معاملاتك أيضًا من العبادة (2/ 2)

منذ 2015-08-09

أي عظمة لدينٍ هذا الذي يلمُّ شملَ معتنقيه، ولا يجعلهم في تضارب أو تناقض، فيجمع لها طريقي الدنيا والآخرة في آنٍ واحدٍ، حتى ما يشقى المؤمن، ولا تتفرق به سُبُل الدنيا عن سبل الآخرة.. ياله له من دين؛ لو كان له رجال.

سبق أن بَيَّنا كيف هي عباداتنا ليست مقتصرة على الآخرة، بل لها اثر ظاهر في الدنيا قبل الآخرة، فالصلاة تأمرك وتنهاك في الدنيا قبل الآخرة، وصيامُك يورثك التقوى في الدنيا قبل الآخرة، والذكر والتسبيح يورثك قوة العقل والبدن.. مع ما في ذلك كله من الأجر والمثوبة والمنزلة الرفيعة يوم القيامة..

وهيَّا بنا نتأمل في معاملاتنا التي يبتغيها كثيرٌ من الناس لشهوات الدنيا ومَلَذَّاتها، كيف هي عبادات يؤجر عليها المسلم كما يؤجر على عمل الآخرة!

ها أنت ترى الناس في سُعار ولَهث وراء الدنيا من والتكاثر في الأموال، حتى ركبت من أجل ذلك الصَّعب والذَّلول، وما تبالي أمِن حلال تكسب المال أم مِن حرام، حتى انتُهِكَت الأعراض وزُهِقت الأرواح وقُطِّعت السُّبُل، بل وقُطِّعت الأرحام من أجل المال، بل كُفِر بالله تعالى من أجل ذلك، وبِيع الدِّين ثمن من الدنيا قليل..

بينما يجعل الله تعالى كسب المال من الأمور التي رتَّب عليها أجرًا وثابًا ما علمتُ بمثله في الصلاة والصيام التي لا يختلف الناس أنها عبادة؛ لكن بشرطه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «التاجرُ الصدوقُ الأمينُ مع النبيين والصدّيقين والشهداء» (الترمذي، السنن، رقم:[1209]، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم:[ 1782])، فهؤلاء منازل أفضل البشر على الإطلاق، بما فيها النبوة والشهادة، وبما فيها الصِّدّيقية، وغن لم يكن منهم أبو بكر رضي الله عنه، فمن يكون؟ وما نالها بتجارته ولا إبله، وإنما بدينه وعبادته ونقاوة قلبه وقوة إيمانه.. والتاجر المسلم الصدوق في تجارته مع هؤلاء، يحثو المال لجيبه وينال المنازل العالية مع ذلك! فمن يقول أن هذه ليست عبادة؟!

خُذْ مثالا آخر، أكثر البشر يُلَبُّون فيه غرائزهم البهيمية الشهوانية، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلا.. إنه الجنس؛ الذي وقع به أكثر مما وصفنا آنفًا في المال، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»(مسلم، صحيح مسلم، رقم:[2742])، بينما ينال المسلم منه ما ينال بشرطه، وإذا به ينال معه الأجر كما يناله في الصلاة، وعدَّه صدقة من الصدقات، حتى إن الصحابة رضي الله عنهم غاب عنهم، فعن أبي ذر، أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: " أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»(مسلم، صحيح مسلم، رقم:[ 1006])، فجعل ممارسة الجنس بضوابطه الشرعية صدقةً من الصدقات التي ارتبطت في حس الناس بالآخرة، لأن عليها أجرًا، بينما الفعلة نفسها مرتبطة بأمور الدنيا، وربما بأقذرها!

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبِروا كأنهم تقالُّوها(أي: رَأوها قليلة)، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(متفق عليه).

وهكذا استقرَّ الدرس واستقام المفهوم عند الصحابة رضي الله عنهم، وأخذ عندهم طابع العموم، كما يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: "إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي" أي أرو الأجر على النوم بضابطه كما أحتسب الأجر بقيامي للصلاة. فالعاقل يجعل من عادته عبادات، والغافل يجعل من عباداته عادات.

وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم «ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة»(متفق عليه، واللفظ لمسلم)، وفي الحديث الآخر: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها»(أحمد، المسند؛ برقم:[12902]، والألباني، السلسلة الصحيحة، رقم: [9]) يقول محمد قطب رحمه الله في هذا الحديث: (أول ما يخطر على البال هو هذه العجيبة التي يتميز بها الإسلام: أن طريق الآخرة هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق! إنهما ليسا طريقين منفصلين: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة! وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك، ويربط ما بين هذه وتلك. ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة. وطريق للدنيا اسمه العمل! وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة. وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل. كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام. وكلاهما يسير جنباً إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه!)[قبسات من الرسول]. وفي الحديث الآخر: 

لذلك قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:162]، لم يغادر من حياة الناس لحظة زمان لا يكونون فيها في عبادة، وهذا التفسير للعبادة بالمعنى الشامل فقط هو الذي يُفهم به قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56]، لأن العبادات المعروفة لا تستغرق حياة الناس إلا بهذا الشمول. ولذلك كان ابن تيمية رحمه الله مِن أوضح من عرف العبادة بهذا الشمول فقال: (العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة)[ابن تيمية، العبودية، 44]. قال تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}[القصص:77].

فأي دينٍ هذا الذي يلمُّ شملَ معتنقيه، ولا يجعلهم في تضارب أو تناقض، فيجمع لها طريقي الدنيا والآخرة في آنٍ واحدٍ، حتى ما يشقى المؤمن، ولا تتفرق به سُبُل الدنيا عن سبل الآخرة.. ياله له من دين؛ لو كان له رجال.

أبو محمد بن عبد الله

باحث وكاتب شرعي ماجستير في الدراسات الإسلامية من كلية الإمام الأوزاعي/ بيروت يحضر الدكتوراه بها كذلك. أستاذ مدرس، ويتابع قضايا الأمة، ويعمل على تنوير المسيرة وتصحيح المفاهيم، على منهج وسطي غير متطرف ولا متميع.

  • 1
  • 0
  • 778

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً