الغلو والبدعة

منذ 2015-01-04

والوسطية لها معان كثيرة، ولكن من أشهرها وأليقها ببحثنا: الاعتدال والتوسط بين الإفراط والتفريط، كما اختار ذلك شيخ المفسرين الإمام الطبري - رحمه الله -، وفي ذلك غاية التأكيد على أن الأمة الإسلامية بعيدة عن الغلو، كما هي بعيدة عن الجفاء، وذلك من أعظم ركائز خيريتها.

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد و على آله و صحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الوضع الذي تعيشه الأمة الإسلامية لا يخفى على أحد، والحرب العالمية الشاملة التي تواجهها لا يماري فيها عاقل، ولا يأمن مغبتها من يشاهد ملامحها، ويدرك بواعثها، ويدري دارية صحيحة بالسنن الإلهية التي بموجبها قامت، وبموجبها يحصل الظفر، أو المزيد من الانكسار للأمة، وأبرز أسباب ضعف الأمة وتسلط أعدائها عليها هو ضعف إيمانها، ولن تتنسم نسيم المجد والتمكين إلا إذا عملت على زيادة الإيمان وتقويته في النفوس: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وهناك معوقات كثيرة تحول دون تقوية الإيمان من الانحرافات العلمية والعملية، ومن تلك الانحرافات "الغلو" الذي يبعث على العديد من الأمراض التي تضعف الإيمان، والابتداع وهو إن كان من مظاهر الغلو إلا أنه أعظم وأخطر تلك المظاهر؛ لذا فقد أحببت أن أقدم هذه الورقة عن هذين العائقين من عوائق الأعمال الصالحة، التي بها يقوى الإيمان؛ مساهمةً في ندوة تقوية الإيمان، التي تقيمها جامعة الإيمان - سلمها الله من كيد أعدائها - أسأل الله أن يجعل هذه المساهمة خالصة لوجهه، نافعة ومكملة لما يتقدم به الإخوة العلماء والدعاة، وإن كانت البضاعة مزجاة، فأسأل الله العفو عن الزلل، والبركة في العمل، إنه سميع مجيب.

الفصل الأول: الغلو:

المبحث الأول: تعريف الغلو:

أ) الغلو في اللغة:

اتفقت كلمة علماء اللغة على أن الغلو هو مجاوزة الحد[1]، والارتفاع بالأمر عما هو عليه في الحقيقة[2]، ويطلق أيضاً على التشدد والتصلب[3].

ب) الغلو في الاصطلاح:

هو: "المبالغة في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحد، و فيه معنى التعمق"[4]، والشيء هنا شامل للعقائد، والعبادات، والمعاملات، والحب، والبغض، والنظر إلى الأشخاص والأعمال، والحكم عليها.

المبحث الثاني: نصوص الكتاب والسنة الناهية عن الغلو:

لقد تكاثرت نصوص الكتاب والسنة الناهية عن الغلو، وجاءت متنوعة بأساليب مختلفة: فمن أساليب القرآن الناهية عن الغلو:

1- إلزام جميع أفراد الأمة أن تقرأ في كل ركعة من صلاتها هذا الدعاء العظيم من سورة الفاتحة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)، والصراط المستقيم هو: "ما جمع خمسة أوصاف: أن يكون طريقا ًمستقيماً، سهلاً، مسلوكاً، واسعاً، موصلاً إلى المقصود، فلا تسمي العرب الطريق المعوج صراطاً، ولا الصعب المشق، ولا المسدود غير الموصل"[5]، فهذا الدعاء يتضمن تجنب طريق الغلو، وطريق الجفاء، والهداية إلى ما هو وسط بينهما. وقد عرف عن النصارى غلوهم الشديد في عيسى وأمه حتى نقلوهما إلى مرتبة الربوبية[6].

بل إن معظم الانحرافات في الديانة النصرانية كان سببها الغلو[7]، لذلك فإن الداعي بذلك الدعاء إنما يدعو أن يجنبه الله غلو النصارى وضلالهم، كما يدعو أن يجنبه جفاء اليهود وإلحادهم.

2- وصف الأمة بالوسطية: وذلك في قوله - تعالى -: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)[8].

والوسطية لها معان كثيرة، ولكن من أشهرها وأليقها ببحثنا: الاعتدال والتوسط بين الإفراط والتفريط، كما اختار ذلك شيخ المفسرين الإمام الطبري - رحمه الله -[9]، وفي ذلك غاية التأكيد على أن الأمة الإسلامية بعيدة عن الغلو، كما هي بعيدة عن الجفاء، وذلك من أعظم ركائز خيريتها.

3 -النهي عن تعدي حدود الله: وذلك في قوله - تعالى -: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)[10]، والحدود هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة المأمور بها، وغير المأمور بها تعديها هو تجاوزها، وعدم الوقوف عليها[11].

4 -النهي الموجه إلى أهل الكتاب عن الغلو الذي يتضمن نهينا نحن عنه؛كون العلة فيه قائمة، والآثار المترتبة على غلوهم موجودة، وفاعله في هذه الأمة: وذلك في قوله - تعالى -: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبحانَه أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً)[12]، وقال - سبحانه -: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)[13]، وهناك نصوص قرآنية أخرى يمكن الاستدلال بها على النهي عن الغلو تركتها للاختصار.

وكما نهى القرآن عن الغلو، نهى عنه الرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبأساليب مختلفة كذلك منها:

1 - النهي الصريح والمباشر عن الغلو، كما في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في قصة لقط حصى الجمار، فعنه أنه قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة جمع: ((هلم القط لي الحصى))، فلقطت له حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: ((نعم، بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو في الدين))[14].

2 -بيان مصير الغالي وعاقبته، وأن مصيره الهلاك: كما في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثاً[15]، قال النووي - رحمه الله -: "أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم"[16].

3- الإخبار عن طبيعة هذا الدين، وأنه يسر، وإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه: كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: ((إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة))[17]، قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: "والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز، وانقطع فيُغلب، قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع"[18].

4 - تربيته - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه عند المناسبات، وعند ظهور الغلو، وإرشادهم إلى فساده، ومجانبته لمنهجه - صلى الله عليه وسلم -، وعاقبته الوخيمة، وقد ورد فيما يخص غلو الإنسان في عبادته، ومعاملته ربه، وفيما يتعدى، ويتعلق بمعاملة الخلق، والحكم عليهم: فمن الأول موقفه - صلى الله عليه وسلم - من الثلاثة النفر الذين تقالوا عبادته؛ فآلوا على أنفسهم أن يجاوزوها، ويشددوا على أنفسهم في العبادة بما هو أبلغ من عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما في حديث أنس - رضي الله عنه - قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي أبداً، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))"[19]، فهكذا عالج النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الظاهرة، وقضى عليها في مهدها، وأرسلها قاعدة لأمته: أن الحق لا يمكن أن يكون في الغلو، وتجاوز ما اختاره لنفسه - صلى الله عليه وسلم -.

وأما ما يخص النظر إلى الآخرين، والحكم عليهم، فقد ظهر في رده على من غلا في تحري الحق بزعمه، وتنقصه لحكم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وموقفه منه، وتحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - منه، وممن هو على شاكلته، وذلك كما في حديث أبي سعيد الخدري قال: "بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بذهبية فقسمها بين أربعة"، وذكر الأربعة، ثم قال: فتغيضت قريش والأنصار، فقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا، قال: ((إنما أتألفهم))، فأقبل رجل غائر العينين، ناتئ الجبين، كث اللحية، مشرق الوجنتين، محلوق الرأس، فقال: يا محمد اتق الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فمن يطع الله إذا عصيته؟ أفيأمنني على أهل الأرض، ولا تأمنوني))؟ فسأل رجل من القوم قتله - أراه خالد بن الوليد - فمنعه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما ولى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد))[20]، فترى النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا عندما ظهر الغلو من هذا الرجل في نظرته إلى النبي صلى الله عليه ويسلم، وحكمه عليه، استغلّ المناسبة فحذر منه، وممن على شاكلته ممن سيأتي في المستقبل مبيناً مدى غلوهم الذي به يمرقون من الدين، وأشار إلى ما يجب إزاءهم من الموقف الصلب الذي يصل إلى قتلهم؛ وذلك لأن الدرجة التي وصلوا إليها من الغلو لا يجدي فيها الجدل، والدفع بالتي هي أحسن، وفي نفس الوقت أبى أن يقابل الغلو بغلو مثله حين سئل الإذن بقتله، وهذا غاية العدل، وإن من اشتط وغلا فإن مقابلته لا بد أن تكون بالعدل، وألا نغلوا في مواجهته والرد عليه، كما غلا هو في الابتداء.

فهذه النصوص القرآنية والنبوية ظاهرة الدلالة على قبح الغلو وخطورته، وعظيم أثره على الأمة، وأن ذلك الأثر لا يقتصر على جانب من الجوانب، بل هو شامل لجوانب متعددة: فهو يفسد العقائد، وينحرف بالعبادات عن وضعها الصحيح، ويخل بالنظر إلى الآخرين، ويؤدي إلى الظلم في الحكم عليهم، ويدفع أصحابه إلى اتخاذ مواقف عدائية جائرة من إخوانهم المسلمين، ومن غير المسلمين.

ومن هنا كان ظهور الفِرَق المخالفة للسنة؛ سببه الغلو إما في تضخيم شيء على حساب آخر، مثل الذين قدسوا العقل، وحكّموه في الوحي، أو في المتبوعين كالذين غلوا في فلاسفة الشرق والغرب، وأقاموهم مقام النَّدْيّة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأئمة الدين، بل قدموهم عليهم، أو في أشخاص كغلو فرق الشيعة والصوفية، أو في التعبد بما لم يشرع الله، أو التنطع، والتكلف في فهم النصوص كما هو شأن الخوارج، ومن سار على شاكلتهم، أو في مواقفهم من الآخرين، وفي الحكم عليهم.

المبحث الثالث: معالجة السلف - رحمهم الله - ومن تبعهم من العلماء لمظاهر الغلو:

ظهرت في عهد النبي صلى الله عليه ويسلم بعض ملامح الغلو على تصرفات بعض الصحابة، وهي في العبادة والمبالغة فيها غالباً، فبادر من رآها منهم إلى إنكارها، ثم ذكروها للرسول الله صلى عليه وسلم فأيد من أنكرها:

من ذلك قصة سلمان الفارسي وأبي الدرداء - رضي الله عنهما - حينما آخى بينهما النبي صلى عليه وسلم، فرأى سلمان أم الدرداء مبتذلة، فسألها عن ذلك، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاماً، فقال له: كلْ، قال: إني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر ذلك له، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((صدق سلمان))[21]، وهكذا حينما أحس عمرو بن العاص بمبالغة ابنه عبد الله في العبادة، وعدم التفاته إلى زوجته التي زوّجه إياها، وحاوله أن يرجع عن ذلك، فلم يفعل عبد الله حتى ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فاستدعاه، وبين له ما هو الأفضل في العبادة، من الصلاة، والصوم، وقراءة القرآن، وكيف يجمع بين ذلك وبين أداء حق أهله[22].

وبعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وانتشار الإسلام، ودخول الأمم في دين الله وتحمل الكثير مما كانت عليه مجتمعاتها: من عقائد، وعادات، وسلوك، خيف ظهور الغلو في هذه الأمة، فقاوم الصحابة ذلك مقاومة كبيرة، وكان من أبرزهم في ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إبان خلافته، وله مواقف مشهورة في ذلك منها:

أ) إنكاره على من يتتبع آثار الرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمواضع التي تعبد فيها، فعن المعرور بن سويد - رحمه الله - قال: "خرجنا مع عمر بن الخطاب فعرض لنا في بعض الطريق مسجد فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر: ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال عمر: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا، حتى أحدثوها بيعاً، فمن عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض"[23].

ب) موقفه عندما قبّل الحجر الأسود، ثم توجه إليه قائلاً: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك"[24].

ولعلي - رضي الله عنه - مواقف عظيمة في محاربة الغلو، لم تقتصر على مجرد الكلام، إنما تعدت إلى الفعال، بل إلى القتل والقتال:

فحينما ظهرت السبئية الغالية، وادَّعوا فيه الألوهية، حاورهم ونصحهم لعلهم يرجعون عن مقالتهم، فلما يئس من ذلك حرّقهم بالنار، وقال مقالته المشهورة:

لما رأيت الأمر أمراً منكراً *** أججت ناري ودعوت قنبراً[25].

ونحو ذلك فعل مع الخوارج الغلاة، حينما ظهر غلوهم وأعلنوا الخروج على جماعة المسلمين، واستباحة دماء مخالفيهم، وبعد أن انسد باب الحوار معهم، قاتلهم حتى كاد أن يفنيهم، ومعه الصحابة، وكبار التابعين، مع أنه لم يكفرهم، بل حينما سئل: أكفارٌ هم؟ قال: "من الكفر فَرُّوا".

وهكذا توالت تلك المواقف من الغلو، فللتابعين مواقفهم، ولأتباعهم وأئمة الدين، وعلماء المسلمين حتى يومنا هذا، وهذه المواقف لا يتسع المقام لذكرها وتفصيلها في هذا البحث المختصر.

المبحث الرابع: دواعي حرص السلف لمواجهة الغلو:

تلك هي بعض مواقف الصحابة - رضي الله عنهم - في مواجهة الغلو، وقد كان لتلك المواقف دواعي ومسوغات من أهمها:

أنه السبب الرئيس للفرقة، والنزاع، وظهور الفرق المختلفة التي يكفر بعضها بعضاً، ويضلل بعضها بعضاً، وينشغل بعضها بمحاربة البعض الآخر عن جهاد العداء، والعمل على نشر الدين، وبناء حضارته، وتوسيع كيانه.

ومنها: أنه الباب الذي دخل منه المغرضون، والمتآمرون على هدم الإسلام من داخله، فعبد الله بن سبأ اليهودي دخل من باب الغلو فأسس عليه نحلة الرفض التي لا تضاهيها في كثرة بدعها، وشدة نيلها من الإسلام نحلة أخرى، وعبيد الله القداح دخل منه كذلك، وأسس الباطنية ذلك الخنجر المسموم الذي غرز في جنب الأمة الإسلامية فاستمر نزيفه القاتل إلى اليوم، ولم يقف عند باطنية الشيعة، بل فرّخ باطنية الصوفية التي طبق أتباعها جمع أقطار العالم الإسلامي، وما زالوا يشكلون وصمة عار في جبين الأمة، وعقبة كئود في سبيل نهضتها، وهذه الفرق غلوها في الرجال غالباً، وتبع ذلك ضروب من الغلو في العقائد، والعبادات.

ومن باب الغلو دخل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وهما غاليان في العقل، مقدمان له على نصوص الوحي، مقدسان لأقوال الفلاسفة، مقدمان لها على أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وبسبب ذلك انتشرت بدع التعطيل في الأسماء والصفات، وبدع الإرجاء، والجبر، وكلها مما أصاب الأمة في مقتل، ومازال أثرها ظاهراً للعيان إلى اليوم.

ومنها: أن تكفير الأمة، واستحلال دمائها، وأموالها جاء من طريق الغلو، كما هو الشأن في الخوارج.

ومنها: أن الأفراد المغالون في عقائدهم، وأعمالهم قد أهلكوا أنفسهم، وعطلوا طاقاتهم، بأنفسهم، واحتقروا عمل سواهم، ولو كان من أفضل الأعمال، واسمع إلى أحدهم وهو يعنف الإمام مالكاً، ويعاتبه أن أضاع وقته وجهده في حفظ الحديث ونشره، ولم يتفرغ لإصلاح نفسه وتزكيتها بالعبادة، ظاناً أن العبادة ما هي إلا قيام الليل، وصيام النهار، ومداومة الذكر، فرد عليه الإمام العالم المدرك لحقيقة العبادة وشموليتها بقوله: "إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، ونشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير"[26].

هذه بعض مساوئ الغلو التي حملت السلف - رضي الله عنهم - على محاربته ومقته، وسواها كثير.

المبحث الخامس: أنواع الغلو:

والغلو ينقسم إلى قسمين أساسيين هما:

1 ـ غلو كلي اعتقادي.

2 ـ غلو جزئي عملي.

القسم الأول: الغلو الكلي الاعتقادي: والمراد به ما كان متعلقاً بكليات الشريعة الإسلامية، وأمات مسائلها، والمراد بالاعتقادي ما كان متعلقاً بباب العقائد فهو محصور في الجانب الاعتقادي الذي يكون منتجاً للعمل بالجوارح، وأمثلة هذا النوع كثيرة منها: الغلو في الأئمة وادعاء العصمة لهم، أو الغلو في البراءة من المجتمع العاصي، وتكفير أفراده واعتزالهم.

ويدخل في الغلو الكلي الاعتقادي، الغلو في فروع كثيرة، إذ أن المعارضة الحاصلة به للشرع مماثلة لتلك المعارضة بالغلو في أمر كلي[27].

القسم الثاني: الغلو الجزئي العملي: "والمراد به ما كان متعلقاً بجزئية أو أكثر من جزئيات الشريعة الإسلامية.

والمراد بالعملي ما كان متعلقاً بباب العمليات، فهو محصور في جانب الفعل سواء أكان قولاً باللسان أم عملاً بالجوارح.

والعملي هنا المراد به ما كان عملاً مجرداً ليس نتاج عقيدة فاسدة، فأما إن كان كذلك فهو غلو عقدي وبالمثال يتضح المقال:

الذي يقوم الليل كله يعد غالياً غلواً عملياً.

الذي يعتزل مساجد المسلمين؛ لأنه يراها مساجد ضرار، هذا غال غلواً كلياً اعتقادياً"[28].

فهذان قسما الغلو، ومن المهم اعتبارها عند البحث في الغلو، حتى لا نغلو في نسبة الغلو إلى من ليس بغال، ولا نخلط بين أقسام الغلاة.

المفهوم المعاصر للغلو: من يتأمل ما سبق من تقسيم الغلو، أو يقرأ أنواع الغلو والغلاة في الكتب المتخصصة سيجد أن السلف - رحمهم الله - أرجعوا الغلو إلى الاختلال في العقيدة، أو في مفهوم العبادة، أو في السلوك المبني غالباً على أحد النوعين السابقين.

وكان تعاملهم مع الغلو شاملاً لجميع أنواعه، وجميع فئات الغلاة، سواء منهم من كان غلوه فيما بينه وبين الله، أو بينه وبين نفسه، أو بينه وبين الناس.

أما ما هو متداول اليوم من بحث في الغلو، وتحديد لحقيقته، ومظاهره فإنه يختلف كثيراً عما كان عليه عند العلماء.

إذ كان مصدر محاربة الغلو اليوم ليس هو الشرع والوحي المعصوم، وإنما الهوى المستحكم، وإرادة أعداء الدين الذين يعملون أساسا ًعلى خلط المفاهيم وقلب الحقائق: فأغفلوا اللفظ الشرعي (الغلو) واستبدلوه بلفظ محدث (التطرف)، وهو لا يساوي مفهوم (الغلو) مساواة كاملة، بل إنه يزيد عليه، حيث يشمل من ابتعد عن الوسط وسلك الطرف، أياً كان هذا الطرف، سواء طرف الغلو، أو طرف الجفاء والتساهل، وهذا التحريف ليس هو الأسوأ، لكن الأسوأ منه أنه لم يستعمل إلا في نوع واحد من أنواع الغلو: وهو الغلو في معاملة الناس، والنظر إليهم، والحكم عليهم، وأسقط من عداهم من الغلاة من القائمة، فالغلاة في العقائد، وفي العبادات، وفي الأشخاص كل أولئك إذا لم يتبرءوا من الكفار، ويجاهدوهم في الله، فهم من أهل الاعتدال والوسطية! وهذا ما دأب عليه رجال السياسة والإعلام إلا من رحم الله.

وأقبح من ذلك أن يجعل من الغلو ما هو محض الاعتدال، وأساس الشرع، وأصل الدين، فالجهاد من حيث هو، بل من حيث التلفظ به غلو، والبراءة من الكفار، بل الكفر بالطاغوت الذي لا إسلام إلا به هو كذلك من الغلو في المفهوم المعاصر للغلو، بل على مستوى العبادة فالحزم فيها، والإتيان بها كما شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلو، والحجاب غلو، والتفريق بين الرجال والنساء غير المحارم غلو.. وهكذا، وهذا التحريف لمفهوم الغلو من أخطر المؤامرات التي استطاع الأعداء أن يوقعوا في شراكها الكثير من قادة الفكر المسلمين، وآثارها لا حصر لها، إن لم يتدارك علماء هذه الأمة، ويحرروا المفاهيم الصحيحة، ويشيعوها بين الناس، ويربوهم عليها، ويزيفوا المفاهيم الدخيلة، والمحرفة، ويكشفوها للناس، ويحذروهم منها.

الفصل الثاني: البدعة:

المبحث الأول: تعريف البدعة، وأنواعها:

أ) البدعة في اللغة:

مأخوذة من الفعل (بدع)، يقولون: "بدعت الركي إذا استنبطتها، ركي بديع حديثة الحفر، وقول العرب: لست ببدع في كذا وكذا، أي: لست بأول من أصابه هذا"[29].

وعلى هذا فتعريفها في اللغة: "إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق، ولا ذكر، ولا معرفة"[30].

ب) البدعة في الاصطلاح:

أشهر تعريف للبدعة هو تعريف الإمام الشاطبي - رحمه الله - في الاعتصام، حيث عرفها تعريفين: أحدهما على رأي من يقول بدخول العادات في معنى البدعة، والثاني على رأي من يقول بعدم دخولها في ذلك المعنى:

فقال في الأول: "فالبدعة إذاًَ عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله - سبحانه –"[31].

وقال في الثاني: "البدعة طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية"[32].

ثم شرح التعريفين، وأبان ما يتفقان فيه، وما يختلف كل تعريف به عن الآخر.

وخلاصته أن البدعة الإتيان بأمر اعتقادي أو عبادي قولي أو فعلي، أو ترك مبني على نية التقرب بذلك الترك، أو نسبة تحريمه إلى الدين، كل ذلك بغير دليل شرعي يخص ذلك الأمر داخلاً في عموم طلبه، أو المنع منه، ثم يكون الأمر مطلوباً طلباً مطلقاً فيقيده العامل بعدد، أو وقت، أو كيفية لم يرد بها دليل، فذلك كله يدخل في البدعة، ولكنه هنا يكون بدعة إضافية، وحين لا يكون مطلوباً أصلاً يسمى بدعة حقيقية[33].

وأما من حيث شمول الاسم البدعة للعادات، فالذي يترجح لديّ أن العادات لا يكون فيها ابتداع من حيث هي عادات، ولو كانت داخلة في التعريف العام للعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية: "اسم جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة" إلا حينما تضاف إلى العبادة، وتربط بها، مثل: (المصافحة عقب الصلاة)، فأصل المصافحة عادة من العادات الحسنة، وقد يثاب عليها الإنسان، بل ثبت الحديث بأنها تكفر الذنوب، غير أنها ليست توقيفية، ولا محددة بكيفية معينة، أو مناسبة معينة، فلا يقال: إن المصافحة على الكيفية الفلانية بدعة، ولا يقال: إن المصافحة في الوقت الفلاني أو عند المناسبة بدعة.

ولكن العلماء صرحوا بأن المصافحة عقب الصلاة بدعة[34].

قال الشاطبي - رحمه الله - في رده على من جعلها من البدع المباحة: "أما أنها بدعة فمسلّم، وأما أنها مباحة فممنوع؛ إذ لا دليل في الشرع على تخصيص تلك الأوقات بها، بل هي مكروهة، إذ يخاف بدوامها إلاحقها بالصلوات المذكورة، كما خاف مالك وصل ستة من أيام شوال برمضان لإمكان أن يعدّها الناس من رمضان، وكذلك وقع"[35].

فحين خشي أن الناس يتعبدون بها، ويلتزمون بذلك التعبد؛ حكم عليها بالبدعة والكراهة.

ومثال آخر: السماع الصوفي، هو في الأصل من العادات ويمكن أن يكون مباحاً، ويمكن أن يكون مكروهاً أو محرماً بحسب ما يشتمل عليه من الآلات والمعاني، أو ما يترتب عليه من آثار، ويكون الحكم عليه إما بالإباحة أو بالكراهة، أو بالتحريم كسائر العادات، ولكن العلماء اعتبروه بدعة؛ وذلك لأن القائمين به ينكرون أنه مجرد لهو أو لعب، وإنما يعتقدون أنه عبادة تقرب إلى الله، وتزكي النفوس، وهذه من أخص خصائص العبادات التوقيفية.

وبهذا التقرير نصل إلى أن العادات لا يدخلها الابتداع من حيث هي عادات، وإنما يدخلها باتخاذها عبادة لذاتها، أو لربطها بالعبادة حتى يظن من يرى شدة ذلك الارتباط ودوامه؛ أنها من لوازم تلك العبادة وتوابعها.

تقسيم البدع إلى بدع اعتقادية وبدع عملية:

والبدع تنقسم إلى قسمين اعتقادية وعملية:

فالاعتقادية هي اعتقاد ما لم يعتقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه سواءً عرفوه وحذروا منه قبل وقوعه، أولم يعرفوه ويحذروا منه.

فمن القسم الأول بدعة القدر - أي نفي القدر - فقد أخبر الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يكون في أمته أناس يلقبون بـ - القدرية -، وأخبر أنهم مجوس هذه الأمة، وأمر بهجرهم ومجانبتهم؛ ردعاً لهم، وصيانة ًللأمة من شرهم فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم))[36]، وكثير من البدع لم يخبر عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم تحدث في عهد أصحابه، ولكن العلماء حكموا عليها بالبدعة؛ كونها مخالفة لما عرفوه من عقائد المسلمين المتلقاة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ومن هذه البدع الاعتقادية ما هو مكفر، ومنها ما دون ذلك.

والبدع العملية هي التعبد بما لم يتعبد به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ومنها ما حكم العلماء بأنها كفر مثل: دعاء غير الله، والذبح والنذر لغير الله، ومنها ما ليس كذلك: كبعض الأوراد والحضرات التي لا تشتمل على ما هو كفر أو شرك بالله - تعالى -.

المبحث الثاني: أدلة النهي عن البدع:

والبدع بأنواعها كلها ورد النهي عنها، إما إجمالاً، وإما تفصيلاً في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة:

فمن أدلة القرآن، قوله - تعالى -: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)[37] عن مجاهد في قوله: (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) قال: "البدع والشبهات"[38].

ومنها قوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)[39]، قال ابن عطية: "الآية في أهل البدع، والأهواء، والفتن ومن جرى مجراهم من أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - أي: فرقوا دين الإسلام... " إلى أن قال: "وقوله - تعالى -(لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) أي: لا تشفع لهم، ولا لهم بك تعلق، وهذا على الإطلاق في الكفار، وعلى جهة المبالغة في العصاة و المتنطعين في الشرع، لأنهم لهم حظ في تفريق الدين، وقوله - تعالى -(إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ) إلى آخر الآية وعيد محض، والقرينة المتقدمة تقتضي أن أمرهم إلى الله فيه وعيد"[40].

ومنها قوله - تعالى -: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[41]، فعن قتادة في قوله - تعالى -: (كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) "يعني: أهل البدع"[42]، وعن ابن عباس في قوله: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) قال: "تبيض وجوه أهل السنة و تسود وجوه أهل البدعة"[43].

هذه بعض الأدلة القرآنية، وهناك أدلة كثيرة من السنة، نورد نماذج منها، ولا نستوعب؛ لأن المقام مقام اختصار.

فمن تلك الأحاديث:

1- حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))[44]، وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))[45].

وهذا الحديث يشمل كل ما خالف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدخل فيه البدعة، والمعصية، والعقود الباطلة كلها.

2- وأصرح من ذلك حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس، يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: ((من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة))[46].

وقد دل هذا الحديث على ذم البدع، والنهي عنها من وجوه:

الوجه الأول: قوله: ((خير الهدي هدي محمد)) حيث أن أصحاب البدع يزعمون أن ما يأتون به من الهدي والخير، فيكون الرد عليهم: إن كنتم تريدون الهدي فخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فلا حاجة لهذا الذي أحدثتموه.

والوجه الثاني: من قوله: ((وشر الأمور محدثاتها))، والبدع محدثة فهي شر، وليست خيراً.

والوجه الثالث: قوله: ((وكل بدعة ضلالة)) فهي عكس الهدي الذي يزعم هؤلاء أنهم يأتونه ويسعون إليه، بل إن الضلال ليوحي بالانحراف البعيد، والخروج الكامل عن الصراط المستقيم، وهذا شأن البدع يخرج بها صاحبها قليلاً في البداية، ثم ما تزال تجذبه شيئاً فشيئاً حتى يصل بعضهم إلى أبعد مواطن الضلال، وربما الكفر والعياذ بالله، خصوصاً إذا اعتبرنا أن البدع شاملة لبدع الأعمال والعقائد التي منها ما اتفق العلماء على أنها كفر.

3 ـ ويشبه هذا الحديث، أو هو أصرح منه، حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))"[47].

وفي رواية لابن ماجه: ((قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد))[48]، والحديث بروايتيه صريح في ذم البدع والنهي عنها، وفي تعميم جميع البدع بالذم، وأعني البدع بالمعنى الشرعي لا اللغوي، قال الحافظ ابن حجر: "فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة"[49].

4 ـ حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: ((إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته))[50]، وهذا الحديث فيه زجر شديد عن البدع، حيث يقرر حجب التوبة عن صاحب البدعة؛ وما ذاك إلا أن المبتدع قد زين له سوء عمله فرآه حسناً، فهو لا يقصر فيه، ولا يشعر بتأنيب الضمير عنه؛ فلا يتصور أن ما هو فيه محتاج إلى توبة، ومن ثم فلن تكون له توبة حتى يدرك خطأه ثم يترك ذلك الخطأ. وهو يشمل البدع كلها، وإن كان في البدع الاعتقادية أظهر.

المبحث الثالث: موقف الصحابة من البدع:

لهذه الأدلة وغيرها، وللأخطار الكبيرة المترتبة على البدع، كان موقف الصحابة - رضي الله عنهم - حازماً قوياً تجاه هذه البدع كلها، وتجاه المبتدعين مهما كان قصدهم، وتسويغهم لبدعهم وسوف أقتصر على أمثلة معدودة من مواقفهم، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى الكتب المتخصصة في ذلك[51].

فمن مواقفهم تجاه البدع الاعتقادية: ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، إذ ساق بسنده إلى يحيى بن يعمر قال: "كان أول من قال في القدر في البصرة معبد الجهني؛ فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوافقنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد فاكتنفته أن وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قِبَلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً، فأنفقه ما قبل الله منه، حتى يؤمن بالقدر... "[52] الخ، فانظر إلى هذا الزجر الشديد، والبراءة من هؤلاء المبتدعة، والإعلان أنه لا يقبل لهم عمل ما داموا على بدعتهم تلك.

ومن مواقفهم تجاه البدع العملية: ما رواه الدارمي في مقدمة سننه، وابن الجوزي في (تلبيس إبليس) عن أبي البحتري قال: "أخبر رجلٌ عبد الله بن مسعود أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك، فأتني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم، فجلس، فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود، فجاء وكان رجلاً حديداً، فقال: أنا عبد الله بن مسعود، والله الذي لا إله غيره! لقد جئتم ببدعة ظلماً، أو لقد فضَلْتم أصحاب محمد علماً[53]، فقال عمر بن عتيمة: أستغفر الله، فقال: عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتضلن ضلالاً بعيداً"[54].

وهذا الأثر ظاهر في شدة إنكار الصحابة على المبتدعين، وإن كانت بدعهم عملية صغيرة في نظر الناس، كما يفهم منه أن البدع تكون في العبادات المشروعة إذا كيفت بكيفيات غير مشروعة، أو حددت بأعداد غير ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومما يؤيد هذا أثر حذيفة - رضي الله عنه - حيث قال: "كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تتعبدوها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً، فاتقوا الله -يا معشر القراء- وخذوا طريق من كان قبلكم"[55].

المبحث الرابع: أسباب البدع:

ومع تلك النصوص الزاجرة عن الابتداع، ومع موقف الصحابة والسلف الصالح الصارم من البدع وأصحابها، نجد أن الابتداع موجود وقديم الوجود في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكأنه سنة كونية في أمم الأنبياء جميعاً لا تتخلف، وهذه الأمة متابعة لها في ذلك بمقتضى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.، قلنا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ))[56]، وبمقتضى قوله الله - صلى الله عليه وسلم -: ((وإنه من يعش منكم، فسيرى اختلافاً كثيراً)).

وقد رصد العلماء أسباباً أدت إلى ظهور البدع وهي كثيرة جداً، وقد اتفقوا على بعضها، وانفرد بعضهم بذكر ما لم يذكره غيره، ومن أهم تلك الأسباب:

الأول: الجهل بمصادر الأحكام الشرعية، وبوسائل فهمها، ويشمل: أ ـ الجهل بالسنة. ب ـ الجهل بمحل القياس. ج ـ الجهل بأساليب اللغة العربية د ـ الجهل بمرتبة القياس.

الثاني: متابعة الهوى في الأحكام: "والابتداع به أشد أنواع الابتداع إثماً عند الله، و أعظم جرماً على الحق، فكم صرف الهوى من شرائع، وبدل من ديانات، وأوقع الإنسان في ضلال مبين!" [57].

الثالث: تحسين الظن بالعقل في الشرعيات: "وهذا هو الاستحسان الذي ذمه أصحاب الرسول، وأئمة الهدى والدين، وأنكروا على الآخذين به، ومن ذلك قول الشافعي - رحمه الله -: "الاستحسان تلذذ، ولو جاز لأحد الاستحسان لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم، ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب، وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعاً"، وقوله: "من استحسن فقد شرع"[58].

هذه أمهات أسباب حدوث البدع، وقد بسطها، ومثّل لها، ودلّل عليها، الشيخ شلتوت - رحمه الله - بكلام متين، وتحرير بالغ رصين.

المبحث الخامس: أوجه إعاقة البدع للأعمال الصالحة:

العمل الذي ترتقي به الأمة في دنياها، وتنال به مرضاة مولاها، وتسعد به في أخراها، هو العمل الصالح الذي هو موضع نظر الرحمن مع نظره للقلوب، كما قال - سبحانه وتعالى -: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[59]، قال الفضيل بن عياض - رحمه الله -: "(أَحْسَنُ عَمَلاً) أخلصه وأصوبه، وقال: العمل لا يقبل حتى يكون خالصاً صوباً، الخالص إذا كان لله، الصواب إذا كان على السنة"، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))[60]، فالعمل موضع نظر الرب - سبحانه -، وبه تكون رفعة العبد في الدنيا والآخرة إن كان صالحاً، أو خفضه وانحطاطه إن كان غير ذلك، وقد عدّ العلماء للبدع مضاراً ومفاسد كثيرة، منها ما يتعلق بالمبتدع نفسه، ومنها ما يتعلق بالأمة بشكل عام.

وإنما أذكر هاهنا ما يتعلق بمعوقات الأعمال، ومسيرة الأمة في واقعها المعاش:

الوجه الأول: أن البدع سبب لتفرق الأمة وتنازعها؛ وذلك هو سبب فشلها وذهاب قوتها، أما كونها سبب الفرقة والتنازع فظاهر ومجرب عبر التاريخ، فإن مرجع أسباب الحروب والاقتتال والنزاع بين الأمة إلى أصلين: الأول: الإمامة والتنافس عليها، والثاني: البدع والتعصب لها، ومعاداة من خالف مناهج أربابها، ولا يمكن حصر ما حصل بسبب ذلك من نزاعات وحروب واقتتال، ولا ما أهدر من طاقت كان يمكن استغلالها في الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته، أوفي البناء العلمي والحضاري.

ذلك هو الدليل التاريخي على أن البدع هي سبيل الفرقة والنزاع، وأما الدليل الشرعي فمنه حديث افتراق الأمة الثابت عن عدد من الصحابة[61]؛ فإن تلك الفرق إنما فارقت أهل السنة، ونازعتهم بسبب بدعها العلمية و العملية.

الوجه الثاني: خروج جماهير كبيرة عن منهج السلف الصالح في العقيدة، وتبنيها عقائد محرفة ومنحرفة، ومن المعلوم أن سلف هذه الأمة إنما فتح الدنيا بعقيدته الصافية، وشدة ارتباطه بربه وبسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فلما انحرفت العقائد وضعف الارتباط؛ انعكس الحال، وبدأت الانتكاسة، وتوالت الهزائم حتى غُزيت الأمة في عقر دارها.

الوجه الثالث: انتشار أسباب الرضوخ والخنوع في الأمة؛ بسبب البدع التي غرسها وأصّلها في الأمة ابتداءً أعداء الدين كما هو معلوم، والتاريخ شاهد على أن وراء كل هزيمة ساحقة للمسلمين؛ طائفة من المبتدعة، فقد ثبت مواطئة المبتدعة الباطنية للغزو الصليبي حتى تمكنوا بواسطتهم من احتلال القدس بعد أن أمّنوا أنفسهم وخرجوا سالمين، تاركين سائر الأمة ومقدساتها تواجه الكارثة التي لا تقال.

وما قصة ابن العلقمي المبتدع الرافضي مع التتار، وبيعه لخليفة المسلمين وعاصمتهم، وعموم الأمة بخافية على أحد.

وهكذا موقف مبتدعة الشام حينما توجه التتار إلى ديارهم، وكيف كانوا يساندون التتار ضد إخوانهم المسلمين، ويكملون ما قصر عنه التتار من قتل ونهب لأهل السنة، وعلى الطرف الآخر ألقى كثير من مبتدعة الصوفية السلاح، وتركوا مواجهة الجيوش رافعين هذا الشعار:

يا خائفين من التتر *** لوذوا بقبر أبي عمر

ينجيكم من الضرر

الوجه الرابع: ضعف الولاء للإسلام، والغيرة عليه، والحمية له بعد أن تحوّل الولاء إلى شيوخ المبتدعة، ومقدساتها الخاصة بهم من مشاهد، ومقامات، وطقوس، وعبادات، فأصبحوا لا يبالون بما يجري على الإسلام والمسلمين إذا سلمت لهم تلك الأمور.

واسمع إلى هذا القطعة من رسالة لأحد أقطاب التيجانية، يباهي بما قدمت طائفته من خدمات للمستعمر الفرنسي، فيقول: "وبالجملة فإن فرنسا ما طلبت من الطائفة التيجانية نفوذها الديني إلا وأسرعت بتلبية طلبها، وتحقيق رغباتها؛ وذلك لأجل عظمة ورفاهية وفخر حبيبتها فرنسا النبيلة"، ويقول أنور الجندي - رحمه الله -: "وكان شيوخ الطرق الخائنون - كذا - يقومون بكتابة عرائض بتوقيعاتهم، وتوقيعات أتباعهم، يملؤنها بالثناء والشكر لفرنسا التي كانت تعتبرهم ممثلين للشعب، ولا غرابة بعد ذلك كله أن يقول الحاكم الفرنسي في الجزائر: إن الحكومة الفرنسية تعظم زاوية من زاويا الطرق أكثر من تعظيمها لثكنة جنودها وقودها، وإن الذي يحارب الطرق إنما يحارب فرنسا".

الوجه الخامس: ضعف الإيمان الذي هو مصدر كل خير للأمة في دنياها وأخراها، إذ من المعلوم أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وفي حال انتشار البدع فإنها ليست طاعة يرجى منها زيادة الإيمان، وفي نفس الوقت فإن العمل بالبدع مزاحم للسنن كما هو مشهور عن السلف. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "ما يأتي على الناس من عام، إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن"، وقال حسان بن عطية - رحمه الله – "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم، إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إلى يوم القيامة"، وقال الإمام الذهبي - رحمه الله -: "فاتباع السنة حياة القلوب وغذاؤها فمتى تعودت القلوب البدع وألفتها لم يبق فيها فضل للسنن"[62]، فينقص من حيث ضعف أسباب زيادته، وينقص كذلك من حيث أن البدع معاصي، والمعاصي من أسباب ضعف الإيمان، والنتيجة فقدان الكثير من الخير، وفقدان الوعود الكثيرة والعظيمة التي وعد الله بها أقوياء الإيمان.

وهناك أضرار أخرى كثيرة للبدع تركتها اختصاراً؛ ولأنني لست بصددها في هذه العجالة.

المبحث السادس: كيف نواجه البدع:

البدع مرض خطير قاتل، اتضح لنا مما سبق خطورته، وآثاره المدمرة على الأمة في عقيدتها وعبادتها، وفي كيانها وهيبتها، وفي سائر جوانب حياتها، وقد حذّر الشرع من هذا المرض، وأرشد إلى الموقف الذي يجب أن تقفه الأمة منه.

وحينما نواجه هذا المرض لا بد لنا من منهج واضح في ذلك يقوم هذا المنهج على خطة محكمة؛ لتحويله إلى عمل وعلاج حقيقي، وفي نظري أن ذلك يحتاج إلى:

أولاً: التسليم بقبح البدع وضررها، ووجوب مواجهتها حتى يكون الانطلاق إلى ذلك مبنياً على عقيدة دافعة مؤثرة.

ثانياً: لزوم التوصل إلى تعريف جامع مانع للبدعة، بقسميها الاعتقادي والعملي؛ حتى لا نضطرب في ذلك، وننشغل بالجدل حول الكثير من العقائد والأعمال، أهي من البدع أم لا؟ وبالذات البدع العملية، أما الاعتقادية فالغالب أننا متفقون عليها.

وهذا يريحنا من الوقوف أمام الكثير من المستجدات، والوسائل المستحدثة في الدعوة، والأعمال الخيرية، والتي زجّ بها البعض في نطاق البدع، وأشغل نفسه بمحاربتها، غافلاً عن البدع الحقيقية، والأخطار المحدقة بالأمة.

ثالثاً: ترتيب البدع ترتيباً محكماً حسب خطرها وأثرها على الفرد والمجتمع؛ لكي نبدأ بالأخطر والأكبر عند عدم القدرة على مواجهتها دفعة واحدة، وتقديم ما حقه التقديم، وتأخير ما حقه التأخير من ذلك.

رابعاً: التعرف على منهج السلف الصالح طليعة أهل السنة، وقدوتها في مواجهة البدع والموقف من المبتدعة، ومحاولة تطبيق ذلك المنهج مع ملاحظة الظروف المحيطة، والفوارق الزمنية، وتقلبات الأحوال، وكل ذلك قد أدركه السلف رضوان الله عليهم، واستوعبوه، وتعاملوا بموجبه، فحينما يكون المجتمع نظيفاً متبعاً، والسنة هي الغالبة ثم يأتي من يريد غرس بعض البدع ونشرها، فإن الموقف تجاهه هو الصرامة والحزم والشدة؛ لمنع ذلك المرض من الظهور والانتشار حيث يرجى القضاء عليه، وتؤمن الفتنة من ذلك الإجراء، بعكس ما لو تمكّن ذلك الداء واستشرى، وأتى من يريد العلاج والإنقاذ، فإن موقفه سيختلف، وهو بحاجة إلى الرفق واللين وحوار أهل البدع ومناظرتهم، والصبر على أذاهم.

ويظهر ذلك من موقف الصحابة عند ظهور أوائل البدع، فقد كان يتسم العلاج بالحسم والقوة، والحكم المجرد على تلك البدع وأهلها؛ لأن جماهير الناس لم تتشرب ذلك، ولم تتطرق إليهم شبهات أولئك المبتدعة؛ فكانت كلمة ذلك الصحابي، بأن هذا ضلال وبدعة كافية لتنفير الناس عنها، وإعراضهم عن أهلها.

وهكذا الحال مع التابعين وأتباعهم، كان أقصى ما يأتي به العالم صاحب السنة أن يقول: هذا بدعة، هذا لم يكن عليه مَن مضى، هذا من قول الزنادقة، ويأتي بالآية والحديث للاستدلال بها على بطلان ذلك، وتصحيح ما يقابله من السنة، وكما اشتهر من مجادلة الإمام أحمد - رحمه الله - للذين يناظرونه في مسألة خلق القرآن، كان يكتفي أن يقول: "أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أقول به"[63]، ثم تطور الحال، وأصبح كثير من العلماء يتعرفون على أصول أهل البدع ومأخذهم وشبههم، بقصد الرد علهم وتفنيد تلك الشبه، بل أصبحوا يجالسونهم ويناظرونهم؛ لأن هجرهم والبعد عنهم حينئذ هو بمنزلة التولي يوم الزحف، وإخلاء الميدان لهم، وإيهام عامة الناس أن أهل السنة جهلة، لا يصمدون أمام أولئك المبتدعة، وهذا ما مثّله شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله-، ومن جاء بعده من أئمة أهل السنة.

وغرضي من هذه الفقرة أن أقول: إن اتباع منهج السلف الصالح في معالجة البدع وأهلها، لا بد أن يكون مبنياً على فقه دقيق بذلك المنهج، يفرق به المتبع بين الأحوال المختلفة، والملابسات المتباينة، ويعطي كل موقف ما يستحق، وإلا فإنه سينسب إلى السلف ما ليس من منهجهم، ويقوِّلهم ما لم يقولوه.

خامساً: قبل أن نلج باب المواجهة مع المبتدعة، فإنه يجب أن نعرف السنة معرفة شاملة، فبضدها تتبين الأشياء، فمعرفة السنة ونشرها وتربية الأمة عليها، هي الوقاية التامة من البدع، إذ القلوب أوعية لا تسع إلا ملؤها، فإن ملئت بالسنة لم يعد فيها مجال للبدعة، والعكس بالعكس.

المبحث السابع: الموقف العملي من البدع في وضعنا الحاضر:

إن الأمة منذ بعثة نبيها محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي تتقلب في أنواع الجهاد، وتتعرض لأنواع الغزو والحصار، والكيد والمؤامرات، فهي إما ضعيفة غريبة محاصرة مهددة، وإما قوية غالبة تُتابِعُ فتحها للبلاد، وقمعها لأنواع الطواغيت، ورءوس الفساد، وهي كذلك في جهاد داخلي بنشر الدين وتعاليمه، والسنة ومبادئها وسماتها، وتربية الأمة عليها أو في صراع مع الأعداء الداخليين الذين تقمصوا لباس الدين والعلم؛ لضرب الإسلام من داخله، وما باتت ليلة واحدة خليّة من جميع هذه الهموم، ولم يشغلها جهاد عن جهاد، أو تستحوذ عليها جبهة لتخلي جبهة أخرى، بل كانت حامية لجميع تلك الجهات، وقائمة بسد تلك الثغرات جميعاً، وهذه حقيقة لا بد أن ندركها، وصفحات التاريخ خير شاهد على ما أقول.

ومن خلال تقرير هذه الحقيقة، أجدني مضطراً لتأكيد ما ينادي به الكثير من الغيورين، من ضرورة التكامل بين العاملين للإسلام؛ حتى تتم الاستفادة من جميع الطاقات بشكل كامل وميسور، إذ كل ميسر لما خلق له، فإذا اعترف كل عامل بما عند أخيه من خير وطاقة وعمل يخدم به الإسلام والمسلمين، وفسح له المجال دون تضارب أو اصطدام، ودون تنقص أو احتقار، أبدع الجميع، وغطوا جميع الجبهات، وسدوا جميع الثغرات، ولم يعِقْ أحد منهم الآخر.

وأما إذا أعجب كل واحد، أو كل فريق بنفسه و بعمله، وحصر الخيرية فيه، واعتبر الآخرين ليسوا على شيء، كما يطعن اليهود والنصارى في بعضهم البعض: (وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ... )[64] الآية؛ كثر قطاع الطريق، وشاع البغي والعدوان، وتقطعت السبل بأولئك العاملين فما وصلوا إلى هدف، ولا حققوا غاية.

ولكن إذا عمل كل فريق بما يسر له، وأقر أن هناك سبلاً للخير غير ما قام به، وأن سواه قد جاهد في تلك السبل وبارك جهاده، عمَّ الخير، وحميت الثغور.

وفيما نحن فيه أقول: إن الأخطار المحدقة بالأمة كثيرة وكبيرة، وإن الأمة جميعها مدعوّة مطلوبة لمواجهة تلك الأخطار، وهي متنوعة ومتعددة، وداخلية وخارجية، وتتطلب جميع أنواع الجهاد باليد والمال واللسان والقلم والفكر، فمن استطاع أن يجاهد في أكثر من جبهة، فذلك فضل الله عليه، بشرط أن يكون مؤهلاً لذلك، وأن يكون مؤثراً فاعلاً في كل ميدان يجاهد فيه، ومن لم يستطع ذلك فليجاهد فيما يحسن الجهاد فيه، بشرط ألا يحسب أن لا جهاد إلا ذلك، وألا يهوِّن مما عليه الآخرون، ومن أنواع الجهاد العظيمة التي هي ممهدات للجهاد العام والمباشر مع الأعداء، جهاد إحياء السنة، وقمع البدعة، وإحياء معالم منهج الحق، وإزاحة ما علق به وشوه وجهه من البدع والانحراف، فعلى الأمة العناية به، ومواصلته حتى في أحلك الظروف، وأكثر الأوقات خطورة؛ لأن تحصين الجبهة الداخلية ليس بأقل من تحصين الجبهة الخارجية، واتقاء السهام الموجهة إلى القلوب آكد من اتقاء السهام الموجهة إلى الأجساد، وإنما في إطار الحكمة، وحسن التصرف، وبما يحقق الغرض دون أن يفرق الأمة، ويشتت شملها.

وهاك مثالين: مثال قديم، وآخر حديث، لرجلين من أفضل المجاهدين بالنفس والكلمة، استطاعا أن يحافظا على التوازن في محاربة الأخطار الداخلية والخارجية، وقضى الله على أيديهما خيراً كثيراً للأمة.

أما المثال الأول فهو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - رحمه الله -، فقد جمع الله له أنواع الجهاد فقام بها أحسن قيام، وكان أثره على معاصريه عظيماً، سواًء منهم الولاة والعساكر وعِلية القوم، أو العلماء والقضاة وأرباب الوظائف الدينية، أو عامة الناس، وهذا نموذج من مواقفه الجهادية في القتال:

يقول أحد معاصريه واصفاً جهاده: "واتفقت كلمة إجماعهم على تعظيم الشيخ تقي الدين ومحبته، وسماع كلامه ونصيحته، واتعظوا بمواعظه، وسأله بعضهم مسائل في أمر الدين، ولم يبق من ملوك الشام تركي ولا عربي إلا واجتمع بالشيخ في تلك المدة، واعتقد خيره وصلاحه، ونصحه لله ولرسوله وللمؤمنين.

قال: ثم ساق الله - سبحانه - جيش الإسلام العرمرم المصري، صحبة أمير المؤمنين والسلطان الناصر، وولاة الأمر وزعماء الجيش، وعظماء المملكة، والأمراء المصريين عن آخرهم، بجيوش الإسلام سوقاً حثيثاً للقاء التتار المخذولين، فاجتمع الشيخ المذكور بالخليفة والسلطان، وأرباب الحل والعقد، وأعيان الأمراء عن آخرهم، وكلهم بمرج الصُّفَّر قِبْلِيّ دمشق المحروسة، وبينهم وبين التتار أقل من مقدار ثلاث ساعات مسافة، ودار بين الشيخ المذكور وبينهم ما دار بين الشاميين وبينه، وكان بينهم ومعهم كأحد أعيانهم، واتفق له من اجتماعهم ما لم يتفق لأحد قبله من أبناء جنسه، حيث اجتمعوا بجملتهم في مكان واحد، في يوم واحد، على أمر جامع لهم وله، مهمّ عظيم يحتاجون فيه إلى سماع كلامه. هذا توفيق من الله - تعالى -لم يتفق لمثله.

وبقي الشيخ المذكور - رضي الله عنه - هو وأخوه وأصحابه ومن معه من الغزاة قائماً بظهوره وجهاده ولأمة حربه، يوصي الناس بالثبات ويعدهم بالنصر، ويبشرهم بالغنيمة، والفوز بإحدى الحسنيين إلى أن صدق الله وعده، وأعزَّ جنده، وهزم التتار وحده، ونصر المؤمنين، وهُزم الجمع وولوا الدبر، وكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفار هي السفلى، وقطع دابر القوم الكفار، والحمد لله رب العالمين"[65]، وما كادت الحرب مع التتار تضع أوزارها بهزيمتهم حتى أشار الشيخ - رحمه الله - بتأديب المبتدعة الرافضة والباطنية، الذين وقفوا إلى جانب العدو، واستغلوا ضعف المسلمين، وانشغالهم بقتال التتار، فهاجموا المارة، وقطعوا السبيل، فنهبوا وسبوا، وشفوا نفوسهم المريضة من أهل السنة، واستجاب ولاة الأمر لمشورة الشيخ، وقاتلوا أولئك المبتدعة المارقين، وحقق الله للمسلمين النصر عليهم، بما لم يسبق له مثال، وشارك الشيخ في ذلك القتال بنفسه، وهذا موقف من البدع وأهلها عظيم، حمد العلماء والمؤرخون أثره، وجعلوه من مناقب الشيخ رغم أنه كان متزامناً مع الجهاد العظيم؛ لدفع الخطر الخارجي.

وفي نفس الوقت كان الشيخ يحيي ما اندثر من السنن، بتأليف الرسائل في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، وبيان ما خالفها من عقائد ومناهج، وكان يغير معالم البدع بيده وأيدي أصحابه، ويحتسب على أرباب المخارق والشعوذة، ويشهِّر بهم، ويعمل على فضحهم، وتأليب السلطان عليهم، ويناظر المخالفين، ويتعرض لأنواع الأذى من الخصوم الذين يلجئون إلى السلطان، فيقف إلى جنبهم ضد الشيخ، فيسجن وينادى بالمنع من أقواله وعقائده إلى آخر ذلك، وهذا كله في وقت واحد[66].

أما المثال الحديث: فهو الشيخ المجاهد محمد عز الدين القسَّام - رحمه الله -، صاحب أول ثورة مسلحة ذات أثر في فلسطين في عام (1935م)، والتي أراد بها تعطيل خطط الاحتلال الإنجليزي لتهويد فلسطين وتسليمها لليهود، والذي لا زال أثر ثورته حياً إلى اليوم، وهذا أشهر فصيل من فصائل الجهاد الفلسطيني يسمى باسمه؛ عرفاناً بدوره الجهادي، وريادته في ذلك، كان إلى ذلك وجنباً إلى جنب مع ذلك الجهاد القتالي للعدو الخارجي، يجاهد جهاد نشر السنة، ومواجهة البدعة، ويتعرض للأذى من أنصار البدع، ويتبادل الردود معهم، وما قال: إن انشغالنا بجهاد الإنجليز واليهود يعفينا عن نشر السنة، وإعلانها، ومواجهة البدعة وإماتتها، وإقامة البرهان على بطلانها، خطابة ودرساً وكتابة وتأليفاً.

وقد "ذكرَت الكتب التي ترجمت له: أن همَّ القسام الأول تخليص الدين من الشوائب، وإخلاص العقيدة لله وحده؛ لأن العقيدة الخالصة لله هي مصدر القوة، ففي سبيل إخلاص العقيدة لله وحده، وطلب العون منه، حارب القسام حج النساء إلى (مقام الخضر) على سفوح جبال الكرمل، لذبح الأضاحي شكراً على شفاء من مرض أو نجاح في مدرسة، وكن - بعد تقديم الأضحية - يرقصن حول المقام الموهوم، فدعا القسامُ الناسَ إلى أن يتوجَّهوا بنذورهم وأضاحيهم إلى الله - تعالى -فقط؛ لأنه وحده القادر على النفع والضر، وأما أصحاب القبور فلا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فكيف ينفعون الآخرين؟.

وفي سبيل الاستفادة من السيرة النبوية، أنكر القسامُ قراءة المولد النبوي بالغناء والتمطيط، والمبالغة بتوقيعه على ألحان الموسيقى، والاكتفاء بسيرة الولادة فقط، مع ما أدخل فيها من الأمور التي لم تثبت، ودعا إلى العناية بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أحواله وشمائله، والسنة العملية من سيرته؛ لتكون نبراساً يستضيء به المسلمون".

وأكبر شاهد على ما أقول كتاب "النقد والبيان في دفع أوهام حزيران" الذي ألفه الشيخان محمد عز الدين القسام، ومحمد كامل القصَّاب - رحمهما الله -، والذي كان سبب تأليفه الاختلاف حول رفع الصوت بالذكر أمام الجنائز، وقد طبع في حياة الشيخين عام (1344هـ - 1925م)، ثم أعيد طبعه عام (1423هـ - 2002م) بتحقيق مشهور بن حسن بن سلمان مع كتاب (السلفيون وقضية فلسطين).

وهذان المثالان يؤكدان أنه لا حرج من تبني الجهاد على كافة الجبهات، وأن قيام الأمة بجهاد الأعداء الخارجيين لا يستلزم توقفها عن مواجهة الأمراض الداخلية، والانحرافات في العقيدة والاتباع، بل العكس هو الصحيح، فإن الأمة أكثر ما تكون تأهلاً للنصر حين تكون على المنهج السليم، والصراط المستقيم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كتابه الاستغاثة: "وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات، ويسألونهم، ويستجيرون بهم، ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه بالأموات أعظم؛ لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم، فيدعون دعاء المضطر، راجين قضاء حاجتهم بدعائه أو الدعاء عند قبره، بخلاف عبادتهم لله ودعائهم إياه فإنهم يفعلونه في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور يرجون عندها كشف ضرهم، وقال بعض الشعراء:

يا خائفين من التتر *** لوذوا بقبر أبي عمر

أو قال:

عوذوا بقبر أبي عمر *** ينجيكم من الضرر

فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لا نهزموا، كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، فإنه كان قضي أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك ولحكمة كانت لله - عز وجل - في ذلك؛ ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله ورسوله، ولما يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة في القتال، فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة؛ لمن عرف هذا وهذا، وإن كان كثير من المقاتلين الذين اعتقدوا هذا قتالاً شرعياً أجروا على نياتهم.

فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله والاستغاثة به وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، كما قال - تعالى -يوم بدر (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لكم) [الأنفال: 9]، وروي أن رسول الله صلى الله وسلم كان يوم بدر يقول: ((يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث))، وفي لفظ: ((أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك)).

فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم، نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً، لم يتقدم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلاً، لما صح من تحقيق توحيده وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"[67].

وأما ما يخشى من تنازع الأمة وافتراقها وانشغالها بنفسها، فهذا يمكن تلافيه إذا اتبع الأطراف كلها، أو الجانب السني منها على الأقل آداب الخلاف، وتقيدوا بضوابطه.

ومع ما يمكن أن يكون بين المختلفين من اختلاف منهجي؛ فإن الواجب عليهم إن كانوا ناصحين للأمة أن تتوحد مواقفهم في القضايا الكبيرة، ومواجهة الأخطار الخارجية المحدقة بهم، كما حصل أيام غزو التتار لدمشق على عهد شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد اجتمعت كلمة الجميع على جهاد التتار، وخرجوا صفاً واحداً، وكتب الله لهم النصر الذي لم يفكر بعده التتار بالتحرش ببلاد الشام، أو غيرها من بلاد المسلمين[68].

هذا مع الحفاظ على الأصول العلمية والمبادئ والمناهج الصحيحة، وعدم المساس بها أو إيهام العوام والتلبيس عليهم بتهوين شأن البدع، والإيحاء بصحتها، وإطلاق ألقاب الصلاح والسنة على من ليسوا كذلك.

ـــــــــــــــــــ

بتصرف يسير.

[1] انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: (208)، ولسان العرب (15/ 132)، والقاموس المحيط (1700).

[2] معجم مقاييس اللغة (802)، وتاج العروس (10/ 269).

[3] تاج العروس نفس الموضع.

[4] فتح الباري (13/ 142).

[5] الضوء المنير على التفسير لابن القيم (1 / 118).

[6] انظر: تيسير العزيز الحميد (265).

[7] انظر: ظلال القرآن (2 / 496).

[8] سورة البقرة: (143).

[9] جامع البيان (3 / 142).

[10] البقرة (229).

[11] انظر: الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة (65)، للدكتور: عبد الرحمن بن معلا اللويحق.

[12] النساء (171).

[13] المائدة (77).

[14] روه أحمد (1/ 215 - 347)، وابن خزيمة (4/ 2867 - 2868)، و النسائي (5 / 268)، وابن ماجه (2/ 1008)، والحاكم (1/ 446)، و صححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وصححه غيرهما.

[15] رواه مسلم (16 / 220) مع الشرح.

[16] النووي على مسلم (16 / 220).

[17] البخاري (1 / 94).

[18] الفتح (1 / 94).

[19] البخاري (9 / 104) مع الفتح، ومسلم (2 / 1020) تحقيق عبد الباقي.

[20] رواه البخاري (13 / 415 - 416) مع الفتح، وهو في عدة مواضع منه، ومسلم (2 / 741).

[21] رواه البخاري (2 / 209).

[22] البخاري (9 / 49) مع الفتح، ومسلم رقم (1159).

[23] رواه ابن أبي شيبة في المصنف (2 / 376 - 377)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (41 - 42)، وقال الشيخ الألباني - رحمه الله -: (رواه سعيد بن منصور في سننه، وابن وضاح بإسناد صحيح على شرط الشيخين) فضائل الشام (49)، وانظر تعليق شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك في الفتاوى (1 / 281).

[24] البخاري (3 / 471)، ومسلم (9 / 16)، وانظر تعليق الإمامين النووي (9 / 16 - 17)، وابن حجر في الفتح (3 / 463).

[25] أصل قصتهم في البخاري (12 / 270) مع الفتح، وجمع الحافظ الكثير من روايتها، معزوة إلى مصادرها في الفتح بنفس الموضع.

[26] سير أعلام النبلاء (8 / 114).

[27] الغلو في الدين للويحق (70).

[28] المصدر السابق (77)، وانظر تفصيل هذين القسمين، وأدلة كل منهما، وأمثلته في نفس المصدر من (70 - 80).

[29] جمهرة اللغة لابن دريد (1 / 245) بواسطة حقيقة البدعة وأحكامها للغامدي (1/ 242).

[30] كتاب العين (2 / 54) بواسطة حقيقة البدعة (1 / 242).

[31] الاعتصام (1 / 50).

[32] الاعتصام (1 / 51).

[33] المصدر السابق (1 / 51 - 61).

[34] المصدر السابق (1 / 367) وما بعدها.

[35] المصدر السابق (1 / 269).

[36] رواه أبو داود والحاكم من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم (4442).

[37] الأنعام (153).

[38] الاعتصام (1 / 77).

[39] الأنعام (159).

[40] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي (5 / 410 - 411).

[41] آل عمران (105 - 107).

[42] الاعتصام (1 / 75).

[43] المصدر السابق (1/ 75).

[44] أخرجه البخاري (5 / 410 - 411).

[45] أخرجه مسلم (12 / 16) مع النووي.

[46] رواه مسلم (6 / 156).

[47] رواه أبو داود (2 / 611)، والترمذي (2 / 341 - 342)، وابن ماجه (1 / 13)، انظر صحيح ابن ماجه، والحديث صححه الترمذي، وابن حبان (1 /179)، والحاكم (1 / 95) ووافقه الذهبي، كما صححه الألباني في الإرواء (8 / 107)، والأرناؤوط في تخريجه لابن حبان (8 / 179) وأطال في تخريجه.

[48] رواه ابن ماجه وصححه الألباني، انظر صحيح ابن ماجة (1 / 13 - 14).

[49] فتح الباري (13 / 253).

[50] قال المنذري: رواه الطبراني وإسناده حسن (1 / 130) من صحيح الترغيب، وعلق عليه الألباني بقوله: (قلت: بل هو صحيح كما هو مبين في الصحيحة (1620)، ثم إنه ليس عند الطبراني في المعجم الكبير... إنما أخرجه الطبراني في الأوسط (15 / 113 - 42 - ط).

[51] مثل كتاب: الاعتصام للشاطبي، والبدع والنهي عنها لابن وضاح، والباعث على إنكار الحوادث لأبي شامة ونحوها.

[52] مسلم في كتاب الإيمان (1 / 155 - 156) مع النووي.

[53] في الأمر بالاتباع للسيوطي (83): (أو قد فضلتم أصحاب محمد علماً)، ولعل هذا هو الصواب؛ لأنه الموافق للسياق.

[54] تلبيس إبليس لابن الجوزي (27 - 28)، واللفظ له، ونقله السيوطي في الأمر بالاتباع، قال مخرجه: أخرجه الدارمي: السنن (1 / 68 - 69) بإسناد جيد، ورواه ابن وضاح: البدع (8 - 10 - 12 - 12 - 13- 13) من طرق عدة عن ابن مسعود، وأخرجه ابن الجوزي: تلبيس إبليس (16 - 17)، والأثر صحيح بمجموع طرقه (84).

[55] أخرجه الطرطوشي في البدع والنهي عنها: (297 - 298)، وانظر تخريجه في الأمر بالاتباع (62) في التعليق.

[56] رواه البخاري (13 / 300) مع الفتح.

[57] الشيخ شلتوت في رسالته: البدعة وأسبابها ومضارها (27).

[58] المصدر السابق لشلتوت (29 - 30).

[59] الملك (1 - 2).

[60] مسلم (4 / 1987) من حديث أبي هريرة.

[61] خرج أحاديث الافتراق تخريجاً علمياً موسعاً الشيخ سلمان العودة - حفظه الله - في كتابه صفة الغرباء (20 - 50)، فلير جع إليه من أراد الاطلاع على أسانيدها أو فقهها، فقد اعتنى الشيخ بذلك كله.

[62] انظر جميع الآثار في كتاب علم أصول البدع لعلي حسن عبد الحميد (288 - 289).

[63] سير أعلام النبلاء (11 / 246 - 247).

[64] البقرة (112).

[65] كتاب الانتصار لابن عبد الهادي (222 - 223)

[66] انظر ذلك في البداية والنهاية (14) ومن كتب مناقب الشيخ الخاصة مثل: الانتصار لابن عبد الهادي، والأعلام العلية، والرد الوافر، وجمع معظم ما فيها كتاب الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية.

[67] الاستغاثة (2 / 631 - 633).

[68] انظر: شيخ الإسلام ابن تيمية والعمل الجماعي لعبد الرحمن عبد الخالق.


أحمد بن حسن المعلم

  • 3
  • 1
  • 215,865

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً