خواطر قرآنية (سورة السجدة) - الحلقة الثامنة والعشرون

منذ 2014-08-22

الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب،  والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:

بعد أن أقام الله سبحانه وتعالى الحجج الباهرات والبراهين الواضحات والأدلة البينات، على الكافرين وتوعدهم بالعذاب الأدنى في الدنيا قبل العذاب الأكبر عند جمعهم وحشرهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة من الآية:21]، ناسب أن يذكر الله سبحانه إحدى أبرز مقولات الكفار لأنبيائهم، فقال سبحانه: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [السجدة:28]. أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ الْكَفَرَةِ، بِاسْتِعْجَالِ فَصْلِ الْقَضَاءِ بينهم وبين الرسول عَلَى مَعْنَى الْهُزْءِ وَالتَّكْذِيبِ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ اسْتِعْجَالِ الْكَفَّارِ وقوعَ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ، وَحُلُولِ غَضَبِهِ وَنِقْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، اسْتِبْعَادًا وَتَكْذِيبًا وَعِنَادًا: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ}؟ أَيْ: مَتَى تُنْصَرُ عَلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ؟ كَمَا تَزْعُمُ أَنَّ لَكَ وَقْتًا تُدَال عَلَيْنَا، ويُنْتَقم لَكَ مِنَّا، فَمَتَى يَكُونُ هَذَا؟ مَا نَرَاكَ أَنْتَ وَأَصْحَابَكَ إِلَّا مُخْتَفِينَ خَائِفِينَ ذَلِيلِينَ!

وَبعد ما سمعوا منك يا أكمل الرسل ان ربك يفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون يَقُولُونَ مستهزئين معك متهكمين مَتى هذَا الْفَتْحُ والفصل الذي قد وعدتم به أخبرونا وقته إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم نتهيأ له ونتزود لأجله ونؤمن به كما آمنتم.

هذه مقولة فيها بشاعة وقبح وعناد واستكبار، لذلك كررها ربنا سبحانه وتعالى في القرآن في سبع مواضع لبيان جرمهم وعظيم كفرهم، في ست مواضع لفظ مطابق وهو قوله سبحانه {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، وفقط في الآية التي معنا {مَتَى هَذَا الْفَتْحُ}.

لأن السورة مادتها اليقين، والفتح هو وعد وزيادة، بمعنى زيادة معنى ويقين على باقي الآيات فتأمل! فيطلب الكفار ما في الوعد من نتيجة، وهو الفتح والقضاء والفصل.

{وَيَقُولُونَ} أي مشركو مكة أو المشركون عموماً، مستهزئين ومستبعدين ومكذبين، وقوع النصر والفتح عليهم الذي كان يتوعدهم به المؤمنون، إذ كانوا يقولون لهم: إن لنا يومًا يقضي الله ويفصل ويحكم بيننا وبينكم، في يوم القيامة، أو أن الله سينصرنا عليكم في الدنيا بفتحه المبين.

إذ بعد أن بين الله للكفار الأدلة الكونية، من خلق السماوات والأرض وإحياء الأرض بعد موتها، وأحوال الأمم السابقة التي أهلكها، مع ذلك أصروا على الكفر والجحود والتكذيب والاستكبار لهذه الأدلة.

{وَيَقُولُونَ}  في صيغة الجمع في إشارة إلى أن أهل الباطل من الكفار اجتمعوا واتحدوا جميعا على هذه المقولة!

ومع أن مقولة الكفار تلك وقعت وحصلت سابقا، فلماذا وردت بصيغة المضارع (يقولون)؟! في إشارة إلى أنهم استمروا عليها وتوارثوها جيلا عن جيل {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف من الآية:23].

{مَتَى هَذَا}  الاستفهام فيه استهزاء وازدراء وتهكم، بالنبي عليه الصلاة والسلام أو من ينوب محله من المؤمنين، لا سؤال.

واسم الإشارة في هذا الفتح مع إمكان الاستغناء عنه بذكر مبينه مقصود منه التحقير وقلة الاكتراث به.

{الْفَتْحُ} القضاء والفصل والحكم والنصر، ويقال للحاكم فاتح، لأن الأشياء تنفتح على يديه وتنفصل.

وهذا حال أهل الباطل من الكفار وغيرهم، دائما وأبدا يستهئزون بالمؤمنين، {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ . وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} [المطففين:29-31].

عندما قال ربنا سبحانه في آية سابقة متوعدا المشركين {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، هنا قالوا: {مَتَى هَذَا} يريدون موعدًا زمانياً لتحقيق ذلك وحصوله! وهذا فيه إشارة إلى أن أهل الباطل لا يردون الحجة بالحجة ولا البرهان بالبرهان ولا الدليل بالدليل!

الله سبحانه وتعالى بين لهم بالحجج والبراهين الأدلة الكونية لعظيم قدرته على إحياء الموتى من جديد، وهذا يقتضي عقلاً أن يمتثلوا لأوامر النبي فيطيعوه ويتبعوه، وبدلاً من التأمل والتفكر وإعمال النظر في تلك الحجج، تركوها وانتقلوا لأمر لا يقدم ولا يؤخر .. لا يضر ولا ينفع، فلو كان يوم الفصل الآن أو بعد آلاف السنين فما الذي سيتغير بالنسبة لتلك الحجج؟!! لا شيء.

{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}  وكأنهم هم الأتقياء الأنقياء! والمؤمنون بخلاف ذلك حاشاهم! كما قال سلفهم: {أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} موازين مقلوبة عند هؤلاء.

وقد بين عليه الصلاة والسلام أن هذا سيقع، إذ يقول: «سَيأتي على الناسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فيها الكَاذِبُ، ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ، ويُؤْتَمَنُ فيها الخَائِنُ، ويُخَوَّنُ فيها الأَمِينُ، ويَنْطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَةُ». قيل: وما الرُّوَيْبِضَةُ؟ قال: «الرجلُ التَّافِهُ، يتكلَّمُ في أَمْرِ العَامَّةِ».

تجد كثيرًا ممن ليس لهم علم ولا أصل ولا تاريخ ولا تجارب بل حتى ولا شهادة، يتحدثون في أمور الأمة المهمة وينظر لها، وقد يترتب على تلك القضايا مصير شعوب بأكملها، وهذا زمان العولمة والانفتاح الإعلامي فتجدون ذلك والله المستعان.

وهؤلاء أنفسهم ينتقصون أهل الحق بأنهم على ضلال وهم الصادقون، مع أن الأمر بالعكس!

ينبغي على المسلم أن لا ينظر إلى القائل، أيا كانت قبيلته أو جنسيته أو لونه وعرقه أو اسمه ونسبه، بل ينظر لما معه من الحق، لذلك قيل: اعرف الحق تعرف أهله! استدل ثم اعتقد!

ولا ينبغي أن تأخذ موقفاً من إنسان أو جماعة أو فئة أو مؤسسة أو هيئة، حتى تسمع ما عندهم من الحق والباطل والحجج، ثم تأخذ الحق منهم حتى لو كان خصماً لك، كما أخذ عليه الصلاة والسلام الحق من الشيطان، صدقك وهو كذوب.

أهل الباطل دائماً وأبداً عندما تأتي له بالدليل ينصرف لأشياء خارجة عن موضوع النقاش.
وحصلت مناظرة بين ملحد ومسلم، فقال الملحد: أنا لا أؤمن إلا بما أرى؟!
فقال المسلم: هل لديك عقل؟! فقال: طبعاً.
فقال المسلم: كيف تؤمن بالعقل ولم تره؟!!

فنحتاج للأدلة العقلية لنستدل على أمثال هؤلاء، وعندما جاء ملحد لأبي حنيفة رحمه الله وقال له: أنا لا أؤمن بأن هذا الكون له خالق ومدبر ومسير!! قال له أبو حنيفة: هل رأيت السفينة المحملة بالبضائع تأتي إلى هذا الميناء ثم تحمل حمولتها ثم تنتقل إلى غيره وتفرغ الشحنات وهكذا، فهل تتوقع أن ما يحصل من تلقاء نفسه؟!!
قال: لابد من قبطان ومن يقودها!! فقال أبو حنيفة: من باب أولى هذا الكون يدبرها خالق.

كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح، استعجالاً منهم عن وجه التكذيب والاستهزاء.
{وَيَقُولُونَ} وذلك أن المؤمنين كانوا يقولون لكفار مكة أن لنا يوماً يفتح الله فيه بيننا أي يحكم ويقضي يريدون يوم القيامة أو أن الله سيفتح لنا على المشركين ويفصل بيننا وبينهم وكان أهل مكة إذا سمعوه يقولون بطريق الاستعجال تكذيباً واستهزاء {مَتى هذَا الْفَتْحُ} أي في أي وقت يكون الحكم والفصل أو النصر والظفر {إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} في أنه كائن.

الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين بُعِث أخبر قومه أنه مُرْسَل إليهم بمنهج من الله، وقد أيده الله بالمعجزات، وأخبرهم بمصير مَن اتبعه ومصير مَنْ خالفه، وأن ربه عَزَّ وَجَلَّ ما كان ليرسله إليهم، ثم يُسلْمه أو يتخلى عنه، فهو لا بُدَّ منتصر عليهم، فهذه سنة الله في أنبيائه ورسله، حيث قال سبحانه: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات:171-173].

هنا إشارة إلى أن الله ناصر عباده المؤمنين، ولكن بشرط تحقيق الإيمان المطلوب منهم، من خلال أسباب النصر التي بينها الله سبحانه في كتابه وكلها معنوية! ولو تخلف النصر لعلمنا يقينا أن خللا في تلك الأسباب قد حصل، كما هو في أحد.

28- رمضان- 1435هـ 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أيمن الشعبان

داعية إسلامي، ومدير جمعية بيت المقدس، وخطيب واعظ في إدارة الأوقاف السنية بمملكة البحرين.

  • 1
  • 0
  • 1,477
المقال السابق
خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 27-30 )
المقال التالي
الحلقة التاسعة والعشرون

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً