القلب السليم - [4] حلو اللسان

منذ 2015-07-23

والبال هو القلب، وتأمل قوله «لا يُلقي لها بالا»، أي أنها تخرج رغماً عنه دون تفكير أو تدبر ودون أن يُمرَّها على قلبه، ومع ذلك تخرج منه طيبة نقية، لأن كل وعاء بما فيه ينضح، وحديقة الورد لا يفوح منها غير شذى الورد، إن حي القلب يتذوَّق كل كلمة بقلبه قبل النطق بها، فإن كانت حلوة علم أن طعمها في الآخرة سيكون أحلى فأطلقها، وإن كانت مُرَّة عرف أن طعمها في الآخرة أشد مرارة فسكت.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من رضوانِ اللهِ،  لا يُلقي لها بالًا، يرفعُ اللهُ بها درجاتٍ، و إنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ من سخطِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنَّمَ» (صحيح البخاري [6478]). 

والبال هو القلب، وتأمل قوله «لا يُلقي لها بالاً»، أي أنها تخرج رغماً عنه دون تفكير أو تدبر ودون أن يُمرَّها على قلبه، ومع ذلك تخرج منه طيبة نقية، لأن كل وعاء بما فيه ينضح، وحديقة الورد لا يفوح منها غير شذى الورد، إن حي القلب يتذوَّق كل كلمة بقلبه قبل النطق بها، فإن كانت حلوة علم أن طعمها في الآخرة سيكون أحلى فأطلقها، وإن كانت مُرَّة عرف أن طعمها في الآخرة أشد مرارة فسكت.

واسمع إلى طهارة لا تدانيها طهارة، وقلب طهور كالماء الطهور طاهر ومطهِّر لما حوله من القلوب، وهو قلب عبد الله بن عون الذي قال عنه خارجة بن مصعب: "صحبتُ عبدالله أربعاً وعشرين سنة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة". 

فمهما استفزه الشيطان ببعض جنده وكافة حيله واجتمع عليه من أعوانه ما اجتمع؛ فلن يفلحوا إذا أبداً، فعن بكار بن محمد وابن قعنب قال: "كان ابن عون لا يغضب فإذا أغضبه الرجل قال: بارك الله فيك".

ومن ذلك أن جاءه غلام له فقال: "فقأت عين الناقة!!"، قال: "بارك الله فيك"، قال: "قلت فقأت عينها فتقول بارك الله فيك!!"، قال: "أقول.. أنت حر لوجه الله".

أي تربية؟! وأي صفاء ونقاء؟! وأي مجاهدة أورثت هذا السمو الراقي من سماحة النفس وطيب الكلم وروعة التقى حتى صار مضرب الأمثال، ومنتهى غاية الصالحين، وأسمى أمنيات المخلصين؛ في عصره وغير عصره، فعن معاذ بن معاذ قال: "حدثني غير واحد من أصحاب يونس بن عبيد قال: إني لأعرف رجلاً منذ عشرين سنة يتمنى أن يسلم له يوم من أيام ابن عون فما يقدر عليه، وليس ذاك أن يسكت رجلٌ لا يتكلم، ولكن يتكلم فيسلم كما يسلم ابن عون". 

لكنه ليس وحده في الميدان بل ينافسه في الحلبة أطهار كُثر، منهم الفضيل الذي أراد أن يعطِّر ألسنتنا ويطيِّب كلامنا بطريقته الخاصة وأسلوبه المقنع فقال: "حسناتك من عدوك أكثر منها من صديقك!!"، قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟! قال: "إن صديقك إذا ذُكِرتَ بين يديه قال: عافاه الله، وعدوك إذا ذُكِرت بين يديه يغتابك الليل والنهار، وإنما يدفع المسكين حسناته إليك، فلا ترضَ إذا ذُكِر بين يديك أن تقول: اللهم أهلكه.. لا، بل ادعُ الله: اللهم أصلحه.. اللهم راجع به، ويكون الله معطيك أجر ما دعوت به، فإنه من قال لرجل: اللهم أهلكه، فقد أعطى الشيطان سؤاله، لأن الشيطان إنما يدور على هلاك الخلق".

رحمة الله على أصحاب تلك القلوب ، وصدق فيها وصف من وصفها بقوله: "إن من الرجال ما هو كالنسخة المخطوطة؛ ربما كانت ناقصة أو مخرومة، أو مسَّ الزيت أطرافها فأفسدها، ولكنها أثمن وأغلى لأنها واحدة لا ثانية لها". 

الرسول قدوتنا

ولماذا نذهب بعيداً وبين أيدينا سيد القدوات نبينا صلى الله عليه وسلم الذي روى عنه جابر بن سمرة رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت قليل الضحك"، وهو مع صمته كان إذا تكلم لا يُخرِج غير الرحيق والعبير والدواء والشفاء، وبهذا وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن مثل النحلة؛ لا تأكل إلا طيباً ولا تضع إلا طيباً» (صحيح ابن حبان [247])

قال ابن الأثير: "ووجه المشابهة بينهما: حذق النحل وفطنته، وقلة أذاه، وحقارته، ومنفعته، وقنوعه، وسعيه في الليل، وتنزهه عن الأقذار، وطيب أكله، وأنه لا يأكل من كسب غيره، ونحوله، وطاعته لأميره". 

إنه قطعة ذهب نقية ليس فيها شائبة واحدة ولا ذرة غريبة من غير الذهب، فلا زيف ولا خبث ولا تلوُّن أو تغير بل ثبات وطهارة تماماً، وليس فيها أدنى خبث تنفيه النار، مصداق وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمن: «ومثل المؤمن مثل سبيكة الذهب؛ إن نُفِخت عليها احمرت، وإن وُزِنت لم تنقص» (صحيح الجامع [5846]). 

  • 0
  • 0
  • 1,915
المقال السابق
[3] انتفاضة الأحياء
المقال التالي
[5] غزير الدمع

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً