زاد المعاد - هدي النبيّ في الفطرة وتوابعها

منذ 2014-09-22

قد سبق الخلاف هل وُلد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مختونًا، أو خَتنته الملائكة يومَ شُقَّ صدرهُ لأول مرة، أو ختنه جدُه عبد المطلب؟

فصل: في هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الفطرة وتوابعها

قال الإمام ابن القيم


قد سبق الخلاف هل وُلد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مختونًا، أو خَتنته الملائكة يومَ شُقَّ صدرهُ لأول مرة، أو ختنه جدُه عبد المطلب؟

وكان يُعجبه التيمن في تنعُّلِه وترجُّلِه وطهوره وأخذِه وعطائه، وكانت يمينُه لِطعامه وشرابه وطهوره، ويَسارُه لِخَلائه ونحوه من إزالة الأذى.وكان هديُه في حلق الرأس تركَه كلَّه، أو أخذَه كلَّه، ولم يكن يحلِق بعضه، ويدعُ بعضه، ولم يُحفظ عنه حلقُه إلا في نُسك.

وكان يُحب السِّواكَ، وكان يستاك مفطرًا وصائمًا، ويستاك عند الانتباه من النوم، وعند الوضوء، وعند الصلاة، وعند دخول المنزل، وكان يستاك بِعُود الأرائك.

وكان يُكثر التطيبَ، ويحب الطِّيب، وذُكِرَ عنه أنه كان يَطَّلِي بالنُّوَرة [1/174].

وكان أولًا يَسْدُلُ شعره، ثم فرقه، والفرق أن يجعل شعره فِرقتين، كل فرقة ذؤابة، والسدل أن يسدُلَه من ورائه ولا يجعله فِرقتين.

ولم يدخل حمامًا قط، ولعله ما رآه بعينه، ولم يصح في الحمام حديث [1/175].

وكان له مُكحُلة يكتحِل منها كلَّ ليلة ثلاثًا عند النوم في كل عين. واختلف الصحابة في خِضابه، فقال أنس لم يخضِبْ وقال أبو هريرة خضب، وقد روى حماد بن سلمة عن حُميد، عن أنس قال رأيتُ شعر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخضوبًا.

قال حماد: وأخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل قال: رأيت شعر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند أنس بن مالك مخضوبًا.

وقالت طائفة: كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما يُكْثِرُ الطيبَ قد احمَرَّ شعره، فكان يُظن مخضوبًا. ولم يخضِب وقال أبو رِمْثة: أتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع ابن لي، فقال: «أهذا ابنُكَ؟» قُلتُ: نعم أشهد به، فقال: «لا تَجْني عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْنِي عَلَيْكَ»، قال: ورأيت الشيب أحمر، قال الترمذي: هذا أحسن شيء روي في هذا الباب وأفسرهُ، لأن الروايات الصحيحة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يبلغ الشيب.

قال حماد بن سلمة عن سِماك بن حرب قيل لجابر بن سمرة: أكان في رأس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيب؟ قال: لم يكن في رأسه شيبٌ إلا شعراتٍ في مَفْرِقِ رأسهِ إذا ادَّهن وأراهُنَّ الدُّهن: قال أنس: وكان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ دُهنَ رأسه ولحيته، ويُكثر القِنَاعَ كأن ثوبه ثوبُ زيات وكان يُحبُّ الترجُلَ، وكان يرجِّل نفسه تارة، وترجِّله عائشة تارة [1/176].

 

وكان شعره فوق الجُمَّة ودُون الوَفْرَةِ، وكانت جُمَّتُه تضرِب شحمةَ أذنيه، وإذا طال، جعله غَدَائِرَ أربعاً، قالت أمُّ هانئ: قدم علينا رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة قَدْمَةً، وله أربع غدائر، والغدائر: الضفائر، وهذا حديث صحيح وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يردُّ الطيب، وثبت عنه في حديثِ (صحيح مسلم) أنه قال: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلاَ يَرُدَّه، فَإنَّهُ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، خَفِيفُ المَحْمِل»، هذا لفظ الحديث، وبعضهم يرويه: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلاَ يَرُدَّه» وليس بمعناه، فإن الريحان لا تكثُر المِنَّةُ بأخذه، وقد جرت العادةُ بالتسامح في بذله، بخلاف المسك والعنبر والغَالِية ونحوها.

ولكن الذي ثبت عنه من حديث عَزْرة بن ثابت، عن ثُمامة، قال أنس: كان رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَرُدُّ الطِّيبَ وأمّا حديثُ ابن عمر يرفعه "ثَلاَثٌ لا تُرد: الوَسَائِدُ، والدُّهْنُ، واللَبَنُ" فحديث معلول، رواه الترمذي وذكر علته، ولا أحفظ الآن ما قيل فيه، إلا أنه من رواية عبد الله بن مسلم بن جندب، عن أبيه، عن ابن عمر [1/177].

ومن مراسيل أبي عثمان النَّهدي قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُكُمُ الرَّيْحَانَ، فَلاَ يَرُدَّهُ، فَإنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجَنَّةِ».

وكان لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُكَّة يتطَّيبُ منها، وكان أحبَّ الطيب إليه المِسك، وكان يُعجبه الفاغية قيل: وهي نَوْر الحِنَّاءِ [1/178].

 

فصل: في هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قص الشارب


قال أبو عمر بن عبد البر: روى الحسن بن صالح، عن سِماك، عن عِكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقصُّ شاربه، ويذكر أن إبراهيمَ كان يَقصّ شارِبَه، ووقفه طائفة على ابن عباس وروى الترمذي من حديث زيد بن أرقم قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» وقال: (حديث صحيح)، وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُصُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا المَجُوسَ» وفي (الصحيحين) عن ابنِ عمر، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ، ووفِّرُوا اللِّحى، وأَحفوا الشواربَ» وفي (صحيح مسلم) عن أنس قال: وَقَّتَ لَنَا النَّبيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قص الشوارب وَتَقْلِيمِ الأَظْفَار، أَلاَّ نَتْرُكَ أَكْثَر مِنْ أَرْبعِين يَوْماً وَلَيْلةً [1/178].


واختلف السلفُ في قصِّ الشارب وحلقِه أيهما أفضل؟ فقال مالك في (موطئه): يُؤخذ من الشارب حتى تجدوَ أطرافُ الشفة وهو الإِطار، ولا يجزُّه فَيُمَثِّلَ بنفسه.

وذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال: يُحفي الشارب، ويُعفي اللِّحى، وليس إحفاءُ الشارب حلقَه، وأرى أن يُؤدَّبَ من حلق شاربه.

وقال ابن القاسم عنه: إحفاءُ الشارب وحلقه عندي مُثلَةٌ، قال مالك: وتفسير حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إحفاء الشارب، إنما هو الإِطار، وكان يكره أن يُؤخذ من أعلاه، وقال: أشهد في حلق الشارب أنه بدعة، وأرى أن يُوجَعَ ضربًا مَنْ فعله، قال مالك: وكان عمر بن الخطاب إذا كَرَبَهُ أمر، نفخ، فجعل رجله بردائه وهو يفتل شاربه [1/179].

وقال عمر بن عبد العزيز: السنة في الشارب الإِطار.

وقال الطحاوي: ولم أجد عن الشافعي شيئًا منصوصًا في هذا، وأصحابهُ الَّذينَ رأينا المزنيُّ والربيعُ كانا يُحفيان شواربهما، ويدل ذلك على أنهما أخذاه عن الشافعي رحمه الله، قال: وأمّا أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكان مذهبُهم في شعر الرأس والشوارب أن الإِحفاءَ أفضلُ من التقصير، وذكر ابن خُويز منداد المالكي عن الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة، وهذا قول أبي عمر.

وأمّا الإِمام أحمد، فقال الأثرم: رأيتُ الإِمام أحمد بن حنبل يُحفي شاربه شديدًا، وسمعته يُسأل عن السنة في إحفاء الشارب؟ فقال: يُحفي كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أحْفُوا الشَّوَارِبَ» وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى الرجُلَ يأخذ شاربه، أو يُحفيه؟ أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه، فلا بأس، وإن أخذه قصًا فلا بأس.

وقال أبو محمد بن قدامة المقدسي في (المغني): وهو مخير بين أن يُحفيه، وبين أن يقصه من غير إحفاء.

قال الطحاوي: وروى المغيرةُ بن شعبة أن رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ من شاربه على سِوَاك وهذا لا يكون معه إحفاء. واحتج من لم يرَ إحفاءه بحديثي عائشة وأبي هريرة المرفوعين (عشر من الفطرة)... فذكر منها قَصَّ الشَّارِبِ وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: "الفِطْرَة خَمْسٌ" وذكر منها قص الشارب [1/180].


واحتج المحفون بأحاديث الأمر بالإحفاء، وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَجُزُّ شَارِبَهُ، قال الطحاوي: وهذا الأغلب فيه الإِحفاء، وهو يحتمل الوجهين. وروى العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه "جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى" قال وهذا يحتمل الإِحفاء أيضًا، وذكر بإسناده عن أبي سعيد، وأبي أُسَيْد، ورافع بن خديج، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي هريرة أنهم كانوا يُحفون شواربهم.

وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب: رأيت ابن عمر يُحفي شاربه كأنه يَنْتِفُه وقال بعضهم: حتى يُرى بياضُ الجلد.

قال الطحاوي: ولما كان التقصير مسنونًا عند الجميع، كان الحلق فيه أفضلَ قياسًا على الرأس، وقد دعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين واحدة، فجعل حلق الرأس أفضلَ مِن تقصيره، فكذلك الشارب [1/181].

  • 0
  • 1
  • 3,978
المقال السابق
هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جلوسه واتكائه
المقال التالي
هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خطبته

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً