فقهاء الشريعة في مواجهة الاستبداد - المتغلب خارجي فاسق

منذ 2016-01-01

روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ» (رواه مسلم)  وفي رواية «من خرج بسيفه على أمتي...».

وهذا طبيعة المتغلب وخاصته، إذ لابد لخروجه وتغلبه من سيف، بل إنهم  يصفونه بقولهم: ولو خرج رجل وغلب الناس بسيفه. ويقولون : من علا عليهم بالسيف؛ وهكذا.

فالمتغلب كما أنه مبتدع لمخالفة سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين فهو أيضا خارجي. يقاتل الأمة ويضرب بسيفه ولا يتحاشى أو يتحرج من أحد، ولا يكترث بما يفعله من سفك للدماء. في سبيل تثبيت ملكه وسلطانه، ويبطش بمن يعترضه غير معتبر لقدره أو ديانته، فهو يبطش بالجميع البر والفاجر.

فإن كان تغلبه على إمام حق؛ ضم مع خروجه عدم الوفاء بالعهد كما أخبر ﷺ: «لا يفي لذي عهد بعهده». فينزع يدا من طاعة، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر مرفوعا قال: "من خلع يدا من طاعة، لقي الله تعالى يوم القيامة لا حجة له".

فيجمع  المتغلب غدرا وخيانة، قال ابن عمر: "لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال"، فالمتغلب على الإمام الحق، قد ناصبه القتال بعد الرضا به.

قال ابن المنذر: "إذا صحت الخلافة للإمام، وبايعه الجميع، فخرج عليه رجل ممن بايعه طائعاً غير مكره، ليقاتله، فعلى الناس معونة إمامهم وقتل من خرج عليه، للأخبار التي ثبتت عن رسول الله ﷺ" الإشراف على مذاهب العلماء (8/237).

فإن لم يكن قد رضا به ولم يبايعه، فقد نازع مجموع الأمة في حقها في اختيار من ترضاه.
والتغلب على الإمام الحق صاحب البيعة (المختار اختيار حر من الأمة) يقتضي الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة، وهي الصفة التي جاءت في صدر حديث أبي هريرة المذكور آنفا؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية» (رواه مسلم).

ومناصرة المتغلبين قتال (تحت راية عمية) بكسر العين، فأنصار المتغلب كالأعمى لا يستبين من أمره شيء، وتخفى عنهم الحقائق والدوافع، وإنما تقودهم الكراهية، أو العصبية لفئتهم أو المصالح الضيقة، كما في الحديث: «وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ ، يَغْضَبُ لِعَصَبَتِهِ ، وَيُقَاتِلُ لِعَصَبَتِهِ ، وَيَنْصُرُ عَصَبَتَهُ».

فقوله ﷺ : «من فارق الجماعة، وخرج من الطاعة، فمات فميتته جاهلية، ومن خرج على أمتي بسيفه، يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى مؤمنا لإيمانه، ولا يفي لذي عهد بعهده، فليس من أمتي، ومن قتل تحت راية عمية، يغضب للعصبية، أو يقاتل للعصبية، أو يدعو إلى العصبية، فقتلة جاهلية» ينطبق على المتغلب وأتباعه.

فالمتغلب مقطوع بفسقه، إذ لا يخالف أحد في أنه حال خروجه وقبل تمكنه أنه من أهل البغي الخوارج. والأمة مجمعة على عدم جواز عقد البيعة له ابتداءً.

قال ابن حجر الهيتمي : المتغلب فاسق معاقب لا يستحق أن يبشر ولا يؤمر بالإحسان فيما تغلب عليه بل إنما يستحق الزجر والمقت والإعلام بقبيح أفعاله وفساد أحواله. الصواعق المحرقة (2/627).
وقال الجويني في غياث الأمم  : لا يجوز عقد الإمامة لفاسق.

وقال القاضي عياض: لا تنعقد الإمامة لفاسق ابتداء. قال القرطبي في التفسير : (لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق) .

وكل هذا يقتضى سقوط ولايته شرعا، وإن قامت واقعا كولاية القياصرة والأكاسرة، أو كولاية بول بريمر على العراق بعد احتلاله أمريكا له، أو كولاية بشار على سوريا، وكسائر ولايات الاحتلال والسلطات القائمة،إذ لا يمكن لأحد أن يجحد وجودها ونفاذ أمرها في الواقع، وإن كانت ولايات غير صحيحة شرعا. بل أمر الشرع بإزالتها ما كان لذلك سبيل.

وما يذكر في هذا الباب من نصوص للسمع والطاعة للإمام، تخص الإمام الذي أتى عبر الطريق الذي سمحت به الشريعة، ولا يوجد نص في الكتاب أو السنة  يصحح أو يعتبر ولاية المتغلب. قال ابن الوزير اليماني: (الشرع ورد بأن الولاية للإمام العادل... وأما المتغلب من الابتداء، فيحتاج من يقول بولايته إلى دليل على ذلك) العواصم والقواصم (8/ 181).

وذكر ابن العربي في أحكام القرآن أن إمام العدل من يقدمه أهل الحق لأنفسهم، وقال الإمام مالك: من بويع لهم على الخوف لا بيعة لهم تلزم.

وتقدم كلام ابن المنذر أن صحة الإمامة تأتي من بيعة الجميع دون إكراه، وبنحوه قال ابن حزم في الفصل.
هذا؛ وقد بينا في مقال سابق شذوذ لفظة: (وإن تأمر عليكم عبد حبشي)، وأن لفظ : (أمر) و (استعمل) أتى بالبناء للمجهول، والمراد به استخدام الإمام الحق له.

وولاية المتغلب من نكث الصفقة الذي حذرت منه الشريعة كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وغيره، ثلاث لا تكفرهم الصلاة والصيام منها: (نكث الصفقة، وترك السنة) قال: قلنا: يا رسول الله، ما نكث الصفقة، وترك السنة؟ قال: (أما نكث الصفقة: فأن تعطي رجلا بيعتك، ثم تقاتله بسيفك، وأما ترك السنة: فالخروج من الجماعة).

فمن التناقض تحريم الخروج بالسيف والقتال للوصول للسلطة، ووصف الخارج بالباغي وذمه، ثم تصحيح ولايته شرعا، ومنع الخروج عليه بعد تمكنه وهو الذي كان مهدور الدم قبل هذا التمكن، وكأن مدار التصحيح والحل والحرمة دائر على القوة والغلبة لا على الدليل الشرعي. وهذا مفضي للتشجيع على الخروج والاستهانة بالدماء، إذ كل ما عليك هو أن تحكم عددتك وتستوثق من رجالك وعددك، وإنما يفوز بالسلطان كل مغامر.

وهو الأمر الذي لم يمر على فقهاء الشريعة، بل تنبهوا له ومنعوا منه. يقول زكريا الأنصاري: (وإن خلع الإمام بأن خلعه غيره، وليس بجائز بغير سبب لم ينخلع؛ إذ لو انخلع لم يؤمن تكرر التولية والانخلاع وفي ذلك سقوط الهيبة) أسنى المطالب في شرح روض الطالب (4/ 110)

والأعجب من هذا أن يصير أنصار الإمام الحق بغاة خوارج مهدوري الدم؛ بعد أن كانوا أصحاب الحق. وكأن الشريعة تؤصل لحياة الغاب، وسيادة الأقوى على الضعيف.

وهذا محال أن تقول به الشريعة أو يصدر عن فقهائها، ومن ظن ذلك وأكثر من النقل في هذا الصدد فإنما أساء الفهم، فنسب للشريعة ما ليس فيها وتقول على علمائها، وهذه خصيصة المبتدع أيضا.

فعلماء الشريعة ينظرون إليهم من باب الأمر الواقع المضطرين للتعامل معه، لا من باب صحة ولايتهم شرعا، وترتيب الحقوق لهم وفق ما جاءت به الشريعة للولاة الشرعيين.

فهناك فارق بين صحة الولاية وشرعية السلطة، وبين سلطة الأمر الواقع الناتجة عن الغصب. فما يذكر عن الفقهاء من الصلاة خلفهم، الجهاد معهم، وإمضاء أحكامهم، كله يجري من باب الواقع لا الصحة أو الجواز والحل. فالإمام المتغلب عندهم ليس بإمام حق، ولكنه إمام أو حاكم بالاعتبار اللغوي. وكل من طالع كتبهم الكبار بحسن معرفة وذكاء وإنصاف، عرف ذلك.

إذ كل ما ينقل عن أهل السنة في جواز ولايتهم يقرر أنها من باب الضرورة، وغير خاف على من له أدنى تمييز أن من أحل شيئا للضرورة، دل اشتراطه الضرورة في جوازه على أنه حرام عنده، ألا ترى أن الجميع يجيزون أكل الميتة عند الضرورة، بل كلمة الكفر، وليس في ذلك ما يسوغ نسبة جواز الكفر وأكل الحرام إلى جميع أهل الإسلام، ... فالفقهاء جروا على القياس في القول بإمامته عند الضرورة، وفي ذلك أعظم دلالة على تحريم إمامته عندهم. انظر العواصم والقواصم لابن الوزير اليماني (8/ 163).

وثم أمر آخر؛ إذ ففرقوا بين التغلب في حالة فقد الإمام، فراغ السلطة، مع عدم وجود الهيئات المؤسسية بالدولة (ما يقال عليه: الفراغ الدستوري)، وانتشار الفوضى والتحزب؛ فتصدى من له أهلية أو كان دون ذلك للأمر فقام به .
وبين التغلب على صاحب البيعة المختار برضا الأمة (المنتخب من الأمة)، فقالوا بجواز الحالة الأولى للضرورة، ولم يختلفوا في كون المتغلب في الحالة الثانية باغ فاسق يجب أن يقاتل ويمنع ولا يولى ولا تصح إمامته. وأما المتغلب على متغلب مثله ممن أخذ الأمر عنوة، فنظروا إليهم بمثابة اللصوص ينزوا بعضهم على بعض، لم يروا القتال مع أحد منهم.

يقول الشيخ رشيد رضا: (ما أفسد على هذه الأمة أمرها، وأضاع عليها ملكها إلا جعل طاعة هؤلاء الجبارين الباغين واجبة شرعا على الإطلاق، وجعل التغلب أمرا شرعيا كمبايعة أهل الاختيار من أولي الأمر).

  • 12
  • 1
  • 6,793
المقال السابق
ولاية المتغلب شريعة الفرس والروم
المقال التالي
موقف أهل السنة من الحاكم المتغلب

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً