الهمة العالية - (15) مقومات الهمة العالية (علو الهمة 2)

منذ 2014-10-30

المؤمنون الصادقون لا يُدنِّسون أنفسهم بالدناءات ومحقرات الأمور، ولا يُريقون ماء وجوههم في سبيل الحصول على عرضٍ من أعراض الدنيا، ولا يُفنون أعمارهم ولا يُبدِّدون طاقاتهم بحثًا عن منصبٍ أو جاهٍ أو مُلكٍ، يكون غايتَهم، ومنتهى طموحهم. بل يرون أن الآخرة هي أولى بأن تبتغى، ويسعى لها سعيها؛ فنعيمها خيرٌ وأبقى، وملكها ملكٌ لا ينقطع ولا يبلى.

الهمة العالية، وشرف المقصد:

الهمة العالية خُلقٌ سامٍ، ومسلكٌ رائع، تحبه النفوس، وتهفو إليه القلوب -كما مرّ بيان ذلك-.

وأجمل ما في ذلك الخُلق وأروع ما فيه - ما كان مقترنًا بشرف المقصد، ونبل الهدف والغاية.

فالناس تتفاوت هممهم رفعة وضعة، وتختلف مشاربهم عُلُوًَّا وحِطَّة.

ولكن الشأن كل الشأن فيمن جمع إلى علو الهمة شرف المقصد، ونبل الهدف والغاية.

وإذا علمت نفسٌ طاب عنصرُها، وشرف وجدانها أن مطمح الهمم إنما هي غاية وحياة وراء حياتها الطبيعية - لم تقف بسعيها عند حد غذاء يقوتها، وكساء يسترها، ومسكن تأوى إليه.

بل لا تستفيق جهدها، ولا يطمئن بها قرارها إلا إذا بلغت مجدًا يصعد بها إلى أن تختلط بكواكب الجوزاء[1].

ولا ريب أن أعلى المطالب، وأشرف المكاسب - هو ما كان لله، وفي سبيل الله تبارك وتعالى.

ولذلك "لما كان مجد الآخرة أعظم المجد - كان ابتغاؤه أعظم الغايات، وكان هو الهمُّ الأكبر للمؤمنين الصادقين ذوي الهمم العليِّة، والنفوس الكبيرة الزكية. أما الدنيا فإنها في نظرهم -مهما بلغت أمجادها- قليلة القيمة في جنب الآخرة؛ لذلك فهم يحاولون أن يبتغوا فيما آتاهم الله الدار الآخرة، مع أنهم لا ينسون نصيبهم من الدنيا"[2].

فاستصغار متاع الدنيا، وتحقير لذائذها في نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويكبر بهممهم عن جعلها قبلةً يولون وجوههم شطرها حيثما كانوا.

وقد بيّن لنا العيان أن الإنسان متى عكف على ملاذ الدنيا، ولم يصحُ فؤاده عن اللهو بزخارفها - ماتت عواطفه، ونسي أو تناسى من أين تؤتى المكارم والمروءة، ودخل مع الأنعام في حياتها السافلة.

ولا يعني التزهيد والحط من متاع الحياة الدنيا ترغيب الإنسان ليعيش مجانبًا للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق.

وإنما يقصد من ذلك حِكَمٌ أخرى، ومنها تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاع ما في طبيعتها من الشره والطمع؛ لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل، ويتطوح بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة[3].

ولذلك فالمؤمنون الصادقون لا يُدنِّسون أنفسهم بالدناءات ومحقرات الأمور، ولا يُريقون ماء وجوههم في سبيل الحصول على عرضٍ من أعراض الدنيا، ولا يُفنون أعمارهم ولا يُبدِّدون طاقاتهم بحثًا عن منصبٍ أو جاهٍ أو مُلكٍ، يكون غايتَهم، ومنتهى طموحهم.

بل يرون أن الآخرة هي أولى بأن تبتغى، ويسعى لها سعيها؛ فنعيمها خيرٌ وأبقى، وملكها ملكٌ لا ينقطع ولا يبلى.

قال تعالى مُخبرًا عن بعض ما يناله أهل الجنة: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} [الإنسان:20].

فما ظنك بنعيمٍ ومُلكٍ وصفه الله بأنه كبير؟!

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها»[4].

ولهذا فكلما علت همة الإنسان كانت مطالبه أسمى، وصغرت في عينه المطالب الدنية، فلا يكلّف به كثيرًا، ولا يتتبعها إلا بمقدار الحاجات[5].

"قيل للعتابي: فلانٌ بعيد الهمة، قال: إذًا ليس له غاية دون الجنة"[6].

قال ابن حزم رحمه الله: "لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل في دعاء الحق، وفي حماية الحريم، وفي رفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى وفي نصر مظلومٍ. وباذل نفسه في عرض دنيا كبائع الياقوت بالحصى"[7].

وقال رحمه الله: "وجدت العمل للآخرة سالمًا من كل عيب، خالصًا من كل كدر، موصلًا إلى طرد الهم على الحقيقة. ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يُسر؛ إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عون له على ما يطلب، وزايد في الغرض الذي إياه يقصد. ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم؛ إذ ليس مؤاخذًا بذلك؛ فهو غير مؤثر في ما يطلب. ورأيته إن قصد بالأذى سُرَّ، وإن نكبته نكبةٌ سُرَّ، وإن تعب فيما سلك سُرَّ؛ فهو في سرورٍ أبدًا، وغيره بخلاف ذلك أبدًا"[8].

وقال الشوكاني رحمه الله بعد أن رغَّب في علو الهمة، وبيَّن فضل الهمة العالية، وأن النفوس الأبية تسعى إليها وتتطلبها في شتى المطالب الدنيوية - قال: "وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال، قريبة الاضمحلال - فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف مطلبًا، وأعظم مكسبًا، وأرفع مرادًا، وأجلَّ خطرًا، وأعظم قدرًا، وأعود نفعًا، وأتمُّ فائدةً؟

وهي المطالب الدينية مع كون العلم أعلاها، وأولاها بكل فضيلة، وأجلَّها وأكملها في حصول المقصود، وهو الخير الأخروي؛ فإن الله سبحانه قد قرن العلماء في كتابه بنفسه وملائكته فقال: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:18].
 
وقصر الخشية له التي هي سبب الفوز لديه عليهم فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر من الآية:28].

وأخبر عباده بأنه يرفع علماء أمته درجات فقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة من الآية:11].

وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بأن العلماء ورثة الأنبياء»[9].

وناهيك بهذه المزية الجليلة، والمنقبة النبيلة.

فأكرم بنفسٍ تطلب غاية المطالب في أشرف المكاسب، وأحبب برجلٍ أراد من الفضائل ما لا تدانيه فضيلة، ولا تسامية منقبة، ولا تقاربه مكرمة"[10].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع والهوامش:

[1]ـ (انظر الحرية في الإسلام، ص: [10]).

[2]ـ (الأخلاق الإسلامية: [2/475]).

[3]ـ (انظر الحرية في الإسلام، ص: [38]).

[4]ـ (رواه البخاري: [7/170]).

[5]ـ (انظر الأخلاق الإسلامية: [2/475]).

[6]ـ (عيون الأخبار: [1/233]).

[7]ـ (الأخلاق والسير، ص: [16]).

[8]ـ (الأخلاق والسير، ص: [16]).

[9]ـ (هذا جزءٌ من حديثٍ رواه أبو الدرداء رضي الله عنه، ولفظ الحديث: «وإن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورَّثوا العلم، من أخذه أخذ بحظٍ وافر، ومن سلك طريقًا يطلب به عِلمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة».

والحديث أورده الإمام البخاري في صحيحه؛ في باب: العلم قبل القول والعمل: [1/25]، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: [5/196]، وأبو داود: [4/57] [3641]، والترمذي: [5/48] [2628]، وابن ماجة: [1/81] [223]، والدارمي في سننه: [1/208]، وابن حبان في صحيحه: [1/289] [88]، وغيرهم كثير... من طريق عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء رضي الله عنه الحديث بطوله. وقد اختلف الرواة في إسناده، ومن ثم اختُلف في درجته.

فنقل ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: [1/34] عن حمزة الكناني أنه حسّنه، وصححّه الألباني في صحيح الجامع: [1/289] [88]، وحسّنه في صحيح الترغيب والترهيب، ص: [33] [68]. وقال الدار قطني في العلل: [6/216] [6173]، وعاصم بن رجاء ومن فوقه إلى أبي الدرداء ضعفاء، ولا يثبت.

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال [2/4] [2599]: "داود بن جميل حديثه مضطرب، وضعّفه الأزدي، وداود لا يُعرف كشيخه"، وقال الدار قطني في العِلل: "عاصم ومن فوقه ضعفاء، ولا يُصح" ا.هـ).

[10]ـ (أدب الطلب، ص: [128]).

 

المصدر: كتاب: الهمة العالية

محمد بن إبراهيم الحمد

دكتور مشارك في قسم العقيدة - جامعة القصيم

  • 1
  • 0
  • 7,809
المقال السابق
(14) مقومات الهمة العالية (علو الهمة 1)
المقال التالي
(16) مقومات الهمة العالية (علو الهمة 3)

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً