إنَّ صدورَ المؤمنينَ عَطشى فارووها بالدِّماءِ فأنت يا جندي الخلافة تستطيع أن تكون هذا المجاهد ...

إنَّ صدورَ المؤمنينَ عَطشى فارووها بالدِّماءِ

فأنت يا جندي الخلافة تستطيع أن تكون هذا المجاهد الفريد الذي وصف حاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مفضِّلا جهاده على العمل الصالح في هذه الأيام المباركات، فكيف لو جمعتَ بين أجر هذا الجهاد المتفرّد وأجر هذه العشر، فنلتَ أعلى المرتبتين وأجمعهما وأتمهما بإذن الله تعالى.

إنها فرصة عظيمة لك أيها المجاهد لتحوز خيرية الجهاد في خيرية هذه الأيام، ولئن كانت الشريعة قد أمرت بالتعرض لنفحات الدهر ومواسم الأجر، ألا فتعرّضوا أيها الأباة لمواطن الطعان والشهادة في سبيل الله في هذه الأيام استبسالا في القتال وتحقيقا للنكاية وجلبا للإثخان، فإن صدور المؤمنين عطشى للثأر ممن ولغوا في الدماء والأعراض، وإنّه لا شيء يطفئ ظمأ الثأر كالدماء! وليس أنفى للقتل من القتل.


افتتاحية صحيفة النبأ العدد 497
"يا جنود الله هبوا"
...المزيد

هل تستوي تضحيات الحجيج بتضحياتِ المجاهدين؟ وحيثما نظرتَ في موضع يتقاطع فيه الجهاد والحج؛ قادك ...

هل تستوي تضحيات الحجيج بتضحياتِ المجاهدين؟

وحيثما نظرتَ في موضع يتقاطع فيه الجهاد والحج؛ قادك بلا ريب إلى أفضلية جهاد الفريضة، وبصّركَ بالحكمة من ذلك خصوصا في زماننا.

فمثلا، يتقاطع الحج مع الجهاد في التضحية بالمال والجهد والمشقة، فلا حج بغير سفر ولا سفر بغير عناء، ولعل مساحة ذلك تضيق اليوم في ظل تطور وسائل النقل وسبل الإعاشة والراحة التي تتوفر للحجيج خلافا لما كان عليه الحال في السابق، ومع ذلك هل يستوي اليوم بذل الحجيج وتضحيتهم ومشاقهم وسائر جهدهم، بجهاد المجاهدين وتضحيتهم وهجرتهم وشظف عيشهم، الحاملين أرواحهم على أكفهم الباذلين أنفسهم دون دينهم وأمتهم؟!

ويتقاطع الحج مع الجهاد في تحقيق التوحيد، فالحج من أول مناسكه إلى آخرها يقرر التوحيد لله وينفي الشرك، والجهاد إنما شُرع لأجل حماية جناب التوحيد وتحقيقه ودعوة الناس إليه وأطرهم عليه وسوقهم إلى الجنة بالسلاسل.

وبالنظر إلى شيوع الشرك اليوم وحراسة الحكومات والجيوش له، ندرك فضل الجهاد ومدى العوز إليه، وأنه السبيل الوحيد لمقارعة الشرك ونبذه وصد عاديته، كما ندرك أيضا أن الدعاة إلى التوحيد مجرّدين من سيوف الجهاد؛ لم يعودوا قادرين على القيام بالدعوة على الوجه الذي أمر به الشارع الحكيم، وما يصلنا من أنّات وزفرات دعاة التوحيد في ديار الكفر يغني عن مزيد بيان، والله المستعان.


افتتاحية صحيفة النبأ العدد 498
"بين الجهاد والحج"
...المزيد

واجب النساء في جهاد الأعداء النساء شقائق الرجال، وكم من مسلمة لم يقعدها ضعفها وانشغالها بتربية ...

واجب النساء في جهاد الأعداء

النساء شقائق الرجال، وكم من مسلمة لم يقعدها ضعفها وانشغالها بتربية أطفالها وطاعة زوجها عن أن تنال من المعروف ما ناله الكُمّل من الرجال، بل منهن من طرقت أبوابا هي من أخص خصائص الرجال لما فيها من شدّة على النفس، وحاجة إلى القوّة والعزيمة، كباب الجهاد في سبيل الله تعالى.
وإننا اليوم في إطار هذه الحرب على الدولة الإسلامية، وما فيها من شدة وبلاء، يغدو لزاما على النساء المسلمات أن يقمن بواجبهن على كافة الأصعدة في دعم المجاهدين في هذه المعركة، بأن يعددن أنفسهن مجاهدات في سبيل الله، ويتجهزن للذود عن دينهن بأنفسهن فداء لدين الله تبارك وتعالى، وبتحريضهن لأزواجهن وأبنائهن، فيكن كالنساء المجاهدات من الرعيل الأول.

ولبيان أهمية واجبك أختي المسلمة في الصراع المحتدم اليوم بين ملل الكفر وملة الإسلام، لا بد لنا أن نذكرك بالمرأة المجاهدة في العصر الذهبي للإسلام، وما سوف نسوقه لك من نماذج لنساء المسلمين هو أحد الجوانب المضيئة في حياة المرأة المسلمة، أم الأبطال وأخت الأبطال وزوجة الأبطال، وليس غريباً على نساء المسلمين اليوم أن يكون عندهن من الفداء والصدق والحب للدين مثل المجاهدات السابقات اللاتي نصرن الإسلام.

وعسى أن يكون ما سنذكره من صور دافعاً لك -أختي الكريمة- لتقتدي بهن، ليحصل لك من الخير ما حصل لهن وللدين في وقتهن، فهنَّ حقاً من يستحققن أن يقتدى بهن، وليست غيرهن قدوتك أختي المسلمة، كلا، فإن أردت أن تعرفي من أنت فانظري بمن تقتدين، وإذا أردت أن تعرفي حال الأمة فانظري بمن تقتدي نساؤها، فإن كنَّ يقتدين بالعظيمات المجاهدات الصادقات القانتات العابدات الصابرات فقد انتصرت الأمة، وإن كن يقتدين بالكافرات الكاذبات الضالات المضلات المائلات المميلات، فهذه خسارة كبيرة للأمة حقاً.


• حرص النساء الصحابيات على القتال

لقد دخلت المرأة ميدان المعركة في قرون الإسلام الأولى ليس ذلك بسبب قلة الرجال في وقتها، ولكنه راجع إلى حبها للأجر والفداء والتضحية في سبيل الله، يبين ذلك ما رواه أحمد عن حشرج بن زياد الأشجعي عن جدته أم أبيه أنها قالت: خرجت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزاة خيبر وأنا سادس ست نسوة، فبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن معه نساء، فأرسل إلينا فقال: (ما أخرجكن؟ وبأمر من خرجتن؟) فقلنا: خرجنا نناول السهام، ونسقي الناس السويق، ومعنا ما نداوي به الجرحى، ونغزل الشَّعر، ونعين به في سبيل الله، قال: (قمن فانصرفن)، فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهاماً كسهام الرجل، قلت: يا جدة ما أخرج لكن؟ قالت: تمراً.

ومن حبها أيضاً للجهاد والفداء لهذا الدين فقد قادها ذلك الحب الصادق إلى طلب خوض الجهاد طلباً صريحاً من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقالت كما في البخاري وسنن النسائي واللفظ له عن عائشة -رضي اله عنها- أنها قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نخرج فنجاهد معك، فإني لا أرى عملاً في القرآن أفضل من الجهاد؟ قال: (لا، ولكنَّ أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور)، وفي رواية أحمد والبخاري قال: (لا، جهادكنَّ الحج المبرور وهو لكنَّ جهاد).


• نسيبة الأنصارية

وأول تلك النماذج التي نسوقها لك -أختي الكريمة- لتقتدي بها، لو كانت نساء المسلمين مثلها لما ضاع لنا حق ولا انتهكت لنا حرمة إن شاء الله، إنها المجاهدة الشجاعة التي خرجت يوم كان الجهاد جهاد دفع، إنها أم عمارة نَسِيبةُ بنتُ كعبٍ الأنصارية.

جاء في ترجمتها في سير أعلام النبلاء للذهبي: "شهدت أم عمارة ليلة العقبة وشهدت أحداً والحديبية ويوم حنين ويوم اليمامة وجاهدت وفعلت الأفاعيل، وقُطعت يدها في الجهاد، وقال الواقدي شهدَتْ أُحُداً مع زوجها غزية بن عمرو ومع ولديها، خرجت تسقي ومعها شَنٌّ وقاتلت وأبلت بلاء حسناً، وجُرحت اثني عشر جرحاً.
وكان ضمرة بن سعيد المازني يحدث عن جدته وكانت قد شهدت أحداً، قالت سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لمقام نَسيبةَ بنتِ كعبٍ اليومَ خيرٌ من مقامِ فلانٍ وفلان)، وكانت يومئذ تقاتل أشد القتال وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً، وضربها ابن قمئة على عاتقها وكان أعظم جراحها، فداوته سنة، ثم نادى منادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى حمراء الأسد، فشدت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم، رضي الله عنها ورحمها".

• ألق ترسك إلى من يقاتل

قال الإمام الذهبي: "قالت أم عمارة: رأيتني، وانكشف الناس عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فما بقي إلا نفر ما يتمون عشرة، وأنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه، والناس يمرون به منهزمين، ورآني ولا ترس معي فرأى رجلاً مولياً ومعه ترس، فقال: (ألق ترسك إلى من يقاتل)، فألقاه فأخذته فجعلت أترِّسُ به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل، ولو كانوا رَجَّالة مثلنا أصبناهم إن شاء الله، فأقبل رجل على فرس فيضربني وترَّسْتُ له فلم يصنع شيئاً وولى، فأضربُ عرقوبَ فرسِه فوقع على ظهره فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يصيح: (يا ابنَ أمِّ عِمارة أمَّكَ أمَّكَ)، قالت: فعاونني عليه حتى أوردته شَعوبَ، وهو اسم من أسماء الموت".

قال الإمام ابن كثير: "قال ابن هشام: وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد، فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة فقلت لها: يا خالة أخبريني خبرك، فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إلي، قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت لها: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقبل يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فضربني هذه الضربة" [البداية والنهاية].


• من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟!

وقال الذهبي: "عن عبد الله بن زيد [وهو ابن أم عمارة] قال: جرحتُ يومئذ جرحاً وجعل الدم لا يَرْقَأُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعصب جرحك)، فتُقْبِل أمي إليَّ ومعها عصائب في حِقْوها، فرَبَطَت جرحي والنبي -صلى الله عليه وسلم- واقف فقال: (انهض بُنيَّ فضارب القوم)، وجعل يقول: (من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟)، فأقبل الذي ضرب ابني فقال رسول الله: (هذا ضارب ابنك)، قالت: فأعترض له فأضرب ساقه، فبرك، فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتبسم حتى رأيت نواجذه، وقال (استقدت يا أم عمارة)، ثم أقبلنا نَعُلُّه بالسلاح حتى أتينا على نفْسِه، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي ظَفَّرَكِ)".

وقال: "عن عبد الله بن زيد بن عاصم أيضاً، قال: شهدتُ أُحُداً، فلما تفرقوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دنوت منه أنا وأمي نذب عنه فقال: (ابن أم عمارة؟) قلت: نعم، قال: (ارمِ)، فرميت بين يديه رجلاً بحجر وهو على فرس، فأصبت عين الفرس، فاضطرب الفرس، فوقع هو وصاحبه، وجعلت أعلوه بالحجارة والنبي -صلى الله عليه وسلم- يتبسم، ونظر إلى جرح أمي على عاتقها فقال: (أمَّكَ أمَّكَ اعصِبْ جُرْحَها، اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة) قلت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا".

وقال: "عن محمد بن يحيى بن حبان قال: جُرِحَتْ أم عمارة بأُحُد اثني عشر جرحا، وقطعت يدها يوم اليمامة، وجُرِحَتْ يوم اليمامة سوى يدها أحد عشر جرحا. فقدمت المدينة وبها الجراحة فلقد رئي أبو بكر -رضي الله عنه- وهو خليفة يأتيها يسأل عنها، وابنها حبيب بن زيد بن عاصم هو الذي قطعه مسيلمة، وابنها الآخر عبد الله بن زيد المازني الذي حكى وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قُتل يوم الحرة وهو الذي قَتل مسيلمة الكذاب بسيفه" [سير أعلام النبلاء].

هذه هي المجاهدة الشجاعة الصابرة أم عمارة، وحقاً من يطيق ما تطيق أم عمارة؟ متى كانت هذه قدوتك أختي الكريمة في شجاعتها وفدائها وإقدامها وثباتها وصبرها على هذا الطريق أفلحتِ، بإذن الله.

• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 100
الخميس 15 محرم 1439 ه‍ـ
...المزيد

علامات مرض القلب وصحته قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله- في كتاب (إغاثة اللهفان في مصايد ...

علامات مرض القلب وصحته

قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله- في كتاب (إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان):

كل عضو من أعضاء البدن خُلق لفعل خاص به، كمالُه فى حصول ذلك الفعل منه، ومرضه أن يتعذر عليه الفعل الذى خُلق له، حتى لا يصدر منه، أو يصدر مع نوع من الاضطراب.

فمرض اليد: أن يتعذَّر عليها البطش، ومرض العين: أن يتعذر عليها النظر والرؤية، ومرض اللسان: أن يتعذر عليه النطق، ومرض البدن: أن يتعذر عليه حركته الطبيعية أو يضعف، ومرض القلب: أن يتعذر عليه ما خُلق له من المعرفة بالله، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والإنابة إليه، وإيثار ذلك على كل شهوة.


• من لم يعرف ربه

فلو عرف العبد كلَّ شىء ولم يعرف ربه، فكأنه لم يعرف شيئا، ولو نال كلَّ حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها، ولم يظفر بمحبة الله والشوق إليه والأنس به، فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين، بل إذا كان القلب خاليا عن ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذابا له ولا بد...

وكل من عرف الله أحبه، وأخلص العبادة له ولا بدَّ، ولم يؤثر عليه شيئا من المحبوبات فمن آثر عليه شيئا من المحبوبات، فقلبه مريض، كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث وآثرته على الطيب سقطت عنها شهوة الطيِّب، وتعوَّضت بمحبة غيره.


• قلب مريض وصاحبه لا يعلم

وقد يمرض القلب ويشتد مرضه، ولا يعرف به صاحبُه، لاشتغاله وانصرافِه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة، فإن القلب إذا كان فيه حياة يألم بورود القبيح عليه، ويألم بجهله بالحق بحسب حياته، وَمَا لِجُرْحٍ بَمِّيتٍ إيلامُ.


• لا يصبر على الدواء

وقد يشعر بمرضه، ولكن يشتد عليه تحمُّل مرارة الدواء والصبر عليها، فيؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء، فإن دواءه فى مخالفة الهوى، وذلك أصعب شيء على النفس، وليس لها أنفع منه.

وتارة يوطِّن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه، ولا يستمر معه لضعف علمه وبصيرته وصبره، كمن دخل فى طريق مَخوف مُفض إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر، وقوة يقين بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق، ولم يتحمَّل مشقتها، ولا سيما إن عدِم الرفيق، واستوحش من الوحدة، وجعل يقول: أين ذهب الناس؟ فلي بهم أسوة.


• حال أكثر الخلق

وهذه حال أكثر الخلق، وهى التي أهلكتهم، فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده إذا استشعر قلبُه مرافقة الرعيل الأول، {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فتفرُّدُ العبد فى طريق طلبه دليل على صدق الطلب....

وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبى شامة فى كتاب (الحوادث والبدع): "حيث جاء به الأمر بلزوم الجماعة: فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسِّك به قليلا والمخالف له كثيرا"، لأن الحق هو الذى كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.....

والمقصود أن من علامات أمراض القلوب عدولُها عن الأغذية النافعة الموافقة لها إلى الأغذية الضارة، وعدولُها عن دوائها النافع إلى دائها الضار، فهنا أربعة أمور: غذاء نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، وداء مهلك.

• القلب الصحيح

فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضارِّ المؤذى، والقلب المريض بضد ذلك.

وأنفع الأغذية: غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية: دواء القرآن، وكلٌّ منهما فيه الغذاء والدواء.

ومن علامات صحته (يعني القلب) أيضا: أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحلَّ فيها، حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، جاء إلى هذه الدار غريبا يأخذ منها حاجته، ويعود إلى وطنه، كما قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمر: (كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدَّ نفسك من أهل القبور) [رواه أحمد، والترمذي].

فحيَّ على جنات عدن فإنها
منازلك الأولى وفيها المخيَّم
ولكننا سبيُ العدو، فهل ترى
نعود إلى أوطاننا ونسلَّم؟

وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه: "إن الدنيا قد ترحَّلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل".

وكلما صحَّ القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة، وقرُب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتلَّ آثر الدنيا واستوطنها، حتى يصير من أهلها.

ومن علامات صحة القلب: أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى يُنيب إلى الله ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه، الذى لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به، فبه يطمئن، وإليه يسكن، وإليه يأوي، وبه يفرح، وعليه يتوكل، وبه يثق، وإياه يرجو، وله يخاف فذكرُه: قوتُه وغذاؤه، ومحبته والشوق إليه: حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه: داؤه، والرجوع إليه: دواؤه، فإذا حصل له ربُّه سكن إليه واطمأن به، وزال ذلك الاضطراب والقلق، وانسدت تلك الفاقة، فإن فى القلب فاقة لا يسدُّها شىء سوى الله تعالى أبدا، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده، فهو دائما يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذ يباشر روح الحياة، ويذوق طعمها، وتصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذى له خُلق الخَلق، ولأجله خلقت الجنة والنار، وله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، ولو لم يكن جزاءً إلا نفس وجوده لكفى به جزاءً، وكفى بفوته حسرة وعقوبة.

قال بعض العارفين: "مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والتنعُّم بذكره وطاعته" وقال آخر: "والله ما طابت الدنيا إلا بمحبَّته وطاعته، ولا الجنة إلا برؤيته ومشاهدته".

وقال آخر: "من قرت عينه بالله تعالى قرَّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تقطع قلبه على الدنيا حسرات".

ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتُر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره، إلا بمن يدلُّه عليه، ويذكِّره به، ويذاكره بهذا الأمر.

ومن علامات صحته: أنه إذا فاته وِرْدُه وجد لفواته ألمَا أعظم من تألُّم الحريص بفوات ماله وفقده.

ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة، كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب.

ومن علامات صحته: أنه إذا دخل فى الصلاة ذهب عنه همُّه وغمه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحتَه ونعيمه، وقرة عينه وسرور قلبه.

ومن علامات صحته: أن يكون همُّه واحدا، وأن يكون في الله.

ومن علامات صحته: أن يكون أشحَّ بوقته أن يذهب ضائعا من أشد الناس شحا بماله.

ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان، ويشهد مع ذلك منَّة الله عليه فيه، وتقصيره فى حق الله.
ذلك منة الله عليه فيه وتقصيره فى حق الله، فهذه ست مشاهد لا يشهدها إلا القلب الحى السليم... انتهى باختصار


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 100
الخميس 15 محرم 1439 ه‍ـ
...المزيد

الأذكار بعد الصلاة آدابها وفضائلها إن النفوس الطيبة التي تطيب بذكر الله تعالى، تغتنم كل فرصة ...

الأذكار بعد الصلاة آدابها وفضائلها


إن النفوس الطيبة التي تطيب بذكر الله تعالى، تغتنم كل فرصة للتقرب منه سبحانه، فتداوم على كل فرض وتسعى لعمل كل سُنّة ونافلة، رجاء أن تثقل ميزان حسناتها بما ينجيها يوم الحساب، ومن أحوال أهل الإيمان أنهم يذكرون الله تعالى قياما وقعودا وعلى جنوبهم، فقد شرع الإسلام أن يرتبط المسلم بذكر ربه على كل حال، في الخوف والأمن، في الحضر والسفر، بل في أدق تفاصيل حياته، كالخلاء والنوم والأكل وغيرها، لعله أن يكتب من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، ومن تلك الأذكار التي ندب إليها الشرع وحافظ عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- هي الأذكار بعد الصلوات المفروضة.


• الأذكار من السنّة

فقد ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحاديث تبين هذه الأذكار وصفتها، كما روى مسلم في صحيحه عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثًا، وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام"، وعن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- "أنّ رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دبر كلّ صلاة إذا سلّم: (لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، اللّهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ) [متفق عليه]، وعن عبداللّه بن الزّبير -رضي اللّه عنهما- أنّه كان يقول دبر كلّ صلاة، حين يسلّم: "لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا حول ولا قوّة إلّا باللّه، لا إله إلّا اللّه، ولا نعبد إلّا إيّاه، له النعمة، وله الفضل وله الثّناء الحسن، لا إله إلّا اللّه مخلصين له الدّين ولو كره الكافرون. قال ابن الزّبير: وكان رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يهلّل بهنّ دبر كلّ صلاة مكتوبة" [مسلم]، وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: "أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقرأ بالمعوّذات، في دبر كلّ صلاةٍ" قال ابن حجر -رحمه الله-: "المراد بأنه كان "يقرأ بالمعوذات" أي السور الثلاث، وذكر سورة الإخلاص معهما تغليبا لما اشتملت عليه من صفة الرب، وإن لم يصرح فيها بلفظ التعويذ" [فتح الباري]، وجاء في الأحاديث الصحاح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حثّ على التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين مرة بعد كل صلاة مفروضة، وهذه الأذكار هي للإمام والمأموم والمنفرد.


• آدابها ووقتها

إن ذكر الله تعالى توجل منه قلوب المؤمنين، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..} [الأنفال]، فينبغي للمسلم أن يستحضر قلبه ويتعاهد نفسه في ذلك، فإنه مع التكرار قد ينشغل قلبه عن الأذكار ولا يستحضر معانيها، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "ذكر القلب يثمر المعرفة، ويهيج المحبة، ويثير الحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويزع عن التقصير في الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئاً من ذلك الإثمار، وإن أثمر شيئا فثمرته ضعيفة" [الوابل الصيب]، ويستحب أن يكون الذكر باللسان بصوت يسمع نفسه، وهو أفضل من أن يذكر الله تعالى بقلبه فقط، قال النووي -رحمه الله-: "الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعا، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل" [الأذكار]، أما وقتها فالأصل أنها بعد الصلاة مباشرة، لورود الأحاديث المصرحة بذلك، قال البهوتي: "يسنّ ذكر اللّه والدّعاء والاستغفار عقب الصّلاة المكتوبة، كما ورد في الأخبار. قال ابن نصر اللّه في الشّرح: والظّاهر أنّ مرادهما أن يقول ذلك وهو قاعد، ولو قاله بعد قيامه، وفي ذهابه، فالظّاهر: أنّه مصيب للسّنّة أيضا، إذ لا تحجير في ذلك. ولو شغل عن ذلك، ثمّ تذكّره، فذكره، فالظّاهر حصول أجره الخاصّ له أيضا، إذا كان قريبا لعذر، أمّا لو تركه عمدا، ثمّ استدركه بعد زمن طويل، فالظّاهر فوات أجره الخاصّ، وبقاء أجر الذّكر المطلق له" [كشف القناع].

• فضلها

كما ورد في فضل الأذكار بعد الصلاة من الأجر الجزيل ما يدفع المؤمن إلى الحرص عليها، فهي عوض للفقراء من المسلمين، الذين لا يجدون ما ينفقون في سبيل الله، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "جاء الفقراء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال -أي الأغنياء- بالدرجات العُلا والنعيم المُقيم يُصلّون كما نُصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضلٌ من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ألا أُحدثكم إن أخذتم أدركتم من سبقكم ولم يُدرككم أحدٌ بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله؟ تُسبّحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين..)" [متفق عليه]، وجاء أن المداوم عليها لا يخيب، فهو الرابح الفائز بالأجر العظيم، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مُعقبات، لا يخيب قائلهنَّ أو فاعلهنَّ دُبر كل صلاة مكتوبة: ثلاثٌ وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربعٌ وثلاثون تكبيرة) [مسلم]، ومعنى "معقبات" أي: تُفعل بعد كل صلاة، وهي من أسباب مغفرة الذنوب وإن كانت كثيرة كزبد البحر، كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من سبّح اللّه في دبر كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد اللّه ثلاثا وثلاثين، وكبّر اللّه ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال: تمام المائة: لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، وفي قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة فضل عظيم، كما يدل عليه حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: «من قرأ آية الكرسيّ دبر كلّ صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنّة إلّا الموت». [رواه النّسائيّ]، أي: الحاجز بين المداوم على قراءتها والجنة الموت، فإن مات دخلها بفضل الله تعالى.


• الجلوس بعد الفجر

كان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الجلوس بعد صلاة الفجر، يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، كما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناء"، وعلى هذا سار السلف الصالح -رحمهم الله-، فعن الوليد بن مسلم، قال: "رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه، يذكر الله، حتى تطلع الشمس، ويخبرنا عن السلف أن ذلك كان هديهم، فإذا طلعت الشمس قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله والتفقه في دينه" [تاريخ ابن عساكر]، وقال القاضي عياض في الجلوس بعد صلاة الفجر: "هذه سنة مستحبة، كان السلف وأهل العلم يلتزمونها ويقتصرون في ذلك الوقت على الذكر والدعاء حتى تطلع الشمس وتحين صلاة الضحى" [إكمال المعلم]، وقال ابن القيم عن شيخه ابن تيمية -رحمهما الله-: "حضرته مرّة، صلّى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليّ، وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدّ الغداء، سقطت قوّتي. أو كلاما قريبا من هذا" [الوابل الصيّب].

فإن عرفت أيها المسلم فضل هذه الأذكار وصفتها، فاحرص على المداومة عليها، فهي فرصة عظيمة لزيادة الأجر، واغتنام العمر فيما يسرك في القيامة أن تراه، نسأل الله الكريم أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 355
الخميس 12 صفر 1444 هـ
...المزيد

إمارةُ السفارات! كلما نجحت الدولة الإسلامية في تنفيذ ضربة نوعية ضد الصليبيين؛ تساقطت أوراق ...

إمارةُ السفارات!


كلما نجحت الدولة الإسلامية في تنفيذ ضربة نوعية ضد الصليبيين؛ تساقطت أوراق كثير مِن مدّعي الجهاد الذين صدّعوا رؤوس الأمة لسنوات بجدلية قتال العدو القريب والبعيد، والعدو الواضح والخفي! والعدو المُجمع على قتاله وغير المجمع، ليتضح بعد كل هذه السنوات أنه ليس عند هؤلاء عدو مجمع على قتاله ومحاربته أكثر من الدولة الإسلامية، وأن هذه الجدليات ما هي إلا عوائق تُفضي في النهاية إلى تعطيل الجهاد.

الهجوم النوعي الذي شنّه أسود الإسلام على السفارة الروسية في خراسان، كان إلى أمدٍ قريب، حدثًا يحتفي به المسلمون، وتتسابق "الجماعات الجهادية" على تنفيذ مثله، وتتقاطر الخطابات المبارِكة والمؤيّدة لمثل هذا النوع من الهجمات، والتي تستهدف "العدو القريب" -وفقا لأدبياتهم-!، وتستهدف العدو "المجمع على قتاله" المسمّى عندهم بـ"الصهيوصليبية العالمية"!، لكن بعد سنوات التراجعات السرية والعلنية، والاختراقات المنهجية الكبيرة التي ضربت هذه الجماعات والتيارات؛ أصبح الهجوم على سفارةِ دولةٍ صليبيةٍ شربت دماء المسلمين حتى تضلّعت!؛ أصبح ذلك مؤامرة على الإسلام والمسلمين! و"جهادًا مشبوهًا" من صنع وتطويع المخابرات العالمية! ولم تعد هذه السفارات "أوكارًا للتجسس" على المسلمين كما كان "الجهاديون" يسمّونها قديما، وهنا وجب التنبيه على أنّ الفرق بين "الجهاديين" و"المجاهدين" و"الإسلاميين" و"المسلمين" يصل إلى مرتبة الفرق بين الضدين والنقيضين فلا يستويان حُكما.

الإعلامُ المساند لطالبان وأخواتها عكف بعد الهجوم بكل وقاحةٍ على الحديث عن دور السفارة الروسية التاريخي في أفغانستان! وكأن السفارات الصليبية الجاثمة في بلاد المسلمين، موجودة خدمةً للمسلمين ودفاعًا عن حقوقهم.

لقد بات استهداف أوكار الجواسيس ومراكز تنسيق الحرب على الإسلام، مؤامرة لدى "الجهاديين الورديين" السائرين على منهاج "كرزاي" و"قديروف" الحالمين بالجلوس على كرسي الحكم بأي طريقة.

ولم نكن نتوقع أننا سنضطر بعد كل هذه السنوات إلى العودة للتذكير مجددا بخطورة السفارات والقنصليات الصليبية ودورها المحروق في الحرب على المسلمين، ولم نكن نتوقع أننا بحاجة إلى الحديث عن مشروعية استهداف هذه السفارات، لقد كان هذا من "البديهيات والمسلّمات" عند "جمهور الجهاديين" قديمًا؛ عوامهم وخواصهم! لكن اتضح اليوم أنه لم تعد هناك "مسلّمات" عند هؤلاء، وأنّ التفريق بين "نُخبهم" و"عامتهم" تفريق مبتذلٌ متكلفٌ، فلقد تساوت عقولهم.

أيّ مصيبة جرّها "أدعياء الجهاد" على عقول وقلوب المسلمين، ليصبح استهداف السفارات الصليبية مسألة فيها نظر؟! أي جرم اقترفه هؤلاء الضالون المضلون حتى أرجعوا أجيال المسلمين إلى قرون من التيه والريبة فصاروا يشككون في عملية تستهدف سفارة دولة قتلت من المسلمين أضعاف ما قتله اليهود منهم؟!

وما زلنا نذكر بداية الحرب "الروسية-الأوكرانية" كيف سارع بعض قادة الحركات المرتدة إلى بثّ الفتاوى للمسلمين القاطنين في أوكرانيا، بجواز القتال في صفوف الجيش الصليبي الأوكراني ضد الجيش الصليبي الروسي! بذريعة الانتقام من روسيا التي ارتكبت أبشع الجرائم بحق المسلمين في الشام، لكن أنْ ينجح المسلمون باستهداف سفارة روسيا الصليبية وقتل موظفيها، فهذا يصبح جهادا غير مشروع، وعملا مشبوها يجرّ فتنة على المسلمين؟! ألا في الفتنة سقطوا.

لقد أبقت روسيا الصليبية على سفارتها في أفغانستان طوال سنوات الحرب حتى بعد "الانسحاب السوفيتي"! وحتى بعد "الانسحاب الأمريكي"!، أيْ أنّ روسيا كانت شديدة الحرص على بقاء سفارتها نشطة تعمل وتنسّق مع أيّ طرف يحكم أفغانستان، لأنها ترى في أفغانستان بُعدًا استراتيجيًا ضروريًا لأمنها، وبقاء سفارتها ينصبّ في هذا الهدف بلا ريب، ولذا كانت نوعية الضربة ممثلة في الوصول إلى هذا الهدف السيادي الأمني مفاجئًا لكل الأطراف على المستويين المحلي والإقليمي، خصوصًا في ظلّ تكرار حديثهم المستهلَك عن القضاء على الدولة الإسلامية والحدّ من قدراتها.

وكان لافتًا للجميع عقب الهجوم، كيف سيطر القلق على تصريحات قادة طالبان، خشية أن تتضرر علاقتهم مع روسيا، وخشية أن تضطر باقي السفارات الصليبية إلى مغادرة أفغانستان، وهو ما اعتبروه خطرًا وضررًا على "إمارتهم" التي يزعم طاغوتها أنه يسعى لإقامة "نظام إسلامي مستقل"، ولا ندري أي "نظام إسلامي" هذا الذي يستجدي بقاء سفارة روسية، ويتوسّل عودة سفارة أمريكية، ويحتفي بسفارة هندوسية، ويحلم بأخرى صينية وإيرانية؟! وكأنها "إمارة سفارات" لا أكثر، ولا ندري كيف يكون "نظاما إسلاميا مستقلا" وهو لا يقدر حتى على الاستغناء عن سفارات أعداء الإسلام، الذين ما زالوا على عداوتهم وحربهم للمسلمين في كل ميدان.

إنّ صور قادة هذه الحركات والتنظيمات التي أدمنت الطواف على قصور طواغيت الشرق والغرب، والانطراح على عتبات سفاراتهم بحثا عن "الشرعية" و"الدعم"، هي حركات فاقدة للشرعية الإسلامية، وإنّ نصرًا يمرّ عبر هذه السفارات الصليبية وينطلق منها، ويستجدي دعمها، هو والهزيمة وجهان لعملة واحدة، لا تُصرف إلا في أسواق الذل والعبودية لغير الله.

إنّ الجهاد بعد صحة التوحيد مصدر عزة للمسلمين، والقائمين على أمره الثابتين عليه هم أعزّ أهل الأرض ولو أُحرقوا في الخنادق، والتاركين له المفرّطين فيه المتنكّبين سبيله، هم أذلّ الناس وأهونهم، ولو فُتحت لهم القصور والفنادق، والناظر إلى هذه الحركات والكيانات المرتدة وهي تحجّ إلى سفارات الكافرين وتطلب ودّهم، وتستجدي الفتات منهم، يعلم يقينًا أنهم بعداء عن الجهاد والتوحيد بعد المشرقين.

لقد كان من توفيق الله تعالى أنْ نجحت الدولة الإسلامية قبل عام في ضرب القوات الأمريكية وجواسيسهم في مطار (كابل) موقعةً في صفوفهم خسائر بشرية هي الأكبر منذ سنوات طويلة، ثم ها هي تنجح مجددًا في ضرب موظفي السفارة الروسية وجواسيسهم؛ لتؤكّد بذلك على أنّ الأمن حلمٌ لن يناله الصليبيون ولا حراسهم على ثرى خراسان ولو اجتمعوا، بإذن الله تعالى، وتؤكّد أيضًا أنها ماضية في قتال العدو القريب والبعيد، والكافر الأصلي والمرتد، لأن جهادها جهاد شرعي شامل لا يفرّق بين طاغوت وآخر، يستمد شرعيته من الكتاب والسنة، لا مِن سفارات الكافرين، ويتلقى دعمه من خزائن الله تعالى الملأى، ويسعى إلى إقامة شريعة الله تعالى كاملة، لا يتقيد بحدود ولا ينحسر في أقطار، ميدانه كل الأرض، وجنوده كل المسلمين السائرين على منهاج النبوة، فيا فوز السائرين، والعاقبة للمتقين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 355
الخميس 12 صفر 1444 هـ
...المزيد

السنن الرواتب فضائل وحِكم من نعم الله تعالى على عباده المؤمنين أن جعل لهم أبواباً كثيرة من ...

السنن الرواتب فضائل وحِكم


من نعم الله تعالى على عباده المؤمنين أن جعل لهم أبواباً كثيرة من الطاعات، منها ما افترضها عليهم، ومنها ما رغّبهم فيها وندبهم إليها، ومن الأمثلة على هذه الطاعات السنن الرواتب التي سنّها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأمته، ورتّب عليها الشرع من الأجر العظيم ما يدفع المؤمن للحرص عليها وعدم التهاون بها، وهي من علامات اتّباع ومحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- التي هي سبب لمحبة الله تعالى للعبد، كما قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران].


• ما هي السنن الرواتب؟

السنن الرواتب هي ركعات يؤديها المسلم قبل صلاة الفريضة وبعدها، فهي تنقسم إلى نوعين؛ سنن قبلية: وهي ركعتان قبل الفجر، وركعتان أو أربع قبل الظهر، وسنن بعدية: وهي ركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وهي من السنن المؤكدة التي واظب عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته وحثّ عليها أصحابه رضي الله عنهم.

وسبب تسميتها بالرواتب كما بيّن علماء الفقه، لأنها مترتبة على غيرها، فهي مترتبة على الصلوات المفروضة موقوتة بوقتها، وقيل أيضا سميت بذلك لأنها راتبة أي دائمة، ولا شك أن كلا المعنيين متحقق فيها.

وأما عدد ركعات هذه السنن الرواتب، فهي عشر ركعات أو اثنتا عشرة ركعة، على اختلاف روايات الأحاديث؛ فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أم حبيبة -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَن صلَّى اثنتَي عشرةَ ركعةً في يومٍ وليلةٍ؛ بُنِي له بهن بيتٌ في الجنة)، وفي رواية الإمام الترمذي قال -صلى الله عليه وسلم-: (من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة، بني له بيت في الجنة: أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر صلاة الغداة)، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وحدثتني أختي حفصة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي ركعتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي -صلى الله عليه وسلم-" [البخاري]، ومعنى قوله "بعد ما يطلع الفجر" أي يؤدي راتبة الفجر بعد دخول الصبح الذي هو وقت الصلاة.


• فضائل وحِكَم السنن الرواتب

والسنن الرواتب هي من جملة النوافل التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وهي وسيلة لبلوغ محبته تعالى ونيل رضاه، وسبب من أسباب عون الله تعالى للعبد واستجابة دعائه، وتوفيقه لصالح الأعمال، كما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الحديث القدسي: (قال الله تعالى: وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه) [البخاري].

وقد تقدّم في الأحاديث الصحيحة السابقة أنّ مَن حافظ وثابر عليها، بنى الله له بيتا في الجنة، فأي فضل أعظم مِن أن ينال المسلم محبة ربه ويدخله جنته التي أعدها للمتقين.

وقد ذكرت كتب الفقه أن الحكمة من مشروعية هذه السنن الرواتب هي تهيئة العبد لاستقبال الفريضة وإعانته على تحقيق الخشوع واستحضار القلب وقطع صلته بشواغل الدنيا وملهياتها وهذا يتحقق في السنن القبلية، كما شُرعت الرواتب جبرا للنقص أو الخلل أو التقصير الذي يقع في الفرائض، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "من قَصَّرَ في قضاءِ الفوائتِ فليجتهدْ في الاستكثار من النوافل، فإنه يُحاسَب بها يومَ القيامة"[جامع المسائل]، فكانت السنن القبلية تهيئة وتوطئة للوقوف بين يدي الله تعالى، والسنن البعدية إتمامًا وجبرا للنقص الذي هو شيمة العبد خصوصًا في زماننا هذا الذي عزّ فيه الخشوع وزاحمت الدنيا المصلين في محاريبهم والله المستعان.

وبالجملة، فالنوافل -ومنها الرواتب-، طريق إلى محبة الله وجنته، ودليل على محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- واتباع سنته.


• راتبة الفجر وصفتها وما يُقرأ فيها

وقد خصّت الأحاديث النبوية بعض هذه السنن الرواتب للتأكيد على فضلها، ومنها راتبة الفجر، فقد ورد في فضل هاتين الركعتين ما لم يرد في غيرهما، واللتين لم يتركهما النبي -صلى الله عليه وسلم- لا في حضر ولا سفر، كما في الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على شيء من النوافل أشدَّ معاهدة من الركعتين قبل الصبح"[رواه الشيخان]، وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) [مسلم]، فتأمل أخي المسلم وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- لهما، بأنهما خيرٌ من الدنيا وما فيها، فما الذي يمنعك من المحافظة عليها وقد

علمتَ عظيم أجرها؟

وما دامت على هذا الفضل العظيم من الأجر، فينبغي للمسلم أن يعرف صفتها كما كان يفعلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعن حفصة -رضي الله عنها-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أذن المؤذن للصبح، وبدا الصبح، صلى ركعتين خفيفتين" [متفق عليه] وعن عائشة قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الركعتين قبل الغداة، فيخففهما حتى إني لأشك أقرأ فيهما بفاتحة الكتاب أم لا؟" [أحمد].

أما ما يُقرأ فيهما، فجاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ في ركعتي الفجر: {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ}، و{قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}" [رواه مسلم]، وعن ابن عبّاس قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في ركعتيِ الفجر: {قولُوا آمنَّا باللهِ وما أُنزِل إلينا..} [البقرة]، والتي في آل عمران: {تعالَوْا إلى كلمةٍ سواءٍ بينَنا وبينَكم}" [رواه مسلم]

والمتأمل في هذه الآيات التي كان يقرأها النبي -صلى الله عليه وسلم- في راتبة الفجر ويفتتح بها يومه، يجد أنها تدور وتتمحور حول إثبات التوحيد لله تعالى، والبراءة من الشرك وذلك رأس مال العبد وربحه ونجاته وعليه مدار حياته ومماته.


• حرص السلف عليها

ولقد حرص السلف -رحمهم الله- وواظبوا على هذه السنن الرواتب، لما علموا من عظيم أجرها، كما جاء في صحيح مسلم، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، قال حدثني عنبسة بن أبي سفيان، في مرضه الذي مات فيه، بحديث يتسار إليه قال: سمعت أم حبيبة تقول: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بُني له بهن بيت في الجنة)، قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة، وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة، وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو بن أوس". [رواه مسلم]، قال النووي -رحمه الله- معلّقا على ذلك: "هذا الحديث فيه أربعة تابعيون بعضهم عن بعض وهم: داود والنعمان وعمرو وعنبسة،‏ وقوله: "بحديث يتسار إليه" أي : يسر به من السرور، لما فيه من البشارة مع سهولته.." [شرح صحيح مسلم]

فلم يكن من هؤلاء الأربعة الأفاضل إلا أن يسمعوا الحديث النبوي الصحيح، ليمتثلوه من أول مرة، ويداوموا عليه، وهذا لا شك دليل صدق الاتباع للنبي والاقتداء به -صلى الله عليه وسلم-، فالمحافظة على سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- دأب الصالحين، كما أن المواظبة على أدائها من كمال دين المسلم وصدقه ومحبته لله ورسوله، وعلى عكس ذلك فمن ضيّع هذه السنن الرواتب ولم يداوم على فعلها من غير عذر كالسفَر ونحوه، فقد حُرم خيرا كثيرا، وقد عدّ كثير من العلماء التقصير في النوافل عامة والرواتب خاصة، دليلا على ضعف إيمان العبد، والمحافظة عليها من أسباب قوة الإيمان.

بل قد أسقط بعض السلف قديمًا عدالة مَن داوم على ترك السنن! كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "من داوم على ترك السنن التي هي دون الجماعة، سقطت عدالته عندهم، ولم تقبل شهادته… فلا يمكن من حكم ولا شهادة ولا فتيا مع إصراره على ترك السنن الراتبة" [مجموع الفتاوى]، وقال الإمام النووي: "مَن واظب على ترك الراتبة أو تسبيحات الركوع والسجود، رُدَّت شهادته لتهاونه بالدين" [المجموع] فانظر مقام السنن والنوافل عندهم من مقامها عندنا اليوم والله المستعان.

وختاما، فعليك أخي المسلم أن تحرص كل الحرص على فعل سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والاهتمام بها والمحافظة عليها، والحذر من تركها والتقصير فيها، ففيها من الخير ما هو خيرٌ مما حوته الدنيا بحذافيرها، واللبيب من إذا سمع قولا اتبعَ أحسنه، وفَعَلَه على الوجه الذي يُرضي به ربه سبحانه، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 354
الخميس 5 صفر 1444 هـ
...المزيد

مقال: الأمة الواحدة جعل الله أمة الإسلام أمة واحدة، تعبد إلهًا واحدًا هو الله رب العالمين، ...

مقال: الأمة الواحدة


جعل الله أمة الإسلام أمة واحدة، تعبد إلهًا واحدًا هو الله رب العالمين، وتعتقد بعقيدة واحدة هي عقيدة التوحيد، وتلتزم شريعة واحدة هي شريعة الإسلام، فقال تعالى: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، وجعل سبحانه الأخوة الإيمانية هي الرابطة الوحيدة بين أفراد هذه الأمة، فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، فكل مسلم أخٌ للمسلم الآخر حيثما كان، تجمعه به رابطة الدين قرُبَ مكان أخيه أم بعُد، لا تفصل بينهم حدود مصطنعة، ولا تفرّق بينهم قوميات وعرقيات جاهلية.

ما سبق يحتّم على المسلم أن يكون عونًا لأخيه المسلم في أي بقعة على الأرض عندما يتعرض لاعتداء أو تداهمه نائبة من نوائب الدهر أو فاجعة أو تنزل به مصيبة أو كارثة أو غيرها من النوائب والمصائب التي يقدّرها الله تعالى على خلقه لحِكم نعلمها أو لا نعلمها، وهو ما كان عليه المسلمون قديما قبل أن يرسم طواغيت اليهود والنصارى حدود الشر التي قسّموا بها بلاد المسلمين، وأطفأوا بها جذوة الانتماء في صدور كثير منهم، وقتلوا بها روح المسؤولية تجاه بعضهم خارج إطار الحدّ المرسوم.

وقد جرّت هذه الحدود المصطنعة على الأمة من العصبية ما قدح بالولاء والبراء، وغيّر حقيقة الانتماء، فضعف معنى الجسد الواحد بين المسلمين، وصار "حب الوطن من الإيمان" شعارا يخدع به دعاةُ السوء الناس ويصرفونهم به عن الحق، خدمة لمصالح الطواغيت، وتماشيا مع أهدافهم، فتمزقت الأمة إلى دويلات وكيانات وعرقيات وأحزاب كل حزب بما لديهم فرحون.

وهذا ما سعى المجاهدون لتصحيحه في واقع المسلمين العملي حين كسروا الحدود وأعلنوا دولة الخلافة، والتي صار من ثمراتها أنك تجد المعركة في أقاصي غرب إفريقية وتهفو إليها أفئدة الموحدين في شرق آسيا، ويحصل النصر في الشرق وتبتهج له قلوب المسلمين في الغرب، وما من شدة على مسلم في أقصى الأرض إلا أهمّت أخاه في أدنى الأرض، أفراحهم وأتراحهم واحدة، وآمالهم وآلامهم واحدة.

وكان من أسوأ ما أفرزته تلك الحدود المصطنعة أن المسلم لا يستطيع أن ينصر أخاه المسلم، فيرى أخاه يُقتل أو يغرق أو يجوع أو يعرى، وتمنعه الحدود من أن يصل إليه، بينما تنفرد بعض المؤسسات الصليبية المحاربة بتقديم الفتات للمسلمين المنكوبين مقابل تحقيق مآرب خبيثة تتلخص في تنصيرهم وإفساد عقيدتهم، وفي المقابل يحظر الطواغيت على المسلمين تقديم إغاثتهم ومؤازرتهم لإخوانهم المسلمين بحجة "تجفيف منابع الإرهاب" وملاحقة "أنشطتهم المالية"، فيظل المسلمون رهن إغاثات المنظمات الصليبية أو ما في حكمها من المنظمات المعادية التي تعمل وفق أجندات الطواغيت الذين هم رأس البلاء.

ويتعرض كثير من المسلمين في العالم بشكل موسمي إلى كوارث كبيرة كما رأينا مؤخرا في باكستان وأفغانستان، حيث أغرقت الفيضانات مساحات شاسعة، وقتلت خلقا كثيرا من عامة المسلمين ودمّرت منازلهم وممتلكاتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والمسلم يقف مواقف عدة أمام هذه الأحداث المؤلمة، فهو يتألم لمصاب المسلمين في هذه البقاع وكل البقاع، لأنهم إخوانه في الدين، والدين أقوى الروابط، والمسلمون جسد واحد، آلام بعضه هي آلام كله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [مسلم]، فهذا الحديث نصٌ في وجوب تراحم المسلم وتعاطفه مع إخوانه المسلمين الذين يتعرضون للمحن والمصائب، فيحزن المسلم لحزن أخيه، ويتألم لألمه، تماما كأنما وقع ذلك المصاب على جسده، كما جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينُه اشتكى كلُّه، وإن اشتكى رأسُه اشتكى كلُّه) [مسلم].

وما أكثر جراحات المسلمين اليوم، التي تحتّم عليهم تحقيق وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم أنهم (كالجسد الواحد)، وهذا مِن أهم ما سعت الدولة الإسلامية إلى تحقيقه وتجسيده على أرض الواقع، بجمع المسلمين تحت راية واحدة وجماعة واحدة وهمّ واحد، بالسعي لقضاياهم أقصاهم وأدناهم لا فرق بينهم.

لكن ينبغي أن لا يقف دور المسلم عند هذا الشعور والتعاطف الوجداني، بل عليه أن يبدأ بخطوات عملية لنصرة إخوانه ونجدتهم على قدر استطاعته، وأن يتداعى المسلمون في كل مكان لمؤازرة إخوانهم، فإن ذلك يدخل في تفريج كربة المسلم، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ومن فرّج عن مسلم كربة، فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة) [متفق عليه]، ولا شك أن مِن إحدى حِكم هذه الابتلاءات التي يقدّرها الله على عباده، أن تتجدد بينهم أصول الولاء والتآخي دون اعتبار لحدود أو قوانين كافرة.

كذلك على المسلم أن يقف موقف المتدبّر المتأمل في عظيم قدرة الله تعالى وتصرّفه في خلقه، فما الماء إلا خلق من خلقه لا يخرج عن أمره، فهو إن شاء جعله عذْبا زلالا فأحيا به أقواما، وإن شاء حجبه فأمات به أقواما آخرين، وإن شاء سبحانه أجراه في أنهرٍ وجداول تفيض رزقا وخيرا وسرورا، وإن شاء سبحانه صيّره طوفانا وسيلا عارما فأهلك به الحرث والنسل، فهو القادر على كل شيء والناس لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، وهو ما يوجب على المسلم تجديد إيمانه وتجريد توحيده له سبحانه وحده، والبراءة من كل ما يضاد ذلك مما عمّ وطمّ في هذا الزمان.

ومما ينبغي التذكير به في هذا الموطن، هو أن على المسلمين السعي الحثيث لإزالة هذه الحدود والسدود التي فرّقت وحدتهم ومزّقت كلمتهم، وحالت بينهم وبين إخوانهم المسلمين، فإن هذه الحدود التي تمنعك أيها المسلم اليوم من نصرة إخوانك المستضعفين في باكستان وغيرها من البلدان، لا سبيل لإزالتها سوى بقتال مَن رسمها وحرسها وسنّ القوانين لحمايتها، ولتتذكر كيف اجتمع طواغيت العالم بأسره على دولة الإسلام يوم أعلنت كسر الحدود بين بلدين متجاورين، لعلمهم أن ذلك لو استمر وتوسّع، فهو الضربة القاضية على أحلام اليهود والنصارى في تمزيق بلاد المسلمين، وعليه فإن الجهاد لإزالة هذه الحدود من أوجب الواجبات وهو واجب كل مسلم، والمجاهدون الساعون لذلك هم أكثر الناس نجدة وعونا لإخوانهم المسلمين؛ لأنهم عرفوا أن الجهاد أقصر الطرق وأجداها وأنجعها في تحقيق ذلك، والله ولي التوفيق.


• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 354
الخميس 5 صفر 1444 هـ
...المزيد

مسوخ جديدة.. بجذور قديمة انصدم بعض الواهمين بالنظام، بعدما انتشرت الأخبار عن قتل جنود النظام ...

مسوخ جديدة.. بجذور قديمة


انصدم بعض الواهمين بالنظام، بعدما انتشرت الأخبار عن قتل جنود النظام لأحد زملائهم السابقين بتهمة تهريب عدد من عوائل مخيمات الأهوال، حيث لم تشفع له سابقته ولا صلته عند جلاوزة النظام وزنادقة الثورة الذين حققوا المفاصلة التامة مع معسكر الإيمان في وقت قياسي تفوّقوا فيه -كفرا وردة- على كثير من الجيوش العربية التي شابت في الكفر!

ودعونا نتوقف قليلا عند هذا الحدث الذي تغافل عنه الإعلام الثوري ولم يلق تفاعلا من قبل نشطاء الثورة وشاهدي زورها الذين فاقوا نشطاء النظام النصيري انحطاطًا ووضاعةً كأنّ شخصياتهم ذابت في شخصيات النظام القديم، فأنبتت لنا مسوخا بشرية، أخذت من رجس النظام السابق والحالي بحظ وافر، فتضلّعت خسةً ودناءةً فاقت كل وصف، ولا عجب إنها شنشنة الطواغيت وحاشيتهم، ومهما تغيّرت قشورها وجلودها فالأصل واحد.



• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد "532"
"الشبيحة والهول!"
...المزيد

رسالة للغيارى ختاما، هذه رسالة لكل الغيارى من شباب المسلمين في الشام ممن يرون ويسمعون ما يحل ...

رسالة للغيارى


ختاما، هذه رسالة لكل الغيارى من شباب المسلمين في الشام ممن يرون ويسمعون ما يحل بالحرائر في سجون شبيحة الجولاني في الهول وغيره، نقول لكم إن الموت على عتبات السجون ذودا عن هذه الحرمات، ميتة يحبها الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهي والله دأب أولي العزمات من السابقين الأولين من المجاهدين الذين غيّبتهم القبور والسجون، والحر تكفيه الإشارة.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد "532"
"الشبيحة والهول!"
...المزيد

خشب مسندة لم تتسع صدور جنود الإدارة السورية لجندي سابق في صفوفهم جريرته المساهمة في تهريب بعض ...

خشب مسندة


لم تتسع صدور جنود الإدارة السورية لجندي سابق في صفوفهم جريرته المساهمة في تهريب بعض المسلمات من الأهوال، بينما اتسعت لجميع الطوائف الكافرة من الدروز والعلوية والرافضة والنصارى، فما هذه العقيدة القتالية التي جعلتهم يطلقون النار على زميلهم دون تردد؟! بينما يقفون صفا واحدا كالخُشب المُسندة حمايةً لشجرة التثليث أو حمايةً لمعبدٍ رافضي يُسب فيه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

نحن نخبركم أي عقيدة قتالية هذه، إنها عقيدة الجيوش العلمانية الكافرة، الذين تخرّجوا من المدارس العسكرية الغربية، التي تتقن صناعة الطواغيت وتحوّلهم إلى عبدة للطاغوت بكل ما تحمله الكلمة من معنى.



• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد "532"
"الشبيحة والهول!"
...المزيد

الباب العاشر: عون الله تعالى للمجاهد في سبيله • عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ...

الباب العاشر: عون الله تعالى للمجاهد في سبيله


• عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونهم: المجاهدُ في سبيل الله، والمُكاتَبُ الذي يريد الأَداء، والناكح الذي يُريد العَفاف ». رواه النسائي والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسن.

* المُكاتَب: هو المملوك الذي يريد أداء ثمن نفسه مقسطاً لمولاه ليحرر من الرق.

[ من كتاب الأربعون في الجهاد والاستشهاد ]
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً