تدبر - [342] سورة ص (1) - (2) - (3)

منذ 2014-08-08

(1)

غريب مسّ ضر الأنبياء والأولياء ممن طهرت نفوسهم من الآثام، وصحائفهم من الخطايا..

{أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص من الآية:41]، تستمر المناجاة وتتصاعد الشكاية..

ليس منك يا رب، وإنما إليك، فالخير بيديك، والشر ليس إليك..

لم يقل أيوب: ابتليتني، أو: اختبرتني..

بل نسب الفعل للشيطان..

وهكذا حال المحبين..

لا ينسبون الشر أبدًا لمحبوبهم..

لكأني بك يا أيوب، تتشبه بأخيك يوسف سلام الله عليه، حين قال: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف من الآية:100]..

وكذا من بعدك قال الكليم موسى عليه السلام: {هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} [القصص من الآية:15].

وكذا قال فتاه عليه السلام: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} [الكهف من الآية:63]..

سلام على من علموا الدنيا الأدب مع الله..

وسلام عليك يا أيوب..


(2)

لكن ما هذان الظلان اللذان يتسوران المحراب؟!

ما قصدهما بذلك الاقتحام الذي لا شك أنه سيفزع الناسك المتعبِّد في محرابه، والذي لا يتوقع تعكيرًا لصفو خلوته، ولا قطعًا لطريق عزلته..

{لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ} [ص من الآية:22]..

{لَا تُشْطِطْ}!

وهل يقال هذا لمثله؟!

إنه نبي مرسل، بخلاف كونه ملكًا حاكمًا، فليس تناسبه حتمًا تلك اللهجة..

وهل مثل هذا النبي العابد، يتوقع منه إلا كل عدل واعتدال، ومجافاة لكل شطط وزيغ وضلال؟!

لو أنه ملك غير هذا المتواضع، خافض الجناح، لكان له معهما بخصوص أسلوبهما واقتحامهما شأن آخر..

لكنه تغاضى عن ذلك وتعامل معه كنصحٍ وتذكير..

 

(3)

هيَّا أخرِجا ما عندكما، واعرِضا مشكلتكما، فها هو العابد قد تأهب لأداء واجبه، والقيام بأمانته..

- {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص:23]، إنها الدنيا..

الأمر يسير..

والحكم جلي غير خفي ولا عسير:

- {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص من الآية:24]..

هذا هو خالص الحكم على التمام..

بالطبع رجل لديه مائة نعجة إلا واحدة، يطمع فيما عند أخيه الذي لا يملك إلا واحدة، ليتم المائة، ظلم واضح، وجور فادح..

أي ظلم هذا الذي أوقعه بك أخوك الغني؟!

للأسف هذا حال كثير من الشركاء، إلا من الله عليهم بالإيمان والصلاح، وما أقلهم..

ثم خرّ النبي داود عليه السلام راكعًا ساجدًا..

هي سجدة ندم وتوبة، واستغفار..

فيا لورعك أيها الناسك!

أنعم بك من رجاع أوَّاب!

يا ليت كل الحكام والقضاة مثلك يا داود..

لا يعنينا كثيرًا تفاصيل لماذا سجد وعن ماذا استغفر وما طبيعة الفتنة التي ظن أنه فيها قد وقع، وفي ذلك اختلف المُفسِّرون..

ما يعنينا أنه قد سجد..

أنه قد رجع..

وأنه استغفر.

رغم سعة ملكه، وقوة بأسه استغفر فما استكبر..

ألا هكذا فليكن الحاكم والقاضي..

لا يستكبر عن مراجعة ولا يستنكف عن توبةٍ وأوبة، وندمٌ واستغفار.
 

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 1
  • 0
  • 3,138
المقال السابق
[341] سورة الصافات (3)
المقال التالي
[343] سورة ص (4)

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً