أيُّ صفٍّ أولى بالوصل؟!

منذ 2015-04-26

إنه برص صفوف الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ووصلها وتسويتها توصيل كل الصفوف وفي شتى الميادين، وتُرَصُّ أبنيتها وتشتدّ وتستوي.. بل حتى صفوف الصلاة فهي في حاجة إلى صفوف الدعوة.. لأن الدعوة بكل وسائلها وأنواعها نوع من الدفع ودرجة من درجاته وسببٌ من أسبابه.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحابته ومن والاه، وبعد: فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قال عن وَصْلِ صفِّ الصلاة: «من وَصَلَ صفّا وصله الله»(الألباني؛ سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم: [743])، فإنّ وصْل صفوف الدعوة ورصها أخطر بكثير – في حياة الأمة- من وصلِ صفٍّ - يطول أو يقصر- لصلاةِ جماعةٍ قليلة في ناحية من الأرض – على عظيم أهميته - لا يتضرر بقطعه إلا هم. وذلك باعتبار الضرر أو النفع المتعديَّيْنِ إلى أكثر المسلمين..

بل إن الصلاةَ مدرسة كبرى، فيها تلخيصٌ بديع لشؤون المسلمين فرادى وجماعات، في قنوتهم لله تعالى وفي استوائهم أمامه سبحانه وتعالى، وفي اصطفافهم عنده، وفي تقديمهم لأَوْلاهم وأعلمِهم بشأنها، واتِّباعهم له في طوع ورضى، وفي تنبيهه إذا سها.. وفي الخروج عن إمامته إذا وقع فيما يبطلها وغير ذلك.. فهي تربية على كل ذلك ودعوة إليه. وقد كان النبي  صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه –رضي الله تعالى عنهم: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف»(مسلم؛ صحيح مسلم، برقم:[430]).

وكان صلى الله عليه وسلم يأمر برص الصفوف وينهى عن وَدْعِ الفُرُجات للشيطان، بل علَّق اجتماع القلوب والوجوه بتسوية الصف،  وذلك لعلاقة الظاهر بالباطن، فكان  صلى الله عليه وسلم يقول: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» (البخاري؛ برقم:[717]، ومسلم، برقم: [436]؛ في صحيحيهما) ، ويقول صلى الله عليه وسلم: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم »، قال أبو مسعود: "فأنتم اليوم أشد اختلافا"(مسلم؛ في صحيحه، برقم :[432])، فكان يُقرِّب إليه ذوي الألباب والنُّهى –كما في هذا الحديث- ويَعرف لهم منزلتهم فيه... بل يُروى أنه كان يلكز صدر من يخرج عن الصف حتى يوجعه!

وهذه الوحدة في الصف ليست بنشاز في حياة المسلم، بل نجدها أيضًا في موطن آخَر، ذكره الله تعالى وسمى به سورة قرآنية كاملة هي سورة "الصف" إذ يقول الله تعالى فيها: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} [الصف:4]. فمِن أول عمل مُمَنهج يبدأ به المسلم إسلامه، ويصطفُّ فيه مع جماعته.. إلى ذروة سنام الإسلام، حيث يؤمر بتوحيد الصف ورصه، فهذه صفتهم في هذين الموطنين وهاتين العبادتين؛ في ذروة سنام الإسلام وفي عموده، وفيما بينهما كذلك.

بل إن إقامة الصلاة كلها لا بد أن يكون من ثمراتها وصل صفوف الدعوة وزادًا من أزْوادِها، وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر الواقعة في صفوف الدعوة وغيرها، كما قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}[العنكبوت:45]. فعجَبًا لصفوف دعوةٍ معوجَّة أهلها كلهم مصلون!

إنه برص صفوف الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ووصلها وتسويتها توصيل كل الصفوف وفي شتى الميادين، وتُرَصُّ أبنيتها وتشتدّ وتستوي.. بل حتى صفوف الصلاة فهي في حاجة إلى صفوف الدعوة.. لأن الدعوة بكل وسائلها وأنواعها نوع من الدفع ودرجة من درجاته وسببٌ من أسبابه.. فبالدعوة والدعاة يكون دفع الله سبحانه وتعالى-عن الشعائر والشرائع والمشاعر.. قال الله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحج:40]، وقال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}[البقرة:252].. وهل يكون هذا الدفع أو يمكن وأوصال صفوف الدعوة مقطعة؟! إذًا لا بد من وصل صفوفها.. وأصعب الشيء مبدأه.. ولا تحقرنّ من المعروف شيئًا..وما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جلُّه.. وإيقاد شمعة خير من لعن الظلام..

إن ظهور الاختلاف في صفوف الأمة على مرأى ومسمع الشانئ والضعيف أمر وراء مجرد وقوع الاختلاف، فانظر ابن مسعود رضي الله عنه ينكر على عثمان رضي الله عنه إتمام الصلاة بمكة، ثم يصلي وراءه الأربع، فيقال له، تنكر ثم تصلي، فيقول: "الخلاف شر"، فظهور الخلاف بغير موجب، يتحول إلى صد عن سبيل الله لا إلى دعوة إلى الله وسبيله!

وقليل هم في الأمة مفاتيح الخير بالنسبة إلى أكثر المسلمين حتى إن نسبتهم لتصل إلى نسبة الملح في الطعام. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، فطوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر»، ومِن قبلُ قال عيسى عليه السلام: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم:30-31] وجعلني مباركا:أي نَفَّاعا للناس أينما حل وارتحل..

هذا ولسنا نقول هَلَكَ الناسُ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا قال الرجل: قال هلك الناس فهو أهلَكَهم» (مسلم؛ في صحيحيه، برقم:[2623])، بفتح الكاف أي كان سببا في هلاكهم، وذلك بما يبثه في نفوسهم من إحباط وتثبيط وتيئيس، فمِن الناس مَن إذا فَقَدَ الأملَ في الخير أَوْغَل في الشر.. فالأهون تركُهُ في أقل الشرّ من أن يوغل في أكثره.. وربما «أهلَكَهم» وذلك بما يبني على حكمه عليهم بالهلاك، وما يقوم به من تصرفات ضدهم بناءً على حكمه الجائرالفاسد، كما فعلت الخوارج بالأمة فإنهم لمَّا حكَموا عليها بالهلاك الديني، كفَّروها واستباحوا أعراضها وأموالها ودماءها..

وفي رواية أخرى : «فهو أهلَكُهم»، بضم الكاف، أي هو أهلكُ واحد فيهم.. وعين الهلاك ألا يرى الإنسان خيرا في أمة مرحومة داعية شهيدة على الأمم، بشَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفعة والسناء والنصر والتمكين، مهما دقَّ حبلها فلم ينقطعومهما ذَبُل نَبتُها فلن يموت.. فهذا الحكم يدل على هلاكٍ في قلبِ وبصيرة من أصدره على الناس عامة.

ولعله من وسائل وصل الصفوف، ليس إذابة الجماعات في جماعة واحدة، وجعل الكيانات كيانًا واحدًا، وهذا وإن كان مطلبًا شرعيًّا، لكنه عزيز، وكما قيل: إن أردت أن تُطاع، فأمر بما يُستطاع، ولكن المطلوب فقط: التفاهم على وحدة الهدف وشرعية الوسيلة، ومنه: أن نعذر بعضنا بعضًا فيما يسوغ فيه الاجتهاد، وألَّا يتأسْتَذ بعضنا على بعض، وأن نعقد الولاء والبراء على الأصول وما لا خلاف فيه، لا على فرعيات يقع فيها الاختلاف، وألا نقف عند المسمّيات، وإنما العبرة بالمضامين في المناهج والأخلاق، فإنه من بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه كما في الحديث. ونضبط أنفسنا أخلاقًا وطرائق دعوة ونقاط انطلاق على فكرة التكامل لا التَّضاد، فكل يجتهد فيما برَّز في، وألَّا نتخذ الكافرين والضالين من علمانيين ونحوهم أولياء من دون المؤمنين، ولو خالفونا في طريقة أو أسلوب، فإن مع المؤمنين خلاف في دائرة الإسلام ومع الآخرين خلاف عن الإسلام... وأن نأخذ العبرة من الأحداث، والقريبة منها خاصة..

فحيَّ على جمع القلوب ورص الصفوف، وكذا تعانق الأرواح ولو من وراء البحار والأقطار.. والفيافي والقفار.. فما أجمل أن تتعارف الأرواح ولا تتناكر.. فلا تتنافر، وإن الإحساس بذلك لَدليل على وجود نوعٍ من الجندية لله تعالى في هذه النفوس.. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنا: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»(البخاري، برقم:[3336]، ومسلم، برقم:[2638]؛ في صحيحيهما)، فاللهم اجعلنا من الذين يؤلَفون ويألفون أهل الخير، ومَن جعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر.

أبو محمد بن عبد الله

باحث وكاتب شرعي ماجستير في الدراسات الإسلامية من كلية الإمام الأوزاعي/ بيروت يحضر الدكتوراه بها كذلك. أستاذ مدرس، ويتابع قضايا الأمة، ويعمل على تنوير المسيرة وتصحيح المفاهيم، على منهج وسطي غير متطرف ولا متميع.

  • 1
  • 0
  • 3,412

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً