من سبيل للنجاة من غضب الجبار سبحانه، فرارا منه إليه جل شأنه، وكان لزاما على كل مسلم البحث عن سفينة نجاة توصله إلى بر الأمان، سفينة شراعها التوحيد ووقودها الجهاد، يركبها المؤمنون فيأمنون وينجون.

فيا أيها المسلمون القابعون في ديار الكفر، قد رأيتم ما رأيتم من علو الطغاة وفشو الخبث بين ظهرانيكم، ووصلكم من النذر الإلهية ما يقرع الأسماع ويقتلع القلوب، فما الذي يمنعكم عن اللحاق بركب النجاة؟ ألم يطرق مسامعكم ما أجاب به نبيكم -صلى الله عليه وسلم- زينب -رضي الله عنها- حينما سألته: "أنهلك وفينا الصالحون؟". قال: (نعم إذا كثر الخبث) [البخاري]، فإن تعذّر بعضكم بالدعوة والإصلاح، نقول لكم: حتى الإصلاح في الأوساط الجاهلية اليوم لا سبيل إليه بغير قوة وشوكة، ولا سبيل إليه دون الأسر والقتال والصدام مع الطواغيت وعسكرهم ودعاتهم! وقد جربناه قبل النفير إلى ميادين الهداية والرشاد، وهل يترك الطغاة داعيا إلى الحق حرا معافا؟!

ولو كان ما يمنعكم عن اللحاق بإخوانكم حب الدنيا وزهرتها وكراهية الموت، فالموت إذا جاء لن يرده عنكم أحد وهو قريب منكم حيث أنتم على أسرّتكم وبين أهليكم، فاتقوا الله، ولا تأمنوا مكره، واعلموا أنكم تخلفتم عن فريضة من أعظم فرائض العصر، وركنتم إلى الفانية، وعرّضتم أنفسكم لسخط الله ووعيده لمن قعد عن سبيله وتخلف عن تلبية ندائه، فانفضوا عن أنفسكم غبار القعود والتخلف عن ركب الهدى، والتحقوا بسفينة الإيمان لعلكم تنجون، {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ}.


• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 532
الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - مقال صحيفة النبأ 532 • الشبيحة والهول! ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي ...

الدولة الإسلامية - مقال صحيفة النبأ 532


• الشبيحة والهول!


ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي بظلالها على المشهد السوري، وفي القلب منه قضية أسرى المجاهدين الذين تتنافس اليوم الحكومات والميليشيات والإدارات الكافرة على مسك ملفهم وإحكام قيدهم، خدمةً لعيون أمريكا الصليبية.

وبعد خروج هذا الملف من أيدي الإدارة الكردية الشيوعية واستقراره في أيدي الحكومة السورية المرتدة، ها هي الحكومة العراقية الرافضية تستعد هي الأخرى لتأخذ دورا إضافيا في منظومة الحرب على أسرى المجاهدين وعوائلهم وأطفالهم في أكبر عملية أسر جماعي للأطفال والنساء بمباركة وتحريض طواغيت العالم وحكوماتهم وشيوخهم وإعلامييهم ومفكريهم ومؤسسات إنسانيتهم العوراء.

تُذكّرنا هذه الأحداث بقضية سجن صيدنايا الذي ذرف عليه الثوار دموع التماسيح وحوّلوه متحفا لالتقاط الصور التذكارية، بينما جفّت دموعهم وتبلّدت مشاعرهم اليوم أمام صيدنايا الجولاني في مخيم الهول، بل تورطوا في الجريمة ذاتها بالتكتم عليها والسعي لإخفاء ملابساتها وقلب حقائقها وصرف الأنظار عنها، مقابل تحسين صورة المجرم الذي يستأسد على النساء والأطفال، وتصويره على أنه حارسهم! في تناقض فجّ لا تجتمع أركانه إلا في مخيلات عبدة الطاغوت.

وحاليا تعكف جهات أمنية تابعة للنظام، عبر منصات غير رسمية على بث حالة من التضليل الإعلامي المتعمد، بهدف حجب أنظار الناس عن سلوك شبيحة الجولاني في التعامل مع مخيم الهول؛ من خلال تسليط الضوء على بعض السجون والمخيمات الخاضعة للحكومة الرافضية في هذا الوقت بالذات، ليس حبا بأسرى المسلمين هناك بل استغلالا لمعاناتهم في تخفيف الضغط الإعلامي عن نظامهم السوري!

فهؤلاء الكفرة الفجرة لم يكتفوا بالتورط في تأييد وتشييد النظام المرتد في حربه على الإسلام، بل تعدوا ذلك إلى المتاجرة بأعراض المسلمين واتخاذها ورقة لابتزاز المجاهدين تارة، وتارة أخرى لصرف الأنظار عن ممارسات نظامهم الهمجي الذي يُحكم قبضته على الأسر المكلومة في الهول.

إن استغلال ورقة الهول ليس جديدا على الساحة، وهو قاسم مشترك استوت فيه الأطراف الكافرة الثلاثة؛ الإدارة الشيوعية والإدارة الثورية والحكومة الرافضية، فكل طرف يجذب هذه الورقة على النحو الذي يخدم مصالحه، فالإدارة الكردية استغلت الملف في تهديد خصومها واستجلاب الدعم الدولي لها، والنظام السوري استغل الملف لإثبات جدارته وتثبيت أوراق اعتماده في "مكافحة الإرهاب" لدى أسياده الصليبيين، أما الحكومة الرافضية فهي تستغل الملف بشكل خاص في تصفية حساباتها مع من مرّغوا أنفها في التراب وكشفوا للعالم سوءة جيشها الرافضي بغير غطاء الطيران الأمريكي.

وقد أُسقط في أيدي بعض المفتونين بالنظام الجديد، بعد أن رأوا جنود الجولاني يُطْبقون الحصار على مخيم الهول من جميع الجهات وينتشرون كالجراد على بواباته وينشرون القناصات على أبراجه، خشية فرار طفل أو أمّ من هذه الأهوال! في صورة أعادت للأذهان سريعا ما كان عليه الحال قبل أسابيع قليلة فقط، يوم كان الهول تحت سيطرة شبيحة "قنديل" قبل أن يستلمه شبيحة الجولاني.

كما انصدم بعض الواهمين بالنظام، بعدما انتشرت الأخبار عن قتل جنود النظام لأحد زملائهم السابقين بتهمة تهريب عدد من عوائل مخيمات الأهوال، حيث لم تشفع له سابقته ولا صلته عند جلاوزة النظام وزنادقة الثورة الذين حققوا المفاصلة التامة مع معسكر الإيمان في وقت قياسي تفوّقوا فيه -كفرا وردة- على كثير من الجيوش العربية التي شابت في الكفر!

ودعونا نتوقف قليلا عند هذا الحدث الذي تغافل عنه الإعلام الثوري ولم يلق تفاعلا من قبل نشطاء الثورة وشاهدي زورها الذين فاقوا نشطاء النظام النصيري انحطاطًا ووضاعةً كأنّ شخصياتهم ذابت في شخصيات النظام القديم، فأنبتت لنا مسوخا بشرية، أخذت من رجس النظام السابق والحالي بحظ وافر، فتضلّعت خسةً ودناءةً فاقت كل وصف، ولا عجب إنها شنشنة الطواغيت وحاشيتهم، ومهما تغيّرت قشورها وجلودها فالأصل واحد.

لكن الأمر الذي نحتاج أن نتوقف عنده طويلا، هو ماهية العقيدة العسكرية التي يعتنقها جنود "الجيش العربي السوري" الذين نفّذوا المهمة القذرة بدم بارد مع سبق إصرار وترصد! وبأوامر صريحة من "وزارة داخليتهم" التي يديرها "شبيح" أمني ضالع في العديد من الجرائم والمهام السرية القذرة بحق المجاهدين وعوائلهم كأنه تخرّج من أحد أفرع مخابرات النظام لا الثورة!

متى وأين وكيف وصل جنود الثورة -جنود النظام الجديد- إلى هذه الحالة من الدناءة والانحطاط والافتقار لأدنى درجات المروءة التي تمكث جيوش الطواغيت العربية سنوات حتى توصل أفرادها إلى هذه الحالة الهمجية الفريدة في الانحدار والتخلي عن كل القيم إلى الحد الذي يدفعهم لقتل أحد زملائهم بتهمة شريفة؛ كان جنود الإدارة الشيوعية يغضون الطرف عنها أحيانا مقابل بعض الفتات!

لم تتسع صدور جنود الإدارة السورية لجندي سابق في صفوفهم جريرته المساهمة في تهريب بعض المسلمات من الأهوال، بينما اتسعت لجميع الطوائف الكافرة من الدروز والعلوية والرافضة والنصارى، فما هذه العقيدة القتالية التي جعلتهم يطلقون النار على زميلهم دون تردد؟! بينما يقفون صفا واحدا كالخُشب المُسندة حمايةً لشجرة التثليث أو حمايةً لمعبدٍ رافضي يُسب فيه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

نحن نخبركم أي عقيدة قتالية هذه، إنها عقيدة الجيوش العلمانية الكافرة، الذين تخرّجوا من المدارس العسكرية الغربية، التي تتقن صناعة الطواغيت وتحوّلهم إلى عبدة للطاغوت بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

يقول أحد إخواننا التائبين من إحدى الجيوش العربية المرتدة: كان الجيش في تدريباته يأمرهم بسب الذات الإلهية مرارا بصوت عال -والعياذ بالله- ويجبرهم على تصرفات قذرة غير بشرية خلال الدورات العسكرية "المتقدمة" ليقطعوا أي صلة بين هذا الجندي وبين أي نزعة دينية أو خلقية أو بشرية مستقيمة قد تقف حاجزا بينه وبين بعض المهام الأمنية القذرة، هذه بعض طرق الجيوش العلمانية في صناعة جنودها الكفرة.

لكن ما هي طريقة "الجيش العربي السوري" في صناعة جنوده وإيصالهم إلى هذا المستوى المتقدم في الكفر والعربدة؟! ثم إنْ كان هذا سلوك جنود جيش الجولاني بعد أول عام لهم في الحكم، فليبشر أهل سوريا بنظام أسوأ من سابقه، لن يلبث جنوده طويلا حتى يُخرجوا "الشبيحَ" الحقير الذي بداخلهم، ومن لم يُخرجه منهم، سيخرجونه من صفوفهم كما فعلوا بآخرين.

ختاما، هذه رسالة لكل الغيارى من شباب المسلمين في الشام ممن يرون ويسمعون ما يحل بالحرائر في سجون شبيحة الجولاني في الهول وغيره، نقول لكم إن الموت على عتبات السجون ذودا عن هذه الحرمات، ميتة يحبها الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهي والله دأب أولي العزمات من السابقين الأولين من المجاهدين الذين غيّبتهم القبور والسجون، والحر تكفيه الإشارة.


• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 532
الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

مقال: حربٌ على العقيدة تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين ...

مقال: حربٌ على العقيدة


تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين لم تكن في أصلها حروبا عقائدية، وإنما كانت حروبا سياسية سيادية، أو اقتصادية على الثروات والمعادن والسدود، أو وطنية على المعابر والحدود… فربطوا الناس بالأرض لا بالسماء! وحصروهم بين الحدود! فصار الوطن أكبر معبوداتهم! والطين سقف غاياتهم! وعلّقوا قلوبهم بالدنيا لا بالدين، فصارت الدنيا أكبر همّهم ومبلغ علمهم.

رافقَ ذلك تحريفٌ ممنهجٌ لعقيدة الإسلام تولى كبره دعاة جهنم الذين اجتهدوا في إفساد عقيدة الإسلام وتبديلها تحت دعاوى كثيرة ليس أولها "حوار الأديان" وليس آخرها "الإنسانية" ذلك الدين الجديد الذي يُراد له أن يُهيمن على العباد والبلاد ويزاحم الإسلام في كل ميدان.

وبعد عقود من تزوير التاريخ وتحريف العقيدة، نشأ أقوام يرون في "الوطن" إلها يُعبد من دون الله تعالى، يساوون لأجله بين المسلم والكافر! ويعقدون عليه الولاء والبراء، وينعتون قتلاه بنعوت "الشهادة" ولو كانوا من غير المسلمين! ويُقدّمون مقامه على كل ما سواه ولو كان مقام توحيد رب العالمين، فصار الوطن أكبر طاغوت في الأرض!

إن ضياع الدين وفساد العقيدة هو المصيبة العظمى التي لا تعلوها مصيبة! وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قلّما كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات: (… وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا…) [رواه الترمذي]، والحقيقة التي لا مفرَّ مِن الاعتراف بها أن مصيبة الناس اليوم في دينهم! فإن كل مصائب الدنيا تهون إلا المصيبة في الدين! بل إن المصائب والهموم الدنيوية التي أرهقت كاهل الناس اليوم متفرّعة عن المصيبة العظمى وهي الشرك وفساد الإيمان! قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن كثير: "أي لو آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدقت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات".

فلا والله ما آمن بالله وكتبه ورسله من ردّ صريح القرآن وصحيح السنة وزعم أن النصارى مؤمنون يدخلون الجنة وألصق بهم ألقاب "الشهادة"، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه باب: "لا يُقال فلان شهيد" ويعني بذلك أنه لا يُقطع بالشهادة لأحد من المسلمين إلا من شهد له النبي أو الوحي بذلك، وزنادقة اليوم يريدون أن يُدخلوا في جنة الله تعالى مَن يشرك به ويزعم أن الله ثالث ثلاثة!! وأن عيسى ابن الله!! وأن عيسى هو الله!!، والله تعالى يقول في كتابه: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}، ويقول جلّ جلاله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}. وزنادقة عصرنا يردّون قول الله تعالى الفصل، وحكمه العدل في النصارى الكافرين، كل ذلك انتصارا لوطنهم المعبود الذي جعلوه محور الكون وقدّموه على خالق الكون سبحانه! ثم يزعمون أن الله تعالى سينصرهم! وهم قد خالفوا كل أسباب النصر وعملوا بضدها.

وقد بقي المرجئة وأشياعهم من سائر الطوائف، لا يذكرون من نواقض الإيمان إلا "إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة"، ومعلومٌ أن تكفير النصارى معلوم من الدين بالضرورة، فماذا بقي لهؤلاء اليوم وقد أنكروا المعلوم من الدين بالضرورة؟!، بل لم يكتفوا بذلك وسعوا إلى شرعنة كفرهم بخرافات لم يسبقهم إليها أحد.

إن كفر النصارى مسألة قطعية لا ظنية، ظاهرة لا خفية، فإن كان المنتسبون إلى الإسلام لا يعلمون ذلك؟ فماذا يعرفون عن الإسلام؟ يعرفون أنّ النصراني الكافر شهيد في الجنة والمسلم المجاهد خارجيٌ في النار؟! أهؤلاء جاهلون أم معرضون معاندون؟!

إنّ هؤلاء لم تأت عندهم حقيقة الإسلام وهو التسليم والانقياد والخضوع لأمر الله تعالى، بل هم أرادوا إخضاع الإسلام وآيات القرآن وجنة الرحمن ورحمته سبحانه لأهوائهم وأقيستهم العقلية العاطفية انتصارًا للوطن المعبود! في جرأة على الله تعالى وعلى عقيدة الإسلام لم نشهدها من قبل، هي نتاج حقب وعقود سوداء من حروب التحريف والإفساد التي شنّها المرجئة والسرورية و"الإخوان" على عقيدة الإسلام.

إن ذلك الانحراف حصاد الإرجاء العارم الذي تدين به أكثر الجماعات والطوائف المنتسبة زورا إلى الإسلام، إنه نتاج سنوات من التلقي عن دعاة الفضائيات ومشايخ الطاغوت، ولقد حذّرت دولة الإسلام -في خطاباتها ومنابرها الإعلامية- كثيرا من هؤلاء الأدعياء وأنهم خطر على عقيدة المسلمين! ونصحت وبيّنت وأعذرت إلى الله تعالى، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، ولا يحبون الناصحين.

إنها حرب شاملة على الإسلام وأهله الذين يؤمنون بالله ربًا خالقًا متصرّفا في كونه، ويؤمنون به إلهًا معبودًا يفردونه بالعبادة، ولا يشركون معه في العبادة أيّ معبود، وطنًا كان أو وثنًا، ويؤمنون بأسمائه وصفاته تعالى ومِن ذلك؛ عذابه الذي يُصيب به من يشاء، ورحمته الواسعة التي قرّر في كتابه أنه سيكتبها لمن آمنوا بآياته؛ {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ}، الذي قال وأقسم صلى الله عليه وسلم: (والذي نفْسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ، لا يهودِيٌّ، ولا نصرانِيٌّ، ثُمَّ يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كان من أصحابِ النارِ) [مسلم]، وزنادقة اليوم يردّون ذلك ويرفضون!

ولقد أمرنا الله تعالى أن ندعو في كل صلاة بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي طريق الإسلام، وأن يجنّبنا طريق (المغضوب عليهم) وهم اليهود، وطريق (الضالين) وهم النصارى! فما اهتدى إلى طريقه المستقيم مَن لم يكفّر النصارى أو دعا لهم بالجنة المحرّمة عليهم! بل مَن يضمن لنا أن هؤلاء لن يتخذوا الموقف نفسه مع اليهود في يوم من الأيام؟! ونسمع بأوصاف "الشهادة" تُطلق على "يهودي" قُتل برصاص "الصهاينة"؟!

إن ما جرى ويجري ما هو إلا فصل من فصول حرب مستعرة يشنّها الكفار والمرتدون على عقيدة الإسلام؛ تورّط بها جنود مسلّحون وآخرون بعمائم ولحى وكتّاب ونشطاء وخطباء كلهم يدعون إلى جهنم! وهو ما يحتّم على المسلمين الربانيين أن يتصدوا لهذه الهجمة الشرسة على عقيدة الإسلام ولا سبيل لمواجهة هذه الحرب إلا بحرب مضادة قوامها الجهاد على منهاج النبوة، وما سواه فباطل لن يلبث إلا أن يكون فصلا آخر مِن فصول الحرب على الإسلام، والعاقبة للمتقين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 340
الخميس 25 شوال 1443 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ 531: هولنا وهولكم لا سواء بسيطرة نظام الجولاني على سجون ومخيمات الأهوال، تكتمل ...

صحيفة النبأ 531: هولنا وهولكم لا سواء


بسيطرة نظام الجولاني على سجون ومخيمات الأهوال، تكتمل فصول مسرحية تسليم الحكم لطاغوت فاق سلفه "النصيري" و "الشيوعي" تبعيةً وولاءً للغرب الصليبي، وهو ما عبّر عنه ترامب في حديثه عن الإدارة الكردية قائلا: "كانوا يعملون من أجل أنفسهم أكثر مما يعملون لأجلنا" في إشارة مقصودة دقيقة بأن ترامب يريد "إدارة سورية" تعمل لأجله أكثر مما تعمل لأجل سوريا، ويبدو أن ترامب وجد بغيته أخيرا.

لقد وجد ترامب كلبا جديدا أوفى من "مظلوم عبدي!" لكن مشكلة مربّي الكلاب أنهم لا يثبتون على نوع معين مهما كان الكلب وفيّا لسيّده، فالذي أغوى ترامب بالجولاني سيغويه بغيره في يوم من الأيام، خصوصا أنه رئيس "مرحلة انتقالية" ما أسرع انتقالاتها.

وليس بعيدا عن ذلك تصريحات ضابط الإيقاع "توم باراك" الذي قال: "إن الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية، كان كقوة قتالية ضد الدولة الإسلامية، وذلك الغرض انتهى". أي أنهم وجدوا من يقاتل لأجلهم أكثر من الإدارة الشيوعية! والعجيب أن أنصار الطاغوت السوري طاروا فرحا بتصريحات "دونالد" و "توم" وتناقلوها على نحو واسع في تصرُّفٍ لا واعٍ هو نتاج التربية الفرعونية القديمة: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}.

في البعد الأمني، خطط الصليبيون جيدا للعملية وأداروها بكل حذر، خشية ارتكاب "الإدارة الكردية" أي حماقات في اللحظات الأخيرة، لأن الخطأ الأول في التعامل مع هذه "القنبلة الموقوتة" هو الخطأ الأخير، إنهم أسرى الدولة الإسلامية مَعلم الصبر والثبات، حيث كانوا هم هدف هذه العملية العسكرية التي قادتها أمريكا بنفسها بمشاركة جيوش الخسف المرتدة.

ولقد سادت حالة من التشفي والمعايرة للمجاهدين، من قبل أنصار الطاغوت السوري عقب استلام جيشهم لمخيمات الأهوال، وروّج هؤلاء أنّ جيشهم حرر النساء والأطفال الذين كانوا ضحية الهجرة والجهاد والشريعة! في تطاولٍ على فريضة الجهاد التي أرادها الله سبحانه على منهاج النبوة، ويريدها هؤلاء على منهاج "توم باراك".

يُعيّرنا هؤلاء العبيد، بالمؤمنات القانتات الصابرات على الأهوال! ونسي هؤلاء أنهم قبل غيرهم يرزحون في مخيمات أكبر من الهول تسمى مدنا محررة، يغلق عليهم حراس الطاغوت حدودها، ويفرضون عليهم ما شاؤوا من المعتقدات والولاءات والتبعيات.

إن الأمة كلها ترزح في هول كبير صنعه لهم الطواغيت بأوامر صليبية يهودية -مبكّرة- وحبسوهم فيها وقالوا لهم: ارتعوا هنا مأكلكم ومشربكم، عمِّروا دنياكم وبيعوا آخرتكم، فرضخت الأكثرية وانتفضت طائفة قليلة، فعيّرت الأكثريةُ القلةَ المؤمنة بصبرها وطهرها، بعد أن خذلتها وأمعنت في خذلانها ووقفت في معسكر عدوها.

أنتم جميعا أيها الغثاء -جنود الطاغوت وأنصاره- في هول كبير ليس بينكم وبين أهوال المراغمة وجه مقارنة، أيستوي المجاهد والقاعد؟ أيستوي الحر والعبد؟ أيستوي ناصر التوحيد، وخاذله وبائعه وناقضه؟ فأقلّوا عليهم اللوم لا أبا لأبيكم، فلن تسدوا عشر الذي سدوا.

إن أبطال الهول والشدادي وغويران يدفعون ضريبة الشريعة وأنتم تدفعون ضريبة الديمقراطية، إنهم يدفعون ضريبة التوحيد وأنتم تدفعون ضريبة العبودية للطاغوت، إنهم يدفعون ضريبة الجهاد وأنتم تدفعون ضريبة القعود، إنهم يدفعون ضريبة العز وأنتم تدفعون ضريبة الذل أضعافا مضاعفة، فلا سواء، ولقد رأوا ما رأى أصحاب نبيهم -صلى الله عليه وسلم- في معركة الأحزاب، وعيّرهم به المنافقون حينها، وإنّا على يقين بوعد الله -لمن يثبت ويمد في عمره- أن يريه فتح مكة وروما وبيت المقدس.

وإنّ تصفيق الغثاء لسيطرة الطاغوت على سجون الأهوال ورؤيتهم ذلك تحريرا للأعراض التي يأسرها منذ كان حاكم إدلب؛ هي عينة مصغرة لما هو عليه حال الأمة يوم خروج الدجال الأكبر الذي يتبعه خلق كثير كانوا من قبل يعرفون أنه هلاكهم وفتنتهم! لكنهم مع ذلك في الفتنة سقطوا، بعد أن طُبع على قلوبهم وعميت بصائرهم بما كسبته أيديهم، فأبصروا الدجّال مُخَلِّصا؛ كما أبصر هؤلاء الجولاني فاتِحا ومحرِّرا.

ولقد نص علينا القرآن الكريم خبر القوم فقال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}، قال ابن كثير: "يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية... وقال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} هذا في حق المنافقين، وقال في حق الكافرين: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}، ولم يكونوا صما بكما عميا إلا عن الهدى". اهـ.

كل هذه المعاني القرآنية نراها رأي العين في أنصار الطاغوت الجولاني الذين يظنون أنهم في منأى عن هذه الأوصاف والأحكام بسبب ظنهم أن طاغوتهم يختلف عن غيره من طواغيت العصر، تماما كما يظنون أنهم يختلفون عن غيرهم من أنصار الطواغيت.

وها هنا دعوة إلى طلبة العلم بضرورة صقل دراسات عقدية منهجية تساعد في الولوج إلى عقول أنصار الطواغيت وتشريحها وتوصيفها في ضوء الوحيين، فهم مهما تباعدت الديار والأزمان، واختلفت اللغات والأعراق، وتغيّرت أنظمة الحكم؛ فالطواغيت واحد، وأنصارهم سواء، مِن لدن فرعون وحتى الجولاني، ويخطئ من يتوهم وجود فرق بين طاغوت وآخر، أو بين أنصار طاغوت وآخر، وعما قريب يخرج جنود "الجولانية" كل ما في قلوبهم، ويسلكون مسالك "الفرعونية" حذو النعل بالنعل، فهل هم إلا أتباع طاغوت شأنه شأن السيسي وابن زايد وابن سلمان؟ {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ}.

ثم هذه همسة إيمانية قرآنية في آذان إخواننا ممن ضاق صدرهم جراء هذا المد الكبير من غثاء المواقف والتبعيات؛ فلقد أصاب ذلك نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في طريق دعوته وجهاده، فخاطبه مولاه تعالى بهذه الآيات: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}، فماذا كان التوجيه الإلهي في مثل هذه الحالات؟ قال ابن كثير: "وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك، انقباض وضيق صدر، فلا يهيدنك ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل على الله فإنه كافيك وناصرك عليهم". اهـ.

ثم تذكّروا قول اللطيف الخبير الحكم العدل سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}، فالقصة ما زالت لها تتمة وبقية في الدنيا قبل الآخرة، وإنّا نرى مصارع القوم أقرب من ذي قبل، ولكن نسأله تعالى بمنّه وكرمه أن تكون على أيدي المؤمنين.



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 531
السنة السابعة عشرة - الخميس 03 رجب 1447 هـ
...المزيد

• العبور إلى كامب ديفيد! من يقرأ بنود "قمة السلام" بنسختها الأمريكية الأخيرة في "شرم الشيخ" حول ...

• العبور إلى كامب ديفيد!

من يقرأ بنود "قمة السلام" بنسختها الأمريكية الأخيرة في "شرم الشيخ" حول وقف الحرب في غزة؛ تعود به الذاكرة تلقائيا إلى مؤتمرات وقمم السلام الأولى بين "منظمة التحرير الفلسطينية" واليهود، التي كانت تنتهي على نحو مشابه، وكأنّ بعض البنود نُقلت حرفيا من نصوص الاتفاقيات السابقة.

وليس من قبيل المصادفة أن يختار رعاة الاتفاق الجاهلي، مدينة "شرم الشيخ" موقعا لعقد القمة وتوقيع الاتفاق، فالمدينة منذ "تحريرها" غدت قِبلة السلام مع اليهود! وساحة لنذر قرابين التعهد بحفظ أمنهم، ووجهة مفضلة لسياحهم، في سياق طبيعي لمفهوم "التحرير" في قاموس الوطنية على غرار "تحرير" دمشق وبغداد وكابل، وهلم جرا.

ولتنشيط ذاكرة القارئ قليلا، نذكّره بأن من جملة مؤتمرات السلام التي شهدتها المدينة؛ قمة السلام التي عُقدت قبل عقدين من الآن، بحضور الطاغوتين "عباس" و "شارون" وتمّ فيها الإعلان رسميا عن نهاية ما عُرف بـ "الانتفاضة" والتزام خطة "خارطة الطريق" للسلام؛ وهو ما رفضته حركات التحرُّر الوطني آنذاك في ذروة حماسها وعدته خيانة وتفريطا، بينما عادت إليه اليوم بخفي حنين في نفس المدينة وبرعاية نفس الأطراف الدولية، مضافا إليها تركيا "ذراع الغرب" الصليبي وقطر عرابة الترويض والاحتواء.

ومن تناقضات قمة الأكاذيب، أن يعد السفّاح ترامب أهل غزة بالسلام! وأن يحاضر "جزارُ الباب" عن الإعمار! وأن يتحدث فرعون مصر عن وقف الألم! وأن تقود بريطانيا صاحبة "وعد بلفور" ومعها فرنسا الحاقدة، جهود إعادة إعمار غزة، وكأن الغزاة التاريخيين خرجوا من الباب وعادوا من النافذة.

على خشبة مسرح السلام قال ترامب: "هذا فجر يوم تاريخي جديد للشرق الأوسط!". صحيح أن الفلسطينيين لطالما ترنّموا بفجر الحرية والتحرير؛ لكن هل كانوا يقصدون هذا "الفجر التاريخي" الذي يشيد به ترامب؟ أكان فجرا أم غسقا ينذر بأيام حالكة لشعب تائه يتلمّس الحرية في غير مظانها، ويتجرع باستمرار غصص التجارب والنكسات الوطنية المتعاقبة التي تشابهت نهاياتها، بعد أن تشابهت بداياتها وجذورها "الوطنية".

"قمة السلام" التي رعتها أمريكا وقطر ومصر وتركيا، وحضرها أكثر من 20 رئيس دولة؛ جاءت تطبيقا عمليا لمشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي رسمه اليهود والصليبيون بالمجازر والنار والحديد، بينما يصفق العالم اليوم لهذه القمة المخادعة، وينعتها بكل وقاحة بقمة السلام!

ولعل من أسوأ بنود هذه القمة -وكلها سيئة- كما نشرها البيت الأسود: "تفكيك التطرف والتشدد بجميع أشكالهما"، وهو ما أكده ترامب على نحو أوضح في خطابه أمام "الكنيست" اليهودي قائلا إن "غزة لن تشكل تهديدا مستقبليا لأمن إسرائيل!".

لقد سمعنا هذا الطرح من قبل، ضمن بنود "اتفاق السلام" بنسخته الأفغانية الذي بموجبه تسلمت طالبان الحكم و "تحررت كابل!"، ثم سمعناه مجددا في عهد "سوريا الجديدة" بعد تسلُّم الجولاني للحكم خلفا للأسد و "تحررت دمشق!"، وها نحن نسمعه مجددا في اتفاق غزة بمرحلته الأولى، فهل أصبحت "مشاريع التحرر" لا تنتهي إلا بهذه الخاتمة: "نبذ الإرهاب" وضمان الأمن اليهودي والصليبي؟! أم أن للقصة بقية كما يرددون؟!

إن الترجمة الحقيقية لقمّة "شرم الشيخ" هي التعهد بحماية أمن دويلة اليهود والتوبة والإقلاع عن مهاجمتها، والانخراط في تطبيع العلاقات معها، خصوصا أن حكومات عديدة كانت تنتظر توقف طوفان الدماء في غزة، لتُجري أنهار التطبيع والموالاة الرسمية والعلنية مع اليهود، ولا نعني بذلك طواغيت الخليج فحسب، لأن القائمة تطول.

وسواء تعثّرت "اتفاقية السلام" الجديدة أو تعمقت وترسخت وغرست أنيابها في الجسد الفلسطيني المثخن بالجراح والألم، فإننا نخاطب إخواننا المسلمين في فلسطين بخطاب التواصي بالصبر والحق والمرحمة، نذكّرهم بأن الله تعالى شرع لنا دينا قويما أتمّه وأكمله وأفرده، ونفى ما سواه وأبطله، وشرع لنا سبحانه الجهاد يحرسه ويذب عنه، فهذا هو طريق الخلاص فخوضوه كما يحب ويرضى سبحانه، واكفروا بكل ما سواه من دروب الجاهلية والوطنية فهي لن توصلكم سوى إلى مزيد من قمم الأوهام وما "أوسلو" وأخواتها عنكم ببعيد، وقد جاءت كلها بعد ثورات جاهلية لم يكن الإسلام فيها سبيلا ولا حلا وحيدا، فاسمعوا وعوا ولا تكرروا الوقوع في نفس الحفر، واعلموا أن صون الدماء ليس بمجرد وقفها، فقد تتوقف ولا تُصان! وإنما يكون صونها برهنها وجريانها على منهاج النبوة تحت راية الشريعة المحمدية.

وفي هذا الموطن والظرف العصيب، فإننا لا نعزي إخواننا المسلمين هناك بقتلاهم فحسب، لأن مصابهم الجلل بعد كل هذه الدماء في "الاتفاق المشؤوم" الذي -لو تم- فإنه يمهّد لحقبة جديدة من الغزو والوصاية الدولية بذريعة "تشكيل هيئة انتقالية لإدارة غزة" يديرها "مجلس سلام" يتنفس الرضا اليهودي ولا يخرج عنه شبرا.

وليس غريبا أن تنتهي مشاريع "المقاومة والتحرر الوطني" من أفغانستان مرورا بسوريا وصولا إلى فلسطين، باتفاقيات "التسوية والسلام ونبذ العنف" بوساطة أمريكية تُشكر على جهودها بعد أن كانت "شريكا في الإبادة!"، فعلى كل حال هذا هو الفرق بين طريق الجهاد وطرق "التحرر الوطني" التي استمر البعض عبثا يحاول إذابة الفوارق بينها، كما لم يكن مستبعدا ولا مستغربا أن ينتهي "العبور الأول" بنفس ما انتهى "العبور الثاني" بتواقيع ووعود أمريكية، وكأن الجيوش القومية والكتائب الوطنية تسير منذ "كامب ديفيد" الأول إلى "كامب ديفيد" آخر ولكن هذه المرة في "شرم الشيخ" أو "مدينة السلام" كما يسمونها.

بينما بقي المجاهدون الربيون الغرباء يشقون طريقهم بكل ثبات ويقين نحو خيبر ومكة وحطين، وهي قادمة لا محالة -بإذن الله تعالى- بعد هذا المخاض العسير الذي صار فيه الناس إلى "أكثرية" فقدت ثقتها بكل صور القتال ضد اليهود، و "طائفة" قليلة صابرة مؤمنة يهيئ الله لها الأسباب بحكمته لتقود رحى الحروب الدينية القادمة التي يردد فيها الحجر أو الشجر: (يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ).

إن عصا موسى -عليه السلام- معجزة خاصة بزمانه، وليس لأحد أن يرفعها ويشق بها البحر بحثا عن مخرج، فعصر المعجزات انتهى، وإنما أبقى الله لنا سيف نبيه -صلى الله عليه وسلم- مشرعا ومنهاجه باقيا وطريقه ممتدا إلى قيام الساعة، فهذا هو طريق العبور الوحيد يا شباب الإسلام، وما سواه فـ "كامب ديفيد" أو "أوسلو" أو "شرم الشيخ" تغيّرت الأسماء والنتيجة واحدة.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 517
السنة السابعة عشرة - الخميس 24 ربيع الآخر 1447 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 514 الافتتاحية: • متغيّرات وثابت وحيد يزدحم المشهد ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 514
الافتتاحية:

• متغيّرات وثابت وحيد

يزدحم المشهد العالمي بالتطورات السياسية والعسكرية المتلاحقة في التحالفات والصراعات، الأمر الذي أصاب الكثيرين بالتيه والحيرة جراء التسارع الرهيب في الأحداث، وما ذلك إلا لغفلتهم عن الاستمساك بالعروة الوثقى؛ الثابت الوحيد وسط كل هذه المتغيّرات، وحبل الله العاصم من كل هذه القواصم.

ولعل أبرز ما يطفو على السطح هذه الأيام القمم والمؤتمرات بل المؤامرات المنصبة على جهود وضع خاتمة للمشهد الفلسطيني الدامي، وجهود سوق طواغيت العرب إلى جحر "التطبيع" مع اليهود موالاة وتوليا، علما أن جميع الأطراف الطاغوتية متورطة في نسج خيوط هذه المؤامرة اليهودية الصليبية على أمة الإسلام، ولا وجود للأبرياء أو المحايدين في هذا الملف.

وبينما تغرق الساحة الدولية بهذه الصراعات والمتغيرات، يقف البعض حائرا تائها لا يدري ماذا يفعل، وما الموقف الذي يتخذه حيال هذا الواقع المضطرب الذي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم، ولا شك أن هذا الشعور يختلج صدور كثير من عامة المسلمين، إذا ما أردنا أن نفرّق بين العامة والخاصة في زمن الإسفاف.

والحقيقة أن هذا "التيه" لا يليق بالمسلم وبين يديه كتاب ربه سبحانه، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- الذي ما ترك خيرا إلا دلّنا عليه ولا شرا إلا حذّرنا منه، حتى أكمل الله به الدين وأتمّ به النعمة، وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتنكبها إلا ضال.

والسبب الرئيس لكل هذا التيه والعمه، هو تعطيل الكتاب والسنة في حياة الناس، والمرء قد يتلو الآيات ليل نهار، لكنها مع ذلك معطلة في حياته؛ ليست سوى تراتيل تُتلى ثم تُطوى ولا يبقى منها أثر في واقعه العملي، وبذلك يفقد المرء بصيرته، فأنى يبصر النور وسط هذا النفق المظلم؟!

ولقد دلّنا الوحيُ على الموقف غير المحايد الذي ينبغي للمسلم اتخاذه تجاه المتغيرات من حوله، وأكدت نصوص الشريعة أن التوحيد هو الثابت الوحيد والركن الشديد الذي يأوي إليه المسلم في جميع أحواله، ويبقى بالنسبة إليه المعيار والميزان الذي يزن الأمور به ويقيس المواقف وفقا له، ولا يخرج عنه قيد أنملة، لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، وحديث ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-). [الحاكم والبيهقي].

فعبر منظار التوحيد وبوصلته، يرى المسلم جميع هذه المؤتمرات مؤامرات صرفة يحيكها دهاقنة الشر من الغزاة اليهود والصليبيين لأمة الإسلام، سواء فيما يتعلق بفلسطين أو سوريا الأسيرتين، أو فيما يتعلق بملف موالاة اليهود تحت مسمى "تطبيع العلاقات" أو غيرها من الملفات التي تتصدر المشهد.

وها هنا لفتة منهجية مهمة لمن يعادي "التطبيع" وطنيةً لا ديانةً؛ إن الحل الأوحد الذي يصمد أمام "مؤامرة التطبيع" هو التوحيد بولائه وبرائه، وليست الوطنية ومشتقاتها من "المقاومة" و "الثورة" وغيرها من المفرزات التي أنتجتها المناهج الجاهلية وطغت على المشهد خلال العقود الأخيرة ولم ينج منها إلا من رحم.

وبالتالي، فالمسلم الذي يشتكي "التيه والحيرة" من متغيرات الساحة وتقلباتها، مأمور شرعا بلزوم منهاج نبيه -صلى الله عليه وسلم- الذي أرسله الله هاديا وبشيرا بالتوحيد الذي لا تغيّره صروف الدهر مهما بلغت، كما أرسله المولى -تبارك وتعالى- بشريعة الجهاد الذي هو سلاح المسلم في التصدي لجيوش الأحزاب والمنافقين الذين يجتمعون اليوم في "الأمم المتحدة" وغيرها من المحافل الجاهلية، للنيل من الإسلام.

ولا يتوقع المسلم أو يظن لوهلة أن كل هذه المؤتمرات والجهود الدولية الماراثونية ستتمخض عن خير للمسلمين، بل كل الشر أن يظن المرء ذلك! وكل الخير أن يقطع المرء أمله في كل هؤلاء، بل الخير المحض والواجب عليه والفرض أن يكفر بهم ويعاديهم وينظر إليهم بنفس العين التي ينظر بها إلى اليهود والنصارى، فإنْ فَعَل ذلك واستوت عنده كل الأطراف الجاهلية الناطقة بالعربية أو الأعجمية؛ زال "تيهه" وانجلت "حيرته" وأبصر الحق حقا والباطل باطلا.

إن المسلم الذي يشتكي "الحيرة" في زمن المتغيرات المتلاحقة، عليه أن ينهل من معين النبوة، وأن يرد مواردها العذبة فهي البوصلة التي لا تخيب، وهي النور الذي لا يخبو إلى قيام الساعة.

وقد أخبر تعالى في كتابه أنه يهدي أولياءه إلى نور الهداية ويخرجهم من ظلمات التيه فقال سبحانه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}، قال ابن كثير: "يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك". انتهى كلامه.

وحاصل الكلام أيها المسلم، أن سبيل نجاتك وهدايتك وسط هذه الظلمة هو كفرك بالطاغوت لقوله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا}، والعروة الوثقى هي عين ما تبحث عنه وتطلبه أيها الهائم، وهي "الطريقة المثلى والصراط المستقيم".

ومِن أظهر صور الطاغوت في عصرنا: الحكام المرتدون الذين يحكمون بلاد المسلمين بالقوانين الجاهلية، ويوالون اليهود والنصارى وينفذون مؤامراتهم، فالمسلم مطالب بالكفر بهؤلاء كافة، وتكفيرهم واتخاذهم أعداء كما يتخذ اليهود والنصارى أعداء.

واعلم -أيها المسلم- بأن الطاغوت منظومة جاهلية كاملة لا تقتصر على شخص الحاكم، بل تشمل كل سدنته وأعوانه وأركان حكمه؛ من الجنود والدعاة والإعلاميين والمفكرين والمؤثّرين، وكل السائرين في فلك الطاغوت الموطدين لحكمه، المنافحين عنه، الموالين له، فكل هؤلاء لبنات في منظومة الطاغوت، أمرنا اللهُ بالكفر بها، وأخبرنا تعالى أن بذلك تكون العصمة من الضلال، وأنه العروة الوثقى التي لا تنقطع.

فهذا هو سبيل الهداية والنجاة، والعصمة من الزيغ والانحراف في هذه الحياة، فالمتغيرات كثيرة إلا التوحيد، وكل العرى مقطوعة إلا العروة الوثقى فاستمسك بها أيها المسلم بكلتا يديك، وإلا تناوشتك الرماح وتقاذفتك الرياح، ولات حين مندم.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 514
السنة السابعة عشرة - الخميس 03 ربيع الآخر 1447 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 145 (تفريغ كلمة صوتية) • وبشر المؤمنين كلمة صوتية ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 145
(تفريغ كلمة صوتية)

• وبشر المؤمنين

كلمة صوتية لمولانا أمير المؤمنين الشيخ المجاهد
أبي بكر الحسيني القرشي البغدادي ( تقبله الله )


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

{ياأيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].
{ياأيّها النّاس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتّقوا اللّه الّذي تساءلون به والأرحام إنّ اللّه كان عليكم رقيبًا} [النساء: 1].
{ياأيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع اللّه ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا} [الأحزاب: 71] أما بعد:

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

إلى الموحدين الصادقين في هذه الأمة عامة، وإلى المجاهدين الصابرين الباذلين الثابتين على ثغور الإسلام خاصة، إلى أبناء التوحيد وحملة الرسالة وحراس العقيدة في مشارق الأرض ومغاربها، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وأعاد علينا وعليكم عيد الأضحى المبارك باليمن والإيمان والنصر والتمكين لدولة الإسلام، فهنيئا لكم إخوة الإيمان ما أنتم فيه من تعظيم شعائر الله بتوحيده والتزام أمره، ومراغمة أعدائه والذب عن حرماته، فجزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.

قال الله تبارك وتعالى: {أذن للّذين يقاتلون بأنّهم ظلموا وإنّ اللّه على نصرهم لقديرٌ (39) الّذين أخرجوا من ديارهم بغير حقٍّ إلّا أن يقولوا ربّنا اللّه ولولا دفع اللّه النّاس بعضهم ببعضٍ لهدّمت صوامع وبيعٌ وصلواتٌ ومساجد يذكر فيها اسم اللّه كثيرًا ولينصرنّ اللّه من ينصره إنّ اللّه لقويٌّ عزيزٌ} [الحج: 39، 40]. وقال سبحانه: {الّذين آمنوا يقاتلون في سبيل اللّه والّذين كفروا يقاتلون في سبيل الطّاغوت فقاتلوا أولياء الشّيطان إنّ كيد الشّيطان كان ضعيفًا} [النساء: 76].

فها هي السنوات الخداعات، والفتن والمصائب والآلام قد اشتد ليلها الحالك، وخيمت بأساها على أهل الإسلام، فبعد أن طويت قرون من العهد التليد الذي أشرق بين الأنام بدعوة الإسلام وحكمه في الأرض، حيث كان المسلمون فيه سادة الدنيا أهل الشكيمة والعزيمة والإباء، سطروا بفعالهم من التضحية مآثر خالدة، ومن الشجاعة والإقدام أحاديث باهرة، ها هم اليوم في سفر الضياع والشتات تمزقهم الأهواء، وتعبث بدينهم النصارى، وتسرح في أرضهم أمم الكفر، بعد أن سلبتها فأودعتهم بين حدود الذل والعار، وغدى الموحدون الصادقون قرابين يقربها الطواغيت وأذنابهم بين فينة وأخرى لأحفاد القردة والخنازير، ليجددوا لهم الطاعة ويعلنوا لهم الولاء، وأمسى الناظر الحصيف لا يبصر إلا دينا مضيعا، وحمى مستباحا، وتأثما من قول وسماع كلمة الحق، وخشية من الصدع بها بين الأنام، فشابهت هذه الأمة بفعالها ما حذرها ربها في كتابه صنيع من سبقها من الأمم، وشابه علماؤها علماءهم، حذو القذة بالقذة، فتعددت صور الجاهلية في زماننا، وتفاقم شرها وتسلط وتجبر أتباعها، وإن هذه الأدواء في جسد الأمة لهي كفيلة في استجلاب البلاء وتفاقم اللأواء وتسلط الأعداء، ولن يكون خلاص أهل الإسلام إلا بالتوبة الصادقة، والرجوع والخضوع إلى الخالق جل وعلا، والتزام أمره واجتناب نهيه بتحقيق التوحيد ونبذ الشرك وسد الذرائع المفضية إليه، والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتمسك بهما علما وعملا، تدبرا وفهما كفهم سلف هذه الأمة من الصحابة الأخيار، ومن تبعهم بإحسان، ففي ذلك النجاة والفلاح في الدارين، وقد بين لنا ربنا جل وعلا أن الكتاب والسنة عصمة من الكفر والتفرق لمن تمسك بهما، قال سبحانه: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات اللّه وفيكم رسوله ومن يعتصم باللّه فقد هدي إلى صراطٍ مستقيمٍ (101) ياأيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل اللّه جميعًا ولا تفرّقوا واذكروا نعمت اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرةٍ من النّار فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللّه لكم آياته لعلّكم تهتدون} [آل عمران: 101 - 103] ونهانا ربنا وحذرنا من التفرق والاختلاف فقال:{ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذابٌ عظيمٌ} [آل عمران: 105]، وفي الحديث الصحيح (عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا. فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا. ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).

أيها المسلمون تمر علينا أيام من أيام الله التي يميز فيها سبحانه الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والدعي وصاحب الدعوى، ولا زال أبناء الإسلام بفضل الله ومنه في دولة الخلافة يقفون موقف الثبات متوكلين على ربهم متجردين من حولهم وقوتهم في وجه أحلاف الكفر من صليبيين ويهود وملاحدة ومرتدين ومجوس، وقد كسروا أجفان سيوفهم وأسرجوا خيولهم، وكمنوا لأعدائهم وقعدوا لهم كل مرصد، فما أصغوا للائم جبان أعياه شظف العيش ووعورة الطريق وشدة الأهوال، وما تخلوا عن نهج ارتضوه طاعة لله سلكوه، وهم على يقين أن هذا الأمر دونه سيل من الدماء، وتكالب الأعداء، وعظيم البلاء من أسر وكسر وبتر، وعاقبته الفتح والتمكين بإذن الله لعباده الموحدين المتقين، قال ربنا الحكيم الخبير سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]. وأخبرنا سبحانه أن التمحيص كائن لا محالة فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، وقال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] وقال عز شأنه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] وقال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، قال الإمام الطبري في تأويل هذه الآية: ولنبلونكم أيها المؤمنون بالقتل وجهاد أعداء الله حتى نعلم المجاهدين منكم يقول: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم وأهل الصبر على قتال أعدائه فيظهر ذلك لهم ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة فيه وأهل الإيمان من أهل النفاق ونبلو أخباركم فنعرف الصادق منكم من الكاذب. انتهى كلامه رحمه الله.

وإن ميزان النصر أو الهزيمة عند المجاهدين أهل الإيمان والتقوى ليس مرهونا بمدينة أو بلدة سلبت، وليس خاضعا لما يملكه المخلوقون من تفوق جوي أو صواريخ عابرة أو قنابل ذكية، ولا لكثرة الأتباع والأشياع، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده وينصر من يشاء، وما من شيء إلا وربنا آخذ بناصيته، وما أكثر الناس ولو حرص كل مؤمن مجاهد مبلغ بمؤمنين، بل إن كفتي هذا الميزان خاضعة لما يملكه العبد من يقين بوعد ربه، وثبات على توحيده وإيمانه وإرادته الحقة في قتال أعداء الدين، وعدم النكوص أو النكول عن ذلك، فبهذا يزن أهل الإيمان تقلب الأحوال، فمتى تخلوا عن دينهم وصبرهم وجهاد عدوهم ويقينهم بوعد خالقهم هزموا وذلوا، ومتى تمسكوا به عزوا وانتصروا ولو بعد حين، فإن العاقبة للمتقين، فلا سبيل لإعزاز هذا الدين بعد توحيد الله والإيمان به إلا بالقتال وحب الاستشهاد في سبيله، ومراغمة أعدائه من الكفرة المجرمين في كل موطن، فبذلك يقام الدين وتنصر الملة، فربنا الحكيم الخبير سبحانه يمن على عباده المؤمنين بالنصر أحيانا، ويبتليهم أحيانا أخرى، فيحرمهم من هذه النعمة، ويذيقهم طعم الابتلاء لحكم يقدرها ويعلمها، وقد عد ابن القيم رحمه الله نبذا من هذه الحكم فقال:

منها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة -يعني أحد- وتكلموا بما كانوا يكتمونه وعاد تلويحهم تصريحا وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساما ظاهرا وعرف المؤمنون أن لهم عدوا في نفس دورهم، وهو معهم لا يفارقونهم فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم.

ومنها: لو نصر الله سبحانه وتعالى المؤمنين دائما وأظفرهم بعدوهم في كل موطن وجعل لهم التمكين والقهر لأعدائهم أبدا لطغت نفوسهم وشمخت وارتفعت فلو بسط لهم النصر والظفر لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء والشدة والرخاء والقبض والبسط فهو المدبر لأمر عباده كما يليق بحكمته إنه بهم خبير بصير.

ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء فيما يحبون وفيما يكرهون وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقا وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.

ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا فاستوجبوا منه العز والنصر فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران: 123]، وقال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25]، فهو سبحانه إذا أراد أن يعز عبده ويجبره وينصره كسره أولا ويكون جبره له وانكساره له ونصره على مقدار ذله وانكساره.

ومنها: أن الله سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها.

ومنها: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانا وركونا إلى العاجلة وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواءً لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه. ومنها: أن الشهادة عند الله من أعلى مراتب أوليائه الشهداء هم خواصه والمقربون من عباده وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء تراق دماؤهم في محبته ورضائه ويؤثرون رضاه ومحابَّه على نفوسهم ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسلط العدو. انتهى كلامه رحمه الله.

فيا أيها الموحدون المجاهدون المرابطون، يا أبناء الإسلام وحملة لوائه في زمن الغربة، خذوا الكتاب بقوة، واقبضوا على جمر التكاليف، واقتفوا أثر الرسل والأنبياء والصديقين: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39] وقد قص لنا ربنا في كتابه العزيز من قصصهم ما فيه مدكر، وذكر لنا حال أقوامهم ومقالهم تسلية لكل من سار على درب من هدى الله، ليقتدي بهم ويستمسك بما استمسكوا به واعتصموا، فهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نبي الملحمة والمرحمة يعلم أمته، ويهب للأجيال المتعاقبة أسفارا من التضحية والبذل والفداء ليستن به من خلفه ويسير على نهجه القويم وصراط الله المستقيم، فقد شج وجهه صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته، وقتل عمه وأصحابه وأحبابه، وآذاه أهل الإفك، وأصابه والصحابة الكرام الجوع والعناء حتى زلزلوا زلزالا شديدا، وحل بهم من الكرب والضيق طوال سيرته ودعوته ما قضى الله وقدر لأهل الإيمان والتقوى،( روى البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون).

قال صاحب المدارج: ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه مريدا لسلوك طريق مرافقه فيها في غاية القلة والعزة والنفوس مجبولة على وحشة التفرد وعلى الأنس بالرفيق نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق وأنهم هم الذين {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له وهم الذين أنعم الله عليهم، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له فإنهم هم الأقلون قدرا وإن كانوا الأكثرين عددا كما قال بعض السلف: عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق واحرص على اللحاق بهم وغض الطرف عمن سواهم فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإذا صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت إليهم فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك" انتهى كلامه. فهنيئا لكل متبع ومقتف لمن أنعم الله عليهم يلقى ما لاقوا ويصبر كما صبروا حتى يرد الحوض غير مبدل ولا مغير. قال أبو الوفاء ابن عقيل رحمه الله: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بـ (لبيك)، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة

وقال إمام الدعوة النجدية رحمه الله: فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله والمعاداة في الله والموالاة في الله ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن فرقان بين الحق والباطل ولا بين المؤمنين والكفار ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، انتهى كلامه.

يا أهل الإسلام، لقد ظن الصليبيون وعلى رأسهم أمريكا أن هذه الأمة خداج لا عقب لها يخشى منه ويتقى في هذا الزمان، وتخال بإهلاكها الحرث والنسل في حربها المسلمين أنها ستجهض أمل المجاهدين المتقد في صدورهم، ولو نظر المتجرد للحقيقة لأدرك ما آلت إليه حامية الصليب أمريكا بعد دخولها ساحة الصدام المباشر مع أبناء الإسلام لما يقرب عقدين من الزمان فها هي بفضل الله ومنه تعيش أسوأ مرحلة تمر بها في تاريخها المعاصر كما يصرح بذلك ساستها وكبراؤها، وحالا مؤذنة بزوالها بإذن الله، بل وما عادت تخفي تلمظها على ما أنفقت من أموال طائلة لم تجن من ورائها سوى الحسرة والندامة، فمع اتساع رقعة الجهاد، ومسعاها الحثيث لتحجيمه وكفه عن التمدد والانتشار ازدادت وتيرة استنزافها في بؤس وشقاء تكابده أمرين، وما العقوبات التي تفرضها على حلفاءها وتدندن حولها اليوم كما في المشهد التركي، وطلبها الإفراج عن القس الصليبي ومجابهة طلبها بالرفض، وسعي الروس والإيرانيين للتمرد وعدم الانصياع لما تمليه عليهما من عقوبات، بل وحتى كوريا الشمالية تبدي عدم التزامها وتصف أسلوب أمريكا المتبع بسياسة العصابات إلا علامة انكفاء وتدن عما كانت عليه وازدراء متعمد من الحلفاء لما يرونه من ضعفها، وإن للمجاهدين بعد الله الفضل فيما ألم بها من كسر لهيبتها وهوانها، فلا اعتبار بزهوها وما تتشدق به من نصرها المزعوم بإخراج الدولة من المدن والأرياف في العراق والشام، فأرض الله واسعة والحرب سجال، وما وضعت أوزارها، وكان الأجدر والأولى بها وبأكابر مجرميها أن يدسوا رؤوسهم في التراب، ويستروا سوآتهم عن العيان بعد أن أباد الله على أيدي عباده المجاهدين المستضعفين في العراق ما أنشأته من الفرق والألوية والكتائب طوال عشر سنين أو تزيد، حتى ألجأها المجاهدون للتملق والتزلف للمليشيات والأحزاب الرافضية الإيرانية في العراق، فشب المستنجد به عن الطوق، حتى وصل قادة هذه المليشيات إلى سدة الحكم، وأصبحت تقلب كفيها تندب حظها فهذا حالها ومقالها، لقد أفشل المجاهدون بتوفيق الله ومنه ما كانت تحلم به أمريكا من السيطرة وبسط النفوذ، حتى أقبلت روسيا الصليبية تزاحمها في المنطقة، وتنكد عليها استفرادها بها، وإنا في دولة الإسلام قد أعددنا لكم يا حماة الصليب وقتلة أهل السنة على أرض الشام وكل مكان ما سينسيكم بإذن الله أهوال العراق وخراسان، وما انطفأ لهيب المعركة فيهما، ولن ينطفئ بحول الله وقوته، فالأيام بيننا يا عباد الصليب.

فيا أهل السنة في الشام، لقد تهاوى الأدعياء، وانكشفت سوءة المبطلين المأجورين من وقفوا في وجه المجاهدين وأخروا الجهاد لسنين، فمنذ أن هب أبناء دولة الإسلام نصرة لكم وذبا عن الحرم، كان همهم الأكبر أن يجنبوكم قدر الاستطاعة ما تلقونه اليوم من عناء على مرأى ومسمع العالم أجمع، فإن التاريخ يعيد نفسه، وقد حذرناكم سيرة الصليبيين فيمن سلف من فصائل الصحوات ومرتدي العشائر في العراق، وكيف تركوهم يلقون مصيرهم بأنفسهم، ويمسوا بين مطرقة المجاهدين وسندان الرافضة، فها هي صحوات الشام تلقى المصير نفسه، والقدر المحتوم على كل من سلك غير سبيل المؤمنين، وظل رهن إشارة الصليبيين، وباع آخرته ودنياه بدنيا غيره، فيا جندي فصائل الصحوات في الشام، أما آن لك أن تدرك ما يجري حولك؟!، وإلى أي حال يقودك قادتك وجلاوزة فصيلك؟!، لقد خدعوك وأغروك بنصرة أهل السنة في الشام بعد أن ادعو مفارقة ومنابذة الطاغوت النصيري، واليوم يصالحونه ويقفون معه صفا واحدا في قتال دولة الخلافة كما جرى في حوض اليرموك وبادية السويداء، فأين عقلك يا جندي الصحوات؟!، أين قلبك إذ عمي بصرك؟!، انظر مليا وتفكر فقد وضح الأمر وانكشف الغطاء!، أين شرع الله وتطبيق أحكامه فيما يسمونه المحرر الذي بات يسلم للنصيرية وإيران والروس دون قتال يذكر؟!، فاعلم على أي شيء تقاتل، نعم على أي شيء تقاتل؟!، وقد أضحيت ممن يزهق نفسه تحت راية عميه جاهلية!، (روى الإمام مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية) حتى وإن زخرفها دعاة جهنم وحسنوها لك فعجبا لك!، أخرجت ليحل طاغوت علماني مكان طاغوت نصيري؟!، ألهذا نفرت؟!، ألهذا هاجرت يا من هاجرت؟!، أو بهذا يستجلب النصر وتستنزل الرحمات، واللطف وتفريج الكربات؟!، كلا والله ما كان هذا سبيل أصحاب الدعوات، فتب إلى ربك مما أوقعوك فيه من الردة، وأَقبل، وكن عونا ونصيرا لدولة الإسلام التي ما تركت بفضل الله ومنه لعدوها أرضا يحفل بها إلا بعد قتال مرير وخسائر لا تعد ولا تحصى، وإن مما يدمي القلب، ويحز في نفس كل مسلم غيور على دينه وأمته ماحل بالغوطة الشرقية وجنوب دمشق من تهجير أهلها واستباحة أرضها، وما آلت إليه أرض حوران، وكيف أن فصائل الردة أسلمت الديار، وعاد كثير من الخونة المرتدين إلى سالف عهدهم بعد أن أنجزوا المهام الموكلة إليهم، وحالوا دون المجاهدين وعدوهم من النصيرية والروافض المشركين، فماذا جنت فصائل الردة في حوران بعد أن نفض داعموها أيديهم عنها؟، وإن ما فعله هؤلاء المرتدون الخونة وصمة عار لا تمحى وإن تقادى بها العهد والزمان، وهل خفي عن ناظري كل متابع أكوام الأسلحة خفيفها ومتوسطها وثقيلها وهي تسلم للنصيرية يدا بيد؟!، وها هي إدلب اليوم على شفا جرف هار يطالها قصف الروس والنصيرية يرومون اقتحامها، ولا زال هؤلاء الخونة من فصائل الذل والعار يؤدون الدور نفسه عبر تحشيدهم الإعلامي، وما انفك الناس يصدقونهم، ويبنون عليهم الآمال في دفع صيال النصيرية، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وفي مقابل ذلك رأى الجميع بفضل الله ومنه ثبات جنود الخلافة في جنوب دمشق رغم ضعف تسليحهم وقلة عتادهم إلا أنهم سعوا في دفع صيال عدوهم، ونحسبهم والله حسيبهم قد استنفذوا الوسع والطاقة في ذلك، حتى نفد ما بأيديهم، وما عاد سقف يؤويهم فانحازوا إلى إخوانهم، وما وضعوا السلاح عن كواهلهم، فهم إلى اليوم في جهاد عدوهم، وهذا شاهد حي كفيل بأن يميز به المسلم بين من يذب عن أمته ويذود عن حياض المسلمين، ومن يتاجر بدماء المسلمين ويقتات عليها!، حتى رميت الدولة بالتهور والجنون وعدم الحنكة والسياسة واستعداء الأعداء، وكأن بلاد المسلمين ليست سليبة محتلة من الصليبيين منذ قرون!، وجهل شانئوا الدولة ومبغضوها أن خالقنا جل وعلا قد أعلى شأن أمة الأخدود في كتابه العزيز، وأكرمها بجنة عرضها السماوات والأرض، وسماه الفوز الكبير، لثبات تلك الأمة على دينها، وعدم تخليها عن توحيد ربها، وما رضخت لطاغوت ذليل حقير سامها العذاب في الدنيا، ومن نافلة القول أن يعلم كل مجاهد في هذا الزمان أنه من غير ثبات طائفة الإيمان ومجابهتها آلة العدو الضخمة الهائلة حتى وإن أفضى ذلك لاصطلامها فلن تحيا هذه الأمة ولن يقوم للإسلام دولة، فلا بد من طليعة تضحي وتكون القنطرة التي تعبر الأمة من خلالها إلى ميادين العزة والكرامة،

وإن دولة الخلافة باقية بإذن الله ما بقيت متمسكة بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، تنصر دين الله وتقاتل أعداءه، وتسعى في مرضاته وإن اجتمع عليها من بأقطارها، فاعلموا يا أهل السنة في الشام أنه لا خيار لكم إن أردتم العيش أعزة كرماء إلا بالرجوع إلى دينكم وجهاد عدوكم، فإن العبرة ليست بحمل السلاح وحده، وإنما بتحقيق التوحيد وتجريد عقيدة الولاء والبراء، وعدم القبول بغير حاكمية الشريعة والموت في سبيل تحقيق ذلك، ثم النهوض من جديد بفتح الجبهات ومنابذة هدن الذل والعار التي أسلمت فصائل الردة بموجبها مناطق أهل السنة، وكانت عونا للصليبيين والنصيرية المعتدين في توحيد جهودهم لحرب دولة الخلافة في العراق والشام، وهذا أمر معلن غير خفي، ولطالما حث قادة الصليب على توحيد الجهود في حرب الدولة الإسلامية، فإن حربهم اليوم حرب إبادة شاملة لأهل السنة لا تستهدف حسر نفوذ الدولة فحسب، وقد أدركوا منذ عهد ليس بالقريب أن السنة هم الخطر الحقيقي، ولا بد من استئصاله، فمنهم الحذر والخوف دائما، فأفيقوا يا أهل السنة، فمن مد طوق النجاة للرافضة الأنجاس بعد أن كاد المجاهدون أن يقضوا على توسعهم في المنطقة؟ سوى تحالف الصليب، وحكومات الردة والعمالة، وعلى رأسها آل سلول وإمارات الردة والخراب والإفساد بأموالهم ومقدرات بلدانهم، يا أهل السنة في العراق والشام وكل مكان، يا أهل السنة، السلاح السلاح، اطلبوا الموت توهب لكم الحياة، فإن من قتل في الحروب مدبرا أكثر بكثير ممن قتل مقبلا!، والحقوا بركب الخلافة في العراق والشام واليمن وسيناء وخراسان وليبيا وغرب إفريقية ووسطها وشرق آسيا والقوقاز وغيرها من الولايات، فقد عزم أبناء الإسلام أن لا يضعوا السلاح، وأن لا ينعم الصليبيون وأذنابهم بطيب عيش ومقام حتى يحكم الله بينهم وبين عدوهم ويقضي أمرا كان مفعولا، قال ربنا تبارك وتعالى: } كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوْا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُوْا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ واللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ{ ]البقرة: 216[ قال ابن القيم: ففي هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة لعدم علمه بالعواقب فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد وأوجب له ذلك أمورا

منها: أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهي وإن هويته نفسه ومالت إليه فإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب وخاصية العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبها من الألم العظيم والشر الطويل،

ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضى بما يختاره له ويقضيه لما يرجو فيه من حسن العاقبة،

ومنها: أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم فلا يختار على ربه شيئا بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك.

ومنها: أنه إذا فوض أمره إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه وأراه من حسن عواقب اختياره له مالم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.

ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينزل في أخرى ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه لأنه مع اختياره لنفسه ومتى صح تفويضه ورضاه اكتنفه المقدور مع العطف عليه واللطف به فيصير بين عطفه ولطفه فعطفه يقيه ما يحذره ولطفه يهون عليه ما قدره إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيله في رده فلا أنفع له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحا كالميتة فإن السبع لا يرضى بأكل الجيف. انتهى كلامه رحمه الله.


يا أهل السنة في جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم أين أحفاد الصحابة فيكم؟، أين غيرتكم على دينكم وأمتكم؟، أين مروءتكم وشهامتكم؟، أما ترون حال أهل السنة في العراق والشام واليمن؟!، أو تظنون أنكم بمنأى عما يلاقيه أهل الإسلام من الكرب والبلاء؟!، ثبوا من رقادكم وسكرتكم وانفضوا غبار الذل عنكم، فما عاد طغيان وكفر دولة آل سلول قبحهم الله بخاف حتى على صبيانكم، وقد عزموا على تغريبكم وعلمنتكم في حملة ممنهجة سعيا لإكفاركم، وتدمير منهج أهل السنة والجماعة على أرضكم، يا أحفاد الفاتحين حطموا حاجز الخوف المتوهم في نفوسكم، ولا تعولوا على أشباه الرجال ممن يسمون بالعلماء، فقد باعوا دينهم لهذا الطاغوت وأرخصوا الأعراض إرضاءً لنزواته وشهواته، وخدروكم بدعوى الأمن الزائف على أرضكم وخوف الفتنة والقتل، إن الفتنة الشرك، إن الفتنة أن يقتل أبناؤكم على غير ملة الإسلام في سبيل نصرة الطاغوت والوطنية، إن الفتنة أن تنطلق طائرات القتل والدمار من أرضكم يقودها أبناؤكم وبفتاوى القتلة المجرمين بلاعمة العصر، لتقصف مدن وبلدات أهل السنة في العراق والشام وتسويها بالأرض نصرة وإعانة للصليبيين، وتمكينا للنصيرية والرافضة وملاحدة الأكراد من رقاب أهل السنة، ومن منا لم يسمع بدعم الملاحدة الأكراد بمئة مليون دولار كما صرحوا بذلك؟ وبدعمهم اللامحدود لرافضة العراق أما في جزيرة محمد صلى الله عليه وسلم من يقف في وجه هؤلاء المرتدين السفهاء؟!، انهضوا يا آساد النزال في الحجاز ونجد والبحرين، وأعدوا العدة، وجهزوا السرايا وعبئوا الكتائب، واستعينوا بالله لخلع هؤلاء المرتدين الخونة، أحفاد أبي رغال، الذين طال شرهم ومكرهم بأهل السنة في كل مكان، وأبوا إلا أن يكونوا العين الساهرة للصليبيين، واليد الباطشة بالمسلمين اليوم، فإنه لا صيانة للدين والعرض من دون دم مهراق وقلب للآخرة تواق.

ويا أهل السنة في الأردن ألأجل رغيف خبز تضجون؟!، وحكم الله وشرعه في أرضكم مضيع مبدل قد عفا رسمه فلا يرى؟!، كفاكم جريا خلف السراب واكفروا بالأحزاب، فإن صلاح الحال لن يكون إلا بخلع هؤلاء الطواغيت الجاثمين على البلاد، وبإقامة شرعة رب العباد، فأقبلوا على ربكم ودينكم، أين أصحاب العزمات منكم كفوارس السلط والفحيص وليوث الكرك والزرقاء وإربد ومعان؟!، أين الأنجاد؟!، أين أهل الشداد؟!، ليفهموا ذنب الروم وكلب اليهود من هم أبناء الإسلام، من هم المجاهدون فإن للموحدين ثأرا قد أقسموا برب البيت أن لا يضيعوه، وإن غدا لناظره لقريب.

واعلموا يا أهل الإسلام، أن النصر والتأييد بيد الله وحده: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160] ، قال الإمام الطبري في تفسيره: "فَلَا غَالِبَ لَكُمْ" من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد ولو اجتمع عليكم من بين أقطارها من خلقه فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله؛ فإن الغلبة لكم والظفر دونهم، فاستنزلوا النصر من الله وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا.

ويا عشائر أهل السنة في العراق، لقد رأيتم بأس المجاهدين وقوتهم، ولم تغن عنكم استجداءاتكم ونداءاتكم المتوالية لمعممي الرافضة شيئا، وأصبح المحارب المرتد منكم يؤخذ على حين غرة وفي وضح النهار من بيته ليلقى حتفه رغم أنفه، وبلغ بكم الحال أن تطلبوا العون من دولة المجوس إيران فعجبا لكم عجبا!، أين غيرتكم ومروءتكم؟!، أين نخوتكم؟!، أما يستنهض نفوسكم ويشجيها مرأى وأنين نساء أهل السنة في سجون الرافضة ومخيمات التهجير والشتات؟!، فتوبوا وأوبوا إلى ربكم، فهذا ما نُؤمله ونرجوه، وإنا لنقبل توبة من تاب قبل القدرة عليه، فلا تكونوا وقود معركة خاسرة تطيلون أمدها بدماء أبناءكم، وينعم الرافضة المجوس آمنين يتحينون ساعة الحسم لينقضوا عليكم كما فعلوا بأسلافكم من الصحوات، ففيما لقيه أولئك عظة لكم وعبرة فأفيقوا من غيكم، وعودوا لرشدكم وانصروا دولة الإسلام، وادخروا بأسها للذب والذود عنكم ذلك خير لكم.
يا أجناد الخلافة في العراق والشام وخراسان واليمن وشرق آسيا وغرب إفريقية ووسطها والصومال وليبيا وسيناء ونجد والحجاز وتونس والجزائر والقوقاز وكشمير يا جنود الإسلام وحملة لوائه يا ليوث الغاب وأسد الميدان، ضعوا نصب أعينكم قول ربكم: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (37) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 36 - 38] وقوله سبحانه: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 139، 140] فاسعوا للنصر مجتهدين باذلين، واطلبوا الشهادة صابرين محتسبين، وتوكلوا على من بيده ملكوت كل شيء، وارجوه العون والسداد والهداية والرشاد، وواصلوا المسير، فهذا طريق الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هجرة وقتال دماء وأشلاء ولا يهولنكم أو يغرنكم كثرة المنتكسين أو المخذلين والمخالفين، والزموا غرز الجماعة، وإياكم والاختلاف على أمراءكم، وليحفظ كل امرئ منكم ثغره ولا يؤتين الإسلام من قبله فالطبيب والإعلامي والقاضي والدعوي والمحتسب والأمني والإداري كل في جهاد وجلاد وصبر واحتساب، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، واحذروا ممن يريد أن يحرش بينكم وبين أمراءكم، ويحيي الضغائن ودعوى الجاهلية بين أظهركم، وعضوا بالنواجذ على وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم حين( قال: وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية، فهو من جثاء جهنم " قالوا: يا رسول الله، وإن صام، وإن صلى؟ قال: وإن صام، وإن صلى، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل).

وأبشروا بالمعية والتأييد، وإن قل الناصر والمعين، (ففي صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك).

يا جنود الإسلام وأبناء الخلافة في الشام في البركة ودمشق والرقة والخير وإدلب وحلب ثقوا بوعد الله ونصره واستمسكوا بحبله المتين وكونوا رهبان الليل فرسان النهار، ثم أبشروا وأملوا خيرا، فإن مع الضيق فرجا ومخرجا، ولن يغلب عسر يسرين، فقد وثب أحفاد أبي بصير، ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهما، ليذيقوا الصليبيين والملاحدة المجرمين والنصيرية وصحوات الردة أجمعين شيئا من بأس الموحدين، فالمعركة بيننا وبينهم قد أوقد نارها من جديد، وسيشتد أوارها فلا قبل لهم بها بإذن الله، وقد أغرى الصليبيون النصيرية وملاحدة الأكراد وزجوا بهم في لهيب حرب طاحنة لن تبقي لهم رأسا ولا ذنبا، وظنوا أنهم قد حصروا الدولة في هجين وما حولها، فالأمر خلاف ما يحسبون ويظنون، فلن يهنؤوا بشبر من أرض الشام بحول الله وقوته، فالدولة ليست محصورة في هجين، فأبناء السنة كماة لا ينامون على ضيم، وتأبى نفوسهم عيش الذلة والصغار فقد ولى زمان القهر، وإرخاص دماء المسلمين والعبث بأشلائهم دون رادع، قد ولى زمن القيد والعبيد، والأيام حبلى بما يسوء أعداء الملة والدين وينغص عيشهم.

فيا أجناد العراق يا أهل الجلاد منكم مبتدأ الشرارة، فشنوا الغارة إثر الغارة، وإياكم والدعة والراحة، وابذلوا الوسع في رص الصفوف، ونظموا الكتائب لخوض الحتوف نغصوا على الرافضة والمرتدين عيشهم وأبيدوا خضراءهم، وأروا الله من أنفسكم خيرا ثأرا للدين ونصرة للمستضعفين في سجون الصفويين والمرتدين، فوالله ما نسيناكم يا إخواننا الأسرى وأخواتنا ولكم حق كبير علينا، ولن نألو جهدا في استنقاذكم، فاصبروا واثبتوا وأقبلوا على ربكم وخالقكم بكثرة الدعاء وألحوا في الطلب واسألوه أن يفتح على إخوانكم وييسر لكم فرجا عاجلا ومخرجا قريبا، فصابروا مر الألم بحلو اليقين والوحشة بذكر الله والأنس بكتابه حفظا وتدبرا وفهما فهذا زاد المتقين، وليأتين ذلك اليوم الذي تقتصون فيه من جلاديكم، ولكم علينا أن تروا من إخوانكم ما يشف صدوركم، ويجبر كسر قلوبكم بإذن الله، فلا خير في عيش يذل فيه أهل السنة وتستباح حرماتهم، ونبكي قاعدين مثل النساء!، فلن يرى الروافض الأنجاس منا إلا الشدة والبأس.

وأما أنتم يا أنصار الخلافة في كل مكان في الإعلام والميدان، نبشركم بأن الدولة بخير حال لأنها ترجوا ما عند الله وما عند الله خير وأبقى، ولا يروعنكم حملة التضليل والتشويه المتعمدة، وقد سخر لها أعداء الله المراكز والهيئات وعددا ليس بالقليل من الرويبضات، فإياكم يا آساد البلاغ وفرسان الإعلام إياكم أن تستقوا الأخبار وتأخذوها من غير إعلام الدولة المركزي، فجددوا العهد وابذلوا المزيد وخذلوا عن دولتكم، فإن المعركة اليوم في ساحتكم وقد كفيتم غيرها وإخوانكم في شغل فكونوا لهم ردءا وعونا ونصيرا، ونبارك للأسد الضارية في بلدان الصليب في كندا وأوربا وغيرها جميل صنيعهم نصرة لإخوانهم، ألا بارك الله مسعاكم، وتقبل حسن بلائكم، فسيروا يا أنصار الخلافة في إثرهم، أعدوا من الميسور وتوكلوا على العلي القدير، واضربوا ضربا يخلع القلوب ويطير بالألباب، فطلقة خارقة أو طعنة في الأحشاء غائرة أو تفجير ناسفة في أرضكم تعدل ألف عملية عندنا، ولا تهملوا الدهس في الطرقات، فخذوا لحربكم أهبتها ليصلى الصليبيين والمرتدين لهيبها، وأذكركم يا جنود الخلافة وأنصارها في هذه الأيام المعدودات أن تدركوا ما فات وأن تحيوا سنة قتل الجعد بن درهم، وتضحوا بكل علماني وملحد ومرتد محارب لله ورسوله، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، واللهُ غالب على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 513 الافتتاحية: مأساة غزة تفاقمت مأساة المسلمين في ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 513

الافتتاحية: مأساة غزة


تفاقمت مأساة المسلمين في غزة خلال الأيام الأخيرة مع بلوغ الحرب اليهودية الدينية ذروة القصف والتدمير، وإعادة تهجير أهلها مجددا إلى جنوبها، بعد أن سمحوا لهم قبل أشهر بالعودة إليها في إطار "تهدئة" لا يُعرف من وقّع عليها ممّن وقَع فيها.

ترافق ذلك مع قصف الجيش اليهودي دويلة قطر "الوسيط" وسط عاصمتها ومركز سيادتها، لترد الأخيرة بقمة عربية طارئة جمعت ربائب أمريكا بمن فيهم "سوريا الجديدة" على طاولة واحدة وأكدوا بصوت واحد أنّ هذه الممارسات اليهودية "تقوّض جهود السلام!"، علما أن التصعيد اليهودي من فلسطين إلى الخليج؛ تزامن مع ذكرى توقيع "اتفاقيات أبراهام" للسلام!

إن ما تمر به الساحة الفلسطينية اليوم هو الأخطر منذ "النكبة" ليس على صعيد موجة القتل والتدمير فحسب، بل على صعيد إمكانية تطبيق مخطط "التهجير" المطروح على خارطة الحرب اليهودية، وهو ما دأب الهواة العابثون على نفيه نفيا قاطعا دون أي مستند واقعي، في حين أنه بات يكمن للفلسطينيين في كل منعطف.

وبعيدا عن السجالات السياسية التي تغرق فيها الساحة الفلسطينية منذ الغزو البريطاني وإلى أن ترتفع فيها راية الشريعة؛ فإنّ عامة المسلمين في فلسطين اليوم يتعرضون لأبشع صور الظلم والعدوان اليهودي الذي يوجب على إخوانهم المسلمين شرقا وغربا مناصرتهم، كل على قدر استطاعته بدءا بالأقرب إليهم ثم الذين يلونهم.

والأدلة على وجوب نصرة المسلمين وإعانتهم وغوثهم وتفريج كربتهم وحرمة خذلانهم؛ فاضت به النصوص الشرعية في الكتاب والسنة، ويتلقاه الناس ويمتثلونه كل بحسب إيمانه وغيرته، فالناس في ذلك بين مستجيب غيور ومُعرض بليد، بين صادق وكاذب، بين مناصر ومتخاذل، وتلك أصناف الناس تجاه كل قضايا المسلمين وجراحاتهم قديما وحديثا.

ولكن بالجملة، فكثير من أبناء المسلمين يسعون لتقديم العون لإخوانهم في فلسطين، وهذا السعي قديم ويتجدّد مع تجدُّد المأساة الفلسطينية التي تشهد حاليا فصول "نكبة" جديدة تفوق نكبات الأمس مجتمعة؛ لكن هؤلاء السُّعاة لا يجدون سبيلا للمشاركة الفعلية المجدية المؤثرة في نصرة مسلمي فلسطين، لأنهم يصطدمون في كل مرة بـ "الحدود الوطنية" التي حدّدها الغزاة وحرسها الطغاة، وتربّت الأجيال على تعظيمها والموالاة والمعاداة فيها!

فمِن حيث البعد الميداني الجغرافي، لا يوجد أي منفذ أو ممر يوصل السُّعاة إلى داخل فلسطين الأسيرة أو يحقق لهم تماسا ومواجهة مباشرة مع اليهود، بما في ذلك "الجنوب السوري" الذي يخضع فعليا للقبضة الأمنية اليهودية، والسيطرة الصورية السورية، تماما كأي حدٍّ من الحدود الطاغوتية الأربعة المحيطة بفلسطين، التي يقف عندها جنود عرب مرتدون يؤدون "واجبهم الوطني" في حماية وتأمين حدود اليهود، يستوي في ذلك جيوش مصر والأردن ولبنان وسوريا القديمة والجديدة.

أمام هذا الواقع المرير والمأساة التي تتفاقم، فإنّ الخيارات العملية المتاحة للمسلمين السُّعاة لنصرة إخوانهم، تتركز في مسارين اثنين لطالما حرّضنا عليهما، وبريدهما الوحيد التوحيد؛ الأول: سعي شباب المسلمين للقيام بعمليات جريئة شجاعة تستهدف التجمُّعات والأحياء اليهودية والنصرانية في كل مكان، خصوصا في دول أوروبا الصليبية مثل بلجيكا وفرنسا وبريطانيا وغيرها، لقوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}، قال ابن جرير: "أي اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم، وأبصرتم مقاتلهم".

والمسار الثاني وهو مسار أصيل يوما بعد يوم تتأكد صحته ويشتد تأثيره، وهو استهداف الجيوش والحكومات العربية المرتدة التي تحرس حدود اليهود وتشكل طوقا خانقا لفلسطين، فهؤلاء هم "جُدُر اليهود" التي يقاتلون مِن ورائها، وبسقوطها تبدأ المعركة المرتقبة مع اليهود داخل قراهم المحصنة، ومهما شقّ الناس طرقا لقتال اليهود، فقطعا سيمرّون -طوعا أو كرها- من هذا الطريق الذي يأباه أكثرهم في تناقض عجيب لا يفسّره إلا تغلُّب وطنيتهم على دينهم! وطغيان عاطفتهم على عقيدتهم! فكيف سيفلحون؟ وبماذا سينتصرون؟!

ونستذكر في هذا الموطن كلام الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- في هذا السياق حين قال في خطابه بمناسبة الحرب على غزة: "إننا نقولُ ونؤكدُ على أن المعركة مع اليهود اليوم هي في حقيقتها معركة مع حلفاء اليهود أكثر من اليهود أنفسهم، وتؤكّد ذلك فصولُ الحرب الأخيرة التي شنُّوها على غزة، وكيف كان تواطؤُ الحكومات العربية المرتدة ثقيلا على أهل غزة كثِقَلِ القنابل والصواريخ الأمريكية، ولذلك فالحل الشرعيُّ يكمن في قتالِ هؤلاء كافة".

والمجاهد المنفرد والمسلم الغيور مدعوٌّ اليوم إلى سلوك أيّ هذين المسارين بحسب استطاعته، وبحسب قوة دافعه الإيماني ومنطلقه العقائدي، فنحن إنّما نحرّض على ذلك تديُّنا وتعبُّدا لله تعالى، انطلاقا من كون فلسطين أرضًا للمسلمين داهمها العدو الكافر وعجز أهلها عن صد عاديته، فوجب على إخوانهم المسلمين مشاركتهم في قتاله ودفع صياله.

كما نحرّض على ذلك انطلاقا من كون المعركة مع اليهود معركة دينية، وليست معركة دونية وطنية لخصوبة ترابها واعتدال مناخها وسهولة تضاريسها، فهذه تربية وطنية لا جهادية ولا إيمانية، وهو مما صبغ "القضية الفلسطينية" فعطّل مسيرتها وحرف بوصلتها منذ انطلاقها، وجعلها قضية وطنية قومية تتخذ الإسلام شعارا لا مسارا، وتراه عائقا لا منطلقا.

وإنما يجب على المسلم أن ينطلق في نصرة إخوانه المسلمين في فلسطين وغير فلسطين؛ من هذه المنطلقات والمقاصد الشرعية التي تناولها مرارا وتكرارا قادة ومشايخ الدولة الإسلامية في خطاباتهم وصوتياتهم عملا بأصول الكتاب والسنة، دعوةً ونصحًا للمسلمين، وكلها تدور وتتمحور حول غاية الجهاد المركزية: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}.

فإنْ ضبَطَ المسلمُ هذه الغاية وصحَّحَ المسار والراية، فلينطلق على بركة الله تعالى ويتخيّر أقرب الأهداف وأدسمها، ويا حبذا في أعيادهم وما أكثرها، وليضع نصب عينيه أنات الأطفال وصرخات الحرائر واستغاثات المستضعفين، فإنها بلغت الآفاق وأدمت قلب كل مسلم غيور على دينه وأمته، وإنّ خير ترجمة لهذه الغيرة الإيمانية هي السعي العملي لقتال اليهود أو حراسهم، وفي كلّ خير وأجر بإذن الله تعالى، فأين الأباة الغيارى يتدافعون للثأر لإخوانهم، ويتنافسون لتأديب عدوهم؟

اللهم الطف بالمسلمين في فلسطين وكل مكان، اللهم استر عوراتهم وآمن روعاتهم، اللهم أدر دائرة السوء على اليهود وأعوانهم، وهيِّئ للمجاهدين أسباب قتالهم، واشف صدور قوم مؤمنين.



•المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 513
السنة السابعة عشرة - الخميس 26 ربيع الأول 1447 هـ

المقال الافتتاحي:
مأساة غزة
...المزيد

تفريغ / مؤسسة الفرقان تقدم: كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي الحسن ...

تفريغ / مؤسسة الفرقان تقدم:
كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية
الشيخ المجاهد أبي الحسن المهاجر (تقبله الله)
بعنوان
(فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)


الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرِّف الأمور بأمره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدَّر الأيام دولا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه، أما بعد:

ففي حومة الوغى، ورجع صدى آمال أهل الكفر بالقضاء على دولة الإسلام، يستمد حَمَلة الراية وحراس العقيدة قوَّتهم من خالقهم جل وعلا، فاعتمادهم وتوكلهم، عليه لأن الأمر بيديه، ادَّرعوا بالإيمان وصالح الأعمال، فلم يفتَّ في عضدهم انهزام المرجفين والخوَّارين والمبطلين، فكانوا بحق سادةً نجباءً أعزةً كرماءً، قرأوا قول الله: {إِلَّا تَنْفِرُوا} [التوبة: 39] فوثبوا، وأصغت آذانهم لنداء: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ} [التوبة: 40] فضحوا وبذلوا، خفافا وثقالا، كهولا وشبانا، لم يخلدوا إلى الدعة والنعيم، ولم يركنوا إلى حطام الدنيا الزائل، تجرَّدوا للحق فلزموا غرزه فأنبت وأينع طيب الثمر وأنماه، وضرب الجهاد بجِرانه في الأرض فاتسعت رقعته لتلفح بلهيبها أمم الصليب وحكومات الردة والعمالة، في جهاد لأعداء الله عز شأوه، وملاحمِ صدق سطَّرها الصابرون الموقنون بموعود الله لهم، قرأوا قول ربهم: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179]، فأدركوا فداحة الموقف مع تقادم الأيام، وأنَّ التمييز والتمحيص والابتلاء، آتٍ لا محالة، سنة الله الماضية، {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62]، فمع كل حدث ونازلة، يفيئون ويرتوون من معين الهدى الذي لا ينضب، فما خالط بشاشة قلوبهم الريب، وما أثقلت كواهلهم اللأواء ولا كثرة الأعداء.


غطارفةٌ مثل الجبال حُلومُهُم *** تكونُ لهم شم الجبال هضابا
إذا غضبوا للَّه أرضاك فتكهم *** وأَفتكُ ما تلقى الأُسودُ غضابا
وإِن جَزموا الأعمارَ في الحرب صَيّروا *** عوامِلَهُم في الدّارِعينَ حرابا
وتَحسَبُهُم تحت السوابغ والقنا *** ضراغمَ شقّتْ في العَرينِ سَرابا


أذهلوا أمم الكفر وأرعبوها، وسلبوها الراحة والأمان وشتتوها، فأصبحت تتمنى صفو العيش فلا تجده ولا تدري من أي باب ستؤتى، وغدا الموحد المجاهد المستضعف في الأرض، يرى -بفضل الله ومنِّه- العلج الصليبي الأوروبي والأمريكي، يُدهس ويُطعن ويُقتل في طرقات باريس ولندن ومنهاتن، مثلاً بمثلٍ وسواءً بسواءٍ جزاءً وفاقاً، فكما يَقتلون يُقتلون، وكما يَقصفون يُنسفون، وإلى جهنم سيحشرون.

قتلناهُمُ قَتلَ الكلاب فلم نَدَع *** لهم في جميع الناس يا صاحِ من فَخرِ

فلم يتعظ الأغرار دهاقنة الكفر بعد ولم يعتبروا، ولا زال سفهاؤهم يمنُّونهم ويغرونهم فيتمادون في إجرامهم، دون اعتبار بما ستبدي لهم الأيام، جرَّاء حمقهم وعسفهم بالمسلمين دون رحمة أو شفقة، فعلام نعجب؟! فهذا ديدنهم ودأبهم، كما أخبرنا العليم الخبير إذ قال في كتابه العزيز: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].

فربنا الحكيم العليم قد جلَّى لنا في كتابه حقيقة هؤلاء الكفرة المجرمين، وأمرنا بقتلهم وقتالهم حتى يكون الدين كلُّه لله، فإما أن يسلموا أو يستسلموا لأمر الله وحكمه أذلةً صاغرين، فأوجب علينا أن نطهر الأرض من زهم شرك هؤلاء، من جاهلية هؤلاء، من عبث هؤلاء، من تجبُّرهم وطغيانهم في الأرض، وأمرنا ربنا -تبارك وتعالى- أن نقاتل المشركين كافة كما يقاتلوننا كافة، فلا فرق بين قتالنا الطاغوت المرتد سلمان وابنه السفيه وقتالنا السيسي وجيشه، ولا فرق بين قتالنا الصفوي الرافضي خامنئي وقتالنا عباس العلماني وحماس، لا فرق بين قتالنا لهؤلاء وبين قتالنا أولياءهم الصليبيين الأمريكان والروس والأوروبيين غير أن أولئك من أبناء يعرب أشد على الإسلام وأنكى وفي الدركات أهوى، قال ربنا: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36]، وقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193]، وحذَّرنا فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].

فقتال الكفرة المشركين دين نتعبد الله به، ونتقرب به إليه -سبحانه- ليرضى عنا، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]، وقال مذكرا ومرغبا عباده في عظيم أجر من جاهد في سبيله لقتال أعدائه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120]، وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]، وإنَّ القتال في سبيل الله لهو التجارة الرابحة التي دلَّ عباده عليها، فقال جلَّ من قائل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 10 - 11]، فجعل الثواب والجزاء عظيما جليلا بيَّنه في قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف: 12 - 13].

قال ابن القيم في مدارجه: "فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها، من الموالاة فيه سبحانه، والمعاداة فيه، والحب فيه والبغض فيه، وبذل النفس له في محاربة عدوه"، إلى أن قال: "ومنها عبوديةُ مخالفةِ عدوِّه، ومراغمته في الله، وإغاظته فيه، وهي من أحب أنواع العبودية إليه، فإنه -سبحانه- يحب من وليِّه أن يغيظ عدوه ويراغمه ويسوءه، وهذه عبودية لا يتفطَّن لها إلا الأكياس" انتهى كلامه رحمه الله.

وفي الصحيح عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله) ]رواه البخاري[.
قال إمام الدعوة النجدية -رحمه الله- عندما سئل عن معنى "لا إله إلا الله" فأجاب: "اعلم -رحمك الله- أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم عليه السلام: {كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28]، وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يُصلُّون، ويصومون، ويتصدقون، ولكن المراد معرفتها بالقلب، ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض من خالفها ومعاداته، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله مخلصا) وفي رواية: (صادقا من قلبه) وفي لفظ: (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله) إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة" انتهى كلامه.

وقال -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120]، "أما قولهُ تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}، لئلا يستوحشَ سالكُ الطريقِ مِنْ قلةِ السالكين، {قَانِتًا لِلَّهِ} لا للملوكِ ولا للتجارِ المترفين، {حَنِيفًا} لا يميلُ يميناً ولا شمالاً كفعلِ العلماءِ المفتونين، {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} خلافا لمن كثَّر سوادهم وزعم أنه من المسلمين".

فلا إله إلا الله، ما أكثر الناكصين المتنكبين عن كلمة الإخلاص، العاملين بضدها من المنتسبين لهذه الأمة، الهادمين لركنها، المدَّعين نصرتها، الموالين لأعدائها، المحاربين حَمَلَتها والذائدين عنها، وإن حال أهل الإسلام لا يستقيم ولن يستقيم، إلا بكتاب يهدي وسيف ينصر، وإحياء لسنة الصديق -رضي الله عنه- فيمن ارتد وندَّ عن حكم الله وشرعه، وقفز إلى معسكر أهل الكفر ووالى الطواغيت والمشركين والملحدين، وإن صلى وصام وطاف بالبيت الحرام، ففي موقف تجلت رعاية الله وحفظه لهذا الدين -ولا يقوم بمثله إلا ذوو العزمات المسددون الملهمون الموفَّقون من الرجال- قتالُ الصديق -رضي الله عنه- من ارتد من العرب، إذ قمع الله به كل عدو للدين وألف له الأمة وردهم إليه، بعد أن ارتد أكثرهم عن دينه وانقلب الغالب منهم على أعقابهم كافرين، إذ وقف -رضي الله عنه- كالطود الشامخ أمام ريح عاتية وفتنة مدلهمة حتى قال: "والله لأقتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها"، وذلك يوم أن قال له الصحابة -رضي الله عنهم- كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أُمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله) قال عمر -رضي الله عنه- فقلت يا خليفة رسول الله تألَّف الناس وارفق بهم فقال لي: "أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي؟".

حتى قال الفاروق عمر رضي الله عنه: "والله لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعا في قتال أهل الردة".

وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: "ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر رضي الله عنه، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة".

قال ابن تيمية رحمه الله: "وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون، ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلا للمسلمين".

بل ونقول في وقتنا هذا: فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله، من الطواغيت المبدِّلين لشرع الله وحكمه، خادما ذليلا مواليا مظاهرا للصليبيين والملحدين، وهو مع ذلك، يزفر غيظا وحنقا على جماعة المسلمين، متمنيا وراجيا زوال حكم الله وشرعه، مباهيا بذلك مستعلنا به محتفيا، كما حدث في الموصل وسرت والرقة وغيرها.
وإن من عجائب الزمان سفاهةَ من استمرأ الكذب والبهتان يشمت بدولة الخلافة، وانحسار نفوذها عن أرض حكمتها بشرع الله، في وقت لا يجد المسلم في الأرض دار إسلام يفيء إليها سوى ما تحت سلطان الخلافة، رغم شدة الحملة الصليبية وشراستها، وما زال جنود الخلافة في العراق والشام واليمن وخراسان وسيناء وليبيا وغرب إفريقية وغيرها من الولايات، يقدِّمون أرواحهم رخيصة في سبيل إعلاء كلمة الحق والدين، فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحرى الناس دخولا في الطائفة المنصورة، التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة)، وقال: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة).

فيا أبناء الإسلام وحملة التوحيد في كل مكان، دونكم طلائع الخلافة كثِّروا سوادها والحقوا بركبها، فإنا مقبلون على فتح قريب ونصر عزيز بإذن الله، فلا يفوتنكم أجر السبق وحسن التمام.
وإن قتالنا لأهل الكفر والردة قدر محتوم وفرض واجب، ولا يسع من آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيا، التخلُّف أو النأي بالنفس عنه، دفعا لصيالهم، وسلبهم بلاد المسلمين، فمنذ عهد ليس بالقليل، والمسلمون كالغنم المطيرة فى الليلة الشاتية؛ لتسلط عدوهم وزوال سلطانهم، ولا ترى من كثير ممن ينتسبون للإسلام، إلا أهواءً متبعةً، وجنوحاً مريعاً عن الملة، في ردة وعمالة صارخة لأحفاد القردة والخنازير، فلم يُصَب أهل الإسلام على مر العصور بمصاب كهذا، من حرب عقدية ومنهجية واقتصادية وعسكرية وإعلامية، ولم تبتلَ الأمة بمن ينتسبون للعلم كهذا الابتلاء، بل وقد غدا هؤلاء الذين ينسبون أنفسهم للعلم، حربة يقاتل بها كل من يسعى لإقامة حكم الله وشرعه في الأرض.

فواعجبا ممن يقرأ كتاب ربه، ثم يعيش في كنف الذلة والمهانة مسلوب الإرادة، يُملى عليه ما يجب اعتقاده، وما يجب عليه اجتنابه من دينه، في فصام نكد يعيشه وبعد حقيقي عن فهم الواقع، الذي لا يعرفه ولا يفقهه إلا من وثب من الدون، وارتقى بسنام الدين ذروة الصُّم الشواهق، فأبصر بمقال الفعال لا بمقال الهذرمة وحشو الكلام، حال المتخلفين المخذولين، وما هو السبيل لخلاص أهل الإسلام من هذا الكرب العظيم والشر المستطير، فإن هداية الله لمن جاهد في سبيله أسبق، ووعده لهم أصدق.

قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، قال ابن القيم: "واعلم، أنه لا يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يعقد قلبه على أن الدين كله لله، وأن الهدى هدى الله، وأن الحق دائر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجودا وعدما، وأنه لا مطاع سواه ولا متبوع غيره، وأن كلام غيره يعرض على كلامه فإن وافقه قبلناه، لا لأنه قاله، بل لأنه أخبر به عن الله -تعالى- ورسوله، وإن خالفه رددناه، ولا يعرض كلامه -صلى الله عليه وسلم- على آراء القياسيين، ولا على عقول الفلاسفة والمتكلمين ولا أذواق المتزهدين، بل تعرض هذه كلها على ما جاء به، عرض الدراهم المجهولة على أخبر الناقدين، فما حكم بصحته فهو منه المقبول، وما حكم برده فهو المردود" انتهى كلامه رحمه الله.

فيا أيها المقتفي نهج نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الأخيار، يا من أبيت إلا السير على درب سلف هذه الأمة الأبرار، يا من دهمته طوارق الليل وأهمَّته تباريح النهار، يا من أسلمت وجهك لله، فاستبطأت الفرج وحلَّ الكُرب، بعد أن أيقنت أنه لا حل ولا سبيل ولا وسيلة، لفلاح هذه الأمة ونجاتها من دركات الشقاء، يرضاها ربنا جل في علاه، إلا بالجهاد في سبيله والقتل والقتال، ليعود المسلم حرا كريما لا عبدا تابعا ذليلا، ويسود الإسلام الأرض، وتخضع البرية جمعاء لله رب العالمين، اعلم بأنه لا يُوصل إلى الراحة واللذة إلا على جسر التعب والألم، وهذا يريك -أخي المجاهد- أن المصائب والآلام حشوها نعم ولذات ومسرات، كيف بك وأنت اليوم في موطن جليل مهيب، عز من يقفه في هذا الزمان، تنافح فيه عن ملة إبراهيم وسنة خير المرسلين، عليهم أفضل الصلاة والسلام، طاعة لله رجاء موعوده وإنفاذا لأمره، فإياك من كيد الغرور إياك، فإنه لا يزال بالعبد الصالح يغريه تارة ويمنيه تارة، حتى يقع في شراكه وحبائل كيده ومكره، فإن الخطب جلل، وليهنك وعد ربك لمن آمن به وصدق رسله وهاجر وأوذي في سبيله وقاتل حتى قتل صابرا محتسبا، فإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

فالصحابة -رضوان الله عليهم- خير القرون وأزكاها وأعلم الناس قاطبة بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ما نكلوا عن قتال الكفرة المشركين مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في زمانه، وما نكصوا عن قتال أهل الردة بعد وفاته، وقد ضربوا في ذلك أسمى المواقف وأجلِّها، فأعلوا منار الإسلام بعد أن كاد يُصطلم ويخرم.

ففي صورة من صور البذل والفداء لهذا الدين، وعزمة من عزمات السابقين الأولين، يرويها أنس -رضي الله عنه- حيث قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: "يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين، ليَرينَّ اللهُ ما أصنع"، فلما كان يوم أُحُد، وانكشف المسلمون قال: "اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين"، ثم تقدَّم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: "يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد"، قال سعد: "فما استطعت يا رسول الله ما صنع"، قال أنس: "فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتل وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه"، قال أنس: "كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] إلى آخر الآية" ]رواه البخاري[، وعنه أيضا قال: "انطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقدِّمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه)، فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)، قال: - يقول عمير بن الحمام الأنصاري: - يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (نعم)، قال: بخٍ بخٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟) قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: (فإنك من أهلها)، فأخرج تمرات من قَرَنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل" [رواه مسلم].

بل ولقد كان حملة القرآن من الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- هم السبَّاقون المبادرون المتقحِّمون غمار الموت، نعم يا طالب العلم، ففي حروب الردة، خشي الفاروق والصديق رضي الله عنهما ذهاب كثير من القرآن لكثرة القتل فيهم، حتى قال الفاروق عمر -رضي الله عنه- لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ القتل قد استحرَّ [أي: كثر] يوم اليمامة بقرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن"، فكان ذلك سببا لجمع القرآن وحفظه مكتوبا في المصاحف، فما أجلَّ موقف حامل العلم والقرآن يوم أن تكون ثمرة علمه بادية عليه، شجاعا مقداما غير هياب ولا مرتاب.

وهذا زيد بن الخطاب -رضي الله عنه- يحمل راية المسلمين يوم اليمامة في حروب الردة، وكان يقول وهو يصيح بصوت الموقن بأن ما عند الله خير وأبقى وأن العاقبة للتقوى: "اللهم إنِّي أعتذر إليك من فرار أصحابي، وأبرأ إليك مما جاء به مسيلمة"، فلم يزل يتقدم بالراية في نحر العدو، ثم قاتل حتى قُتل، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة، ولما انكشف المسلمون يوم اليمامة قال سالم وهو من حملة القرآن: "ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفر لنفسه حفرة وقام فيها، ومعه راية المهاجرين يومئذ فقاتل حتى قتل رحمه الله".

وعن جعفر بن عبد الله بن أسلم، قال: "لما كان يوم اليمامة، واصطف الناس، كان أول من جُرح أبو عقيل، رُمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده في غير مقتل، فأُخرج السهم، ووهن له شقه الأيسر في أول النهار، وجُرَّ إلى الرحل، فلما حمي القتال وانهزم المسلمون، وجاوزوا رحالهم، وأبو عقيل واهن من جرحه، سمع معن بن عدي يصيح: يا للأنصار! الله الله والكَرَّة على عدوكم! قال عبد الله بن عمر: فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد؟ ما فيك قتال! قال: قد نوَّه المنادى باسمي، قال ابن عمر: فقلت له: إنما يقول: يا للأنصار، ولا يعني الجرحى، قال أبو عقيل: أنا من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حبوا، قال ابن عمر: فتحزَّم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى، ثم جعل ينادي: يا للأنصار! كَرَّة كيوم حنين! فاجتمعوا رحمكم الله جميعا، تقدَّموا فالمسلمون دريئة دون عدوهم، حتى أقحموا عدوهم الحديقة، فاختلطوا، واختلفت السيوف بيننا وبينهم.

قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قُطعت يده المجروحة من المنكب، فوقعت إلى الأرض، وبه من الجراح أربعة عشر جرحا كلها قد خلصت إلى مقتل، وقُتل عدو الله مسيلمة. قال ابن عمر: فوقفت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق، فقلت: يا أبا عقيل! قال: لبيك -بلسان ملتاث- لمن الدَّبرة؟ قلت: أبشر قد قتل عدو الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات يرحمه الله".

أولئك جيل المكرمات فمن يكن *** له أثَرٌ بالعزم يسعى ويخطر
تراهم إلى الهيجاء صاح نذيرهم *** فأرخص روحا في الوغى يتبختر
وماذا عسى الأطراس تجديك عالما *** إذا ضاع منك الفعل والقول أبتر
بسيف وإقدام وصون عقيدة *** بها الدين يزهو والنجائب ضمَّر

وليعلم كل محارب لدولة الخلافة، أنها ماضية في إنفاذ وعيدها بأعدائها، فأسيافنا -بفضل الله- ما نبت، وإن الملاحم لتوها بدأت.

وما خاض أبناء الإسلام غمار هذا البحر اللُّجي المتلاطم، إلا وهم على يقين برسوِّهم ودنوهم من سعة الدنيا والآخرة، وما متقحم لهذه المخاضة بخاسر.

فإنما هي إحدى الحسنيين، إحدى الكرامتين، إما نصر وإما شهادة، حياة عز لا حياة ذل، حياة إباء لا حياة استخذاء واستجداء.

وإن الناظر اليوم ليرى بفضل الله ومنِّه ثم بثبات أبناء الخلافة وأنصارها، ربَّة القطب الأوحد فيما مضى أمريكا، وهي تعيش أحلام اليقظة، تمني نفسها القضاء على دولة الإسلام، ونسيت أو تناست، كيف آل بها الحال مع خصومها ومنافسيها من الأمم، ومن في حقيقة الأمر انتصر وظفر، من فقد الصدارة والريادة، وما عادت رياح السياسة تجري وفق ما يشتهي ويؤمِّل، فها أنت اليوم يا ربة السوء تائهة متخبطة متعثرة الخطوات مشتتة الأهداف، ذلَّت إرادتك فأصبحتِ تناغين خصومك المفترضين وتسايرين رغباتهم، وترضين بأنصاف الحلول ولا تقوين على الصدام المباشر معهم، وما حديثك عن احتواء النفوذ الصفوي في المنطقة عنَّا ببعيد، وهو خير دليل وشاهد، وإن الشقاء الذي حل بك اليوم من جراء عجزك الاقتصادي المدقع قد أفقدك السياسة التي تزعمين والكياسة مع الحلفاء، فما عدت تخجلين أن تظهري ابتزازك لأصدقاء الأمس واليوم أمام العالم، بل وترهنين بقاءك في الشام بدعمهم الغير مشروط أو أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، أو تظنين أن قصفك للنظام النصيري المجرم القاتلِ لأهل السنة سيخضع الروس أو يغيِّر من المعادلة شيئا أم سينسي جرائمك بحق أهل السنة في العراق والشام، وما الغوطة ودوما إلا حلقة من قصة لم تنتهِ فصولها من الكرب الذي يعانيه أهل السنة، وما إقدامك على فعل ذلك إلا ذرٌ للرماد في العيون واستخفاف بالعقول، واختلاق لنزاع متوهم، لتحفظي شيئا من مصالحك مع طواغيت المنطقة من مرتدي أهل السنة، فأنت من أسلمت مناطق أهل السنة لدولة المجوس إيران، كيف وأساطيلك البحرية والجوية تواكب حشود الرافضة الصفويين في العراق، وتمهِّد لهم سلب ديار أهل السنة، بل وأصبح حزب اللات الرافضي ذراع إيران يحمد على فعله وما اقترفته يداه بحق أهل السنة في الشام، وتلك العصائب والميليشيات الرافضية في العراق تعتلي المناصب ويُشاد بتنكيلها واستباحتها لمناطق أهل السنة، الذين ما اندمل لهم جرح وما رقَّ لهم دمع، مذ أقبلتِ غازيةً تبشرين بتعاستهم واستعبادهم وحرب دينهم ونهب ثرواتهم.

فعن أي نصر يتحدث هؤلاء، عن أي نصر تتحدثين أمريكا، والمجاهدون -بفضل الله- في علو ورفعة وقوة ساعد، وشدة بأس وبعد نظر ووحدة صف، وحالٍ خير من الحال الذي وليت فيه مهزومة ذليلة من العراق منذ سنين؟ وما كانت إلا أعوام قلائل حتى فتح الله على عباده المجاهدين المدن والأرياف، وأغناهم من فضله، فعن أي نصر تتكلمين، وأنت اليوم خرَّاجة ولاجة من بلد لآخر، تخطبين ود دول وتناغين أخرى، بعد أن عاد للصدارة خصمُك الألد وعدوك الأبعد روسيا الصليبية، التي لم تهنأ هي الأخرى بنصرها المزعوم على أرض الملاحم، وحاولت آيسة وبحفاوة كاذبة، أن تظهر ولو إعلاميا بصورة المخلِّص لشركائها النصيرية في الشام، بعد أن استخدمت سياسة الأرض المحروقة في استعراض مفرط للقوة، مع مدن وبلدات أهل السنة، فلم يَرُقْ لك أمريكا ذلك المشهد، والصورة التي أراد أن يوصلها العلج الروسي للعالم، بأن قد عدتُ للصدارة، فأعجزك الدهاء، وما كان من رقيع بيتك الأخرق، إلا أن يوقِّع بقلمه أمام العالم بأن القدس عاصمة لدولة يهود، ليفسد بذلك على خصمه الروسي احتفاءه بالنصر، ويصرف عنه أنظار العالم، فأغضبتِ الغُثاء ممن يعتقدون فيك النفع والضر، وأنت اليوم تتعجلين أمرا لن تبلغيه، فكفي عنه وعودي خلف البحار ما لك وللمجاهدين وديار المسلمين، فاعتبري بما سلف فالعاقل لا يُجرب المجرَّب، وإن وعد الله لعباده المتقين المجاهدين بالتمكين أقرب، ثم هل سيجدي اعترافك هذا من أمر الله شيئا، حتى وإن نزلت وأتيت بكل بارجة وطائرة، وخبير ومستشار على أرض المسرى وأولى القبلتين لتحمي يهود، فإن لأجناد الإسلام معهم موعدا لن يخلفوه، وإنها الوعود ورب محمد صلى الله عليه وسلم، فصبرا يا أهلنا في مسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صبرا، فوالله ما نسيناكم، وإنَّ إخوانكم في دولة الخلافة ما قاتلوا أمم الكفر، إلا وهم يتلمَّظون أسى وأسفا عن مجابهة يهود، لانشغالهم بدفع صيال عدوِّهم وإزالة حدود الذل والعار المكبِّلة لأهل الإسلام، وما صمود وثبات أجناد الخلافة في سيناء وصدُّهم الحملات تلو الحملات إلا برهان حق ودليل صدق وإن غدا لناظره لقريب.

فعن أي نصر تتكلمين أمريكا، وما زال أبناء المسلمين من أقطار الأرض يتوافدون على بيعة الخلافة ونصرتها، راجين أن يكونوا لبنة صالحة في تشييد صرحها وإعلاء بنيانها، بل ولا زال جنود الخلافة في العراق والشام واليمن وخراسان وسيناء وليبيا وغرب إفريقية والصومال والفلبين وتونس، ينازلون عملاءك وجنودك ويطاولونهم في جهاد يحبه الله ويرضاه، ولن يتوقف حتى ينزل عيسى ابن مريم -عليه السلام- حكما مقسطا، وإنَّ الكابوس الذي تجرَّعتم فصوله المرعبة لن ينهيَه حلم زائف، أو لحظة من غطاء جوي هائل، فإن القادم -بإذن الله- أدهى وأمر.

فمن أنت يا جندي الخلافة، لتجتمع على حربك أكثر من سبعين دولة؟!
من أنت يا جندي الخلافة، لتُعقد من أجلك المؤتمرات والتحالفات؟!
من أنت ليقبل العلج الأمريكي والروسي والأوروبي والغربي والشرقي لحربك وقتالك؟!
من أنت، لتقصف بأم القنابل والفسفور ويُصب من فوق رأسك كل ما جرَّموه وحرَّموه؟!
من أنت لتتنكر عن نصرتك أمة الغثاء بل وتقف مع عدوها لحربك، فمضيت ولم تلفت وجهك عن نصرة دينك؟!
من أنت ليضجَّ إعلامهم الفاجر لتحطيمك أكوام حجارة لا حياة فيها، ويقف شاخصا واجما وبصمت مطبق، وهو يرى بلاد أهل السنة تُباد وتدك على رؤوس ساكنيها، تُزهق فيها الأرواح وتنتهك الحرم بدعوى حربك وقتالك؟!
فمن أنت يا جندي الخلافة، لتوصم بالزندقة تارة، وبالعمالة تارة، وبالخارجية تارة، وبالكفر تارة، وبالإلحاد تارة، فاحتار البلاعمة المرتدون في وصفك ولمزك وغمزك، ثم أنت مع ذلك كله، تُلقي بنفسك في غمرات الموت تذب عن أمتك ودينك؟!
من أنت لله درُّك وعلى الله أجرك؟! فتَذَكَّر من أنت، لتعلم فضل الله عليك فأدِّ شكر هذه النعمة، بالثبات على دينه وجهاد أعدائه، فإنك على الحق. اللهم أمض لجنود الخلافة هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم.

وإن دولة الخلافة منذ إعلانها و نشأتها، قد بشرت الأمة بالجهاد والقتل والقتال في سبيل الله، ولم تعدها وتمنِّيها بشيء من الدنيا، فأقامت الدين وأحيت الولاء والبراء، وانخلعت من ضيق الأحزاب والتنظيمات إلى سعة الخلافة، فأعادت لجماعة المسلمين هيبتها وعزَّها بين الأنام، ولولا ذلك لما اجتمع عليها طواغيت الشرق والغرب ولما حاربتها الأمم، فبايع المجاهدون الصادقون أمير المؤمنين أبا بكر الحسيني القرشي البغدادي -حفظه الله- خليفة للمسلمين، فنحا الصراع بذلك الإعلان مع أهل الكفر شكلا آخر وسِمَة مغايرة عن كل جهاد سلف في زماننا، فكان ذلك من توفيق الله -تعالى- لأهل الجهاد في العراق والشام، فالإمام جُنَّة كما قال صلى الله عليه وسلم: (يُقاتل من ورائه، ويتقى به) [رواه البخاري ومسلم]، فتُحسم بذلك مادة الشر المتمثلة بالاختلاف، الذي يستثمره أهل الغدر والمكر والخيانة، ليبقى أبناء الإسلام فرقا وأحزابا وجماعات أشتاتا، فبإعلان الخلافة، عادت -بفضل الله- أواصر الأخوة الإيمانية، وتحقَّق معنى الجسد الواحد في هذه الأمة بين أبناء الإسلام وفي شتى البقاع، فترى الموحِّد الذي عزَّ عليه النفير والهجرة إلى دار الإسلام، القاطن بين ظهراني المشركين، من يهود وصليبيين ومرتدين، يقاتل على بصيرة من أمره نصرة لدينه، بعد أن وضح أمام ناظريه على أي شيء يقاتل ليُقتل، حتى غدت...

أسيافنا في كل غرب ومشرق *** بها من قراع الدارعين فلول
وأيامنا مشهورة في عدونا *** لها غرر معلومة وحجول

فيا جنود التوحيد في دولة الإسلام، إنها الخلافة فخر المسلمين وغيظ الكافرين، فاحمدوا المولى بأن أكرمكم برفع رايتها والذود والذبِّ عنها، وإنا لنحسب أن من بقي منكم كمن سلف من خياركم، فامضوا إلى فتح جديد إلى نصر مجيد، وإن جيلا تربى على التوحيد، وعاش الولاء والبراء واقعا حيا عمليا، وذاق عزة الجهاد ولذة البذل في سبيل الله، هو الأمة التي يُعقد عليها الآمال، ويعول عليه بعد الله -عز وجل- النهوض بالإسلام في هذا الزمان، وها أنتم اليوم تشهدون الملاحم على أرض العراق والشام وغيرها من البلدان فأروا الله من أنفسكم خيرا.

وما مُنعت دار ولا عزَّ أهلها *** من الناس إلا بالقنا والقنابل

وإن لأبناء الإسلام بحول الله وقوته مع أعداء الله الرافضة الصفويين، وعملائهم المرتدين المحسوبين زورا وبهاتانا على أهل السنة، موعدا وأجلا مضروبا معجَّلا، فما وضعت الحرب أوزارها، وما زال آساد الخلافة -بفضل الله- يسيرون وفق ما أرادوا ورسموا، فهم سائسو الحروب ومروِّضوها، وقاهرو أمم الكفر ومزلزلوها، فلا يظنن وضيع جبان أن يدا له امتدت على المجاهدين وأعراضهم سينعم بها، فقسما بمن أجرى السحاب وبنى السبع الشداد، وشتَّت عند الفتح جموع الكافرين في كل واد، لتقطعنَّ يداه ورجلاه، ولتسلَبنَّ روح حواها جسده ولينبذنَّ جيفة في رمسه، فما ضعفنا وما جَبُنَّا، نحن أحفاد الصديق وابن الوليد، ولنحيِينَّ سنته في كل من ارتد وناصب المسلمين العداء، من الدهماء والغوغاء، فاسمعوها وعوها منا يا رافضة العراق ومجوس إيران، فقسما قسما لتضيقَنَّ الواسعة من نتن موتاكم، وليشوبنَّ دجلة والفرات نجيع قتلاكم، وإن بكل مسلمة عفيفة طاهرة سيقت إلى مشانق الموت، ما سيخلع قلوبكم ويُدمي أيامكم.

فيا مسعِّرة الحروب في أرض السواد ومهد الخلافة، يا رجالات الدولة وحماة الدين والملة، لا تدعوا مفصلا أمنيا أو عسكريا أو اقتصاديا أو إعلاميا لحكومة الرافضة، إلا وجعلتموه أثرا بعد عين، ولا تُبقوا رأس عشيرة عفن مرتد إلا وقطفتموه، ولا قرية محاربة إلا وتركتموها آية لمعتبر وعظة لكل مغتر أشر، فهؤلاء هم من وقفوا أنفسهم خداما للرافضة وعبيدا لهم، وعينا ساهرة تحول بين المجاهدين وعدوِّهم، واكتموا أنفاس دعاة الفتنة والضلالة، من تواصوا وتعاهدوا على تبديل عقائد الناس، من الأئمة والخطباء والمعممين والأساتذة والمعلمين، فلا تأخذكم بهم رأفة أو شفقة في دين الله، فهم مرتدون زنادقة مجرمون، يذلِّلون الناس ليكونوا طوع قياد الرافضة، وافلقوا هام كل من آذى عباد الله الموحدين، ممن ارتد وإن كان يوما في ركاب المجاهدين، واقبلوا توبة من تاب قبل القدرة عليه، وأحسنوا إلى من آوى وناصر ورعى العهد ولم يخفُر ذمته مع المسلمين، وكونوا له عونا وسندا، وآتوه من مال الله الذي آتاكم، واخفضوا له الجناح.

ولتعلموا يا أهل السنة في العراق والشام وكل مكان أنه ما عاد لكم بعد الله سوى أجناد الخلافة في دولة الإسلام، فآووهم وانصروهم وكونوا لهم يدا على من سواهم، وننوِّه إلى أن حكومة الحشد الرافضي الإيراني في العراق، مقبلة على ما يسمونه انتخابات، فكلُّ من يسعى في قيامها بالمعونة والمساعدة فهو مُتَولٍ لها ولأهلها، وحكمه كحكم الداعين إليها والمظاهرين لها، والمرشحون للانتخاب هم أدعياء للربوبية والألوهية، والمنتخِبون لهم قد اتخذوهم أربابا وشركاء من دون الله، وحكمهم في دين الله الكفر والخروج عن الإسلام، فإنا نحذركم يا أهل السنة في العراق من تولي هؤلاء القوم الذين ما تركوا باب ردة إلا وولجوه، وإن مراكز الانتخاب ومن فيها هدف لأسيافنا فابتعدوا عنها واجتنبوا السير بقربها، ومن ضنَّ منكم بنفسه وأخلد إلى الأرض عن نصرة دولة المسلمين وموئل أهل السنة فليسعه بيته ولينشغل بخاصة نفسه، ولا يكونن نصيرا وظهيرا للرافضة المشركين وأذنابهم المرتدين المحسوبين على أهل السنة.

ويا جنود الخلافة وأنصارها في كل مكان، اعلموا أننا اليوم نمرُّ بمرحلة جديدة، ومنعطف شدة في طريق جهاد عدو حقود، يرجو السيطرة على بلاد المسلمين، وأن يرث ما خلَّفته أمريكا، بعد أن أنهكها المجاهدون بعملياتهم، ومطاولتهم لها ما يقرب عقدين من الزمان، فبدأت تعود القهقرى لا تلوي على شيء، وهي ترى تنكُّر الحلفاء لها، عاجزة عن كبح جماح الروس ودولة المجوس إيران، فاجعلوا هاتين الضُرَّتين هدفا لمسرح عملياتكم وجهادكم، ليذوق المجوس ومن ورائهم الروس شيئا من جحيم طغيانهم، وحرقهم مناطق أهل السنة في العراق والشام، فخذوا لهذه الحرب أهبتها، وتزوَّدوا لها فإن خير الزاد التقوى، ثم امضوا وأنتم على يقين بوعد الله ونصره، والزموا الطاعة واحفظوا وارعوا الجماعة، وإياكم والاختلاف، فإنه شر ما تُصابون به وهو أحدُّ عليكم من كل لهذم قاطع، واقضوا حوائجكم بالكتمان، واستنفذوا الوسع والطاقة في استطلاع الأهداف وكشف ثغرات العدو، واحذروا الجاسوس اللصيق، أجهزة الاتصال فإنها دليل النصال، واتخذوا كل وسيلة من شأنها النكاية بعدوكم والإثخان فيه، فهاهم الصليبيون الأمريكان قد استمرأوا ما فيه هلاكهم بإذن الله، وتجرأوا بالنزول بين فينة وأخرى، فلا يفوتن أحدَكم نصيبه منهم وقد حلُّوا بساحتكم.

وتذكروا في كل وقت وحين تذكروا دائما، أن قبَّة النصر -كما قال ابن القيم- لا تُبتنى إلا على خمسة أشياء ذكرها ربنا في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45 - 46]، ففي هذه الآية أمر الله المجاهدين بخمسة أشياء، ما اجتمعت في فئة قط إلا نُصرت وإن قلت وكثر أعداؤها؛ أولاها الثبات، وثانيها كثرة ذكره سبحانه وتعالى، وثالثها طاعته وطاعة رسوله، ورابعها اتفاق الكلمة وعدم التنازع، الذي يوجب الفشل والوهن، وهو جند يقوِّي به المتنازعون عدوهم عليهم، فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام، لا يستطيع أحدٌ كسرها، فإذا فرقها وصار كل منهم وحده كسرها كلها، وأما خامسها ملاكُ ذلك كله وقوامه وأساسه وهو الصبر، فهذه خمسة أشياء تُبتنى عليها قبة النصر، ومتى زالت أو بعضها زال من النصر بحسب ما نقص منها، وإذا اجتمعت قوَّى بعضها بعضا، وصار لها أثر عظيم في النصر، ولما اجتمعت في الصحابة لم تقم لهم أمة من الأمم، وفتحوا الدنيا ودانت لهم العباد والبلاد، ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت، آل الأمر إلى ما آل، والله المستعان وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 129
الخميس 10 شعبان 1439 ه‍ـ
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً