فصل في إعلام الفراعين

منذ 2014-06-18

أن الجماهير التي يُسَيطَر عليها بالخوف: الخوف من المؤامرة، والخوف من سيف الفرعون، والخوف على استقرار أمنهم، هم آخر من يمكن أن يأخذوا القرار الصحيح، ولو جرت أمامهم المعجزة التي شهد بها المتخصصون في مجالها.


نقلت الرواية الرسمية نبأ ظهور ساحريْن أثارا بعض المشكلات بين الجماهير ويُتوقَّع أنهما قد يمثلان خطرا على استقرار البلاد، ورغبة في الشفافية وإنهاء الوضع بصورة سلمية فقد قررت الدولة إجراء مناظرة عامة بينهما وبين المتخصصين في هذا المجال، وذلك صباح يوم العيد في الساحة الكبرى بوسط العاصمة المصرية، وقد صدرت الأوامر إلى كافة أنحاء البلاد بإرسال المتخصصين فيها إلى العاصمة، واختلف المؤرخون حول العدد ولكنه لا يقل عن المئات وقد يصل إلى الآلاف.

ليس مذكورا فيما بين أيدينا من المصادر ما إذا كان المواطن المصري اندهش من عدم التكافؤ وهل تساءل: ما الداعي لجمع مئات المتخصصين لمواجهة رجليْن فحسب؟! لكن اليقين أنه تلقى الرسالة الإعلامية الواضحة التي حشدت الناس للمناظرة، لا بغرض المشاهدة فقط بل بغرض التأييد للسحرة
{وقيل للناس هل أنتم مجتمعون . لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين}، وبهذا لم تكن الرسالة الإعلامية محايدة أو مهنية بل كانت منحازة بوضوح.

كانت الساحة تشمل أربعة طوائف: فرعون وحاشيته، جنود الدولة، الجماهير، السَّحَرة.
أدى السحرة التحية الواجبة لزعيم البلاد، ورفعوا رجاء بأن يحصلوا على أجر سخيّ إن انتصروا، فأجابهم الزعيم بابتسامة عريضة: وفوق الأجر ستوضعون في المناصب الرفيعة في الدولة
{قالوا أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين . قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين}.

وفي مفاجأة غير متوقعة على الإطلاق، ألقى السَّحرة ما في أيديهم من العصى والحبال فتحولت إلى حيات، ثم ألقى موسى عصاه فتحولت إلى حية أكلت جميع الحيات، ثم جاءت الصاعقة: لقد سجد السحرة وأعلنوا أنهم قد آمنوا بموسى وبما جاء به!!

وقبل أن يفكر الناس في هذا المشهد إذا بزعيم الدولة يهدر صارخا بقوة: إنها المؤامرة! إن موسى هو زعيمكم الذي علمكم السحر، إنه التنظيم السري الذي أراد ضرب استقرار مصر، وإن الدولة ستتعامل معه بكل القوة والحزم وبدون أي تهاون.

تكهرب الجوّ، وبسرعة بدأت أجهزة الدولة في اتخاذ الإجراءات الحاسمة، ألقي القبض على السحرة، صلبوا على جذوع النخل، وبعد ساعات كان قد نُفِّذ فيهم قرار الإعدام تطبيقا للقانون وإعلاء للمصلحة العليا للبلاد.
وعمل الجهاز الإعلامي طيلة الفترة اللاحقة على إذاعة أنباء التنظيم السري الذي أنشأته طائفة بني إسرائيل –عملاء الهكسوس السابقين، الذين قدموا من الشام أيام الاحتلال الهكسوسي البغيض- لضرب استقرار البلاد وإعادتها إلى قرون التخلف والرجعية، وأخرج الجهاز الإعلامي رواية تفسيرية مفصلة عن إعداد وإخراج المشهد الذي سيمثل فيه السحرة –بادئ الأمر- أنهم مخلصون للدولة لكي يخدعوا الجماهير ثم وفي اللحظة المناسبة يُظهرون خيانتهم، وتم الكشف عن أوراق بردي كانت مخبأة في ثياب السحرة تكشف المخطط الكامل للمؤامرة الرهيبة.

خرج الزعيم في خطاب شامل أمام الجماهير وأشار فيه إلى حقائق الوضع، وأهمها: أنه ضمانة لاستقرار البلاد وأمنها ورخائها {يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون وأن هذا المتمرد موسى لا يصلح أن يكون بديلا، فهو من أصل دنئ بل ولا يجيد الكلام المبين {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يُبين}، وأوضح الزعيم أنه كان سيكون أول أتباعه لو أن معه أي دليل يشير إلى صدقه {فلولا ألقي إليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين}، وأصدر الزعيم قرارا بأنه –ورغم كل هذه الدلائل على كذب موسى ومؤامرته مع جماعته- إلا أنه أصدر قرارا لوزير التعمير بإنشاء برج ضخم يقترب من السماء للاطلاع على حقيقة إله موسى، كما أكد الزعيم على حرصه على مصلحة الشعب والوطن {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}.

وقد التهبت أكف الحاشية بالتصفيق والإشادة بما حواه الخطاب، وأفرد القطاع الإعلامي أوقاتا كثيرة لتحليل نقاط الخطاب وأهم ما جاء فيه، ولم يغب عن بعضهم تحليل "لغة الجسد" للزعيم الكبير ذي الحكمة والقوة والنظر الثاقب، وكان للخطاب تأثير كبير في نفوس الجماهير.

صارت جماعة موسى في حصار اجتماعي رهيب، حتى فقد بعضهم الأمل الذي ظهر بظهور موسى كمخلص لهم من الاضطهاد العرقي والديني، ولم يتردد بعضهم في أن يقول لموسى {أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا}، وصار الخروج لأداء الصلاة أمرا محفوفا بالمخاطر حتى سمح لهم موسى أن يصلوا في بيوتهم.

رفعت الأجهزة تقارير للزعيم تثبت خطورة ترك موسى وجماعته على المجتمع، فقرر الزعيم تنفيذ إجراءات استثنائية إضافية {وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك . قال سَنُقَتِّل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون}، لكن يبدو أن الأمر لم ينته ولا بد من حسم نهائي.

حينئذ أصدر الزعيم بيانا تم تعميمه على أنحاء البلاد يقول فيه: قررت الدولة مواجهة هذه القلة المندسة التي تمثل تهديدا للوطن ويطمئن المواطنين بأن الأمور تحت السيطرة والدولة تتخذ كافة الإجراءات المناسبة {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين . إن هؤلاء لشرذمة قليلون . وإنهم لنا لغائظون . وإنا لجميع حاذرون}.

ورغم أن الأخبار التي وردت بعد ذلك تفيد بموت الزعيم وانهيار الجيش، إلا أن السلطة انتقلت بسلاسة إلى الزعيم الآخر، ولم يُعرف مصير موسى وجماعته ولا كيف انتصروا على الجيش المصري العظيم وأبادوه عن آخره. ولا تورد المصادر التي بين أيدينا الرواية الرسمية التي صدرت بعد هذا الحادث.

يفرض هذا المشهد تسجيل ملاحظة ذات أثر: لقد جرت المعجزة الرهيبة في ساحة العاصمة أمام الجميع واختلفت ردود الأفعال اختلافا كبيرا: 

  • فالسَّحرة الذين هم العلماء المتخصصون أرباب هذا المجال أعلنوا أن هذا الذي أتى به موسى فوق طاقة البشر وقدرتهم، وأنه معجزة إلهية، ولم يترددوا أمام هذا الوضع إلا أن يؤمنوا.
  • وأما فرعون فقد ابتكر، في اللحظة، رواية أخرى تخالف ما كان يروجه الجهاز الإعلامي طوال الفترة الماضية، بل وتخالف المشهد الحالي نفسه، وقد أَمَّنت الحاشية وأكدت صدق الرواية التي صارت رواية رسمية.
  • وأما الجماهير فيبدو أنها قبلت الرواية الرسمية التي ألقاها فرعون، وانصرفت دون أن يتغير موقفها نتيجة هذه المناظرة التي انتظروها منذ زمن.
  • وأما الجنود، فقد آمنوا بالرواية الرسمية، وقاموا بتنفيذ التوجيهات، ويتوقع أنهم لم يفكِّروا أساسا فيما جرى، وإنما تلقوا الأوامر للتنفيذ. وما يحملنا على هذا الظن أنهم في وقت قادم سيطاردون موسى عليه السلام وبني إسرائيل حتى البحر، ثم سينفلق البحر إلى جبلين بينهما طريق وسيعبر عليه موسى، وقد أمر فرعون باستمرار المطاردة والملاحقة فلم يتوقف منهم أحد لا للتفكير ولم يتردد أحد في تنفيذ الأوامر رغم هذه المعجزة الكونية الهائلة.

هذه المواقف تطرح نتائج مهمة في سياسة البلاد والعباد أهمها:

  1. أن الطغاة هم آخر من يهتم بالحق والباطل بل السلطة أولا وأخيرا ولا بأس بنصب المذابح والمقاتل في سبيل تثبيت الطاغية لسلطانه.
  2. أن العسكر هم آخر من يصلحون لتولي حكم البلاد والعباد لأنهم آخر من يفكر في الأوامر قبل تنفيذها.
  3. أن الجماهير التي يُسَيطَر عليها بالخوف: الخوف من المؤامرة، والخوف من سيف الفرعون، والخوف على استقرار أمنهم، هم آخر من يمكن أن يأخذوا القرار الصحيح، ولو جرت أمامهم المعجزة التي شهد بها المتخصصون في مجالها.
  4. وحدهم من يملكون العلم والشجاعة معا.. هم الفائزون.

     

محمد إلهامي

باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية

  • 4
  • 0
  • 2,212
  • محمد نجاتي سليمان

      منذ
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد لقد انتهيت مؤخرا بفضل الله من كتابي الجديد موسى كل عصر وكنت آمل منكم الاطلاع على الكتاب لتزكيته كما أريد أن تنشروه على موقعكم إن لاقى لديكم قبولا واليكم نبذة مختصرة عن مضمون الكتاب _______________________ كتاب #موسى_كل_عصر أول كتاب يتناول حياة نبي الله موسى بصورة عصرية مشوقة في ضوء مجريات الأحداث في #مصر والوطن العربي. كتاب موسى كل عصر هو جزء من سلسلة الصراع بين الحق والباطل، يتناول فيه الكاتب قصة كفاح نبي الله موسى في مصر من أجل الحصول على الحرية لبني إسرائيل والخروج بهم بعيداً عن بطش فرعون، بطريقة قصصية تسلسلية تميل إلى الجانب الروائي، مضاف فيها بعض الجوانب التربوية مع اسقاط واضح على أرض الواقع. سيُبحر بك الكتاب وبأسلوب مثير ومشوق في أعماق القصة، وستشاهد بعينك الأحداث كأنك تعيشها هناك .. وفي طيات أحداث الفصل الأول من القصة ستجد الإجابة على هذه الأسئلة .. - من هم الهكسوس وما سر قوتهم ؟ - وما حكاية تلك الرؤيا العجيبة التي رآها ملكهم فكانت سبباً لخروج سيدنا يوسف من السجن وبرأته من التهم الملفقة ضده ؟ - ولماذا أحب المصريون يوسف وكرهوا إخوته بعد موته ؟ - وما اسم هذا الفرعون الذي قتّل أبناءهم واستحى نساءهم ؟ - ولماذا استسلم بنو إسرائيل أمام هذا العدوان الغاشم عليهم ؟ - وكيف تجرأ الفرعون أن يفعل ذلك كله، ومن هم أبرز معاونيه ؟ &&&&&& أما أحداث الفصل الثاني من الكتاب فستعيش فيها مع تلك الأم البسيطة التي هي من عوام بني إسرائيل عندما ترى رؤيا، أنها ستلد طفلاً حياته - فور ولادته - محفوفة بالمخاطر والأزمات، وما عليها سوى أن تلقيه في اليم عندما تشعر عليه بالخوف! لتتعرف على التدابير الأمنية التي ستتخذها هذه الأم العظيمة للمحافظة على ولدها ؟ كما ستعرف قصة أخته الفدائية صاحبة الحس الأمني العالي ؟ وما هو دور آسية زوجة فرعون في تلك الأحداث ؟ ومن هم شيعة موسى الذين كان يلتقي بهم سراً في المدينة ؟ ولماذا اختار موسى مدّين دون بقية البلدان للهروب إليها ؟ ولماذا قرر موسى العودة إلى مصر بعد سنوات من الغياب ؟ &&&&&&&&&& أما في الفصل الثالث من الكتاب سنغوص سويا في أعماق القصة لنعرف .. - لماذا لم يسعى فرعون لقتل موسى فور علمه بوصوله إلى مصر، وقَبِلَ باستقباله في القصر ؟ - كيف استطاع موسى أن يبهر الملأ ببراعة أسلوبه، وقوة منطقه ؟ - ما هي أحداث يوم الزينة، ولماذا اختار فرعون تلك القتلة الشنيعة لإنهاء حياة السحرة ؟ - كيف تناولت الأذرع الإعلامية لفرعون أحداث مذبحة السحرة، وما هو رد فعل الجماهير التي شاهدت المذبحة ؟ - ما هي القرارات الاستثنائية الجديدة التي أصدرها فرعون ضد كل من يؤمن بدين موسى نزولاً على رغبة الملأ ؟ بالإضافة أن الكاتب سيأخذك في جولة حصرية داخل سجون فرعون، لتشاهد خلالها كيف كان يعذب المعارضين. &&&&&&&&&&&&&&& أما في الفصل الرابع من الكتاب سنتابع حكاية المرأة التي أصّر فرعون أن يُشرف على تعذيبها بنفسه ؟ ونعرف سر رائحتها الجميلة التي تعطر الجنة حتى الان ؟ ثم نشاهد كيف عذب فرعون آسية ؟ وكيف ساءت حالته النفسية بعدما قتلها بيده ؟. ثم نعرف حكاية مستشار فرعون الذي أنقذ موسى عليه السلام من محاولة اغتيال كان فرعون يُدبر لها ! ثم نستمع إلى اعترافات الفتاة التي سعت لتشويه سمعة سيدنا موسى وادعت أنها على علاقة به ؟! ثم ندخل سوياً قصر قارون ونشاهد كيف كان يعيش ببزخ؟ ونتعرف على سر انتكاسته وارتداده عن الاسلام حتى أصبح من أشد المعادين لموسى؟! &&&&&&&&&&&&&& وفي الختام وبالقرب من شاطئ الفصل الأخير من القصة والذي سيبدأ فيه نبي الله موسى مرحلة جديدة من صراعه مع فرعون، وهي مرحلة الإنذارات السبعة سنتعرف على بعض الأسرار .. - سر إصرار فرعون على العناد والكفر رغم كل يراه من معجزات خارقة ! - سر الإشاعة التي ترددت عن إعلان تنحي فرعون عن قراره بحظر خروج بني إسرائيل من مصر وإيمانه المفاجئ بدعوة موسى عليه السلام ! - سر تمسك جموع من الشعب المصري بفرعون رغم كل ما حل عليهم من بلايا ونقم بسبب عناده وطغيانه ! - وسنرى كيف كوّن موسى وهارون عليهما السلام هرماً تنظيماً لقيادة شعب بني إسرائيل، استعداداً للحظة الخروج من مصر ! مؤلف الكتاب محمد نجاتي سليمان وقد أشرف على الكتاب وراجعه فضيلة الشيخ أحمد المحلاوي وفضيلة الدكتور وصفي عاشور أبوزيد كتاب موسى كل عصر ستجدونه على الروابط التالية رابط تحميل نسخة BDF من الكتاب http://cutt.us/GbAm

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً