نيرون ليبيا..

منذ 2012-07-28

هذه قصص واقعية تؤكد أشياء كثيرة، وهيأن "الطغاة يظلون طغاة إلى أن يغرقهم الشعب في دمائه" وأن الحرية لها ثمن هو السجون والمنافي وحتى الموت، فمن ينال شرف إضاءة الطريق للآخرين، لأن البديل بقاء الجميع في العتمة، وموت الجميع في المزبلة.


عندما اندلعت الثورة التونسية في 17 ديسمبر 2010 م، توقعنا حصول حمامات دم كالتي سجلها التاريخ لنا وللأجيال التي سبقتنا والتي ستأتي من بعدنا، وعندما انتهت ثورة تونس مخلفة وراءها نحو 200 شهيد، تنفس الناس الصعداء لأن الثمن رغم فداحته لم يكن كما كان متوقعا. وعندما اندلعت ثورة مصر في 25 يناير وضعنا أيدينا على قلوبنا، وظننا أن التاريخ سيعيد نفسه، لكن الضحايا ورغم فداحة الخسائر لم تكن كما توقعنا أيضا، لكن في ليبيا فاقت جرائم القذافي كل التوقعات وكل التصورات. وبدت لنا ظلمات التاريخ تخيم على مقر العزيزية الذي يقطنه القذافي كما لو كانت ساحة روما التي ارتكب فيها نيرون جرائمه التاريخية القذرة، ونرجو أن تكون النتائج على قدر التضحيات والدموع والأشلاء والشهداء الأبطال الذي ضحوا من أجل ليبيا حرة وأمة إسلامية عزيزة ورائدة..


أهمية الثورة الليبية:

أهمية الثورة الليبية أنها تزيح حاجزا كريها بين الثورتين التونسية والمصرية، وعقبة كأداء أمام نجاحهما في بحر المؤامرات لإجهاض الثورتين من الداخل والخارج. فضلا عن إسقاط ديكتاتور مستبد يشبه نيرون روما في الإجرام والسباحة في مستنقع الدماء. كما يشبه الزنادقة من القدامى والمعاصرين، كأتاتورك، في تركيا، وبورقيبة في تونس، في التجديف بحق الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم فهو الذي طلب من المسلمين أن لا يقولوا صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك عبادة له حسب تخرصه. ثم نال من الرسول صلى الله عليه وسلم بكل خسة " من هو محمد؟ أليس رجلا بدويا يجوب الصحارى والقفار.. أنا مثله بل أكبر منه.. أنا صاحب ثورة ومشروع " كما طلب المدمر القذافي من المسلمين أن لا يقولوا " قل هو الله أحد، لأن المخاطب هو الرسول "صلى الله عليه وسلم "وغير التاريخ الهجري وأرخ بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، رافضا اعتماد التاريخ الهجري لأن من فعل ذلك هو عمر بن الخطاب. فمدمر القذافي تعدت جرائمه العقائدية وتحولت إلى جرائم ضد الإنسانية، ولا ننسى جرائمه بحق الشباب الإسلامي، الذي رفعهم على أعواد المشانق، سنة 1985 م وأطلق عليهم صفة " الكلاب الضالة " وينقل الشيخ بريك مشاهداته عن تلك الفترة فيقول "يؤتى بالشاب الليبي مقيد اليدين والرجلين وآثار الضرب والتعذيب بادية عليه. ثم يرفع ذلك الشاب المسكين فوق الأرض ليشنق بطريقة بدائية لا تخفي روح الانتقام والتشفي والتنكيل".


ويضيف " يرفع الشاب ـ أو قل القربان المخصص لذلك اليوم في تلك الساعة الكريمة من ذلك الشهر الكريم (رمضان 1985 م) ـ فوق الأرض ليشنق بحبل يمسكه رجلان عن يمين وشمال". وأردف " يظل الشاب متدليا في الحبل الممسوك بقوة. يظل كذلك يواجه الموت مغلول الأيدي والأرجل حتى يتسلل الموت إلى كل خلية في بدنه المنهك ثم يستسلم للموت ويلقى به عندها بقوة وعنف فوق الأرض. ثم يكره أهله ـ والذي لا إله إلا هو ـ على التعبير بالفرحة من خلف الجثة التي سقطت لتوها على الأرض هامدة. تكره أمه على إطلاق الزغاريد ابتهاجا بموت فلذة كبدها ـ أي الكلب الضال ـ الذي عارض الثائر معمر القذافي. ويكره أبوه على ذلك وتجلب العائلة بأسرها في ذلك الوقت الكريم ـ وقت الإفطار من شهر رمضان المعظم ـ لتقدم الولاء الخالص أمام شاشات التلفزة للمخلص الثائر القذافي الذي خلصهم من شر ذلك الكلب الضال".ولا يزال دراكولا ليبيا، ينهش لحوم الشعب الليبي، ولا زال مؤشر الاستشهاد يصعد في عليين، مؤذنا بأن النتيجة على قدر التضحيات، وأن الشعب الليبي عليه أن يعول على عون الله أولا ثم مدى استعداده لدفع ثمن الحرية لمن سيبقى على قيد الحياة، وللأجيال القادمة، ولفجر الأمة التي بدأ يتبين خطه الأبيض من الأسود. فليبيا لها تاريخ في مقارعة الطاغية القذافي، وتعرف جيدا مقدار إجرامه فقد قام بصب أطنان من قنابل النابالم على الجبل الأخضر في سنة 1996 م، وحول خضرته إلى محارق، وجماله إلى بشاعة لا تزال آثارها بادية حتى اليوم. كما قام بقتل 1200 سجين في معتقل أبو سليم، وبعد قتلهم تم رميهم في البحر، لذلك ليست لهم قبور، بل أكلت الحيتان جثامينهم الطاهرة. وعن ذلك يقول الشيخ الهادي بريك " هاجم (دراكولا ليبيا)المعتقلين لأن بعضهم هم بشن إضراب جوع مطالبة بتحسين الأحوال المعيشية في السجن وليس أكثر.. هاجمهم وظل يحصدهم بالذخيرة الحية وهم معتقلون عزل محشورون في الزنازين والساحات.. ظل يحصدهم بكلابه الضالة حتى قتل منهم 1200 معتقل...جريمة نكراء فظيعة بشعة بكل المقاييس التاريخية في الدنيا....ترى كم إحتاج كلابه من وقت وذخيرة وجهد حتى يحصدوا ذلك العدد الهائل..لو كانوا دجاجا لاحتاج الأمر إلى جهد ووقت وخطة..كيف وهم بشر..كيف وهم معتقلون لم يحاكموا ولن يحاكموا في نظرية المجنون القذافي..كيف وهم لا يطالبون بغير تحسين أوضاعهم المعيشية في السجن..كيف ولم يطالب سوى بعضهم بذلك.. ما ذنب البقية على افتراض أن المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية لمعتقل يقضي حياته وراء القضبان دون محاكمة جريمة لا تغتفر".. ويضيف " أخبرني أحد المشايخ الفضلاء من ليبيا قبل سنوات قليلات أنه لما سمح له بالعودة من لندن رجع لينظر في مصير زوج أخته الذي ذهب ضحية ذلك الحصد الجماعي لـ1200 سجين.. ليس المقصود أن يحقق في الموت أو في إمكانية بقائه حيا..لا.لا المقصود هو أن يتحقق من مكان الدفن لتتمكن أخته من زيارة قبر زوجها.أتعلمون بما أجيب..أجيب بأن أكثر أولئك المحصودين بالنار في سجن أبي سليم أخذت جثثهم بعد قتلهم وألقي بها في البحر الأبيض المتوسط ولذلك ليس لهم قبور". كما يقوم نيرون ليبيا اليوم بضرب المتظاهرين بقذائف الآر بي جي.


ولا شك بأن سقوط نظام نيرون ليبيا، معمر القذافي، أو كما سماه بعض الليبيين، مدمر القذافي، أصبح حقيقة واقعة، والمسألة تتعلق بالتوقيت فقط، فبعد إعلان عشرات الدبلوماسيين والضباط استقالتهم، وظهور كثير منهم على شاشات التلفزيون، يقرب من نهاية الديكتاتور. لا سيما وأن علماء ليبيا أفتوا بأن الخروج ضد القذافي فرض عين، بعد الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه الذي قصفه بالطائرات والأسلحة الثقيلة، وهناك معلومات تؤكد بأن الشهداء تجاوزوا الألف بعد المجازر التي أقدم عليها النظام الدموي في ليبيا خلال أيام لم تبلغ أصابع اليدين.


الإنجاز على قدر التضحيات:

لقد كشفت الجرائم التي يرتكبها النظام الليبي بحق المتظاهرين العزل، بأنه لا ينتمي للشعب ولا ينتمي لليبيا، ويتذكر الجميع، ما قيل عن جذور القذافي الحقيقية. فقد حول القذافي، ليبيا إلى خراب، والشعب الليبي إلى عبيد، ومقدرات ليبيا والشعب الليبي إلى ممتلكات شخصية، فأبناءه يرفلون في الحلل، ويركبون الطائرات، والسيارات، واليخوت الفاخرة، ويجوبون بها العالم ويصرفون أموال الشعب بلا حدود كما لو كانوا أبناء أمراء وملوك فاسدين. وفي أثناء الحرب التي يشنها القذافي ضد الشعب الليبي، لم ينعم سكان العاصمة طرابلس الغرب بالهدوء، ولم يستطيعوا النوم طيلة الأيام الماضية بفعل إطلاق الرصاص، وأزيز الطائرات وأصوات الانفجارات، وحرق المنازل وقتل المئات في الشوارع، وهو ما أثار ردود فعل متعددة على الصعد الإقليمية والدولية، لكنها لم ترق حتى الآن لمستوى شل يد نيرون ليبيا عن القتل والاستمرار في القتل والإجرام ومص دماء الشعب الليبي وتحويل الأنفس البريئة والبراعم اليافعة إلى رماد، كما شاهد الجميع الصور التي تبكي الصخور. ودفع ذلك العديد من الضباط لرفض الأوامر بقتل الشعب، مما عرضوهم للتصفية، أو دفعهم للهرب كالطيارين الليبيين اللذين فرا إلى مالطا أو الطيارين الذين حطوا بطائراتهم في مطار بن غازي. وربما كان لتأخر الليبيين في الثورة دور كبير في ارتفاع حجم الشهداء الأبرار الذين يسقطون على أرض ليبيا الطاهرة.


واليوم يدفع الشعب الليبي الثمن من دمائه الزكية، ويضع المشقة أرواحا بين يدي بارئها، ندعو الله أن يتقبلها في الشهداء. ولن تضيع أي قطرة دم هباء؛ فدماء الشهداء لن تصبح ماء، سوى بالقدر الذي تحيا به ليبيا عزيزة أبية حرة من نير الظالم المستبد. ومن خصوصيات الثورة في ليبيا أن مطالبها ومنذ البداية لم تكن اجتماعية بل ركزت منذ انطلاقتها على مطلب الحريات والتحرر من الاستبداد الجاثم على صدور الليبيين منذ 42 سنة. وهذا نبراس لبقية الشعوب التي تظن أن الثورة لا تكون سوى بسبب المطالب الاقتصادية فالثورة الفرنسية كانت تنشد "الخبز" والثورة التونسية كانت تنشد المساواة والعدالة، والثورة المصرية كانت تطالب بالحقوق المهدورة.ويجب أن نذكر بأن شعوبا أخرى غير عربية وغير مسلمة ضحت من أجل بلدانها، ومنها شعب نيرون الذي تشبه به المستبد الديكتاتور مدمر القذافي، وقد ذكرت هذه القصص في مقال سابق ورأيت من الحكمة إعادتها في هذا المقال.. فبعد أن ثارت جماهير روما على نيرون والعاهرة بومبيا، بدأ الطوفان الغاضب. زحفت الجماهير الثائرة إلى القصر الإمبراطوري، وجرفت في طريقها تماثيل نيرون وبومبيا التي توعدتها بالقصاص والموت. وعلى هدير الطوفان البشري، سقط قناع الجبروت من على وجه نيرون فانكمش الوحش داخله، وبأصابع مرتعشة أصدر أمرا إلى الجيش بالتصدي للثوار، وكان الحصاد مذبحة سقط فيها ما يزيد على عشرة آلاف قتيل. وهبت الجماهير بسلاح الغضب فأحرقت بعض الميادين والساحات والأحياء في روما. وعند الفصل بين الجنون والعته، كان نيرون يصدر أمره المرتجف الأخير، بالإتيان على بقية الأحياء إحراقا.... وحجته القضاء على ثوار الغضب الجماهيري، حتى حاصرت النيران أكثر من من مائة ألف شخص تفحمت جثثهم في اللهب ونيرون يغني ويعزف قيثارته. وكان طبيعيا أن ينقلب الجيش ضده في هذه المرحلة ويتيقن من جنونه، فاتهم الجميع بالخيانة، قوات الجيش، وولاة الإمبراطورية وأعضاء مجلس الشيوخ وهددهم بإلقائهم طعاما للضواري الجائعة. لكنه لم يجد من يطبق أوامره، فقرر الانتحار وأخرج خنجره، بيد أنه لم يكن يملك الشجاعة لذلك فناول أحد مساعدته الخنجر لينفذ العملية، فبادر الأخير بنيل شرف تخليص الشعب من شره.


وهناك تشابه بين القذافي ونيرون، فكلاهما قام بإحراق المتظاهرين، وكلاهما شهد انقلابا جزئيا عليه من بعض قواه الدبلوماسية والعسكرية، وكلاهما هدد بالقتل والحرب الأهلية والقبلية والتجويع. ومثالا آخر حدث في الصين فقد اضطربت الأحوال في الصين بعد اندلاع ثورة، بوكسرز، وسال الدم غزيرا، تدخل الروس والألمان والإنجليز والفرنسيون لإخماد انتفاضة الجماهير دون جدوى، وتزوهسي ابنة الـ73 تدخن الأفيون ولا تتوقف عن سفك دماء العاطلين عن العمل، ودارت الأيام وفي سنة 1908 م وتحديدا في 14 أكتوبر أحست بدنو أجلها، كان نصف قرن من الزمان قد انفرط من عمرها، وهي تحكم، وتدمن شيئين، جبروت القبضة الحديدية، والأفيون الذي يكمل الطرف الثاني من المعادلة. وعلى امتداد المعادلة تلوح الرؤوس التي أينعت، والأجساد التي رطعت، ثم غاصت في مستنقع الدم.

وما يشبه فيه مدمر القذافي ملكة الصين السابقة، هو إدمان الأفيون، وهو معروف عن القذافي، وسفك الدماء، وإحداث مستنقع للدم في طرابلس وغيرها.


هذه قصص واقعية تؤكد أشياء كثيرة، وهيأن "الطغاة يظلون طغاة إلى أن يغرقهم الشعب في دمائه" وأن الحرية لها ثمن هو السجون والمنافي وحتى الموت، فمن ينال شرف إضاءة الطريق للآخرين، لأن البديل بقاء الجميع في العتمة، وموت الجميع في المزبلة.


عبد الباقي خليفة - 20/3/1432 هـ
 
  • 0
  • 0
  • 1,172

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً