الهمة العالية - (14) مقومات الهمة العالية (علو الهمة 1)

منذ 2014-10-30

الهمة العالية لا تزال بصاحبها تضربه بسياط اللوم والتأنيب، وتزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد.

فضل علو الهمة، والثناء عليه، والحث على اكتسابه:

علو الهمة خُلق رفيع، وغاية نبيلة، تتعشقه النفوس الكريمة، وتهفو إليه الفطر القويمة، وعلو الهم من الأسس الأخلاقية الفاضلة، وإليه يرجع مجموعة من الظواهر الخلقية، كالجد في الأمور، والترفع عن الصغائر والدنايا، وكالطموح إلى المعالي.

وإنما تعلو قيمة المرء وتسمو مكانته بقدر نصيبه من علو الهمة؛ ذلك أن علو الهمة يستلزم الجد والإباء، ونشدان المعالي وتطلاب الكمال، والترفع عن الدنايا والصغائر ومحقرات الأمور[1].

والهمة العالية لا تزال بصاحبها تضربه بسياط اللوم والتأنيب، وتزجره عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل وحرمان الفضائل حتى ترفعه من أدنى دركات الحضيض إلى أعلى مقامات المجد والسؤدد.

فهذا الخُلق يسمو بصاحبه "فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور؛ فهو الذي ينهض بالضعيف يُضطهد أو يزدري فإذا هو عزيزٌ كريم. وهو الذي يرفع القوم من سقوط، ويبدلهم بالخمول نباهة وبالاضطهاد حرية وبالطباعة العمياء شجاعة أدبية. هذا الخُلق هو الذي يحمي الجماعة من أن تتملّق خصمها، وتسل يدها من أسباب نجاتها ومنعتها. أما صغير الهمة فإنه يبصر بخصومه في قوة وسطوة، فيذوب أمامهم رهبة، ويطرق إليهم رأسه حطة، ثم لا يلبث أن يسير في ريحهم، ويُسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم"[2].

نعم يُورِد -هذا الخُلق- صاحبه موارد التعب والعناء ولكن التعب في سبيل الوصول إلى النهاية من معالي الأمور يشبه الدواء المُرّ فيسيغه المريض كما يسيغ الشراب عذبًا باردًا.

تلذ له المروءة وهي تُؤْذِي *** ومن يعشق يلذ له الغرام[3]

"فالمكارم منوطة بالمكاره، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد"[4].

فعظيم الهمة قد يشتد حرصه على الشرف، حتى لا يكاد يشعر بما يلاقيه في سبيله من أنكاد وأكدار.

بل ربما كان الشرف الذي يركب له الأخطار والشدائد أعزَّ وقعًا، وأدلَّ على عظم همته من الشرف الذي يناله بيسرٍ وسهولة.

ومن تكن العلياء همة نفسه *** فكل الذي يلقاه فيها محبب[5]

ولذلك فعظيم الهمة يستخف بالمرتبة السفلى أو المرتبة الوسطى من معالي الأمور؛ فلا يهدأ له بال و لا يقر له قرار إلا حين يضع نفسه في أسمى منزلة وأقصى غاية[6].

وإلى هذا المعنى يشير إليه نابغة بني جعدة:
بلغنا السما مجدًا وجودًا وسؤددًا *** وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرًا[7]

وكما قال الآخر:
وما أنا راضٍ أنني واطئ الثرى *** ولي همة لا ترتضي الأفق مقعدًا

قال ابن الجوزي رحمه الله: "فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه؛ فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصِّر في تحصيلها في حضيض غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن. والسيرةُ الجميلة عند الحكماء خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل"[8].

ثم إن عظيم الهمة لا يشغل باله أمر صغير، ولا يقلق فكره عمل يسير، بل يقوم بجلائل الأعمال التي تتعصى على أولي القوة من الرجال، ومع ذلك فلا يتبرّم ولا يقلق ولا يشكو كثرة الأعباء. له قلب لا يتعب فيبلغ منزلة إلا ابتدأ التعب؛ لِيَبْلُغَ منزلة أعلى منها، وله فكرٌ كلما جهد فأدرك حقيقة كانت الحقيقة أن يجهد فيدرك غيرها"[9].

على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتكبر في عين الصغير صغارها *** وتصغر في عين العظيم العظائم[10]

ولقد جرت سنَّة الله في خلقه ألا ينهض بأصر المقاصد الجليلة ويرمي إلا الغاية البعيدة - غير النفوس التي عظم حجمها وكبرت هِممها فلم تتعلق إرادتها بسفاسف الآمال ولا محقرات الأعمال[11].

فإذا كان هذا الخُلق الرفيع لا يقع إلا على معالي الأمور - فلا عظمة لهمم قوم يبتغون النهاية في زينة هذه الحياة، ويغرقون في التمتع بملذاتها المادية كهؤلاء الذين يسرفون في الملابس المنمقة والمطعومات الفاخرة والمباني الشاهقة؛ فإن ذلك لا يعد فيما تتسابق فيه الهمم من معالي الأمور[12].

وإن كان في لبس الفتى شرف له *** فما السيف إلا غمده والحمائل[13]

فإذا كان علو الهمة بتلك المكانة السامقة والمنزلة العالية - فما أجدر العاقل اللبيب أن يعلي من همته، وأن يرفع من قدره، وأن يتطلّب المعالي ويسعى لها سعيها، وألا يقصر عنها، ولا يقعد دون نيلها؛ فإن علو الهمة مما يفتخر به، وسفول الهمة مما يذم ويعاب به..

قال الشوكاني[14]:

كن ناسكًا تبتلًا *** أو رائسًا تبجلا
وعدِّ عن مُحَمَّقٍ *** قَصَّرَ  عن أن ينبلا
يصده قُعُودُهُ *** وعَجْزُهُ عن العلا

وهذا أبو فراس الحمداني يمدح نفسه، ويفتخر بعلو همته فيقول[15]:

إني أبيت قليل النوم أرَّقني *** قلب تصارع فيه الهَمُّ والهِمَمُ

وهذا أبو الطيب المتنبي يفخر بعلو همته، واشتغاله بالجد والتشمير فيقول[16]:

لولا العلا لم تَجُبْ بي ما أجوب بها *** وجناءُ حرفٌ ولا جَرْدَاءُ قيدُودُ
وكان أطيبَ من سيفي مضاجعةً *** أشباهُ رونقة الغيد الأماليدُ
لم يترُكِ الدهرُ من قلبي ولا كبدي *** شيئًا تُتَيِّمه عينٌ ولا جيدُ

وهذا علي بن مقرن العيوني يقول[17]:

يُشَيِّعُني قلبٌ إلى العِزِّ تائقٌ *** ونفسٌ إلى العيا شديدٌ نزوعُها
أُشَرِّفها من أن يكون إباؤها *** لواجبٍ حقٍّ أو لِضَيْمٍ خنُوعُها
وما أنا في السراء يومًا فَروْحُها *** ولا أنا في الضراء يومًا جزوعُها
سأنزلها الملحودَ أو رأسَ هضبةٍ *** من العزِّ يعي كلَّ راقٍ طُلوعُه
وما طلبي العلياءَ إرثُ كلالةٍ *** فَيقْصُر خطوي دونها فأسوعُها[18]

وهذا البارودي يقول[19]:
سواي بتحنان الأغاريد يطرب *** وغيري باللذات يلهو ويعجبُ
وما أنا ممن تأسِرُ الخمرُ لبَّه *** ويملك سمعيه اليراعُ المثقبُ
ولكن أخوهَمٍّ إذا ماترجحت *** به سورةٌ نحو العلا راح يدأب
نفى النوم عن عينيه نفسٌ أبيةً *** لها بين أطراف الأسنة مطلب

قال الشوكاني رحمه الله حاثًا على علو الهمة: "وينبغي لمن كان صادق الرغبة قوي الفهم ثاقب النظر عزيز النفس شهم الطبع عالي الهمة سامي الغريزة - ألا يرضى لنفسه بالدون ولا يقنع بما دون الغاية ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغين له إلى أعلى ما يراد وأرفع ما يستفاد؛ فإن النفوس الأبية والهمم العلية لا ترضى بما دون الغاية في المطالب الدنيوية من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة حتى قال قائلهم:

إذا غامرت في شرفٍ مروم *** فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمرٍ حقير *** كطعم الموت في أمرٍ عظيم

وقال آخر مشيرًا إلى هذا المعنى:
إذا ما لم تكن مَلِكًا مُطاعًا *** فكن عبدًا لخالقه مُطيعًا
وإن لم تملك الدنيا جميعًا *** كما تهواه فاتركها جميعًا
هما شيئان من مُلْكٍ ونُسْكٍ *** ينيلان الفتى شرفًا منيعًا

وقال آخر:
فإما مكان يضرب النجم دونه *** سرادقه أو باكيًا لحمام

وقد ورد هذا المعنى كثيرًا في النظم والنثر وهو المطلب الذي تنشط إليه الهمم الشريفة، وتقبله النفوس العلية"[20].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]- (انظر الأخلاق الإسلامية: [2/473]).

[2]- (رسائل الإصلاح: [2/88]).

[3]- (ديوان المتنبي: [4/75]).

[4]- (مفتاح دار السعادة، لابن القيم: [1/109]).

[5]- (ديوان البارودي، ص: [43]).

[6]- (انظر رسائل الإصلاح: [2/ 62-88]).

[7]- (جمهرة أشعار العرب؛ لأبي زيد القرشي، ص: [364]).

[8]- (صيد الخاطر: [2/224]).

[9]- (انظر: وحي القلم، ص: [2/83]).

[10]- (ديوان المتنبي: [3/ 378-379]).

[11]- (انظر: حياة الأمة، ص: [529]، والسعادة العظمى، ص: [209]).

[12]- (انظر: رسائل الإصلاح، ص: [2/86]).

[13]- (شرح ديوان سقط الزند؛ للمعري، ص: [57]).

[14]- (ديوان الشوكاني - أسلاك الجوهر، ص: [302]).

[15]- (ديوان أبي فراس الحمداني، ص: [156]).

[16]- (ديوان المتنبي: [39-40]).

[17]- (علي بن المقرب العيوني: حياته، شعره، ص: [227]).

[18]- (أسوعها: أهملها).

[19]- (ديوان البارودي، ص: [42]).

[20]- (أدب الطلب ومنتهى الأدب، ص: [127]).


 

المصدر: كتاب: الهمة العالية

محمد بن إبراهيم الحمد

دكتور مشارك في قسم العقيدة - جامعة القصيم

  • 3
  • 3
  • 21,988
المقال السابق
(13) مقومات الهمة العالية (هل يمكن اكتساب الهمة العالية؟)
المقال التالي
(15) مقومات الهمة العالية (علو الهمة 2)

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً