خطوات في التربية - (2) غاية الحياة

منذ 2015-05-05

وما دام في النفس هوى اقتضته الشهوات، وما دام قد وجب كفها عن هواها اتباعًا لما أنزل تعالى، إذن فلا بد من المجاهدة، ولا بد أن نوطن نفوسنا على هذا، إذ لا وصول لرب العالمين إلا بمجاهدة وسلوك الطريق اليه تعالى

للحياة غاية، فلا يعقل أن تلد أرحام وتبلع قبور ثم يستوي البر والفاجر والمظلوم والظالم وصاحب الخير وحامل الشر.

مراحل العمر من ولادة وطفولة، إلى بلوغ ثم شباب وكهولة ثم شيخوخة ووفاة، ومن الناس من لا يكمل الى الشيخوخة، هذه المراحل تقول شيئًا واحدًا، أن الاختلاف فيما قدم المرء من عمل وما اعتمده من طريق إذ لا معنى للحياة لمجرد هذه المراحل التي تسلك الجميع، فلا بد من غاية وقيمة، وليس هذا إلا للعمل.

ثم إنه لا خير ولا إصلاح ولا نجاح في تجربة الحياة بطواعية كاملة من النفس؛ إذ للنفس مشتهيات وأهواء، وهي مضللة ومهلكة إن اتبعت بإطلاق، وقد أجمع العقلاء -حتى قبل الرسالات كما يقول الشاطبي- على وجوب مخالفة هوى النفس وكفها عن جماحها لاستقامة النفس واكتساب الفضائل وإصلاح الحياة وحفظ الحقوق.

وقد وافق القرآن هذا؛ فقد نص القرآن على وجوب مخالفة الهوى وحذر من اتباعه، فجعل أهل الجنة من جاهد نفسه وكفها عن الهوى ومنع جماحها، ليستقيم ويصل إلى الجنة، ثم وعده ربه أن يعوضه عما تركه من أجل الله في سبيل إصلاح نفسه واستقامتها على منهجه ولجريان حقوق الخلق على استقامة والمناصفة والعدل بينهم وما يقتضيه هذا من الكف عن الشهوات -وعده تعالى عوضًا عظيمًا لا يخطر ببال العبد.

الشهوات والأهواء -التي هي محاب النفوس كما قال ابن تيميةـ مركبة فينا، وقد جعلت جبلة وطبيعة، ولكن من أطاعها بلغ بها الهلاك، فقد جعل الله تعالى الهوى قسيمًا للوحي، وقسيمًا لِما أنزل تعالى من حكمه، وقسيمًا للحق، كما بين في آياته تعالى، بل جعل تعالى الهوى معبودا لبعض الضالين الغاوين، وقد روي: «ما تحت أديم السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع».

ولهذا جعل تعالى النجاة لمن نهى النفس عن الهوى، {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ} [النازعات:40-41].

وواضح من الآية أن للنفس مقتضيات وطلبات وأمر؛ فهناك أمر من النفس، وهناك ناهٍ ومنهي، ولله تعالى أمر، فقد جعل الواجب على العبد أن يقف مع ربه لا مع شهوته، وبهذا ينجو بنفسه، إذ هي نفس جاهلة ظالمة لا تعلم مصلحتها، وربها أرحم بها من نفسها، ونجاتها في طاعة ربها وإن استثقلت.

فبينما الكافر {عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان:55] معينًا، فالمؤمن طالب النجاة ظهير مع ربه فيكف نفسه عما حرم الله ويأمرها بما يأمر الله تعالى، طالبًا نجاتها ونعيمها، واثقًا أن في ركن ربه خيرها، وإن أبت.

وما دام في النفس هوى اقتضته الشهوات، وما دام قد وجب كفها عن هواها اتباعًا لما أنزل تعالى، إذن فلا بد من المجاهدة، ولا بد أن نوطن نفوسنا على هذا، إذ لا وصول لرب العالمين إلا بمجاهدة وسلوك الطريق اليه تعالى، ولذا قال تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] فاشترط تعالى الوصول للغاية أمرين: الأول المجاهدة، ببذل الجهد بالعمل والترك، والثاني أن يكون هذا في الله تعالى؛ (في ذاته وابتغاء رضوانه).

فمن افتقد العزم هلك، وقد عدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل النار من هو ساقط الإرادة في الدارين، ففي الحديث «الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، لا يريد الدنيا ولا الآخرة، فهذا ساقط العزم والهمة».

ومن عمل لدنيا أو رياسة أو رياضات روحية أو ملذات نفسانية أو أو أراد صرف الوجوه اليه، فعمله مردود وجهده ضائع، وهو مهموم ومغموم ومبتوت الصلة بالله تعالى -الذي هو مصدر القوة لمن توكل عليه- وهو أبتر وضائع {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31].

ومن أراد النجاة فليقف على مبدأ المجاهدة والطلب، وليضع عينه على عرش ربه تعالى، ومن هنا يطلب الطريق.
ولننظر إلى الخطوة التالية.

يتبع إن شاء الله.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

مدحت القصراوي

كاتب إسلامي

  • 0
  • 1
  • 690
المقال السابق
(1) المقدمة
المقال التالي
(3) أطمئنان في الدنيا؟!

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً