لكل عمل شرَّة وفَترة

منذ 2015-02-27

إن المرء في طريقه إلى الله تعالى تعرض لها أوقات طيبة فيُكثر من العبادة ويطيبُ قلبُه بها، ثم ما يلبث أن يفتر ويتكاسل شيئًا فشيئًا فكما يُقال: (دوام الحال من المُحال)؛ فيثتثقل الطاعات ويؤدي ما عليه من فرائض بصعوبة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن المرء في طريقه إلى الله تعالى تعرض لها أوقات طيبة فيُكثر من العبادة ويطيبُ قلبُه بها، ثم ما يلبث أن يفتر ويتكاسل شيئًا فشيئًا فكما يُقال: (دوام الحال من المُحال)؛ فيثتثقل الطاعات ويؤدي ما عليه من فرائض بصعوبة، وقد يتردى حاله فيذهب إلى ما هو أبعد من ذلك فيترك فرضًا أو يرتكب إثمًا.. ثم قد يتداركه الله برحمته فيُنعم عليه بالتوبة فيعود نشيطًا كما كان.

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحالة وبيّن الواجب فيها كما في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لِكُلِّ عملٍ شِرَّةٌ، ولِكُلِّ شرَّةٍ فَترةٌ، فمن كانَت فَترتُهُ إلى سنَّتي، فَقد أفلحَ، ومَن كانت إلى غيرِ ذلِكَ فقد هلَكَ» (مسند أحمد، وصححه الألباني).

ورواه أبو هريرة بلفظٍ آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكلِّ عملٍ شِرَّةٌ، و لكلَّ شِرَّةٍ فَترةٌ، فإنْ كان صاحبِها سَدَّدَ أو قارَبَ فارْجُوه، وإن أُشيِرَ إليه بالأصابعِ فلا تَعُدُّوهُ» (صحيح الترغيب:57).

 

معاني المفردات:

- «شِرَّةٍ»: بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء، الحرص على الشيء والنشاط فيه والرغبة، والشِرَّةٍ: الحدة والقوة.

- «فَترةٌ»: بفتح الفاء وسكون التاء أي: وهنًا وضعفًا. والفَترة: الضعف والانكسار، والفتور والسكون والانقطاع.

- «سَدَّدَ»: أي: قصد السداد والاستقامة.

- «فلا تَعُدُّوهُ»: أي لا تعدّوه شيئًا ولا تعتقدوه صالحًا.

 

معنى الحديث والشرح:

في حديثِ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يصفُ النبيُ صلى الله عليه وسلم حالةَ كلِ عامل بأنه يبدأ عملَه بنشاطٍ وهمةٍ كبيرين ويحدث له نوع من الشره في العبادة والعمل، فيُقبل على الطاعة بكُليته ويتلذذ بها، ثم ما يلبث أن يتخلل هذا فترات كسل وفتور، ثم ينبه النبي صلى الله عليه وسلم على أن فترات الكسل والخمول هذه يجب أن تظل في حدود السنة وألا تتجاوزها لفعل المنكرات والإسراف على نفسه بفعل المعاصي وإلا فإنه قد يهلك مع الهالكين المسرفين.

 

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه يصف حال المرء بأنه "يبالغ في العبادة في أول أمره، وكل مبالغ يفتر ويسكن حدته ومبالغته في أمره ولو بعد حين فإن هو قصد السداد والاستقامة، أو اقتصد في أمرٍ على مداومته، لكن لا تقطعه الطاعة والعبادة، ودنا من التوسيط واحترز من الإفراط والتفريط فارجوه وتمنوا أن يكونَ من الفائزين، فإن من سلك الطريق المتوسط يقدر على مداومته، لكن لا تقطعوا له (أي بالجنة أو بالصلاح) فإن الله هو الذي يتولى السرائر. أما إن اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهورًا بالزهدِ والعبادة، وصار مشهورًا ومُشارًا إليه فيها فلا تعدّوه شيئًا ولا تعتقدوه صالحًا؛ لكونه من المرائين؛ حيث جعل أوقات فترته عبادة، وهو لا يتصور إلا فيما يتعلق به رياء وسمعة، وأيضًا إذا أقبل الناس عليه بوجوههم ربما زاد في العبادة وحصل له عجب وغرور، فصار من الهالكين، إلا أن يتداركه الله بفضله، ويجعله من المخلصين، وتوضيحه: أن الإنسان يشتغل بالأشياء على حرص شديد ومبالغة عظيمة في أول الأمر، ثم إن تلك الشرّة يتبعها فترة، فإن كان مقتصدًا محترزًا عن جانبي الإفراط والتفريط وسالكًا الطريق المستقيم، فأرجو كونه من الفائزين الكاملين، وإن سلك طريق الإفراط حتى يشار إليه بالأصابع، فلا تلتفتوا إليه ولا تعولوا عليه، فإنه ربما يكون من الهالكين، لكن لا تجزموا بأنه من الخاسرين، ولا تعدوه منهم، لكن لا ترجوه كما رجوتم المقتصد إذ قد يعصم الله في صورة الإفراط والشهرة، كما أنه قد يعفو عن صاحب التفريط وراعى التقصير في العبادة" (مرقاة المفاتيح).

 

وقد وصف ابن القيم رحمه الله هذه الحالة وما قد يعقبها فقال: "فإن قلتَ: كل مُجّد في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور ثم ينهض إلى طلبه. قلتُ: لا بد من ذلك ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليجم نفسه ويعدها للسير، فهذا وقفته سير ولا تضره الوقفة فإن لكل عمل شرّة ولكل شرّة فَترة، وإما أن يقف لداعٍ دعاه من ورائه وجاذبٍ جذبه من خلفه فإن أجابه أخّره ولا بد، فإن تداركه الله برحمته وأطلعه على سبقِ الركب له وعلى تأخره: نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع ووثب وجمز واشتد سعيًا ليلحق الركب، وإن استمر مع داعي التأخر وأصغى إليه لم يرضَ برده إلى حالته الأولى من الغفلة وإجابة داعي الهوى حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزلَ دركًا؛ وهو بمنزلة النكسة الشديدة عقيب الإبلال من المرض فإنها أخطر منه وأصعب. وبالجملة: فإن تدارك الله سبحانه وتعالى هذا العبد بجذبة منه من يد عدوه وتخليصه وإلا فهو في تأخر إلى الممات راجع القهقرى ناكص على عقبيه أو مُولٍ ظهره ولا قوة إلا بالله والمعصوم من عصمه الله".

 

وقال رحمه الله في موضعٍ آخر: "فتخلُّل الفترات للسالكين أمر لا بد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض، ولم تدخله فى مُحرم، رُجى له أن يعود خيرًا مما كان، مع أن العبادة المحببة إلى الله سبحانه وتعالى هى ما داوم العبد عليه".

 

ما يُستفاد من الحديث:

- الاجتهاد في العبادة لا بد أن يكون في حدود سنة النبي صلى الله عليه وسلم وإلا ينقلب إلى تشدد وبدعة، وحديث النفر الثلاثة الذي تقالّوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم مشهور، وفي آخره يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من التشدد والبعد عن السنة فيقول: «أما واللهِ إني لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطِرُ، وأُصلِّي وأرقُدُ، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس مني» (البخاري).

- الإكثار من النوافل حال النشاط والهمة، وإلزام النفس بالفرائض واجتناب المعاصي حال الفتور. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدينَ يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبَه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا...» (أخرجه البخاري). وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "إن لهذه القلوب إقبالاً وإدبارًا فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإذا أدبرت فالزموها الفرائض". وقال علي بن موسى: "إن للقلوب إقبالًا وإدبارًا ونشاطًا وفتورًا، فإذا أقبلت أبصرت وفهمت، وإذا انصرفت كلَّت وملَّت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها وفتورها".

- التحذير من المراءاة وإرادة غير الله بالعبادة لأن النفاق وبال على المرء يذهب بالأعمال سدى فتصير كرمادٍ اشتدت به الريحُ في يومٍ عاصف.

- الترغيب في التوبة والعودة السريعة من الفتور والكسل، والتوكل على الله سبحانه والاستعاذة به وحده من الكسل والفتور.

 

المراجع:

- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح.

- المعجم الوسيط.

- مدارج السالكين.